الاثنين، 13 يناير 2020

الأدب في مواجهة الرقابة الجنسية

SHARE
حسونة المصباحي


كتاب "القبول" لفانيسا سبرينغورا حرّض نساء تجاوزن سن الأربعين على شنّ هجومات عنيفة على غابريال ماتزنيف.



منذ مطلع العام الحالي، تعيش الأوساط الأدبية الفرنسية على وقع قضية أدبية خطيرة تتمثل في مواجهة ساخنة بين غابريال ماتزنيف، صاحب الروايات الجنسية المثيرة، والبالغ من العمر 83 سنة، وفانيسا سبرينغورا المولودة عام 1972، والتي أصدرت مؤخرا كتابا بعنوان "القبول"، وفيه تروي قصتها مع الكاتب المذكور الذي أغواها عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها.

 وتتهم فانيسا سبرينغورا ماتزنيف بأنه استغلّ صغر سنها، وسذاجتها الطفولية، لكي يرضي نزواته الجنسية التي يفاخر بها في جل كتبه، خصوصا في كتابه “الأقل من سن السادسة عشرة” الذي يتباهى فيه بمغامراته الجنسية مع  صبيان وصبايا دون سن المراهقة.

وقد حرّض كتاب "القبول" أخريات تجاوزن الآن سن الأربعين على شنّ هجومات عنيفة على غابريال ماتزنيف، موجهات له نفس التهم، وناعتاته بـ“المخادع”، وبـ“الفاسد”، وبـ“الخليع”، وبنعوت شنيعة أخرى. ومُنْحنية أمام هذه الحملة الشعواء، قامت دار “غاليمار” المذكورة، بسحب “يوميات” غابريال ماتزنيف من المكتبات، متبرئة منها، ومما تضمنته من اعترافاته المثيرة حول مغامراته الجنسية في سنوات الكهولة والشباب. لكن لفهم  تداعيات هذه القضية، علينا أن نعود إلى الماضي، فقد برز غابريال ماتزنيف في نهاية الستينات من القرن الماضي، أي في تلك الفترة التي شهد فيها العالم ثورات طلابية عارمة، وظهور “الهيبي”، وتيارات تطالب بالحرية الجنسية، متحدية كل القيود الأخلاقية.

قرار دار غاليمار في شأن "يوميات" ماتزنيف سيجبر فرنسا على فرض القرار ذاته على الماركيز دو ساد

وقد تأثر غاريال ماتزنيف بكل الأفكار التحررية الرائجة في تلك الفترة، وبها ازداد تأثرا بعد أن التقى بجان جينيه، وبمناضلي حركة “الفهود السود”، وبسيمون دو بوفور التي كانت تتزعم آنذاك الحركات النسوية لا في فرنسا وحدها، بل في جميع أنحاء العالم.

ومن وحي تجاربه الجنسية مع قاصرات أصدر روايته “الأقل من سن السادسة عشرة” التي لاقت رواجا واسعا. وكان في سن الخمسين لما التقى فانيسا سبرينغورا التي كانت آنذاك في الرابعة عشرة من عمرها ليعيش معها قصة حب، من وحيها أصدر كتابه الذي حمل عنوان “قرة عيني” ليحصل بفضله على جائزة أدبية مرموقة.

ويؤكد الكثيرون أن فانيسا كانت عاشقة لماتزنيف في تلك الفترة، وأنها لم تكن تبدي أي اعتراض أو نفور من علاقتها برجل يكبرها بخمس وأربعين عاما. بل إنها كانت سعيدة بذلك. وهي نفسها لا تنكر أنها تعلقت بصاحب “الأقل من سن السادسة عشرة”.

 لكن مع تقدمها في السن، شعرت أن ماتزنيف خدعها، وأوقع بها، و”عبث ببراءتها وسذاجتها”. وقد تفتح اعترافاتها واتهاماتها الباب أمام العديد من النساء ليقمن بنفس العمل الذي قامت به، مطالبات بمحاكمة أخلاقية لكتاب وشعراء اشتهروا بجرأتهم في تناول المواضيع الجنسية. وهو ما حدث في عالم السينما قبل بضع سنوات. وهذا ما يوقع الأدب في مأزق خطير إذ أن ماتزنيف ليس الوحيد الذي عكست كتبه مغامراته الجنسية المثيرة للجدل، بل إن الأمر قديم  قدم الزمان.

كان شعراء الإغريق والرومان قد سمحوا لأنفسهم بالتغني بـ“الأجساد الطرية الغضة”. وكذا الحال بالنسبة إلى آداب أمم أخرى مثل الهند، والفرس، والعرب.

 ولو طبق نفس الإجراء الذي اتخذته دار غاليمار “بخصوص “يوميات” ماتزنيف، لوجدت فرنسا نفسها مجبرة على فرض نفس القرار على الماركيز دو ساد، وشارل بودلير، وجان جينيه، وفرانسواز ساغان.

أما العرب فإذا ما هم جاروا غاليمار فسيكونون قد أرضوا الأصوليين المتشددين، ويسحبون من مكتباتهم آثارا عظيمة مثل “ألف ليلة وليلة”، وأشعار أبي نواس، وعمر بن أبي ربيعة، و“الأغاني” للأصفهاني، ورسائل الجاحظ، والكثير من “ليالي” التوحيدي في كتابه “الإمتاع والمؤانسة”، و“الروض العاطر” للشيخ النفزاوي، وغير ذلك من الآثار التي يزخر بها تراثهم الأدبي العظيم.

SHARE

Author: verified_user

0 facebook: