وقفة مع شعوب منكوبة في خمس "دول" عربية - الرومي

اخر الأخبار

الاثنين، 17 فبراير 2020

وقفة مع شعوب منكوبة في خمس "دول" عربية

عبدالوهاب بدرخان

لم يتصرّف الحوثيون في اليمن إلا كمرتزقة محليين في أرضهم وضد مواطنيهم، يدعمهم "خبراء" إيرانيون أو ممّا يسمّى "محور الممانعة".
ولم يعد "أمراء الحرب" في ليبيا يدافعون سوى عما يحصّلونه من أرض ومواقع، فيما يتغلغل في صفوفهم مرتزقة تركيا السوريين في الغرب ومن الجنجويد الجدد السودانيين في الشرق.
وينبغي التدقيق في مصطلح "قوات النظام السوري" التي يقال أنها تتقدّم وتستعيد السيطرة في إدلب، فيما تشهد الفيديوات على وجود العسكريين الروس والمقاتلين التابعين لإيران، أما مشاركة النظام فأمكن التعرّف إليها من ظهور المرتزقة المحليين من شبّيحة ومعفّشين فضلاً عن نبّاشي القبور.
وفي العراق يعزّز أتباع إيران جهود إخماد الانتفاضة الشعبية عبر "الطابور الخامس"/ مقتدى الصدر، تحضيراً للبيئة القتالية المناسبة لإرغام القوات الأميركية على المغادرة، وإذا نجحت في ذلك فمن المرجّح أن تطلق مسار تقسيم البلد، فحين يتعذّر تعايش شيعة مع شيعة سيستحيل أي تعايش بين سائر المكوّنات.
أما في لبنان فإن المستور الذي لم ينكشف بعد فهو أن الأزمة هي في الأساس سياسية بسبب هيمنة "حزب الله"، أما الجانب الاقتصادي - المالي منها فهو الاسم المرادف لـ "الحزب"، إذ جعل البلد تحت عقوبات فعلية إسوة بسورية وإيران.
هذه البلدان الخمسة، المنكوبة المأزومة، تلعب القوى الدولية والإقليمية فيها أدواراً ظاهرة أو خفيّة، بهدف تقرير مصيرها. ليس بينها "دولة" واحدة لا تزال دولة قادرة على اتخاذ قرارها أو إدّعاء الدفاع عن استقلاليته أو إشعار أي مرجعية دولية بأن سيادتها تُنتهك. وحتى لو فعلت فإن المجتمع الدولي بات متيقّناً بأن الانتهاك بدأته قوى السلطة داخلياً، متجرّدة من "شرعية" لم تمتلكها يوماً، قبل أن تتسلّمه قوى خارجية وتستغلّه بأساليب ولأغراض شتّى.
نسي الحوثيون تماماً أنهم يمنيون. الحقيقة الوحيدة التي يعترفون بها هي ما وفّرته لهم السلطة، والواقع الوحيد الذي يلمسونه هو السلاح الذي نهبوه أو لا يزالون يتلقفونه عبر مسالك التهريب. يريحهم أن القوى الدولية لم تتفق بعد على حسم النزاع، وأن إيران لم يُعرض عليها بعد الثمن المقابل للتخلّي عنهم أو لنصحهم بالذهاب الى "تسوية سياسية". لذلك فإن إدامة الحرب من دون حسم لهم، أو للحكومة الشرعية، هي الحال الفضلى لديهم، ففي كل سيناريوات الحل التفاوضي سيكون الهدف بناء دولة، ولن تعود إيران حاضرة لتلقنهم وتخطّط لهم، وكل ما استطاعوه بدعمها كان تدمير الدولة أو ما كان موجوداً من هياكلها. على رغم أن خصومهم "الشرعيين"، سياسيين وعسكريين، لا يبلون البلاء الحسن إلا أنهم - على الأقلّ - لا يزالون يعملون من أجل استعادة البلد المخطوف من انقلابيين أثبتوا أنهم مؤهّلين فقط للتفريط بوطنهم. غير أن ترك الصراع معتملاً يعني أن انهاءه لاحقاً ستفرضه قوى خارجية وسيكون بالضرورة على حساب اليمن.
