إدلب: روسيا وتركيا تتحاربان لمخاطبة اميركا وأوروبا

فبراير 29, 2020 اضف تعليق


عبدالوهاب بدرخان

ليلة الخميس 27 شباط (فبراير) قتل الطيران الروسي ثلاثة وثلاثين عسكرياً تركياً، وردّ الجانب التركي بساعات من القصف الصاروخي والمدفعي على عشرات المواقع التابعة للنظام السوري وحليفه الايراني، وهما لا يعلنان عادةً عن خسائرهما البشرية، ولا بدّ من رصد مواقع التواصل الاجتماعي للتعرّف الى بعضٍ منها.

قيل إن الطيران الحربي للنظام "المدعوم من روسيا" نفذ الهجمات ضد الأتراك، لكن صار أصحّ القول الطيران الروسي "مدعوماً من النظام". الصيغة الأولى السائدة تستند الى "شرعية" النظام وحقّه السيادي في التصدّي لـ "قوات الغزو التركية"، أما الصيغة الثانية غير المستخدمة على رغم أنها حقيقية فتضفي "الشرعية الأسدية" على "الاحتلال الروسي" وترخّص له بضرب أعدائها من سوريين وأتراك. لماذا الصيغة الثانية حقيقية؟ لأن طبيعة الصراع تخلّت عن غموضها وأصبحت روسية - تركية، وفي تصوّر آخر يمكن القول إن الصراع روسي - أميركي. لذلك صار الحديث عن "الشرعية" لهذا الجانب أو ذاك بلا أي معنى.

وفي إطار الصراع الروسي - التركي (الأميركي - الأطلسي) يُطرح التساؤل عمّن سينتصر، بل عمّن يجب أن ينتصر؟ الأرجح أن مبدأ "لا يصحّ إلا الصحيح" لم يعد صالحاً، لا لمن يناصر الشعب السوري وقضيّته ولا لمن يصطفّ مع النظام وجرائمه. ما سـ "يصحّ" هو ما ستستقرّ عليه القوى المتنافسة سواء تلك التي نسيت "المعارضة" وباتت تختبئ وراء الأوضاع الإنسانية و"مأساة المدنيين"، أو تلك كروسيا التي لا تزال تشتغل، مع حليفيها الأسدي والإيراني، تحت عنوان بروباغندي هو "محاربة الإرهابيين". فالمسألة الإنسانية للفريق الأول تنحصر حالياً في تمكين تركيا من منع نحو مليون أو مليوني لاجئ من تجاوز الحدود في اتجاه أوروبا، فضلاً عن استخدام خطر اللجوء هذا للضغط لتحسيس فلاديمير بوتين بمسؤوليّته الدولية التي لا يعيرها أي اهتمام. أما مسألة "الإرهابيين" فكانت ترجمتها الدائمة، روسياً وأسدياً وإيرانياً، "محاربة" مقاتلي المعارضة السورية وتصفيتها عسكرياً وبالتالي سياسياً.

لذلك لا تنفكّ مسارات النصر والانتصار ومفاهيمهما تتعرّج وتُفرّغ من مضمونها. ومع أن الحرب بدأت قذرة منذ طلقتها الأولى ضد المتظاهرين السلميين، واستمرّت على هذه الحال، إلا أنها بلغت الآن ذروة قذارتها، فمن جهة يتجلّى فيها منطق الإبادة للمدنيين ومن جهة أخرى تكثر فيها التكاذبات الدولية وتتداخل غير مكترثة بالمآسي الإنسانية. مَن مع مَن في هذه الحرب القذرة؟ وقفت روسيا مع النظام وشاركته جرائمه بل زادت عليها فتعذّر الاصطفاف معها لكنها اعتبرت وعوملت كقوة أمر واقع. لم يكن ممكناً الوقوف مع ايران ولا قبول ادّعائها (مع روسيا والنظام) بأنها تحارب الإرهاب. كان هناك رهان على الولايات المتحدة والدول الأوروبية لمساعدة الشعب السوري لكنه سقط. وكان شائعاً في مراحل سابقة امكان الاعتماد على تركيا غير أن انجذابها الى مسار استانا وظهور اجنداتها "العثمانية" ألقيا بظلالهما على دورها. تُضاف الى ذلك مراهنات على دور للأكراد الطامحين الى نمط من الانفصال في نهاية المطاف، أو بالأخصّ على دور لإسرائيل في تقليص النفوذ الإيراني وهي لا تؤدّي أي خدمات لقوى دولية أو إقليمية بل سعت وتسعى الى مكاسب تتيح لها ابتلاع الجولان وفلسطين.
يجدر النظر هنا الى تقلّبات المواقف العربية ولا سيما الخليجية والمصرية، فهي تتبادل الإشارات مع بشار الأسد الى أنها تسانده لكنه أشهر عملياً عجزه التام عن مقابلة دعمها الموعود بأي مكاسب سياسية أو حتى معنوية، فالقرار ليس عنده بل عند الروس، وفي جوانب منه عند الإيرانيين. وجدت تلك المواقف تشجيعاً من موسكو، التي تعتبر الآن أن عودة أنقرة الى اصطفافها الأميركي يمكن أن تعوَّض أو تُستثمر في العداء الخليجي - المصري المحتدم مع تركيا، سواء على خلفية ادارتها للإسلام السياسي ورعايتها لجماعة "الاخوان المسلمين" أو بسبب سعيها الى توسيع نفوذها في سورية استناداً الى فصائل عسكرية مكتملة "الأخونة". غير أن الدول العربية الراغبة في التطبيع مع الأسد اصطدمت بتشدّد أميركي في ضرورة مواصلة التضييق على النظام السوري اقتصادياً وسياسياً، مع مضاعفة العقوبات عليه بموجب "قانون قيصر" وكجزء مكمّل للمواجهة مع إيران وكذلك للضغط على روسيا.

إذا لم تكن روسيا قد غرقت فعلاً في سورية فإنها بالتأكيد لا تستطيع حتى مجرد التفكير في الانسحاب كما فعلت في أفغانستان، ولعلها بلغت منذ عام ونيّف حقيقة أن بحثها عن احتلال بلا تكاليف ومسؤوليات، أو عن إعادة إعمار تموّلها دول الخليج واوروبا والصين، لم يعد مجدياً ولا واقعياً. في المقابل، إذا لم تكن تركيا متجهة الى خسارة ما حصّلته من نفوذ في شمال سورية فإنها معرّضة لهزيمة في إدلب، ولعلها تأكدت مجدداً أن كونها أطلسية لا يعني أن "الناتو" سيدخل مواجهة مع روسيا لدعم طموحاتها في سورية.

الواقع أن فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان متفقان، موضوعياً، فالأول يقتل المعارضين السوريين العسكريين وبالأخص المدنيين ليضغط على أوروبا كي تدعم احتلاله وعلى واشنطن كي تخفّف من تشدّدها، والثاني يقاتل بالسوريين ايضاً ويهدّد بدفع موجات اللاجئين نحو اوروبا ملحّاً على "دعم ملموس" من أميركا ودول "الناتو". فكيف يُتوقّع من "القيصر" أن يوقف حربه في إدلب طالما أنه لم يتعرّف الى الثمن المقابل. وكيف يمكنه أن يمنح نفوذاً لـ "السلطان" في إدلب ما دام الأخير خيّب آماله بانتزاعه من "الناتو"؟ صحيح أن بوتين كان لوّح، على سبيل التفاوض مع الغرب، بأن لا يغيّر الوضع في إدلب في انتظار "الحل السياسي"، إلا أن الظروف تغيّرت، كذلك طبيعة الصراع (وفقاً لتوصيف أنطونيو غوتيريش).

​عندما فضَّلت أوروبا مسألة النازيّة

فبراير 29, 2020 اضف تعليق
 محمود حدّاد* 

هناك زوايا عديدة لكِتابة التاريخ، فهناك الزاوية السياسيّة والزاوية الاجتماعيّة، وكذلك الاقتصاديّة والديموغرافيّة، وغيرها كثير، إلّا أنّه يُمكن تقسيم هذه الزوايا أو الاختصاصات إلى أجزاء أصغر أيضاً. فإذا أخذنا التاريخ السياسيّ مثلاً لقلنا إنّ هناك تاريخَ الأحداث الفعليّة والتاريخ الرسميّ الذي يكتبه مؤرِّخو الحاكِم، والتاريخ الذي تكتبه أو تحتفظ به المُعارَضة وينتقل شفهيّاً إلى أن يُسمح بكِتابته هو أيضاً. وهناك التاريخ الدعائيّ الذي يخفي أموراً ويُظهِر أخرى بحسب أيديولوجيا الفئة الحاكِمة في مكان و/ أو زمان معيّن.

في السنوات الماضية ظهرت كُتبٌ ومقالاتٌ أكاديميّة عدّة مزعومة لباحثين غربيّين تتحدّث عن العلاقة بين الاتّجاه القوميّ العربيّ من جهة والنازيّة الألمانيّة والفاشيّة الإيطاليّة من جهة ثانية خلال الحرب العالَميّة الثانية والتقارُب الأيديولوجي بين هذه الأطراف. وكان أكثر الباحثين المُفترَضين نشاطاً في هذا المجال بيتر واين Peter Wien الذي نَشر العديد من الكُتب والمقالات في هذا الشأن. وقد اعتبر أنّ التقارُب الفكريّ بين القوميّة العربيّة والقوميّة الاجتماعيّة الممثَّلة بالنازيّة كانت في أساس بعض الخطوات السياسيّة العربيّة التي اتُّخذت للتقرّب من برلين ودرس إمكانيّة التحالُف ضدّ الاحتلال البريطاني للعراق وفلسطين والحركة الصهيونيّة في فلسطين والاحتلال الفرنسي لسورية ولبنان. أمّا الحقيقة فكانت عكس ذلك تماماً لأنّ الحركة القوميّة العربيّة كانت منذ نشأتها أثتاء الحرب العالَميّة الأولى تُحاول العثور على حليفٍ دوليّ يساعدها على تحقيق الاستقلال. لذلك، تحالفت الحركة العربيّة مع بريطانيا في البداية ظنّاً منها أنّ لندن ستفي بالوعود التي قطعتها على نفسها في مُراسلات حسين- مكماهون في بداية الحرب. وعندما حَنِثت بريطانيا بوعودها، انتقلت الحركة العربيّة إلى مُحاولة التحالُف مع الولايات المتّحدة حيث لم يكُن لهذه الأخيرة مَصالح واضحة في المشرق العربي وقتها. وقد عبَّرت عن هذا المَوقف عندما زارت لجنة كينغ-كراين الأميركيّة مُدناً عدّة في المنطقة لرفْع تقريرٍ لمؤتمر الصلح في باريس عن رغائب السكّان المحليّين. وكان هذا مُتوافِقاً مع مَوقف الوطنيّة المصريّة في ثورة العام 1919 بقيادة سعد زغلول.

وعندما تمّ فرْض الانتدابَين البريطاني والفرنسي على المشرق، خَفَت نشاط الحركة العربيّة الشاملة وتحرّكت الوطنيّات الأصغر في هبّاتٍ وثوراتٍ مسلَّحة وغير مسلَّحة في العشرينيّات: في العراق (1920) وسورية (1925) وفلسطين (1929). وعندما تغيّرت خريطة القوى الأوروبيّة وعادت ألمانيا المهزومة في الحرب الأولى إلى تأكيد ذاتها في الثلاثينيّات تحت قيادةٍ نازيّة، فكَّرت الحركة العربيّة بمُحاولة التحالُف مع القوّة الأوروبيّة الصاعدة التي تُنافِس القوى التي تُصليها استعماراً واستبداداً وتحول دون تحقُّق أمانيها - أو هكذا خُيِّل للشباب الوطني المملوء براءةً سياسيّة. كانت المسألة بهذا الحجم لا أكثر ولا أقلّ: تجريبيّة سياسيّة خالية من الأيديولوجيا إلّا في ما يتعلّق بالمبادىء القوميّة العربيّة العامّة.

لماذا نقول هذا هنا والآن؟ لسبب بسيط هو أنّ للغرب ولبريطانيا بالذّات في الفترة التي عنها نتحدّث قصّةً مُماثِلة للّتي نُتَّهم بها. فمِن الأمور التي أخفاها التاريخ الأوروبي المُعاصر كان علاقة "الديمقراطيّة" البريطانيّة بالنازيّة في المرحلة التي سبقت الحرب العالَميّة الثانية. فالأضواء كانت تُسلَّط على فترة الحرب ومَثالب النازيّة وعُنفها وديكتاتوريّتها من دون دراسة علاقاتها السابقة ببريطانيا أو بالدول الأوروبيّة الأخرى. إلّا أنّ مرور الزمن يسمح بكشف المستور إذ لم يعُد له تأثير على مُجريات الأحداث، وبالتالي فإنّ أحداً لا يستطيع إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء ولا يُمكن الاقتصاص من السياسيّين الذين أخطأوا الحساب، فقد أصبحوا تحت التراب.

وقد صدرت في بريطانيا والولايات المتّحدة خلال السنتَين الماضيتَين كُتبٌ ودراساتٌ عدّة تميط اللّثام عمّا أُخفي من تاريخ تلك المرحلة. وربّما كانت الإشارة الأولى قد أتت من كِتاب أندرو روبرتز Andrew Roberts "تشرتشل والسَّير مع القَدَر"(Churchill Walking with Destin) ؛ حيث كشف المؤلِّف عمّا كَتبه الملك جورج الخامس في مفكّرته في 2 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1939 يَصف فيها حواراً جرى بينه وبين ونستون تشرتشل حينما كان الأخير يشغل منصب وزير البحريّة. كَتب الملك في مفكّرته: " في جوابه على سؤالي عمّا إذا لم يكُن علينا مُساعدة ألمانيا على وقف دخول البلشفيّة إلى ألمانيا، أجاب أنّ البلشفيّة والنازيّة أسوأ من بعضهما البعض وليس هناك ما يُمكن الاختيار بينهما". ويُفسِّر روبرتز هذه المعلومة بأنّ الملك كان يفضّل هتلر مُقارَنةً بستالين وهو خيار قاومه تشرشل في مُحادثته مع المَلك. إلّا أنّ المؤرِّخ البريطاني يشير إلى أنّ الملك كان شديد التأييد لاتفاقيّة ميونيخ التي وُصفت بأنّها إتّفاقيّة التنازل أمام النازيّة (والتي سنفسّرها بعد قليل) ولم يقبل بفكرة استلام تشرشل رئاسة الوزارة إلّا في العام 1940. لم يكُن المَلك، الذي كان مجرّد رمزٍ سياديّ، وحيداً في نظرته تلك حيث إنّ الطبقة العليا في بريطانيا بوجه خاصّ، اعتبرت أنّ النازيّة ليست مجرّد حاجز مُفيد ضدّ الشيوعيّة والخيار الأقلّ سوءاً فحسب، لكنّها كانت تمثّل أيضاً نَوعاً من البريق الألماني القوميّ الضروريّ في تلك المرحلة وإن كان غير مُستحَبّ لدى البعض.

كذلك صدر أخيراً كِتابان آخران يتحدّثان حول الموضوع نفسه: الأوّل، بقلم تيم بوفاريTim Bouverie بعنوان، "الاسترضاء: تشامبرلين، وهتلر" (Appeasement:Chamberlain,Hitler) و"تشرشل والطريق إلى الحرب" ( Churchill and the Road to War). أمّا الثاني فهو بقلم بي إي كاكوت P.E.Caquet بعنوان "جرس الخيانة: اتّفاقيّة ميونيخ في 1938 في تشيكوسلوفيا" (Bell of Treason: The 1938 Munich Agreement in Czecholovakia).

نستنتج من مُراجعة هذَين الكتابَين أنّ مسألة التقارُب بين لندن وألمانيا النازيّة بدأت بمُراجعة بريطانيا لسياستها بعد الحرب العالَميّة الأولى ومُعاهدة فرساي التي نتجت عنها، حيث فُرضت شروط قاسية جدّاً على ألمانيا. وفي بداية الثلاثينيّات صدرت دراساتٌ عدّة في العاصمة البريطانيّة تدعو إلى تعديل مُعاهدة فرساي وتخفيف العقوبات على برلين. أمّا صعود هتلر إلى السلطة، فقد اعتبره كثيرون في لندن أنّه جاء نتيجةً طبيعيّة للمظلوميّة السياسيّة والاقتصاديّة وربّما النفسيّة التي كان يشعر بها الألمان بعد الحرب العالَميّة الأولى. وقد أدّى ذلك إلى عقدة ذنب بريطانيّة تجاه الألمان لأنّ تخفيف الضغوط على ألمانيا لم يتمّ في وقتٍ مبكّر.

على الجانب الداخليّ، اعتمد حزب العمّال البريطاني في مؤتمره في تشرين الأوّل (أكتوبر) 1933 سياسةَ نزْع السلاح والدعوة إلى الإضراب العامّ في حال لجأت الحكومة إلى الحرب. وقد لاقت هذه السياسة دعماً شعبيّاً كبيراً، بحيث اضطرّ ستانلي بولدوين، رئيس حزب المُحافظين، إلى مُجاراتها والوعد بعدم زيادة ميزانيّة الدفاع على الرّغم من تحذير تشرشل من الزيادة الكبيرة في تسليح ألمانيا. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1935، جرت انتخاباتٌ فاز فيها حزب المُحافظين بأغلبيّة مُريحة، إلّا أنّ رئيس الوزراء اختار السير مع التيّار الشعبي الرافض للحرب تحت معظم الظروف. لذلك طبّقت لندن عقوبات غير فعّالة على إيطاليا عندما غزت الأخيرة الحبشة في 1935 و1936. وعندما أصبح نيفيل تشامبرلين، الذي خلف بولدوين في حزب المُحافظين في أيّار (مايو) 1937 رئيساً للوزراء، فإنّه تابَعَ سياسة سَلفه السلميّة إلى حدّ أنّه أبلغ هتلر أنّ حكومته لا تُمانع في إجراء تعديلات في حدود دول شرق أوروبا مثل النمسا وتشيكوسلوفاكيا ودانزينغ (مدينة ومنطقة تحيط بالمدينة كانت تتكلّم الألمانيّة وتتمتّع بحُكمٍ ذاتيّ داخل بولندا وتُعرف اليوم بغدانسك) إذا ما تمَّت مثل هذه التعديلات "من دون اللّجوء إلى القوّة". ولم يستطع المُعادون للفاشيّة، الذين كان أغلبهم ينتمي إلى حزب العمّال، القيام بخطوة حاسِمة أثناء الحرب الأهليّة الإسبانيّة في العام 1936 لأنّ حزب العمّال كان يُسيطر على 154 مقعداً في البرلمان مقابل 386 مقعداً للمُحافظين.

نجح هتلر في ضمّ النمسا إلى ألمانيا في آذار (مارس) 1938 بشكلٍ سلميّ ومؤيَّد من قِبَل النمساويّين، وبالتالي حُسمت هذه المسألة بسلام. لكنّ الخطوة التالية كانت مُطالَبة هتلر بمنطقة السوديت التي كانت منطقة جبليّة ناطقة بالألمانيّة تقع في تشيكوسلوفاكيا. وكانت سياسة بريطانيا (تدعمها في ذلك فرنسا) تعتمد في هذا الشأن على الضغط على تشيكوسلوفاكيا لا ألمانيا لحلّ هذه القضيّة من دون حرب. وعندما قام تشامبرلين بزيارة هتلر في ميونيخ، حيث أدّت المُفاوضات البريطانيّة- الألمانيّة إلى مُوافقة رئيس الوزراء البريطاني على تفاهُماتٍ سياسيّة تدعم عمليّاً ضمّ هتلر للسوديت، فإنّ هتلر اقتنصَ الفرصة وقام بضمّ تشيكوسلوفكيا بصورة بَدت غير متوقَّعة في لندن؛ ثمّ وقَّعت برلين النازيّة وموسكو السوفياتيّة مُعاهدة عدم اعتداء في 23 آب (أغسطس) 1939، حيث قضت بنودها السريّة باقتسام بولندا بين روسيا وألمانيا. عند هذه النقطة بدأت الأمور بالتحوّل وأَخذ تشرشل، الذي كان يُحذِّر منذ سنوات من سياسات ألمانيا الهتلريّة، يَكسب الأصدقاء في حزب المُحافظين وفي الرأي العامّ. وعندما بدأت آلة الحرب الألمانيّة تتحرّك نحو بولندا في الأوّل من أيلول (سبتمبر) 1939، لم يكُن من مفرّ: اعلنت لندن وباريس الحرب على برلين في الثالث من الشهر نفسه، وبدأت الحرب العالَميّة الثانية. وفي 22 حزيران (يونيو) 1941 شنَّت القوّات الألمانيّة هجوماً مُفاجئاً على روسيا السوفياتيّة، ما غيَّر خريطة التحالُفات بحيث أصبحت موسكو بعد فترة قصيرة إحدى دول الحُلفاء التي تضمّ بريطانيا والولايات المتّحدة والمُقاوَمة الفرنسيّة التي تُحارب دولَ المحور التي تضمّ ألمانيا وإيطاليا واليابان؛ ثمّ انقسمَ الحُلفاء بعد الحرب إلى مُعسكرَين: المُعسكر الشرقي بقيادة السوفيات، والمُعسكر الغربي بقيادة الولايات المتّحدة.

نخلص إلى الاستنتاج بأنّ هذه التحالُفات المتغيّرة كلّها كانت تعود إلى أسبابٍ عمليّة، سياسيّة وعسكريّة، ولم تكُن ذات طبيعة أيديولوجيّة تماماً مثلما كانت محاولةُ الحركةِ العربيّة التعاون مع ألمانيا النازيّة للتخلُّص من الاستعمار البريطاني والفرنسي والاستيطان الصهيوني. فلا العرب "القوميّون" كانوا يحفرون خنادق أيديولوجيّة بينهم وبين الآخرين ولا أوروبا "الديمقراطيّة" كانت تحفر مثل هذه الخنادق بينها وبين النازيّة أو البلشفيّة حيناً وتتحالَف مع أحدهما حيناً، بل إنّ ميزان القوى كان هو المُحدِّد لخيارات هذا الطرف أو ذاك.

*كاتب ومؤرِّخ من لبنان
عن مؤسسة الفكر العربي

محمد خضير... مساح الثقافة

فبراير 28, 2020 اضف تعليق




 لا ينطلق المثقفون العراقيون من أزمات او انتقالات وظيفية ليؤهلوا وجودَهم في وسط تاريخي كالوسط الثقافي المتقلب كريشة في هواء/ أهواء المراحل، وحساب التفاضل/ الفضول للكتل والجماعات المتفاضلة/ المتفاصلة. إنما هم/ المثقفون/ يتفاضلون/ يتفاصلون بزخم وجودٍ حقيقي انصهرت فيه اراداتُهم العميقة الجذور، مع نشوء الدولة ونخبها المناضلة في أحلك الظروف. وإزاء هذا الوجود الثقافي/ الأنطولوجي القلِق عاشت الأرحامُ الخصبة/ المنتجة لأطفال الأمل حالاتِ اجهاضٍ مستمر، لا يتحمل مسؤوليته سدنةُ الردهات الانعزالية/ المعزولة في مشفى "المراقبة والعقاب" السلطوي/ التقليدي، وحدهم؛ إنما مسؤوليته على عاتق المثقفين المملوكين لإرادة المشفى القيصري (نسبة الى قيصرية شارع المتنبي للكتب) وسواهم من متسلّليهم الى المكاتب المريحة في "قلعة" السَّراي الحكومي (أو سواها من القلاع الكافكوية المغلقة على هويتها الحجرية). وبسبب هذا الانغلاق/ التقاصر/ التفاضل الغامض، سيأتي مسّاح الأراضي الكافكوي ليطرح أسئلة الرواية التي تجدد حضورها مع أي عصر مكتبيّ يهدّد المثقفين بالمسخ والتصنّم في مدينة العصر الحجري الجديد.

  ستمرّ ذكرى الشاعر/القتيل/ البريكان مع هبوب رياح شباط الجامحة، قَدَماً بقدم مع أقرب ذكرى ثقافية يتداولها المثقفون، مخبِّئين رؤوسَهم في رمال القلعة الخشخاشية/ التنويمية: تداول وزاريّ، معرض كتاب مؤجل، صحف غير مقروءة، مجلات تنتقل بعربات توكتوكية، دور متعهدي النشر، يوميات فيسبوكية متفاخرة/ بضاعة سوق الغرور الحديثة وأسمائها المتبدلة بسرعة موجز اخبار في شريط تلفازيّ باللون الأحمر. وليس من إشارة عاجلة في هذه التبدلات التنويمية (hypnotic) الى الذكرى الثقافية القرينة، التي ترود ذهني/ النائم حول صحراءالقلعة: توقُّف مجلة (بين نهرين) الحداثية.
  أتمسّك بذكرى المجلة التي هتفَ بها "مسّاح" كافكا الجديد بوجه المكاتب القيصرية/ أمناء شبكة الإعلام/ المتبدلين على شريط نشرة أخبار القلعة. ما الخفايا الكامنة وراء احتجاب المجلة؟ مَن يمسك بطرف الشريط المتبدل كنوبة حُمّى فيروسية، سريعة العدوى؟
  سؤال أوّلي يطرحه مسّاح القلعة، المترقب هبوبَ الرياح الوزارية الجديدة، تولول كلعنة موسمية "تمسح" قسمات الوجود الثقافي "المنوَّم" في شوارع الثقافة الغُبر. ثم يرفق تقريره بسؤال رديف: ما الذي حدث مع ذكرى اختفاء الناشر مازن لطيف؟
  أي ذكرى لعينة تهتز كبندول قصيدة البريكان القلق: يميناً شمالاً.. شمالاً يميناً.. يميناً يميناً..شمالاً شمالاً شمالاً.. حتى نهاية الشريط العاجل في أخبار القيصرية العراقية!
  السؤال التالي أصعب لفظاً وترجمة بكل اللغات الثقافية/ السياسية: أما حان ان تتبدل التسمياتُ الثقافية الكبرى للسهوب الثقافية المدغِلة بالجراد وأنواع الخشخاش المنوِّم؟
  أما حان أن نطوي سجل "وزارة" الثقافة للأبد، ونفتح سجل "المجالس" المستقلة عن الصراع المؤقت بموسم هبوب الرياح الأيديولوجية؟
  المثقفون ليسوا وزاريين. إنهم مجلسيون: لديهم دوماً ما يجادلون به المرايا الصامتة، المنصوبة على جدران الهيكل المتصدع!
  يجادلون: بأن الجدال/ الاختلاف سمة العقل المفكر، والروح المنقّبة في الدهاليز المسدودة النهايات. يستيقظون والظهيرة تبلغ سمْتَها ووقتَها الموعود!
  ثمة سؤال معلق في السمت العالي: إذا كانت لمراكز التنويم الكبرى هيمنتُها المزدوجة "الرقابية/ العقابية"؛ ولقلاع الرياح الموسمية محققوها وجلادوها وسحرتُها؛ وللمكاتب الحكومية رائحتُها الفاسدة؛ أما حان للأراضي الفسيحة حول القلعة ان تبتكر صحيفةَ أسئلتها، ومرافعتَها التفكيكية، أمام غموض القلعة المتماسك/ العتيق؟
  مسّاح الثقافة يسأل من موقعه المتطرف، وليس ضرورياً أن يكون له اسم أكبر من الرمز الكافكوي (ك.) العابر للمواسم واللغات والأيديولوجيات.

مايا أنجلو... إلينا، نحن من نجرؤ أن لا نجرؤ

فبراير 27, 2020 اضف تعليق



ترجمة ريم غنايم



كوني لي فرعونًا

شيّدي من أجلي أهراماتٍ عاليةً من حجارةٍ وسؤالٍ
اعتبريني النيل
ساعة الشّفق
ونمورًا تتحرّك نحو
تيّار الهواء البارد البطيء
اسبحي فيّ نهرَ كونغو
اسمعيني في أذيال التماسيح
تخبط الموج الواصل إلى
شاطىء الأمس.
أرجحيني جَفناتٍ وراء شجرة الباوباب هذه
خاطبيني زعيمةً
أنشديني عصافيرَ
طيف لونٍ يومض عبر الأوراق الخضراء الناصعة
تذوّقيني فاكهةً 
يسيلُ عصيرها حرًا
من شجرةٍ أمّ.
أدركيني 
يا أفريقيا.

خاطرة عن الروائي إحسان عبدالقدوس

فبراير 25, 2020 اضف تعليق
برهان شاوي*

لا أعتقد أن روائيًا عربيًا ظلمه (النقد الأدبي العربي)، على الرغم من شهرته، كالروائي المصري المعروف إحسان عبدالقدوس. 
فمع أنه من أشهر الأسماء التي روّجت لها السينما المصرية لكن (النقد الأدبي الرسمي والأكاديمي) نظر إلى أعماله باستخفاف وسطحية ولم يمنحه مكانته الحقيقية في المشهد الروائي العربي إلّا من باب ذكر اسمه في الأحاديث الصحفية كواحد من الثلاثي: نجيب محفوظ، يوسف إدريس، وإحسان عبدالقدوس.
وعلى الرغم من أن السينما المصرية ساعدت بشكل هائل على انتشار اسمه وهيمنته كروائي على الشاشة البيضاء لكننا لو نظرنا بتأمل نقدي وجمالي لتلك الأفلام وقارناها مع نصوصه الروائية لوجدنا أن السينما أساءت لإحسان عبدالقدوس وأفقدت الكثير من رواياته عمقها النفسي وجرأتها الاجتماعية، لاسيما تلك الأفلام التي تم تغيير نهاياتها بسب الرقابة وعدم قبولها من قبل الجهات الرسمية، أو بسبب تأثر السينما المصرية بالقوالب الهوليودية صاحبة النهايات السعيدة..
والحقيقة أن "بعض" رواياته، وليست كلها، هي تحف فنية تصطف إلى جانب أشهر الروايات العربية لكن النقد الأدبي، بما فيه المصري، أهمله لأسباب مختلفة ربما ساهم هو في جانب منها. ربما غيرة منه، فهو الابن المدلل لروز اليوسف صاحبة واحدة من أشهر المجلات المصرية والعربية، إلى جانب أنه لم يعان من مشاكل النشر وإثبات الوجود الإعلامي، فالطريق كان أمامه معبّدًا.
معظم قصص إحسان عبد القدوس القصيرة تكاد تكون توصيفا موجودا ومكثفا لرواية لم تكتب بعد. وهذا يذكر ببدايات الفن السينمائي قبل ظهور فن " السيناريو الأدبي" حيث كان يمكن كتابة قصة الفيلم على صفحة أو صفحتين. 
إحسان عبدالقدوس يحتاج إلى قراءة نقدية جديدة وحقيقية وعميقة لأعماله الروائية وقصصه القصيرة باعتباره من المؤسسين للرواية النفسية العربية، ومن الأوائل الذين توغلوا في الإشكالات الجنسية والكبت الجنسي وعوارضه من خلال الشخصيات الروائية.. لاسيما رواياته: "الطريق المسدود"، و"أنا حرة".. و"في بيتنا رجل".. و"الخيط الرفيع".. و"حالة الدكتور حسن" و"بئر الحرمان".. وغيرها.. طبعا هذا لا يعفينا من التوقف النقدي عند روايات وقصص كثيرة له لا تتعدى كونها ريبورتاجات صحافية.
ومع الأسف أن الثقافة اليسارية العربية ساهمت في تشويه صورته أيضا. فكل أدبيات اليسار في الخمسينات والستينات والسبعينات كانت تشهّر بالشاعر نزار قباني وبالروائي إحسان عبدالقدوس باعتبارهما برجوازيين ولا يحملان هموم الطبقة العاملة.. ناسين أو متناسين بأن نزار قباني وإحسان عبدالقدوس كانا من التنويرين ومن حاملي لواء الحداثة الاجتماعية..وان تورغينف وليف تولستوي كانا يكتبان أيضا عن الطبقات البرجوازية والارستقراطية، وهما بالفعل ارستقراطيان، وأعمالهما ساهمت في الكشف عن عوالم تلك الطبقات..!
تعاليمنا اليسارية أساءت لنا في فهم الأدب احيانا. وروجت للفهم الديماغوغي عن مهمة الأدب ومهمة النقد  شوهت عملية التقبل الفني والأدبي لدى أجيال لاسيما تحت تأثير الفهم المبتذل للواقعية الاشتراكية.
شخصيا تعلمت من إحسان عبد القدوس الكثير وأحببت جرأته وشجاعته الأدبية وتوغله النفسي في أعماق شخصياته.

*روائي عراقي

لماذا ترجمة «النهايات» لعبد الرحمن منيف؟

فبراير 24, 2020 اضف تعليق

 إيريك غوتيه


ترجمة وتقديم: عبد المنعم الشنتوف
انصرمت ست عشرة سنة على رحيل الروائي العربي عبد الرحمن منيف، الذي مثلت تجربته استثناء دالا في السياق الثقافي العربي. لا يمكن اختزال التراث الذي خلفه الكاتب الراحل في نصوصه الروائية، لأن ذلك يشكل لا محالة تبخيسا لقيمته بوصفه مثقفا من العيار النادر، احتكم إلى الوعي النقدي العميق، كي يستقرئ الراهن العربي بأعطابه وإخفاقاته ويحدس بالمستقبل وكوارثه وعاهاته. ولئن كان منيف قد أفلح وباقتدار كبير في استثمار الرواية باعتبارها شكلا تعبيريا كي يعبر عن هذه الرؤية النقدية فإن ذلك لم يحل بينه وبين أن يغني المكتبة العربية بمؤلفات تعكس التزامه، بوصفه مفكرا ومثقفا وصاحب موقف سياسي واضح مما يجري في العالم العربي، ويكفي في هذا الخصوص أن نشير إلى كتبه «الديمقراطية أولا الديمقراطية دائما» و«الكاتب والمنفى وآفاق الرواية العربية» و«عمان سيرة مدينة».
يقترح إريك غوتيي في هذا النص، الذي نقدم ترجمته العربية، قراءة استكشافية للدوافع التي حفزته على ترجمة نص «النهايات» لعبد الرحمن منيف. يتعلق الأمر إذن بدراسة تسلط الضوء على سياقات تعاطي القارئ الغربي من خلال وسيط الترجمة، مع التحققات النصية لثقافتنا العربية. يعمل الكاتب أستاذا للغة والآداب العربية في جامعة السوربون الباريسية. وقد سبق له أن أقام لفترة تربو على السبع عشرة سنة في العاصمة السورية دمشق، علاوة على إشرافه على برامج تدريس اللغة العربية في المعهد الفرنسي للشرق الأوسط، في العاصمة اللبنانية بيروت.

النص

لم يتم استثمار فضاء الصحراء، الذي يمثل مكونا جوهريا في الأدب العربي القديم، وتحديدا في الشعر الجاهلي والأموي، بشكل مستوف من لدن الروائيين العرب المعاصرين. نستثني في هذا السياق الكاتب الليبي إبراهيم الكوني، والسوري عبد السلام العجيلي، وبعض الكتاب الذين ينتمون إلى بلدان وإمارات الخليج العربي، وقلة منهم من عيار عبد الرحمن منيف، من خصص جزءا لا يستهان به من مشروعه الأدبي للصحراء، وسرد التحولات والاضطرابات التي حاقت بها خصوصا بعد اكتشاف البترول.
ولد عبد الرحمن منيف عام 1933 في العاصمة الأردنية عمان، لأب سعودي وأم عراقية. وعلى الرغم من كونه واحدا من أبرز وألمع الأسماء الأدبية العربية في القرن العشرين، إلا أن القارئ الفرنسي لم يتعرف إلا على عمله الروائي الموسوم «شرق المتوسط»، الذي صدرت ترجمته الفرنسبة عن دار سندباد عام 1985.
ولئن كانت نصوصه الروائية الأولى من قبيل «الأشجار واغتيال مرزوق» و«شرق المتوسط» قد أفصحت عن التزامه السياسي من أجل الارتقاء بوضعية الذات العربية، فإن عبد الرحمن سوف يتمظهر ويتجلى، ويجدد بقوة في خماسيته الموسومة «مدن الملح». ينبغي في هذا السياق أن نأخذ بعين الاعتبار السيرة الشخصية للكاتب. كان من الواضح أن تجربته بوصفه ابنا لرجل سعودي من منطقة نجد، كان في الآن نفسه خبيرا في الاقتصاد البترولي، قد مارست تأثيرها في بلورة عوالم «مدن الملح» ونصوصه الروائية الأخرى الخاصة بموضوع الصحراء.
تعتبر «مدن الملح» الإصدار الثامن في سيرة منيف الروائية، وهي تمثل تجربة فريدة في الأدب العربي المعاصر، بأجزائها الخمسة، وعدد صفحاتها الذي يربو على 2446 صفحة، علاوة على أهمية الموضوعات التي تطرق لها. عالج المؤلف موضوع التحول الذي طال الصحراء، التي سكنتها قبائل من البدو الرحل، وفق نظام دولة مركزية في البداية. وسرعان ما تحولت إلى مملكة حديثة في ظاهر الأمر، بعد اكتشاف آبار الذهب الأسود. ويستلزم ذلك بطبيعة الحال الإشارة إلى التحولات التي طالت في آن، الاقتصاد والاجتماع والسياسة، علاوة على الذهنيات. ومثلما هو الشأن في «مدن الملح» فإن رواية «النهايات» بدورها رواية صحراء. تدور الأحداث في الطيبة البلدة الواقعة في الصحراء. وبفعل وطأة الجفاف أصبح الناس في مسيس الحاجة أكثر إلى القنص وإلى عساف الشخصية الرئيسية، الأقرب ما يكون إلى المهمش، الذي يعتبر قناصا لا يشق له غبار. كان شخصا وحيدا وغريب الأطوار، وقد صرف حياته وهو يذرع الصحراء صحبة كلبه وينام في الكهوف، ويقتات من القنص. ولأنه عارف جيد بالصحراء فإنه يمثل والحالة هذه مزاج ونفسية البدوي، الذي يتميز باحترام عميق للطبيعة، وإدراك جيد للحدود التي ينبغي عدم تجاوزها أو تخطيها. وقد ألفى نفسه على الرغم من ذلك حيال مأزق يستعصي الفكاك منه؛ إذ يمحض قريته كل الحب ويرغب في مساعدتها.
حين وصول أربعة قناصين مبتدئين إلى القرية، اضطر ضدا على إرادته إلى أن يقودهم إلى حيث يعثرون على طرائد. وهناك هبت عاصفة رملية رهيبة أحاطت بالجماعة، وحجبت كل شيء. عثر على عساف بعد ذلك ميتا قرب كلبه، الذي بذل قصارى جهده كي يرد عنه هجمات آكلة الجيف قبل أن يموت بدوره من فرط العطش.

يحضر فضاء الصحراء بقوة خصوصا في الجزء الأول من الرواية. يتعلق الأمر بفضاء يتسم بعدائيته، وحيث يستعصي تحاشي الموت، ولكنه يثير في الآن نفسه في دخيلة السارد افتتانا وانبهارا، يجدان أساسهما في قوته العظيمة.

جرى اعتبار موت عساف بمثابة تضحية فرد بحياته في سبيل إنقاذ الجماعة، ومنذ تلك اللحظة طرأ تحول مباغت في مسار الرواية على مستويي السجل السردي والإيقاع. جرى تنظيم عزاء عجيب استغرق الليل بكامله، وشارك فيه كل سكان القرية. وقد رغب الجميع في أن يدلوا بدلوهم، وأن يرووا حكاية. وكانت المحصلة أن رويت أربع عشرة حكاية، وضمنها اثنتان مقتبستان من كتاب «الحيوان» للجاحظ. سوف يتحول هذا السمر التأبيني والجنازة إلى ما يشبه تطهيرا جماعيا، سوف يؤدي بسكان القرية إلى أن يتحدوا بغاية الحصول على الموافقة بالبدء في أشغال بناء سد، كانت الحكومة قد وعدت به قبل سنوات من ذلك التاريخ.
تشكل رواية «النهايات» بفعل بنيتها الثنائية، وإدراج سلسلة من الحكايات قطيعة مع التقليد السردي، الذي استعمله الكاتب في أعماله الروائية السابقة. ثمة وفرة من السمات التي تميز هذه الرواية؛ إذ علاوة على بنيتها الثنائية التي تسبغ عليها طابعا متعدد الأصوات، ثمة تعدد في الأساليب والإيقاع والتقنيات السردية الموظفة. فإذا كان استعمال ضمير الغائب في البداية هو في الغالب محصلة سارد موضوعي وراسخ في المعرفة، فإن وجهات النظر تتعدد وتختلف. ثمة وصف يتسم بثرائه ودقته وغنائيته وإثارته الدهشة والانتباه للطبيعة والصحراء، ويتناقض مع السرد الشفاف ونبرة الحياد الرتيبة، التي تميز الصفحات الأولى من الرواية.
ثمة خاصية أخرى للعمل تحتل موقعا محوريا، وتتمثل في الفضاء. يسبغ المؤلف أهمية ضافية على الطبيعة والحيوانات وسكان القرية، التي ما تلبث أن تتحول إلى رمز لكل القرى، التي تناضل من أجل البقاء على قيد الوجود. تشكل المديـــنة البعــــيدة والحديثــــة التي تؤوي المؤسسات التابعة للدولة مصدر تهديد واســـتغلال لهذا الفضــاء، كما أن مشروع الســـد الذي ما يفتأ تأخيره يفصح بدوره عن كل ما يفصل الطيـــبة عن المدينة الكبيرة، التي يجري إدراكها بوصفها كلية عصية على الفهم. يمثل مستقبل هذا الفضاء محور وعصب الرواية، ويتراوح بين الحاضر والماضي والمستقبل والقدامة والحداثة. وهي فكرة سيواصل منيف بلورتها في مشروع «مدن الملح».
يحضر فضاء الصحراء بقوة خصوصا في الجزء الأول من الرواية. يتعلق الأمر بفضاء يتسم بعدائيته، وحيث يستعصي تحاشي الموت، ولكنه يثير في الآن نفسه في دخيلة السارد افتتانا وانبهارا، يجدان أساسهما في قوته العظيمة. تضطلع الحيوانات بدورها داخل هذه الرواية بأدوار مهمة، ويشكل عساف تمثيلا دالا على ذلك. وعلى امتداد الرواية يجري التعاطي مع الحيوان والإنسان على درجة سواء، وينظر إليهما باعتبارهما حاملين لوعي. تجد هذه العلاقة مع الطبيعة جذورها في الماضي، وهو الماضي الحاضر بقوة من خلال الحكايات الأربع عشرة التي جرت روايتها خلال سهرة التأبين، وهي الحكايات التي تجد جذورها في الأغوار السحيقة لتراثنا الشفهي وذاكرة القرية. وهي الحكايات التي يجري في سياقها الإفصاح ببداهة عن خصال ومميزات الحيوانات، والعلاقات التي تصلها بالإنسان، علاوة على القرف الناجم والمترتب عن أولئك الذين لا يحترمونهم والذين يسيئون معاملتهم.
ثمة مفارقة تتمثل في أن القنص يتم اعتباره أحيانا بوصفه فعلا إيجابيا. وعلى امتداد السرد يلفي المتلقي ذاته أمام كم من المعلومات والتفاصيل التي لها تعلق بطرائد السهوب والصحراء. ثمة فرصة سانحة أمام هذا المتلقي، كي يحيط علما بأنواع من هذه الطرائد، التي تعمر هذه المناطق، ذات الشساعة الهائلة. طيور لا تحصى ووعول وأيائل وأرانب وثعالب وذئاب. نتعلم والحالة هذه كيف نتعرف على أماكن سكناهم وطرائق عيشهم، وسبل وتقنيات الصيد داخل الصحراء، خصوصا تلك التي تمارس بسيارات الدفع الرباعي.
تحتل رواية «النهايات» مكانة خاصة في سياق المشروع الروائي لعبد الرحمن منيف؛ إذ أرسى داخلها أسس كونه الروائي، وأماط اللثام عن حدود متخيل، سوف يعثر القارئ عليه لاحقا في خماسية «مدن الملح». يشكل الفردوس المفقود وإسباغ طابع مثالي على الماضي موضوعين رئيسيين، بمعيّة موضوع التحول. تعتبر الطيبة قرية تحيا، وفق نمط عيش لم يطله التغيير منذ عقود كما أن المجتمع الذي يحكمها مجتمع قبلي تحكمه روابط التضامن والتكافل ويسير وفق قيم وأعراف قديمة يستعصي على شخص غريب أن يفهمها. ويمثل عساف والطيبة هذا الماضي. وهو عالم من القيم وجيل يوشك على الاندثار ومتخل عنه من لدن المدينة الحديثة والدولة، وتبحث عن الطريق الذي ينبغي لها أن تسلكه، وهي تحلم بوجود أفضل. تعرض الرواية من جهة للصراع الذي يخوضه مجتمع تقليدي محافظ، ضد خطر المجاعة وضياع الهوية، ومن جهة أخرى مواجهة تكون الطبيعة عصبها الرئيس، وتكشف مظاهر الاستغلال المسيء لها من لدن الإنسان. ومن خلال شخصية عساف الذي يقاتل من أجل الحفاظ على الطبيعة وأسرارها، يضفي عبد الرحمن منيف مظهرا مثاليا على نمط العيش الذي يختاره سكان الطيبة منذ قرون، ويشدد على التعارض بين الماضي والحاضر في الوقت ذاته الذي يجلي فيه الشروط الحافة بالتغيير وسياقاته الإجرائية.

٭ كاتب وأكاديمي فرنسي
القدس العربي

حكاية جوزيف سماحة

فبراير 24, 2020 اضف تعليق




ليف جوريس ||
خلال أزمة الخليج، كانت اتصالاتي الهاتفية بجوزف تجري بشكل دوري، وكانت لا تخلو من تعليقات ساخرة يطلقها بطريقته المعهودة. 10 دقائق كانت كافية لتزويدي بحصيلة قراءة عميقة لصحف الأسبوع.
كنت أحيانا اسمعه يتحدث بالعربية الى أحد المحررين لديه. كنت اتخيّله خلف مكتبه الباريسي يلتهم السجائر ويحتسي القهوة، محاطا برجال ذوي شوارب ووجوه عبوسة. كان موقف مجلته «اليوم السابع» ضد اجتياح العراق للكويت، لكنها أيضاً، كما قال لي، ضد أي تدخل أميركي. كانت تلك وجهة نظر محايدة يصعب الإصرار عليها أكثر فأكثر كلما كان العرب يزدادون انقساماً
جوزف سماحة (أرشيف).
لقد بدا لي ان هذا الموقف ينطوي على قدر من البراءة والسذاجة. سبق لـ «اليوم السابع» ان واجهت، في الماضي، مشكلات حدثني عنها جوزف بنبرة تختلط فيها المرارة بالسخرية: إذا احتلت صورة صدام حسين مكانا تحت صورة الرئيس السوري حافظ الأسد، فلم تكن المجلة تخترق حاجز الرقابة العراقية. اما اذا احتلت، عرضاً، صورة الأسد مكانا لها تحت صورة حسين، فلن يكون مبيع المجلة متاحا في سوريا.
أدركت ذلك فقط حين سمعت ان «اليوم السابع» لم تعد تُقرأ إلا في ست دول من أصل احدى وعشرين دولة عربية: المسألة جدية، هذه المرة، إذ يمكن لعنف الحرب ان يجرف معه المجلة. بعد بضعة أسابيع، ابلغني جوزف ان اياً من نسخ «اليوم السابع» لم تعبر عتبة المطبعة. «لقد علّقناها على الحائط، انها، هنا معرض من صور وقصر من مرايا. لقد بتنا وحدنا قراء مجلتنا!». كان هناك نوع من النشوة في صوته، لكنني كنت أعرفه بما يكفي لأشعر انه كان على حافة اليأس.
ـ الآن، سوف تكتب أخيراً بالفرنسية، قلت له، في محاولة لتسكين روعه.
مرّت لحظة من الصمت على الطرف الآخر من الخط. هل كان ينظر إلى الخارج من فوق السطوح الحمراء باتجاه كنيسة «القلب الأقدس»؟
ـ أبداً.
ـ لماذا إذن يا جوزف؟
ـ لننتظر ونر، قالها بضحكة يكتنفها لغز لفظة «كويت» Ku- wait (التي تعني بالإنكليزية الانتظار).
ذات يوم، لم يعد مركز عمله يجيب على أي اتصال. كان العراق قد هزم. آلاف الشاحنات العسكرية تحتضر تحت شمس الصحراء الحارقة.
لأول مرة منذ سنوات عدة، وجدت جوزف في بيته. قال لي مستسلماً إن «اليوم السابع» لم تعد تصدر. كان لا يزال ينتقل يوميا إلى مكتب التحرير، يقرأ الصحف ويتحادث مع زملائه ثم يعود إلى منزله من دون كتابة سطر واحد. كان الأمر محبِطا جراء عدم القدرة على التفاعل مع الأحداث.
كان السعوديون يشترون كل أنواع الصحف في وقت قياسي. ألم أر كيف همس الجنرال (الأميركي) شوارزكوف، خلال مؤتمر صحافي في الصحراء العراقية، إلى زميله السعودي خالد بن سلطان: «لا ارغب ف
indexي الرد على هذا
السؤال»؟ كان هذا الأخير قد أصبح صاحب «الحياة» وهي «أكبر» صحيفة يومية عربية في لندن. «هل تتخيّل شوارزكوف مالكاً لـ «النيويورك تايمز»؟
حين استعلمت عن مشاريعه، اجابني بأنه لا يعرف شيئا عنها. عند ذاك لم اعد اطرح عليه أية أسئلة. من البديهي ان يستبد به القلق الذي لم يكن بوسعي تصوره بفعل الأمان الذي يوفره لي الجانب الذي انتمي إليه.
كان الرجل الذي يحاذيني في المصعد يحمل رزمة من العلب الكرتونية الواردة من مطعم لبناني. لدى بلوغ الطابق الثامن، كان المصعد كله ينفث رائحة طعام عربي. كنا كلانا متوجهين إلى «اليوم السابع».
كان جوزف يجلس في مكتب ليس له، خلف طاولة عارية إلا من هاتف. قبل 10 سنوات، كان لا يزال يلعب «التنس». كان ممشوق القوام، خفيفاً وصلباً في ملامسته الكرة. لقد ثقلت همّته ولم أعد أستطيع تخيّله في ملعب لكرة المضرب.
في بيروت، كان يتأنق في لباسه على الدوام: سترات وقمصان «ايف سان لوران» يرتديها بخفة ورشاقة. غير انه بدا امامي هنا ببذلته الرمادية المنقطة وصدريته الصوفية كمن يذكرني بالأحرى بمستخدم في مسلسل مصري. كان جوزف في الأربعين من عمره ويكاد يكبرني بقليل، لكني كنت اعتبره دوما أكبر سنا مني إذ كان يضع بيني وبينه مسافة أبوية رقيقة.
«إنها وجبتنا الأخيرة في مكتب التحرير»، قال لي، ففي الأسبوع المقبل يقفل هذا المركز. استأذن وتبع الرجل الذي جلب له الطعام ورأيته يسحب من جيب سرواله كدسة من الأوراق النقدية، غير ان الرجل رفض قبولها.
حين عاد جوزف، كانت ترتسم على وجهه ابتسامة ما وقال: «نحن العرب، نعيش في مجتمع ما قبل الرأسمالية»، كنت اعرف انه يحب هذا الشعور لديه بأن لبنان يبقى مع ذلك حاضراً حتى ولو كان في باريس.
كانت رائحة الطعام العربي التي باغتتني في المصعد قد انتشرت في كل مكان، ومع عبق الكثير من المأكولات المعروضة كانت ذكريات لبنان تستعيد حضورها، فوجدتني مجدداً في احد مطاعم أعالي «شملان» حيث كان حراس جنبلاط، زعيم الدروز، قد أخذوا في الغناء بعدما تعتعهم السكر عند هبوط الليل. كما رأيت نفسي في مطعم، على شاطئ البحر، اخذني إليه جوزف: في ذلك الحين كان لا يزال يعتقد انه لن يغادر لبنان مطلقاً.
انتهت الوليمة بالسرعة التي بدأت بها. نهض بلال (الحسن) رئيس التحرير الفلسطيني لـ «اليوم السابع» لجلب بعض قناني الكوكا كولا من البراد، فيما غاب جوزف لتحضير القهوة. ثم تمشينا في الشارع، كان الهواء ربيعياً، لكنه كان مزعجا ولطيفاً في آن معاً.
ـ «والآن؟» قلت له.
ـ «سأكون متسكعاً»، قال جوزف. «لقد عاينت بعض الأمكنة لقضاء الليل».
فكرت بزوجته السابقة وبولدَيه، الذين كان مسؤولاً عن اعالتهم، وقد أتوا إلى باريس لقضاء فرصة قصيرة. ومذاك، مكث ولداه مع والدتهما في احدى ضواحي باريس.
مال حازم
ـ علينا جمع المال لك، قلت.
ضحك جوزف.
سبق له ان اتصل بصديقه حازم (صاغية) الذي يعمل في لندن، في «الحياة».
ـ «قل لي، يا حازم، كم تكسب هناك عند هؤلاء السعوديين؟»
ذكر له حازم الرقم.
ـ «ألا تجد أن ذلك كثير؟ يمكنك التخلي عن عشرين بالمئة منه.
أخرج جوزف مغتبطا من جيب سرواله كدسة الأوراق الإنكليزية التي أرسلها إليه حازم ولوّح بها في الهواء. كان يحتفظ دوما بالمال على هذا النحو، مباشرة في الجيب، على غرار معظم الرجال العرب الذين عرفتهم.
«لقد انقضت أيام البذخ والترف»، قلت، فيما كنا ننتظر دورنا في صف طويل امام مكتب الصيرفة في حي «الهال».
ـ أية أيام باذخة تعنين؟
ـ أيام الهيلتون على النيل.
كان ذلك في العام 1982، كنت حينها أقيم في نزل مظلم في القاهرة، فيما كان جوزف، المراسل لإحدى الصحف اللبنانية، يقيم في فندق رمسيس هيلتون، وهو عبارة عن برج رملي اللون ذي مصاعد لا تهدأ ومقابض أبواب ذهبية. كانت زيارته الأولى لمصر، وكان المشهد من أعالي شرفته يغرقه في نشوة عارمة. كانت عروبة مصر وصوت أم كلثوم يعنيان له الكثير في شبابه، على غرار ما كان يعنيه لي الانتماء إلى بوب ديلان ووود ستوك. هنا، فجأة، كانت مدينة أبطاله تمتد امام قدميه، ويعبرها نهر عريض يخط مجراه في تاريخ العالم.
ذات مساء، ذهبنا لحفلة غنائية يحييها الشيخ إمام في منزله، وهو مغنٍّ ضرير رفضي. كان دخان الحشيشة يحوم ثقيلاً في أجواء القاعات المتواضعة، والناس يغنون ويضحكون ويثملون. كان جوزف يدندن معهم، جالساً على الأرض في عفوية زاهدة، فيما قنينة الويسكي في متناول يده. كان يعرف كل الأغاني غيباً. ذلك المساء، كان يصعب سبر أغواره كما لو كان مفتوناً بسحر حنين لم أدركه إلا مؤخراً.
ـ «لكنكِ عرفتني في ظروف أقل يسراً»، قال لي جوزف بنبرة لا تخلو من اللوم.
ـ أين؟
ـ في بيروت، ألا تذكرين؟».
كان ذلك في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان. كان جميع الأصدقاء الذين هربوا تركوا له مفاتيح منازلهم، وكان جوزف يتنقل من عنوان إلى آخر، في سيارة راعدة الصوت من طراز «أم جي» أعاره إياها صديق. تعرضت احدى الشقق لتفتيش الجنود اثناء غيابه. لقد سرقوا لي «المسجلة» التي افتقدتها طويلاً. فجأة بدت لي فوضى تلك الحرب تدنو مني، كما لو ان الجنود دفعوني إلى جانبهم. حين حدثت جوزف بالأمر، أشاح بوجهه عني. لم يكن يعير أية أهمية للأمور المادية. لقد سبرت غوره، خلال تلك الأسابيع التي قضيتها في بيروت: لم يكن هناك أي قاسم مشترك بين ما يهم كل واحد منّا.
بعد تلك الغزوة للجنود، بدّل منزله وانتقل إلى شقة صديقه مارون، وهو مخرج سينمائي غاد
p03_20080225_report_pic2ر إلى اميركا مع فيلمه الأخير.
كانت جثث القتلى في مخيمَي صبرا وشاتيلا الفلسطينيين قد دفنت في مكان آمن، غير ان مقهى الإكسبرس ما زال مفتوحا، وفي المساء، كان هناك على الدوام مطعم، في بيروت المظلمة حيث يمكن تناول العشاء على ضوء الشموع. هكذا كانت الحال في كل ما عرفته مع جوزف: لم يكن الرعب بعيداً عنا مطلقاً، إنما كانت الحياة مستمرة على تخومه.
مع انقضاء السنين في باريس والقاهرة وبيروت، تآلفت مع حكاية جوزف. كانت من التعقيد لدرجة انني كنت اخجل أحياناً من بساطة حياتي الشخصية. اثناء حرب الخليج، لم يكن بوسعي مطلقاً الانحياز إلى المنتصر لأنني كنت اعلم كم من الخيارات التي يواجهها كانت مستحيلة. قال لي يوما على الهاتف: «لو لم يكن لديّ سوى رصاصة واحدة في مسدسي، وكان عليّ ان اختار بين صدام حسين والأمير جابر (الصباح)، فإني اعتقد انني افرغها في جابر، ذاك الكويتي المتغطرس الذي كان أميراً منذ الطفولة. كيف يمكنني ان اتعاطف معه أنا الشيوعي السابق؟». بعد حين، كان يطرح مسألة الخيار بين الديكتاتورية والأمير ويراها تثير الشفقة، بحيث كان يؤثر الانتحار بإطلاق الرصاصة على رأسه.
أول اللقاءات
التقيت بجوزف، لأول مرة، في العام 1982، في تلك الحقبة المضطربة بعد الثورة في إيران. كان بني صدر قد نفى ذاته للتو وانسحب للإقامة في منزل يملكه تحت حراسة مشددة، في ضواحي باريس. كانت مجموعة من الصحافيين العرب يجلسون على مرجة خضراء، تحت الشمس الساطعة، ينتظرون إجراء مقابلة مع الرئيس الإيراني السابق. لفت انتباهي جوزف من بينهم على الفور. سبق ان سنحت له فرصة التحدث إلى بنى صدر وكان يقطع الحديث المستهلك بملاحظات من نوع: «بني صدر هذا شخصية محببة، قد ازوّجه شقيقتي، لكن ما كان عليه تعاطي السياسة مطلقاً». ثم يردف ساخراً: كان هذا المثقف القادم من الصالونات الأدبية يحلم ان بوسعه قيادة ثورة، فسقط ما إن شرع الشعب في النزول إلى شوارع طهران.
في تلك الأيام، كانت الثورة تشتعل في شوارع باريس. وكانت صلاة الجمعة في حرم الجامعة قد شهدت بلبلة جراء تظاهرة للطلاب الإيرانيين. وسط هذا الصخب، تعلمت ان اعرف جوزف بشكل أفضل. كانت تقلقه الأصولية الإسلامية الصاعدة في العالم العربي، «لن ينجح العرب على هذا النحو في اللحاق بركب العالم الحديث».
كان يدهشني، إذ ما إن قال ذلك حتى سارع في العودة إلى بيروت التي كان يفترض ان تشكل جحيماً حقيقياً لرجل على هذا القدر من النزاهة والتجرد. كانت جملة متغيرات تحدث فيها بحيث كان يخشى ألا يفهم ما يجري لو تأخر في العودة إلى بلاده.
بعد سنة، حين عدت لرؤية جوزف في بيروت، بدا لي ابعد من ان ادرك مآله مما كنت أتصور. كان الحيّز الذي يتحرك داخله في بيروت الغربية مرعبا لشدة ضيقه، ووجد نفسه متورطا في معركة حزبية معقدة للغاية. اعتقدت، في لحظة ما، ان جوزف غاص في الخصومات العربية لدرجة انني خشيت من فقدانه. غير انه عاد شيئاً فشيئاً ليظهر من بين الضباب. مرد ذلك إلى القصص التي كان يرويها عن ماضيه: كنت اشاهده فتى صغيراً يمشي في شوارع بيروت غير حافل بالخطر.
صالون الفقراء
كان والده مهندساً معمارياً مشهوراً، ووالدته فتاة بسيطة من القرية تجهل كل شيء عن حياة المدينة. تلاقيا في قريته حيث كان يبني بيتا لرجل اعمال ثري. كانت في الخامسة عشرة وتصغره بعشرين سنة. شعرت عائلتها بالفخر لإقدام هذا المعماري من بيروت على طلب يدها. لم تُسأل عن رأيها.
نشأ جوزف في حي مسيحي في المدينة، في منزل فخم ذي أرضية من المرمر والأثاث القديم. كان في الخامسة عندما توفي والده جراء ذبحة قلبية في كركوك. عملت عائلة والده التي لم ترض عن ذاك الزواج، ما في وسعها، بعد وفاته، على طرد ارملته وولديه خارج المنزل العائلي.
عاشوا في الفقر وسط جيرانهم الأثرياء. عندما كانت تمطر، كانت تنتشر الأوعية في كل مكان لالتقاط الماء. ولم تكن ألواح الزجاج المحطمة تستبدل، وباتت بعض الغرف مقفلة. أصيبت والدته بالقرحة في المعدة، وبقيت طريحة الفراش متأوهة لأيام عدة. ظنت انها شارفت على الموت، وأخذت وعدا منه بالاهتمام بشقيقه. كان الصغير يبكي، لكن جوزف ازداد عزماً وشجاعة.
في التاسعة من عمره، اكتسب لأول مرة وعياً سياسياً. كان ذلك في العام 1958، حين انفجرت الحرب الأهلية بين الكتائب والناصريين. بالنسبة لجيرانه الذين كانوا يتكلمون الفرنسية، كان عبد الناصر يمثل كل ما كانوا يكرهون. كان مناهضاً للمسيحيين واشتراكياً وعروبياً. غير ان أمه كانت تضمر حباً عميقاً للرئيس المصري الذي اضحى لديها سلاحاً ضد عائلة المرحوم زوجها، فغطت بصورته شقوق البيت كلها، ورمت بماء الغسيل القذر الكتائبيين الذين اقاموا المتاريس تحت نافذتها.
قرابة الثانية عشرة من عمره، وضع جوزف لائحة سرية بالأشخاص الذين ينوي اغتيالهم: والدة رفيق له وجهت إليه الإهانة عندما سال حبر قلمه على اريكتها، الأساتذة الذين يجبرونه على التكلم بالفرنسية، الخال الثري الذي ارسلته والدته إليه ولم يستقبله، الجيران الذين يسيئون معاملة والدته.
في الثانية عشرة، بات جوزف يشعر بنفسه رجلاً صغيراً وراعياً لوالدته وشقيقه الصغير. أدرك في ما بعد ان مشاريعه الدموية غير قابلة للتحقيق، وان من الأفضل الانخراط في السياسة إذا كان ينوي تغيير أمر ما.
انتمى جوزف إلى طائفة الروم الكاثوليك، لكنه في المدرسة كان يعاشر المسلمين لأن هؤلاء كانوا يجيدون العربية ويشعرون بأنهم منبوذون مثله. كان صديقه المفضل صبياً مسلماً مصاباً بشلل في احدى يديه، وغالبا ما كان يتعرض لسخرية رفاقه، ولأجله كان يشتبك معهم. كان يستدعي، أحيانا في تلك المعارك، شقيقه الذي يعمل في نقل البضائع إلى السوق. كان ينبغي رؤيته امام بوابة المدرسة، محاطا بأعوانه، مع حبالهم وثيابهم الممزقة: كانوا، بالمقارنة مع أبناء البورجوازية في مدرسة «القلب الأقدس» اشبه بالآتين من كوكب آخر.
في ذلك الحين، تغير كل شيء. في العام 1967، خسر عبد الناصر الحرب ضد اسرائيل واعلن عن نيته الاستقالة. مشى أنصاره ومؤيدوه في شوارع بيروت وحطموا اللافتات المكتوبة بالفرنسية، وناشدوا عبد الناصر البقاء في الحكم، وفي بيت صديقه الثري حيث سال حبر قلمه، على الاريكة، أخذت تجتمع في الخفاء خلية ماوية. أمسى بيته ملتقى لطلاب يتقدون حماسة ولأشخاص من قرية والدته إلى جانب بعض المنبوذين الذين كان يأتي بهم شقيقه من الشارع. كان الجميع يدخلون ويخرجون، إذ لم يعد باب المدخل مقفلاً بالمفتاح. بعض اصدقائه عرفوا السكر في هذا البيت لأول مرة في حياتهم. كانت والدته تنشرح لوجودهم وتحضِّر أفضل المازة للسكارى، وحين كان أحدهم يقوم بشيء ما لا يروقها، لم تكن تنعته بالقذر بل بالبورجوازي. إذا جاءها بعض القرويين ليبيعوها البيض الطازج، فلم تكن تدعهم يعودون أدراجهم دون تقديم الطعام لهم. كانت تخفق البيض الذي ابتاعته في طنجرة وتقدمه إليهم.
في المدرسة، كان يكره اللغة الفرنسية، اما الآن فقد اكتشف الأدباءَ الوجوديين الفرنسيين وانتقل مع أصدقائه، دون صدام، من الناصرية إلى الشيوعية: شكّل ذلك لهم جسراً نحو الخارج حيث تعلموا التضامن مع بقية العالم.
بعد دراسة الفلسفة، اتجه جوزف للكتابة. دافع عن أصدقاء شقيقه وفقراء قرية والدته الذين رفعوه كبطل إلى القمة. عندما نظمت المقاومة الفلسطينية ذاتها، في لبنان، اعلن في الحال تضامنه معها واعتبر ابناءها ضحايا الظلم والاضطهاد في العالم العربي حيث ينبغي لكل عربي يحترم ذاته ان يقدّم التضحيات لهم.
كنت اتخيّل بأي تفاؤل وحيوية قد ارتمى في الحرب الاهلية اللبنانية. كان يرغب في الانتقام من الذل الذي لحق به في مرحلة فتوته: خاله الثري الذي غدا قائدا للجيش اللبناني، الكتائب الذين احتجزوه في قبو طيلة يومين، في اعقاب رمي والدته ماء الغسيل على رؤوسهم: كتب في «السفير» معدداً عشرة أسباب لعزل الكتائب. وفي اليوم نفسه، جرى تحذير والدته ونسف بيته.
لم يبق من التفاؤل الذي طبعه الشيء الكثير، عندما زرته في بيروت، عام 1982. كانت والدته قد عادت إلى قريتها، وكان الجيش الإسرائيلي قد اجتاح بيروت بغية تحطيم المقاومة الفلسطينية. فكان يقول: «نحن جيل المهزومين. خسرنا حرب 1948 ثم حرب 1967، والآن نحن مغلوبون مجدداً».
بعد حين، اضطر القادة الفلسطينيون والمقاتلون لمغادرة المدينة في زوارق انقاذ. «كان الأمر كما لو ان الشباب قد هجرنا»، علّق جوزف. كان الاجتياح الإسرائيلي ورحيل الفلسطينيين يعنيان سقوط اليسار في لبنان. كانت شاحنات مصفحة تعبر الشوارع. عند كل صباح، كان جوزف يحاول الاستعلام عمن خطف وأي حي تعرض للمداهمة، في ذلك اليوم، باحثا عن منطق ما في عمليات الخطف.
في غضون ذلك، كان قد اختلف مع قدامى أصدقائه الشيوعيين. كذلك وجه السوريون تهديداتهم إليه. سرعان ما اكتشف ان المفاتيح المختلفة التي كانت في جيبه لم تكن ترفا: كان يعيش كالطريد الفار. عندما نصحه اصدقاؤه بمغادرة بيروت، اتخذ وجه جوزف تعبيراً عدوانياً: «أنا؟ أبداً!».
نساء الرواية
«أتعلمين ماذا أود ان افعل؟ ان اكتب رواية»، خاطبني جوزف ونحن في طريق عودتنا، بالمترو، إلى منزله.
ـ عمّ تود ان تكتب؟
ـ «عن النساء اللواتي عرفتهن في حياتي، وأولهن أمي».
كنت اعلم جيداً انه يجيد الكتابة. كنت قرأت له نصاً عن أم كلثوم في كتاب صدر بالفرنسية في مدينة القاهرة، نصاً عاطفياً مشبوباً، شعرياً.
«ولكنني أخشى ألا أتمكن من ذلك»، أردف قائلاً.
ـ لماذا؟
ـ «لأنني لم استخدم من قبل صيغة المتكلم (أنا) في كتابتي».
حتى في النص المخصص لأم كلثوم، لم يستخدم سوى عبارة «نحن». هكذا كان جوزف يرى ذاته زعيماً لجميع المقهورين الذين كانوا يتجمعون في ما مضى ف
883alsh3erي بيت والدته.
مسكنُه الباريسي كان اشبه بنزل للمهاجرين. صفائح معدنية كثيرة على الأبواب تحمل أسماء عربية. صحن درج معتم وعند أعلى السلم المتآكل باب ألصق عليه اسمه. ثلاث غرف ضيّقة معتمة مؤثثة كيفما اتفق، غير انها عابقة بعطر ماء الكولونيا خاصته.
على طاولة خفيضة، في المطبخ، عدد كبير من قناني الشراب، على هيئة سامبريرو مكسيكي أو حذاء اسباني أو على هيئة راقصة. «هل تهوى جمعها؟» أجاب: «نعم»، ولكن من دون حماسة.
على رفوف مكتبته سِيَر لرؤساء دول عرب وروس واميركيين، وكثير من الكتب لمؤلفين إسرائيليين: عاموس عوز، يوري افنيري، أمنون كابليوك. كان معجباً بمعرفة هؤلاء بالعرب؛ وكان يقول لي دائماً إنه لو عُنيَ العرب بمعرفة الإسرائيليين كما فعل هؤلاء الكتّاب، لكانوا اليوم أكثر تقدماً.
تناولت بيدي الكتاب المتروك على الكنبة. ترجم لي جوزف عنوانه: «حرب الخليج: وثائق وحقائق». وهو عبارة عن مجموعة خطب لصدام حسين. «أكثر ما يوجع في هذا العنوان هو كلمة «حقائق»، قال لي بحسرة.
على الحائط، كانت معلقة صورة لعبد الناصر في إطار متشقق. أحياناً كان جوزيف وحازم يفرطان في الشرب حتى الثمالة عندما يكونان معاً لدرجة وجوب تدخل الشرطة. هل استهدف أحدهما صورة عبد الناصر في إحدى تلك الليالي؟ كان جوزف يلاحق نظرتي وضحك ساخراً «ليس الأمر كما تظنين». لم تكن نبرته شديدة الإقناع. كان زجاج إحدى النوافذ قد استبدل بالورق المقوّى.
بدا جوزف متردداً، «لا أملك متاعاً كثيراً هنا، لقد تركت كل شيء في بيروت».
عندما اتصل بي من باريس، عام 1984، شعرتُ بالارتياح لأنه بقي على قيد الحياة، ولكنني دُهشت أيضاً لاتخاذه القرار بمغادرة بيروت. «لِمَ قررت المغادرة مجدداً؟».
بدا متردداً: «لم أعد قادراً على تحمل التوتر السائد هناك». لقد واصل الكتابة ضد «السوريين»، يومياً. لم يستطع أن يمتنع عن ذلك. وتزايدت التهديدات الموجهة له، وكان يشعر بأنه مُطارد.
وهكذا عاد إلى باريس. التقى في باريس بلال (الحسن)، وهو صحافي فلسطيني كان عرفه في بيروت. قال له بلال إن الفلسطينيين يريدون إصدار مجلة جديدة من باريس. فهل يقبل جوزف أن يساعدهم؟ قبل جوزف على الفور وقبل أن يفكر في الأمر ملياً.
في بيروت، كان يعيش مع إحدى النساء، فاتصل بها هاتفياً ليطلب إليها إرسال بعض الأمتعة له. سألته: «وأنا، ماذا عني؟»
«لم أدرِ بم أجيبها، قال لي جوزف. لم تخطر ببالي للحظة واحدة».
ـ «أنت قاس»، قلت له.
فتح جوزف النافذة وأشعل سيكارة، وراح يجيل نظراته في ارجاء الفناء الداخلي للمبنى.
«لا أدري في الحقيقة ما الأمر. ولكن أعتقد أنني لم أكن يوماً مغرماً حقاً. لم أرتبط يوماً بامرأة. إثر كل انفصال أشعر بارتياح». وضحكَ ضحكة حادة. «ومع ذلك أشعر بوحدة قاتلة، أشعر أحياناً أني بحاجة إلى رفقة في البيت، ولو رفقة هر. ثم استدار نحوي وقال: «ربما نحتاج إلى محلل نفسي لكي نفهم مصدر هذا الشعور»!
بين باريس ولندن
رنّ جرس الهاتف، وسمعته يجيب بالعربية: نبرات حادة تتخللها بين الفينة والفينة ضحكات. ولكنه حين وضع السماعة أشار عليّ بالجلوس قبالته، وأعد قهوة النسكافه وأشعل سيكارة موقّعاً بأطراف أصابعه على الطاولة لحناً ما يتردد في رأسه، على جري عادته في لحظات انشغاله بأمور تقلقه. المجلات العربية في باريس تتعثر واحدة تلو الأخرى. كان يقول. فالصحافي الذي خابره للتو هو آخر الصحافيين الذين لا يُحصى عددهم والذين باتوا بلا عمل. وهذه نتائج حرب يقيم مهزوموها في باريس ومنتصروها في لندن. فالعرب المقيمون في باريس وافدون بمعظمهم من بلاد المغرب الفقيرة.
كانوا أكثر ميلاً لليسار من عرب الخليج الأثرياء المقيمين في لندن. كانت تلك الحرب تبدو كأنها حرب أهلية بين الأثرياء والفقراء. لقد ربح اليمين مجدداً، تماماً كما حصل في بيروت، عام 1982. لقد طارده هذا الصراع حتى باريس ودفعه من جديد إلى آخر معاقله.
ـ «يجب أن تعبروا المانش جميعكم معاً»، قلت له.
ـ «رافعين راية الاستسلام؟ لن أفعل ذلك ما حييت».
«أفضل العودة إلى لبنان»، كان جوزف يردد باستمرار. ولكن المشكلة أن أمثاله لم يعد لهم مكان في لبنان.
«ما هي شروطك للعودة إلى هناك؟
ـ أعود غداً إلى لبنان إذا كنت أستطيع أن أكتب 70 في المئة فقط مما كتبته في «اليوم السابع».
أشعل جوزف سيكارة ومجّ منها نفساً عميقاً: «ولكن هذا الاحتمال غير وارد».
الحرب الأهلية في لبنان علّمتني حقيقة أن المعارضة أسوأ من الحكّام الذين تنتفض ضدهم، قال. جميع زعماء الأحزاب السياسية الجديدة جنوا الثروات جراء هذه الحرب، فيما ازداد الشعب فقراً.
«لو تعلمين ما الذي يجري هناك! كنت في يوم ما رئيس تحرير مجلة الحركة الوطنية. وكان من بين أسماء المحررين المسجلين على قيد الرواتب، ثلاثة عشر اسماً وهمياً.
ذات يوم، سرق لي معاشي أحد المحررين. كلا، كلا، نظام الحكم السابق كان أفضل، بالتأكيد. على الأقل كان يقدم شيئاً للشعب. كان يضطهد الناس، لكنه في المقابل كان يُسدي لهم بعض الخدمات. وبعده لم يبق إلا الاضطهاد».
«عندنا، الدولة أكثر عقلانية من البورجوازية لأن هذه الأخيرة تمثل النظام الوحيد الباقي من عهد الاستعمار. لقد تصرف المواطنون اللبنانيون كالحيوانات الضارية! لذا آمل عدم انفجار أية حرب أهلية في العراق، وإني أرتعش لما سيحصل بعد صدام حسين.
«المشكلة تكمن في أننا لم نتعلم شيئاً من هزائمنا، أضاف بابتسامة خفيفة. على العكس، يدفعنا التهور فنتهيأ لما يليها. وفي كل هزيمة، لا نرجع بضع سنوات إلى الوراء بل قرناً كاملاً. نحن متخلفون ونعاني من تأخر لا يقل عن ثلاثة قرون عن الغرب. يلزمنا قرن من «الأنوار»، لأنه لا ديموقراطية ممكنة بدون ثورة ثقافية داخل الإسلام. غير أن المشكلة تكمن في أن الجميع يرغب في العودة إلى العهود الأولى للإسلام. أين هم أمثال فولتير في العالم العربي؟ أنا لا أراهم».
صداقته مع حازم
في الأيام التالية، عدت لرؤية جوزف بصورة منتظمة وتعرفت إلى المدينة حيث كان يعيش منذ سبع سنوات. كانت مدينة عربية كامنة في قلب باريس ذاتها، مع مقاه ومطاعم حيث كان يلتقي الأصدقاء، كما في السابق في بيروت. كان يستمتع في العيش في تلك المساحة الضيقة، بعد بضعة أيام، أقر بأنه مسرور لمجيئي، إذ أخذت لغته الفرنسية بالتحسن. في الحقيقة، كان يقول بأنه لا يختلط كثيراً بالفرنسيين وليس سوى عابر سبيل ولا ينوي البقاء طويلاً في تلك البلاد. عندما لفتُّ نظره إلى أن باريس تعج بالمهاجرين الذين يؤكدون جميعاً الشيء نفسه، راح يدلّني على الأثاث المؤقت في شقته، في إشارة حاسمة: «هل هذه تشبه شقة رجل قرر الاستقرار فيها؟».
كان يشتري، كل صباح، صحفه من الكشك القريب: «ليبراسيون»، «هيرالد تريبيون» وكذلك «الحياة» لأنها الأقل سوءا بين الصحف رغم أنها سعودية، فضلاً عن أن حازم يكتب فيها تعليقاته «المقيتة».
من مميزات جوزف تلك العلاقة المتناقضة التي جمعته بحازم. لو لم يكن حازم موجوداً، لكان اخترعه بالتأكيد. لم ينغلق يوماً على الآراء المعاكسة لآرائه. عندما اجتاح الإسرائيليون بيروت، التقى في الشارع أمنون كابليوك الذي كان يرافق الجيش الإسرائيلي بصفة مراسل. فقاده إلى «السفير». إسرائيلي في مكتب التحرير! تحلّق حوله زملاؤه كأنه هدية العيد.
تعود صداقته مع حازم إلى سنيّ دراستهما المحمومة في بيروت. في تلك الحقبة، كان حازم ما يزال عضواً في زمرة يسارية أشد تطرفاً من الشيوعيين. كم من تقلبات قام بها منذ ذاك الحين! أثناء الثورة الإيرانية، غدا مؤيداً للخميني. في إنكلترا، ارتقى إلى مصاف النصير المتزمت لتاتشر. فيما بعد، انعطف إلى اليمين لدرجة نعته تاتشر بالمناصرة الخفية للشيوعية.
«أنا، أيضاً، تغيرت، يقول جوزف. لكن الأمر مع حازم، كما مع بولس الرسول، على طريق دمشق، حيث رأى النور بغتة، وفي كل مرة، كان يؤمن بعقيدته الجديدة بذات الزخم من التزمت، بلا تردد ومن دون أدنى تشكيك مطلقاً. أسأله أحياناً: كيف تفعل يا حازم لتنتقل من حال إلى حال بلا تمهيد؟ تنام ماركسياً وتستيقظ أصولياً؟
ذات يوم، أخذني لتناول الفطور في مطعم إيراني بالقرب من بيته. لأول مرة، منذ ان تعارفنا، لم يمانع في أن أدفع الحساب. كان قد استدان الكثير في السنوات الأخيرة. كان أطلق مع صديق له مجلة جديدة هي «زوايا».
صدرت أربعة أعداد من «زوايا».
«وماذا بعد؟»
رفع جوزف يديه دلالة العجز. «لا شيء! انتهى كل شيء!
كان يأمل أن يعمد رجال الأعمال المستقلون إلى الاستثمار في المجلة، لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق. أضاف محبطاً: «يقوم دور الصحافة على جعل الحقيقة جلية، غير أن لا شيء أشد عتمة من تمويل الصحف العربية».
جمال التمثال
«لكن، ألا توجد مجلة واحدة مستقلة؟». لم تكن الشائعات التي تروج حول الصحف العربية والتلميحات عن ممولين مجهولين على قدر فجاجة الصورة التي رسمها لتوّه عنها. كم كان وضعه آخذاً في الارتباك وكم ضاق مجال نشاطه أيضا!
ضحك جوزف بخشونة: «قد تتكبد جميع المجلات العربية خسائر فادحة لو لم يكن لديها ممول سياسي. وحدها دول الخليج تستطيع دفع بدل الإعلانات، غير أنها لن تضع إعلانات في صحيفة تحمل أفكاري. عندما التحق حازم بأسرة «الحياة»، قيل له ألا يتطرق إلى الأسر المالكة ولا إلى الدين والجنس.
ـ «و «السفير»، من كان يُمولها؟»
كنت أعرف الشائعات، لكني كنت أرغب في سماعها منه.
ـ «الليبيون».
مجّ جوزف سيجارته بقوة. في العام 1980،
وفي أعقاب الحرب بين إيران والعراق، كتب في «السفير»:
«أخطاء إيران لا تبرر خطايا العراق».
في اليوم التالي، تعرضت مطابع «السفير» للتفجير. فقال له رئيس التحرير: «إنه التعليق الأغلى ثمناً مما كتبته يوماً».
images8
جوزف سماحة(أرشيف)
ـ من موّل «اليوم السابع؟»
ـ منظمة التحرير الفلسطينية في تونس. لم يكن الأمر مثالياً. لكن عندهم، على الأقل، لم يكن عليّ التنكر لأفكاري».
كنت أجلس قبالته ملتزمة الصمت وأفكر في أولئك الرجال المجتمعين حول آخر عشاء لهيئة التحرير. منظمة التحرير الفلسطينية تتولى تمويلهم! كنت أحاول أن أتخيل وقع هذا الخبر على أصدقائي. كان كل ذلك بعيداً عنا للغاية، ولم يكن ذلك النوع من الخيارات التي تواجهنا. مع ذلك، وبعد كل ما قاله لي جوزف، كنت أعي أن ذلك كان بالنسبة له بين الخيارات الأجدر بالاحترام.
أشعل سيجارة جديدة ونظر مباشرة أمامه. هل كان يهمه ما كان يجول في فكر الآخرين عنه؟ لا أظن. لقد أجاب عن أسئلتي برحابة صدر. أما الآن وقد توقفت عن طرح الأسئلة، فقد لزم الصمت.
لدى وصولي إلى الفناء الداخلي، في تلك العشية، تناهى إليّ صداح موسيقى عربية. في المطبخ، كان جوزف يقطع الهندباء. «لديّ زوار»، قال لي جوزف مقدماً لي صحناً من الهليون المعلّب. كانت تتسلل من الصالون ضحكات متفرقة. كان أصدقاؤه يتحلّقون حول طاولة أفرغ عليها جوزف كل محتوى براده: زيتون، خبز قديم، قطعة جبنة… ولحسن الحظ أن أحدهم جلب معه النبيذ.
على جهاز التلفزيون، كان يجثم تمثال خزفي صغير يمثل امرأة نصف عارية وتشد بجموح نهديها الناتئين. كنت لاحظت وجوده سابقاً.
«أين عثرت عليه، يا جوزف؟»
أخذ التمثال من يدي وراح يداعبه:
«ألا تجدينها جميلة؟».
في زيارة له إلى موسكو، في السنة الفائتة، رآه في إحدى الواجهات وافتتن به على الفور. لم يكن مخصصاً للبيع، فجال في المدينة كلها بحثاً عن تمثال مماثل. لقد استسلم لتلك المرأة التي لم يسبق له أن رأى ما يوازيها جمالاً.
كان الآخرون يضحكون. لم أكن أعرفهم. أوضح لي جوزف أنهم زملاء يعانون وضعاً مماثلاً له. كانوا أصغر سناً منه، أو هكذا بدا لي. كانت لجوزف من الهيمنة الطبيعية في المجموعة بحيث يبدو دوماً الأكبر سناً.
كانوا يتحدثون بالعربية. كنت أفهم، بين الفينة والأخرى، ما كان يقال، أو يترجم لي جوزف بعض العبارات. كم مرة اجتمعنا في بيروت على هذا النحو! في ذلك الحين، كان هناك ناجي العلي الفلسطيني، رسام «السفير» الذي لم يعد له مكان في الصحيفة بعد إجلاء الفلسطينيين. فيما بعد، التقيت به في الكويت. راح يقودني بين غرف بيته الجديد متضايقاً. تلك الليالي التي أمضاها مع أصدقائه في بيروت، لن يستطيع أحد أن يعوضه حلاوتها. فيما بعد، لقي ناجي مصرعه في أحد شوارع لندن. كان واحداً من أولئك الضحايا الذين سيبقى قاتلهم المجهول دون عقاب.
كان جوزف يقضي عطلة نهاية الأسبوع، إجمالاً، بقرب زوجته السابقة وولديه. كان شأنه مع زوجته كما هو مع معظم النساء في حياته: لم يبق طويلاً معها. كانا تزوجا في العام 1974، قبل وقوع الحرب الأهلية بمدة وجيزة. وهي حقبة مضطربة، قل أن تواجد خلالها في بيته. بعد ثلاث سنوات، هجرها. لم توافق على الطلاق أبداً. ولم يكن لديها، على حد علمه، رجل آخر في حياتها. مع أصدقائه ومعارفه، كانت تتصرف كأنهما ما زالا متزوجين.
كانت ابنته أمية في السادسة عشرة، وهي فتاة حساسة وجذابة: كان يقلق جراء ما تفتقده من سبل الحماية. أما زياد ابنه، فكان أشد صلابة.
اتفقنا ذلك المساء، كان عليّ أن أرحل من جديد. كان يشق عليّ أن أتركه على هذه الحال. مع ذلك، كنت أعلم أنني لا أستطيع شيئاً لأجله، وأنه، في آخر المطاف، سيتدبر أمره وحده. عاجلاً أم آجلاً، سوف يقترح عليه أحدهم عملاً ما داخل هذا النظام الذي حدثني عنه. لماذا يصر على موقفه؟ كنت أود أن أدرك كنهه، لكنني لم أتوصل إلى ذلك حقاً.
ـ «أعلم أنك لن تكتب بالفرنسية أبداً، قلتُ له، لكنني ما زلت لا أعرف السبب».
سادت لحظة من الصمت، كما في كل مرة كنا نتطرق إلى هذه المسألة، ثم قال: «ماذا لدي لأقوله لقارئ فرنسي؟ أريد للعالم العربي أن يتعصرن. أود أن يستطيع الطالب الجزائري أن يقرأ ما أكتب. أرغب في قول الحقيقة، لكنني أريد أيضاً أن يكون صوتي مسموعاً وأن أستمر في الشعور بإيقاع النبض. إذا أوغلت بعيداً، فسأكون وحيداً.
ـ عليكَ، مع ذلك، أن تذهب إلى لندن، على ما يبدو لي».
هزّ رأسه.
«كلا، كلا. إنها مشكلة هذه الحرب، فالمنتصر ليس بديلاً أو خياراً. لقد وضعنا صدام حسين في وضع حرج. لو كان ربح الحرب. لكان ربحها وحده. أما الآن وقد خسرها، فقد جرّ العرب جميعاً إلى الهاوية. ماذا لدى السعوديين ليقدموه لنا؟ لا شيء. هل يؤيد المثقفون الغربيون ما يجري في العربية السعودية؟ ليس لديها هناك حتى مجلس نواب. إذا كنا نقيس رقي مجتمع ما من خلال طريقته في معاملة النساء ومثليي الجنس واليهود، فإن دول الخليج ستحتل مكانة متواضعة، ثم هناك الفلسطينيون، هل تتصورين مجتمعاً أوروبياً يتساهل حيال مناهضة السامية؟ لن نستطيع الحصول على الديموقراطية في العالم العربي ما دامت المشكلة الفلسطينية دون حلّ. كان الكويتيون يدعمون الحركات الفلسطينية المتطرفة، أنظري ما يفعلون اليوم!».
انتابه الغضب فسكت. كان الزوجان العربيان الجالسان على المقعد ما زالا مستغرقين في الصلاة. كانا ينتظران غروب الشمس كي يقطعا صيامهما. حانت اللحظة كي أقول شيئا مهيباً، كلاماً نهائياً يمكننا بعده الافتراق بسلام. غير أنني كنت أشعر بالملل والفراغ. فما كان من جوزف إلا أن قطع الصمت وقال متودداً:
«حسناً، سوف نعقد صفقة، اعتباراً من الغد، سأكتب بالفرنسية. لكن عليكِ أن تقطعي وعداً لي.
ـ بمَ أعدكَ؟
ـ أن ترتدي وشاحاً مرقطاً وتتواري في أحد المخيمات الفلسطينية».
نهض من مقعده ووقف أمامي بقامته الفارعة التي كانت تتقاطع مع ضوء الظهيرة الفاقع. بانت لي ابتسامته.
«اتفقنا؟»
مدّ لي يده يدعوني إلى الوقوف.
(مقتطفات من نص أطول بعنوان «حكاية جوزف» للكاتبة الهولندية ليف جوريس صدر في العام 1991 ضمن كتاب حمل عنوان «مطربة زنجبار»، وفيه إضاءات على جوانب من شخصية جوزف سماحة ارتباطاً بهموم تلك المرحلة السياسية العاصفة…)
(ترجمه عن الفرنسية: يوسف ضومط)
26-2-2016

واعمل حساب الشقلبة: الإباحية أصيلة في الغناء المصري

فبراير 18, 2020 اضف تعليق
لوحة «راقصة مصرية» للرسام السويدي الفنلندي «جَنَر برنتسون» -

شريف حسن
زمن الطقطوقات هو أكثر فترة يمكن وصف كلمات أغانيها بالخلاعة والإباحية والجرأة، لا أحد ينكر أن هذه الفترة (1910 - 1930) كانت الطقطوقات تمتاز فيها بالغزل الصريح، بعيدًا عن كل الأوصاف الأخرى التي ظهرت تدريجيًّا مع بداية ثورة 1952.
كانت الطقطوقة، وهي أحد أشكال الغناء، تناقش كل ما في المجتمع، بدايةً من مشاكل الوطن الخارجية حتى المشاكل الاجتماعية كالتحرش، لكن كان هناك اتجاه عام من الدولة بحصر هذه الفترة في هذا الشكل من الغناء، واتهامه بالابتذال والتدني الأخلاقي، وتأكيد أن أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب هما من انتشلا الفن من هذه المكانة المتدنية، بمساعدة سيد درويش في المقام الأول.
منيرة المهدية تغني «توت عنخ آمون»
سمحت الطقطوقات بحرية ظهور المشاعر الحقيقية، دون تخفٍّ أو تواري وراء ستار، ودون أي تورية في الكلام.
شارك عدد كبير من الشعراء في كتابة الطقطوقة، وعلى رأسهم بديع خيري والشيخ يونس القاضي وبيرم التونسي، وشارك كل ملحني هذه الفترة في تلحينها، مثل أحمد صدقي ومحمد علي لعبة وداوود حسني وإبراهيم فوزي، وعلى رأسهم بالطبع سيد درويش وزكريا أحمد ومحمد القصبجي.
وفي وسط كل هذا الكم من الألحان والكلمات والمواضيع والأشكال والصراحة والجرأة في تناول المواضيع الاجتماعية مهما كانت، لم يكن الغناء في تلك الفترة إباحيًّا ولا جنسيًّا بقدر ما كان صريحًا بسيطًا، لا يحمل أي أيديولوجيات دينية أو تقاليد أو عادات، غناء حقيقي وصريح فقط، فنجد أن سيد أفندي مصطفى يقول لابنته في ليلة زفافها: «بكره يا بنتي تدخلي دنيا، وتعرفي إيه واجبات الزوجة، إبقي اتغندري حُطي كولونيا، لكن إوعي ماتمشيش عوجة».
سيد أفندي مصطفى يغني «بكره يا بنتي تدخلي دنيا»
كانت الطقطوقات فيها حرية، والحرية تسمح للمشاعر الحقيقية أن تظهر دون ستار، دون أي تورية في الكلام، منيرة المهدية تصرح للحبيب باشتياقها لقضاء ليلة معه، ليلة جنسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مثل أغنية «حبك يا سيدي غطى ع الكل»، و«ليلة ماجه في المنتزه»، وأشهر طقطوقة «بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة».
هناك كذلك طقطوقة «تعالى يا شاطر»، التي غنت فيها نعيمة المصرية الجملة الشهيرة «هات الإزازة واقعد لاعبني»، وطقطوقتها «لك عليا لما تجيني تبقى ليلة أُبَّهة»، بينما الآنسة مفيدة أحمد تقول بكل ثقة الأنثى في غوايتها وجمالها وأنوثتها: «خد لك يوم وأنا ضامنة التاني، مش ممكن يا حبيبي تسلاني»، وتغني آسيا ندا «سرير النوم»، وتقول التونسية حبيبة مسيكة باللهجة المصرية: «على سرير النوم دلعني».
نعيمة المصرية تغني طقطوقة «تعالى يا شاطر»
الطقطوقة أحد القوالب الغنائية المصرية مئة بالمئة، وظهرت على يد ملحن اسمه محمد علي لعبة.
لم يقف الغناء الصريح للجنس عند النساء فقط، بل اقتحم الرجال هذا الشكل الغنائي، ومنهم عبد الحي أفندي الذي يغني على لسان الأنثى فيقول: «وإن كنت خايف من جوزي، حشاش وواكل داتورة، وإن كنت خايف من البواب، أعمى ورجله مكسورة».
هكذا كان شكل الإباحية في الأغنية المصرية، لكن كيف ظهر ذلك؟ وكيف اختفى؟ ولماذا؟

أغنية «شيلي إيدك وحطيها» لبهية المحلاوية
الطقطوقة قالب غنائي مصرية مئة بالمئة، ظهر على يد ملحن اسمه محمد علي لعبة، عكس أغلب القوالب الأخرى التي جاءت إلى مصر وطُوِّرت تدريجيًا إلى الشكل المصري. كانت العوالم تقدم الطقطوقات، والعوالم تغنين في الأفراح بشكل أساسي، وأغاني الأفراح تتشابك مع الفلكلور المصري بشكل كبير وقاطع، فاشتبكت الأغاني الفلكلورية والطقطوقة، وأغاني الفلكلور تتماشى لحنيًّا مع الشكل اللحني للطقطوقة.
تمتاز الطقطوقة ببساطة اللحن وسهولة الأداء، وتتألف من المذهب، يليه الأغصان، ويتكرر المذهب بعد كل غصن، وكان التركيز كله في المذهب من حيث سهولة الكلام واللحن، لأنه أكثر ما يتكرر في الأغنية، وهذا بالتحديد هو الشكل اللحني لأغاني الفلكلور، خصوصًا أغاني الدلتا.
وعند البحث في أغاني الأفراح، نجد فيها أكثر بكثير مما في الطقطوقات وما يشار إليه بـ«زمن الابتذال والإباحية»، مثل طقطوقة «قمر يا قمرة يا قمورة»، نجد فيها روح وكلمات الفلكلور، وربما كان الفلكلور أكثر أباحيةً وصداميةً مع كل عادات المجتمع المحافظ.
عبد الحي أفندي حلمي يغني «قمرة يا قمرة يا قمورة»
يدور جزء كبير من أغاني أفراح الدلتا حول العلاقة الجنسية بين الرجل وزوجته، مثل «هو عليه يجيب الفستان، وأنا عليَّا أقلع له وأنام»، أو «هلبسك إزازي أيوه، أيوه وأقلعك إزازي أيوه، أيوه حاسب على بزازي تحت الناموسية»، أو «آه منك يا كاويني، على السرير هيطلع ديني». هكذا هو شكل الفلكلور المصري، دون أي تدخل محافظ لتعديل شكل الكلام وهويته.
ما زالت أغاني الفلكلور موجودة رغم محاولات الطمس، وتغنَّى بشكل خاص في «يوم التنجيد»، مثل أغنية «يا منجد علِّي المرتبة، واعمل حساب الشقلبة».
بين التصريح بكل جرأة (يا مفرتك يا قميص النوم، يا مهيِّج شباب اليوم)، والتورية الجميلة (إمتى يخش الخِل ويَّا خليله، ويقفش الرمان على السجادة)، يتضح أن الإباحية لم تكن ابنة مرحلة الطقطوقات كما يُقدَّم إلينا، بل أحد أشكال الغناء المصري الحقيقي دون أي تدخل محافظ من أشخاص أو جهات رسمية.
رغم أن هذه الأغاني ما زالت موجودة وتغنَّى في الأعراس، خصوصًا في «يوم التنجيد»، كأغاني «حرامي يا أمَّه» و«إلعب يا مُلعَب» و«يا منجِّد علِّي المرتبة، واعمل حساب الشقلبة»، كلها أغانٍ كلامها جنسي ولم تفلح الدولة أو الزمن في طمسها ومحوها، ويقدم المخرج داوود عبد السيد في فيلم «سارق الفرح» جزءًا منها خلال جلسة فرح في منطقة عشوائية.
أغنية «حط إيده ياه» لبوسي
الإباحية ليست شكلًا جديدًا على الأغنية المصرية، ولا تُنسَب إلى زمن الطقطوقات في عشرينيات القرن الماضي فحسب، بل ترجع إلى ما هو أقدم من ذلك، إلى الفلكلور المصري، وهي شكل من أشكال الهوية الغنائية المصرية، لكنه طُمس وحُرِّف كي يناسب الشكل الجديد للدولة والمجتمع المحافظ.