كثير من ذلك ينسحب على ليبيا، مع فارق أن "عبقريتها" توصّلت الى اجتراح حرب أهلية مموّلة ذاتياً، أما الدول المتدخّلة فتواصل "مزحة" حظر السلاح (بحسب ستيفاني وليامز، نائبة المبعوث الأممي الى ليبيا) إذ كثّقت أخيراً توفير أسلحة وآليات ومرتزقة الى الطرفين لتحجز لنفسها نفوذاً ومصالح مستقبلية. عدا تركيا وروسيا، اختارت الدول الأخرى أن تبقى وراء الستار، لكن الكلّ يعرف الكلّ، وحتى الدول التي صمتت أو تظاهرت بالحياد تميل بصمتها وحيادها الى طرفٍ ليبيٍ ما. كان مؤتمر برلين عملياً لقاء بين المتدخّلين في غياب الليبيين، ولذلك لم يموّهوا خلافاتهم التي ظهرت لاحقاً سواء في مجلس الأمن أو حتى... في إدلب. قد يتطلّب الأمر "برلين 2، 3، 4..." لكي يجلس المتدخّلون ويتصارحوا ويتوافقوا على الغنائم، لكن قائد الأوركسترا (الأميركي) موزّع الحصص ليس جاهزاً ولم يقرّر بعد مَن – عدا روسيا - يجب أن يخرج خاسراً من ليبيا، وها هو في الانتظار يشجّع تارةً الأتراك وحكومة "الوفاق" وتارةً أخرى يثني على خليفة حفتر وداعميه.
عودة الى الملاعب الإيرانية. ففي العراق حيث كان التقاسم الوظيفي، الأميركي - الإيراني، قُدّم سابقاً باعتباره من مقوّمات الاستقرار، لم يعد قائماً ولا ممكناً تنقيحه ولا تجديده. مرحلة ما بعد قاسم سليماني لها عنوان واحد: طرد الاميركيين، والمكان الوحيد المؤهّل لهذا الهدف هو العراق. كان محمد جواد ظريف قال للصحافيين غداة الثأر الصاروخي أن الردّ على اغتيال سليماني "انتهى"، لكنه صحّح من منبر مؤتمر ميونيخ للأمن أن الانتقام "لم ينتهِ بعد". لذا تُشهر إيران "قرار" البرلمان العراقي "اخراج القوات الأجنبية"، متجاهلة رفض السنّة والأكراد. لن ينسحب الاميركيون إلا بقرارهم، ولن تتمكّن ميليشيات "الحشد الشعبي" من حملهم على المغادرة إلا إذا خاضت حرباً مفتوحة ضدّهم، لكنها ستكون مكلفة لها ولإيران. في "أسوأ" التقديرات سيشعل ذلك حروباً أهلية متداخلة، وفي "أحسنها" سيبرّر "شرعنة" أقاليم مفتّتة للعراق وسيقال إن هذا هو الممكن لإشاعة شيء من الاستقرار.
ثمة مؤشّرات الى تفتيت سورية ولم يغب شبحه عن مصيرها المفترض. سعى نظام بشار الأسد ومعه الإيرانيون الى أن لا يكون لها مستقبل إلا معه ومعهم، خصوصاً أنهم بنوا نفوذهم باختراق النظام نفسه. وبعدما تظاهر القائد الروسي بأنه هو مَن يوزّع الحصص إذا به يعود الى هدفه الأساسي. إنه يريد كلّ سورية، فكلفة احتلاله باتت عبئاً عليه ولا يكفيه اقتطاع حكومة النظام ثلث ميزانيتها الشهرية لتمويله، لذلك يحاول بحربه على إدلب ابتزاز الأوروبيين والأتراك مستعيداً مدناً أخلاها سكانها مفضّلين قساوة النزوح والصقيع على الذلّ مع نظام الأسد. عادت روسيا الى الاعتماد على مقاتلي إيران لأنها اختارت الحسم العسكري لحسم الحلّ السياسي، فإذا احتلت كلّ إدلب أو معظمها ستنعطف الى "درع الفرات" لئلا تبقى منطقة واحدة تحت سيطرة المعارضة، أما مناطق شرقي الفرات فصار جزء منها تحت سيطرتها مع النظام أو تحت هيمنة الأكراد، ويمكن اتاحتها للايرانيين لمشاغلة الاميركيين وابتزازهم أيضاً. لكن كل هذه المناورة تزيد رصيد الروس من الجرائم ولا تحقق لهم ما يبتغونه. الأزمة لم تنتهِ بعد، كما يدّعون، بل دخلت مرحلة جديدة مع عودة مصالح اميركا وتركيا الى التقاطع.
أما لبنان الذي استفاق من سباته ليجد نفسه في أزمة يحصد معها نتائج تخبّطه في أجندات دمشق وطهران و"حزب الله"، فسيكون طريقه صعباً وطويلاً ليعثر على بداية الخروج منها. صحيح أنه لم يشهد حرباً بالتزامن مع تلك السورية لكن مأزقه الحالي يفوق تداعيات أي حرب، إذ أن نظامه السياسي المستند الى اقتصاد حرّ يشهد تغيّراً لم يكن مهيّئاً له. كل المخارج المتاحة تفترض المرور بدول الخليج وأوروبا، وكلّها مرتبطة بالولايات المتحدة على نحو مباشر أو غير مباشر. لا يزال هناك اعتقاد هائم بأن هذه الدول لا تريد انهيار الدولة والاقتصاد، لكنها غير معنيّة فعلياً بإنقاذهما وتركهما تحت رحمة "حزب الله". ولا مساعدات بلا مقابل سياسي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق