بيان ..يحيا الفن المنحط

يناير 30, 2020 اضف تعليق


جورج حنين

من المعروف أن المجتمع الحاضر ينظر بعين الاشمئزاز إلى كل خلق جديد في الفن والأدب طالما يهدد النظم الثقافية التي تثبت قدم المجتمع سواء أكان من ناحية التفكير أو من ناحية المعنى.

ويظهر هذا الشعور بالاشمئزاز جليا في البلاد الأتوقراطية النزعة، وخصوصا في ألمانيا، حيث يتجسم التعدي الشنيع ضد الفن الحر الذي دعاه هؤلاء الغشم ( الفن المنحط). .

فمن سيزان إلى بيكاسو وكل ما أنجزته العبقرية الفنية المعاصرة، هذا الانتاج الكثير الحرية و القوي الشعور بالإنسانية، قد قوبل بالشتائم وديس بالأقدام. ونحن نعتقد أن التعصب للدين و الجنس أو للوطن الذي يريد بعض الأفراد أن يخضع له مصير الفن الحديث ما هو الا مجرد هزء وسخرية. .

نحن لا نرى في هذه الأساطير الرجعية إلا سجونا للفكر. إن الفن بصفته مبادلة فكرية وعاطفية دائمة تشترك فيها الإنسانية جمعاء لن يقبل مثل هذه الحدود المصطنعة. في فيينا المتروكة الآن للهمج، يمزقون صور رينوار ويحرقون مؤلفات فرويد في الميادين العامة. إن ألمع منتجات كبار الفنانين الألمان أمثال ماكس أرنست وبول كلي وهوفر وكوكشكا وجورج جروس وكاندنسكي قد صودرت و أحل محلها الفن النازي العديم القيمة. كذلك في روما أخيرا شكلت لجنة لتنظيف الأدب !! وقد قامت بمهمتها وقررت سحب كل ما هو ضد القومية وضد الجنسية وكذلك كل كما يعود إلى التشاؤم. .

يا رجال الأدب و يا رجال الفن لنقف معا ونقبل التحدي. يجب أن نقف في صف هذا الفن المنحط ففيه كل آمال المستقبل،لنعمل لنصرته ضد العصور الوسطى الجديدة التي يحاولون بعثها في قلب أوروبا مرة أخرى.
وقد وقع الفنانون و الكتاب و الصحفيون و المحامون على هذا البيان و أسماؤهم كما يلي : .

إبراهيم واسيلي- أحمد فهمي - أدوار بولاك - أدوار ليفي - أرمان أنتيس - ألبير إسرائيل - ألر قصيري - التلمساني - ألكسندرا ميتشكويفسكا - أميل سيمون - أنجلو بولو - أنجلو دريز - أنور كامل - أنيت فديدا - أ . بوليتس - ل . كانتي - جرمين إسرائيل- - جورج حنين - حسن صبحي - أ . رافو - زكريا - العزوني (عضو نقابة المحامين ) سامي رياض -سامي هانوكا - اسكاليت - عبدالخالق العزوني - فاطمة نعمت راشد - سيف الدين - محمد نور - نداف سيلير - هاسيا - هنري دوماني .

قصائد روبير ديسنوس

يناير 30, 2020 اضف تعليق

Robert Desnos ( 1900- 1945)

ترجمة: مبارك وساط

تقديم:

وُلد بباريس، قرب الباستيل. بين 1920 و 1922، أدّى الخِدمة العسكرية في المغرب. سنةَ 1924، ظهر له أوّل كتاب جدير بالاهتمام: "حِـداد مُقابِل حِداد". في سنة 1927، قُدِّم للمحاكمة بتهمة "الإخلال بالحياء" إثر نشرهِ قصيدتَهُ: "الحُرّية أو الحُبّ". ارتبط بصداقات مع شعراء الدّادائية، وانتمى إلى السّوريالية، وفي 1930، كان ضمن المنشقّين عنْها. شارك، كجنديّ، في الحرب العالمية الثانية، وأسره الألمان سنة 1939 ثمّ أخلوا سبيله. انضمّ إلى المقاومة واعتقلته الغستابو في فبراير ( فيفري) 1944. في 8 يونيو 1945، توفي روبير ديسنوس بالتّيفوس بِمُعسكر تِريزِينْ بتشيكوسلوفاسكيا، وقد أصيب بذلك المرض خلال فترة اعتقاله.
من أعماله الشّعرية: "جسد و ممتلكات"، "ثروات"، "أملاك عامَّة"؛ وله رواية واحدة: "الخمرةُ قد صُبّتْ".

احتفال عجيب

آخِرُ قطرات الخَمر تشتعل في قعر الكأس، حيثُ للتّوّ ظهَرَ حِصْنٌ.
أشجار جانبَي الطَّريق، العَجْراءُ، تنحني صَوْبَ المسافِر.
إنّه قادِمٌ من الدَّسكرة القريبة،
إنَّه قادِمٌ من المدينة البعيدة،
إنّه يَمُرّ فحسبُ أسفلَ أبْراج النـّواقيس.
يَلْمَحُ في النّافذة نجمةً حمراءَ تتحرّك،
تَهْبِط، تتنزّه مُتَرَنِّحَة
على الطَّريق البيضاء، في الرّيف الأسود.
تتَّجِه نحو المسافِر الذي يراها قادِمة.
لِلَحْظة تلتمعُ في كُلٍّ من عينيه،
تسْتَقِرُّ على جبهته.
يُدْهِشُه الوميض البارد الذي يُضيئُه،
فَيَمسحُ جبينه.
بإصبعه تَعْلِقُ قطْرَةُ خمر.
الآن يَبْتعِد الرّجل ويتضاءل في ظلمة الليل.
لقد مرّ بِقرب ذاك النّبع حيثُ تفِـدُونَ صباحاً لتقطفوا نباتَات الحُرفِ الطّريّة،
لقدْ مرّ بِقُرْبِ البيتِ المهجور.
إنّه الرّجل ذو قطرة الخَمر على الجبين.
في هذي اللحظة، هو يرقص في قاعة مترامية الأطراف،
قاعةٍ باهرة الأنوار،
أرضيَّتُها المُلمَّعة تُشَعشع
عميقةً مثلما مرآة.
إنَّه وحيد مع مراقصته
في هذه القاعة الشّاسعة، حيثُ يَرقُص
على عزف أوركسترا من مسحوق الزُّجاج.
الكائناتُ الليلية
تُنعم النّظر في هذين الاثْـنَـيـن المُتَوحّدين
اللذين يرقصان.
الأجملُ من بين كائنات الليل
تلقائيا تمسحُ عن جبينها قطرةَ خمر،
تودِعُها كأسا،
فيستيقظ النائم،
ويرى القطرة تلتمع كما ألف ياقوتة في الكأس
التي كانتْ فارغة حين أغفى.
يتأمَّـلُـها.
يَتَرجَّحُ الكَوْنُ خلال دَقيقة صَمْت
ثُمَّ يستعيدُ النّومُ سُلطانَه،
ويعود الكون إلى مسارِه
عبر آلاف الطّرق البيضاء التي رسمها العالَم
في أرجاء الأرياف المظلمة.

مُنتصف الطَّريق

هنالك لحظة مُحدّدة في الزَّمن
يصل المرء فيها بالضَّبط إلى منتصف حياته،
هي جزء صغير من ثانية،
شذرةٌ واهيةٌ من الزّمن تَعبر أسرعَ من نظرة،
أسرعَ من ذُرى الإغماءات الغرامية،
أسرعَ من الضَّوء.
للإنسان حساسيتُه إزاء هذه اللحظة.

ثمّة شوارع كبيرة بين أوراق الشَّجر
تتمدّد صَوْبَ البُرج الذي تغفو فيه امرأة
يُقاوِمُ جَمالُها القُبَل و الفصول
كما تفعل نجمة في وجه الرّيح، كما تُقاوِمُ الصَّخرة العالية الشَّفرات

سفينة مرتعشة تغوص و تهدر.
على قمّة شجرةٍ تصطفقُ راية.
امرأة شَعرُها حَسَنُ التَّصفيف، لكنّ يديها تتدلّيان حَتَّى خُفَّيْها
تظهر في زاوية شارع،
مُهتاجةً، مرتعشة،
بِيدها تقي سراجا من زمن آخر، دخانُه يتصاعد.

ثمّ هنالك حمَّالُ مرسى، سكران، يتغَنِّي في زاوية جِسْر،
و عشيقةٌ تعضّ شفتي عشيقها،
هنالك بتلة وردة تسقط على سرير فارغ،
وثلاثُ ساعاتِ حائط ترِنّ، بِفاصِلِ بضع دقائق،
مُعلنةً نفس السّاعة،
ورجلٌ يَعبر شارعا، يَلتفت
فثمَّة من نطقَ اسْمَه بصوتٍ جهوري،
لكنْ ليسَ هُوَ من تنادي تلك المرأة،
ثمَّ هنالك وزير في لباس رفيع،
مُنْزَعِجٌ بقرف من طرف قميصه العالق
بين بنطاله و السروال التَّحْتيّ،
يُدَشِّنُ ميتما،
ثمَّ مِن شاحِنة تمضي بأقصى سُرْعَة
في شوارع الليل الفارغة
تسقط حبّة طماطم بديعة وتتدحرج إلى الجدول
و ستُكْنَسُ بعْدها،
وهنالك حريق يندلع في الطّابق السّادس من بيت
يلتهبُ في فلب مدينة صامتة و لامبالية،
ثمّ هنالك رجل يسمعُ أغنية
منسية منذ زمن طويل وسينساها مُجَدَّدا،
ثمّ الكثير من الأشياء،
الكثير من الأشياء الأخرى التي يراها المرء في لحظة منتصف حياته بالضَّبط،
الكثير من الأمور الأخرى التي تجري بِشكل مطوّل
في الأقصر من بين اللحظاتِ القصيرة على الأرض،
يَستشعِر المرء مدى السّر الذي تحفل به تلك الثانية،
تلك الشّذرة من الثّانية،
لكنّه يقول: « لِنَطرُدْ هذه الأفكار السّوداء»،
ويطرد تلك الأفكار السّوداء.
فما الذي يُمْكنهُ أن يَقول
وما الذي يُمكنه أن يَفعل
خيرا من ذلك؟

مدينةُ دون جوان

ظَـالِـعِـيـنَ مَضَى عميانٌ، وذوو عكاكيز،
مُصابون بالسَّلعة، وحُدْبٌ،
دركيّون، وسكّيرون.

صَفّاراتُ إنذارِ السّاعة السّابعة، التي تَنفُثُ على زجاج المَقاهي
بُخارا يُمكنُ أن يُسَبّبَ ضياع مئةِ سَفينة،
كانتْ تقولُ للجميع: « حانَ وقْتُ السُّكْر.»

توقّفَ دون جوان في مكان
أَعْـلَـمُ أنّ فيه واحدةً من مغاسل «وَالاّس»،
وصافِرةَ تنبيه على الحرائق، و مِنقلةً مشدودة بسلسلة
إلى مصطبة.

فيه بقيَ حتّى منتصف الليل،
فيه بقي دونما شعور بالضّجر،
فيه بقي أثناء الليل وحيدا.

في مُنتصف الليل، بدتِ امْرَأةٌ في حِداد،
لكنْ عاريةٌ أسفلَ قطعة الكريب الأسود الكبيرة المتدلية
من قُبَّعَتِها،
خارجةً من شارع يتقاطعُ والامتدادَ الذي يوجد به هو.

كانت تحمل كأساً وقنينة نبيذ أحمر،
كانت تحمل أيضا عصفوراً ميتاً،
أعطتهُ العصفورَ الميت و كأسَ نبيذ.

من بوّابة كبيرة انفتحتْ فجأة،
برزتْ فتاة صغيرة جميلةُ السّاقين
وأعطتْ دميتَها وعِقْدًا من كريّات الأبنوس.

خلف نافذة مُضاءة،
كانت امرأة تتعرّى
وترمي للبطل مُختلِفَ قطع لباسها.

بائعةُ الزّهور بِمُلتقى الطُّرُق
جاءته بِكُلِّ ورودها
وقدّمتْ بائعةُ صحف عجوز كلَّ صُحُفِها.

امرأةٌ بارعة الجمال ومُثيرة للنُّفور الشّديد
أبْرَزَتْ لهُ ساعتها
وقالت إنها مُعَطَّلة.

امرأة مُنتعلة قبقاباً، تاجِرَةٌ،
اقتربتْ وهي ترفعُ وزرتها
المُحتوية على سمكة لا مثيل لها في العالم.

رمتْ بِالسّمكة إلى الجَدول
حيثُ بدأتْ تتخبَّط
حتّى آخر رمق.

المرأة التي ربحت في لعبة البَكَارَا،
والمرأة التي للفور منحتْ مُجوهراتِها لعشيقها،
جاءتا أيضا عبر شوارع و أبواب.

ومِن النّساء من كنّ نزلن من السّماء
مثل قُبّرات معتنيات بمظهرهنّ،
ومنهنّ مَنْ كُنَّ يَصْعَدْنَ مِن منافذ الأقباء.

منهنّ من كان بإمكانهنّ السيادةُ على ممالك،
ومَنْ كنّ وَسِخاتٍ قلوبا و أجساما،
ومنْ كنَّ مُصاباتٍ بِأمراض وخيمة.

لكنْ مَعَ أنسام الفجر المُقبِل
استشْعَرَ دون جوان ريحاً باردة و مُنْعِشَة،
ريحَ جَزْرٍ ومحارٍ طريّ

كانتْ تهبّ على أوراقِه و أغصانه
و كانتْ جُذورُه تمتحُ بلا تقتير
عُصارات أرض بائسة حقا.

لحاؤه كان أكثر متانة من دِرع،
و أكثر وجيباً من صدرِ رياضي،
حزامُه الحديدي لم يَكُن يُضايِقُه.

كانَ حاضراً وقتَ مرورِ مُطْفِئِ مصابيح الشّارع
ورشّاشةِ البلديّة
وجامعي القمامة وسعاةِ البريد.

بين الأشجار، كانَ شجرةً جميلة.
لقدْ تمَّ قطعُها في اليوم الموالي،
لقد أُحْرِقَتْ و مع ذلك،

مع ذلك كان نُسغُها اللاذعُ قويا
وما أكثر النّسوة الفاتِنات
اللواتي كُنّ قد مررن من تحت أوراقها

فليبقَ منها شيء
بِالبؤرة التي يبردُ فيها رمادُها،
في الحفرة نفسِها التي كانتْ تحتلّها.

في الواقع لمْ يبقَ منها شيء يُذكر،
كلّ ما تبقّى هو ثُقبٌ في الأَسْفلت،
ثقب، ثقب فارغ فحسب، ثقب صغير.

ماريو فارغاس: عن قوة الأدب والقومية الجديدة والحُب في عمر الــ ٨٣.

يناير 26, 2020 اضف تعليق

 ترجمها عن الألمانية: بشار الزبيدي لموقع حكمة



أجرى المقابلة: صحيفة شتيرن الألمانية بتاريخ ٦ حزيران  ١٩ ٠ ٢ بواسطة الصحفية: يودت ليره

مقدمة:
يعيش ماريو فارغاس يوسا خلف أسوار عالية في أحدى الأحياء الغنية في شمال مدينة مدريد. جيرانه هم سفراء دول الكويت والجزائر وفنزويلا. عندما ذهابنا لمنزله انفتحت بوابة ضخمة قبل أن يفتح الخادم الذي يرتدي  زي رسمي وقفازات بيضاء باب الفيلا الكبيرة المؤدي إلى مكتبة الكاتب ماريو فارغاس. أرض المكتبة مفروشة بسجادة فارسية ، والنوافذ محجوبة بستائر خضراء مخملية. على الطاولة صندوق خشبي كبير مليء بالسجائر. وفوق الموقد لوحة زيتية لشريكة حياته الحالية (إيزابيل بريسلر)، المُكناة بلؤلؤة مانيلا. يجلس الحائز على جائزة نوبل للأدب ماريو فارغاس اوسا أمام مكتبه الضخم على كرسي ذو ذراعين جلديين وهو يرتدي بنطال بيج وقميص كتان أخضر غامق وقدميه الحافيتين موضوعتين في خُفان جلدية. يُعتبر الكاتب البيروفي واحد من أهم الكتاب المعاصرين، وقدم مؤخراً سيرته الذاتية الفكرية في كتابه الجديد "نداء القبيلة".

الحوار:
يودت ليره: كيف ينبغي لنا مُخاطبتك؟ كونت ماريو فارغاس يوسا؟
ماريو فارغاس: لا.. ماذا تقصدين، يكفي أن تُناديني ماريو.

يودت ليره: لكنك تحمل هذا اللقب: يا سيد ماريو فارغاس يوسا.
ماريو فارغاس: أوه، لا ، هذا هو لقب النبلاء الذي منحني إياه ملك إسبانيا بعد حصولي على جائزة نوبل. وأنا لا أستخدمه.

يودت ليره: هل تكتب هنا في هذه القاعة الفخمة؟ هل كتبت في هذا اليوم؟
ماريو فارغاس: نعم. أكتب كل يوم. أنا دائماً أعمل. ساعات الصباح هي المفضلة بالنسبة لي. ابدأ مُبكرًا ، في الساعةِ الخامسةِ. وعند الساعة السادسة، أمارس الرياضة  البدنية لمدة ساعة لأني أبقى جالساً طوال اليوم. بعد ذلك أستحم، أتناول الإفطار ، وأقرأ الصُحف، ثم أباشر العمل. أنا أكتب حتى الساعة الثالثة. هناك كُتاب الليل وكُتاب النهار. أنا أنتمي  لكُتاب النهار.

يودت ليره: أتكتب كل يوم؟
ماريو فارغاس: نعم كل يوم، حتى يوم الأحد. لأني أكتب مقالات صحفية.

يودت ليره: لقد كتبت 59 كتابًا في 55 عامًا. ما الذي تعمل عليه حاليًا؟
ماريو فارغاس: أنا أكتب في رواية تدور أحداثها في غواتيمالا في عهد الرئيس جاكوبو أربينز. والذي نُظم ضده عام 1954 انقلاب من قبل وكالة المخابرات المركزية. كان الأميركيون متوترين بشكل رهيب لأنهم اعتقدوا أنها كانت ثورة شيوعية. لكنها كانت حكومة ديموقراطية اجتماعية. قُتلَ خلف أربنز، كاستيلو أرماس، في ظروف غامضة بعد ثلاث سنوات، وهي عملية اغتيال لم يتم توضيح ملابساتها ابداً.

يودت ليره: أنت تسافر كثيرًا، وتكتب أيضاً في نفس الوقت؟
ماريو فارغاس: أكتب في كل مكان، حتى في غرف الفنادق، سأقوم بهذا الأمر أيضاً في يوليو في بيرو وألاسكا. على الأقل بضع ساعات في اليوم. حتى عند السفر، أحافظ على حيوية مشاريعي: سيما مقالاتي ورواياتي. يُمكن أن تكون اوقات الاستراحة والانقطاعات قاتلة. أنا بحاجة لهذا النشاط ، وإلا سأقتل نفسي.

يودت ليره: لقد قلت ذات مرة: إذا لم أتمكن من الكتابة، فسأطلق الرصاص على نفسي.
ماريو فارغاس: هذه هي الحقيقة الخالصة. إذا لم أكتب، كنت سأقتل نفسي بالفعل. (يضحك بصوتٍ عالٍ)

يودت ليره: هل ما زلت تكتب بنفس هذا الشغف؟
ماريو فارغاس: دائماً. هذه هي حياتي، وجودي. الكتابة هي طريقة للحياة. حياتي تدور حول عملي ككاتب. ابحث كثيرًا ودائمًا، وليس بالضرورة أبحث عن الحقيقة التاريخية، أو لأني امنح نفسي الكثير من الحريات، وإنما لأكون قادرًا على التماهي مع الحقبة والشخصيات.

يودت ليره: قال فيليب روث إنه لم يبق له شيء للكتابة في سن الشيخوخة.
ماريو فارغاس: الأمر مختلف معي. سوف أموت إذا لم أتمكن من كتابة ما لا يقل عن عُشر المشاريع التي ما زالت في ذهني. ما زالت هناك عشرة كتب على الأقل لأكتبها.

يودت ليره: ما الذي يُلهمك؟
ماريو فارغاس: الحياة. لم أكتب شيء، لم يكن مُتعلقًا بحياتي. هذه هي الموضوعات التي تحفزني ، الأشياء تحدث لي. تجارب معينة تلامسني بعمق في عقلي الباطني.

يودت ليره: أنت آخر الناجين من هذا الجيل من كتاب أميركا اللاتينية العظماء.
ماريو فارغاس: نعم ، جيل الازدهار.

يودت ليره: غارسيا ماركيز من كولومبيا، وخوسيه دونوسو من شيلي، وخوليو كورتاثر من الأرجنتين ، وكارلوس فوينتيس من المكسيك.
ماريو فارغاس: إنه امتياز مُحزن، لكن هكذا هي الحياة. الكثير من الأصدقاء ماتوا.

يودت ليره: هل تفتقدهم؟
ماريو فارغاس: فلنقل، كان وقتًا رائعًا، حقبة اكتشفت فيها أوروبا والولايات المتحدة واكتشف فيها العالم أدب أميركا اللاتينية، الذي كان موجوداً منذ فترة طويلة ولكنه كان حبيساً. لم يغادر أمريكا اللاتينية. وفي وقتٍ واحد، في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، تم اكتشاف أدب أميركا اللاتينية. وحتى أمركا اللاتينية نفسها بدأت في قراءة وإعادة اكتشاف مؤلفيها، مثل خورخي بورخيس.

يودت ليره: حقبة مؤثرة.
ماريو فارغاس: نعم ، خاصة لأننا اكتشفنا أن لدينا هوية أميركية لاتينية مُشتركة. عندما كنت في بيرو، لم أكن أعرف ماذا يكتب المرء في كولومبيا والإكوادور وشيلي، باستثناء ربما بابلو نيرودا. لم يكن لدينا أي فكرة ماذا يعني أن تكون أميركي لاتيني. كانت المرة الأولى التي شعرت فيها بهذا الشيء، عندما كنت أعيش في باريس. وذلك عندما بدأت في قراءة أدب أميركا اللاتينية. كان من المُلهم أن نشعر بأننا، من المكسيك والأرجنتين وبيرو، ولدينا نفس الجذور.

يودت ليره: لكنك لا تفتقد غابو، غابرييل غارسيا ماركيز؟
ماريو فارغاس: صداقتنا و أخوتنا تحطمت بفعل الخلافات السياسية. كما هو الحال دائماً. حيث بدأت الانقسامات، المشاجرات. ولكن الحقيقة: كانت هناك دائما صداقة نجت من هذه الخلافات السياسية.

يودت ليره: هل هناك أصوات جديدة في أدب أمريكا اللاتينية؟
ماريو فارغاس: بالتأكيد.

يودت ليره: من هم؟
ماريو فارغاس: على سبيل المثال، البيروفي ألونسو كويتو. عمره يزيد عن 50 عامًا، لكنه يبدو مثيراً للاهتمام بالنسبة لي، فهو بارع للغاية، لأن كتاب أميركا اللاتينية لم يعودوا اليوم ضيقي الأفق. ولا يقفوا عند حدود بلدانهم. وقد أعطى هذا الأمر أدب أمريكا اللاتينية رؤية دولية أكثر حداثة. على النقيض من الحياة السياسية، التي ظلت محدودة ، وضيقة الأفق كثيراً.

يودت ليره: ماذا تقرأ حالياً؟
ماريو فارغاس: اقرأ الكلاسيكيات، وقراءتها مراراً وتكراراً. في سن مبكرة، قرأت أولئك الذين اناروا طريقي مثل: فلوبير، فوكنر، وحتى سارتر، الذي نأت نفسي منه كثيرًا، ولكن كان هناك وقت، أثر فيه سارتر تأثيرًا كبيرًا عليَ. ما أجده مثيراً للاهتمام اليوم هو أن هناك الكثير من الكتاب، في جميع البلدان، وهناك حياة ثقافية غنية، لم تكن موجودة معنا. وقد تضاعف عدد الكُتاب الشباب، مما يُصعب علينا متابعتهم.

يودت ليره: اعتَقَدَ سارتر أن الكاتب يُمكن أن يؤثر على القصة. هل انجزت ذلك؟
ماريو فارغاس: هذا الأمر صعب القياس. فهو شيء غير مرئي ، لكنني أعتقد أن الأدب يؤثر على الناس وله آثار اجتماعية وسياسية. بدون شك.

يودت ليره: حتى اليوم؟
ماريو فارغاس: أنا مقتنع بذلك. لكن في الحياة العصرية ، يبدوا هذا الأمر أكثر صعوبة. أصبح الأدب ثانويًا بالنسبة للأنشطة الأخرى مثل الموسيقى والأفلام والتلفزيون – والتي لها تأثير أكبر. تم دفع الأدب إلى الحافة. لكن الأدب ما يزال أقوى وسيلة لنشر الأفكار. لسوء الحظ، في حياتنا اليوم، الأفكار أقل أهمية من الصور. فنحن في زمن ثقافة الشاشة.

يودت ليره: هل هذا جيد أم سيء؟
ماريو فارغاس: المجتمع الذي يضم العديد من القراء أكثر حرية وأكثر نقداً. أحد  تأثيرات الأدب هو إنتاج الناقدين لذوي السلطة. أن الشعب الذي لا يقرأ، يَسهُل التلاعب فيه. القُراء الجيدون هم المتمردون، بالمعنى السياسي والديني والجنسي. الأدب ليس مجرد ترفيه. بالتأكيد ، قراءة شكسبير مُسلية أو سيرفانتيس وغوته وتوماس مان، هذا رائع. ولكن بعد بعد تجاوز هذه المتعة نحصل على المزيد. والفكرة هي أنه إلى جانب حياتنا، هناك حياة أخرى أكثر كثافة وأكثر غنى. هذا يخلق فينا نوعاً من التمردِ ضد الواقع. وهذا بدوره محرك التقدم.

يودت ليره: هل انت مُتمرد؟
ماريو فارغاس: أعتقد نعم. أعتقد أنني مُتمرد. فقط لأنني قارئ نهم. أعتقد أن الأدب الجيد يجعل القُراء نُقاد جيدين في العالم.

يودت ليره: ماريو، يا لها من مكتبة فاخرة. هل قمت بتصميمها؟
ماريو فارغاس: لا. هذا صعب التفسير. إنها مكتبتي الآن، ولكنها كانت تخص زوج زوجتي السابق. كان وزيراً للشؤون الاقتصادية في عهد الرئيس الاشتراكي فيليب غونزاليس.

يودت ليره: هل هذه كُتُبك؟
ماريو فارغاس: كلا، هذه كلها كُتبهِ. لقد كان مُثقفاً. هنا خانة كاملة لكُتُب علم الفلك، هناك رياضيات، هناك للأمام كُتُب عن السفر، وجدار كامل من الكُتُب حول مصر القديمة.

يودت ليره: وأين هي كُتُبك؟
ماريو فارغاس: كُتُبي موجودة في منزل مُنفصل، يقع في مكان قريب.

يودت ليره: عمرك اليوم 83. هل تفكر في الماضي؟
ماريو فارغاس: اتذكر بعض المراحل والأحداث بحنين ، لكنني لا أعيش في الماضي على الإطلاق. أنا أحب الحاضر كثيراً ، وغالبا ما أفكر في المستقبل. العمر يجعل الناس أكثر حكمة ، يتعلم المرء التمييز بين ما هو مهم وغير مهم ، ما هو عميق وما هو عابر ، وهذه هي ثروتنا نحن كبار السن.

يودت ليره: ما أكبر نجاح تمتلكه؟ جائزة نوبل للآداب؟
ماريو فارغاس: لا. نجاحي بأنني أكتب عموماً. اخترت هذا العمل عندما كان الأمر صعبًا جدًا. إذا كان لديك مهنة أدبية في ذلك الوقت، ستبتعد عن المجتمع. كان من اليأس تمامًا أن يعيش المرء من الكتابة. هذا الأمر لا يمكن تصوره. شعر والدي بالقلق عندما اكتشف أني كتبت الشعر.

يودت ليره: لقد صفعك والدك. وأرسلك إلى أكاديمية عسكرية لإبعادك عن الكتابة. كان هذا موضوع أول روايتك.
ماريو فارغاس: كان يعتقد بأن ما أقوم به هو تذكرة مجانية للفشل. وأنني لن اكسب المال عن طريقه. وبأنني كنت شخص بوهيمي. هكذا كانت فكرته عن الكاتب. إما اليوم فقد أصبح الأمر أسهل بالنسبة لشاب يريد الكتابة. بالنسبة لي بدا ذلك ميئوسا منه. كانت الكتابة شيئًا يخص المحامين والمدرسين والأساتذة في أيام الأحد. لم يكرس أحد حياته للكتابة.

يودت ليره: إذًا هذا أكثر أهمية لك من جائزة نوبل؟
ماريو فارغاس: جائزة نوبل هي يانصيب. بعض الذين فازوا بها يستحقونها. والبعض الآخر استحقها، لكن لم يتحصل عليها. كان الفائز بجائزة نوبل الأولى شاعراً لم يعد يقرأ له أحد. كان اسمه برودوم، لا أحد يعرفه، حتى في فرنسا.

يودت ليره: هل كانت هناك هزائم في حياتك؟
ماريو: بالطبع ، هزائم، فشل، أخطاء، هذا أمر مؤكد.

يودت ليره: هلا ذكرت لنا منها؟
ماريو فارغاس: يجب على المرء أن لا يتذكر الفشل، إذ من الأفضل وصحياً، أن لا نسبح في الجروح. لكنني ارتكبت الكثير من الأخطاء. حاولت تصحيح بعضها وحاولت نسيان أخرى.

يودت ليره: ألا تريد الافصاح عن أي خطأ؟
ماريو فارغاس: كنت شيوعياً. كان ذلك خطأ فادح. كنت عضواً لمدة عام فقط في الحزب، لأن الستالينية كانت مُغلقة جدًا، وطائفية، ومُتعصبة، لدرجة أنني تحملتها لمدة عام فقط. لكن لفترة طويلة اعتقدت بأن الماركسية، الشيوعية الراديكالية، كانت هي المخرج للبشرية من الظلم.

يودت ليره: لكن ماهو أكبر أخطائك؟
ماريو فارغاس: الخطأ كبيرا، ما يراه المرء من فشل تام في المجتمعات الشيوعية. كتابي الجديد – نداء القبيلة – هو سيرة ذاتية تتعلق باكتشاف الديموقراطية والليبرالية على أساس خبرات ملموسة ومؤلفين مهمين، من آدم سميث إلى كارل بوبر إلى فريدريش أوغست. لقد كانت قضية شخصية بالنسبة لي: من الجماعية إلى مجتمع حُر وديموقراطي ، إلى دولة قانون. لقد أثبت لنا الزمن أننا على صواب: انهيار الاتحاد السوفيتي، وتطور الصين إلى دولة رأسمالية، وإن كانت دكتاتورية. وانظر ماذا يحدث في فنزويلا الاشتراكية. إنه أمر مأساوي للغاية، فظيع للغاية، أي ينساق كل شيء في مثل هذه الأرض الغنية، إلى الخراب.

يودت ليره: ماذا تتذكر عن وقتك مع فيدل كاسترو؟
ماريو فارغاس: كان لدي حديث واحد مطول مع فيدل كاسترو. في ذلك الوقت، كان لدي حماس كبير للشيوعية الكوبية، وكان جيلي بأكمله يشعر بهذا الحماس ، بدا لي ذلك وكأنه تجربة خارقة بالنسبة لي. كنت مُعجبًا كبيرًا بالثورة الكوبية حتى اندلاعها.

يودت ليره: كيف حدث ذلك؟
ماريو فارغاس: كان سببها حادثة باديلا. كان هيبيرتو باديلا شاعراً ترك الشعر من أجل الانضمام إلى الثورة. أصبح وزيراً ، كان نزيهاً تماماً. لقد سقط في السخط لمجرد أنه انتقد السياسة الثقافية، وليس الثورة نفسها. وضعه كاسترو في السجن وأتهمه بأنه يعمل لدى وكالة الاستخبارات المركزية. يا لها من بلاهة. لقد اعترضنا في وقتها على ذلك.

يودت ليره: احتج العديد من المثقفين اليساريين. كانت سوزان سونتاغ من بينهم وخوليو كورتاثار وكارلوس فوينتس وهانس ماغنوس إنتزنسبيرغر.
ماريو فارغاس: لقد كان انكسار كبير. وحتى ذلك الحين ، كان مثقفو العالم يدعمون كوبا. فقد رأوا في كوبا حداثة وشيوعية ديموقراطية. أقر الكثير منا بأن ذلك لم يكن صحيحاً.

يودت ليره: هل كانت تلك هي اللحظة الحاسمة – في حياتك أيضًا؟
ماريو فارغاس: كانت واحدة من اللحظات. ولكن قبل ذلك ، كان لدي دلائل. عندما أنشأوا معسكر UMAP). الوحدات العسكرية لمساعدة الإنتاج). في الحقيقة كانت هذه معسكرات اعتقال ، تضمنت مجرمين معاديين للثورة ومثليي الجنس. كنت أعرف الكثير من المثليين ، وثوريين حقيقيين ، وشعراء ، وراقصين ، ورسامين ، ومجموعة El Puente. لقد عانوا كثيراً  وتم إرسالهم إلى معسكرات الاعتقال ، وقُتل بعضهم. منذ ذلك الحين بدأت الشكوك في داخلي وبدأت مسيرتي النقدية.

يودت ليره: هل وجدت فلسفتك ، والليبرالية ، في وقت متأخر جداً.
ماريو فارغاس: بالطبع ، متأخر جداً. ذهبت إلى إنكلترا في سن السادسة والثلاثين ، متأخرة جدًا. ولكن أن تكون متأخراً أفضل من ألا تأتي أبداً.

يودت ليره: ما حالة عالمنا في عام 2019؟
ماريو فارغاس: أود هنا أن أقتبس لــ بوبر. قبل أشهر قليلة من وفاته، جاء إلى إسبانيا. قال الصحفيون في المؤتمر صحفي: "العالم في حالة سيئة. فقال لهم: نعم ، العالم سيء، يوجد الكثير من العنف ، الكثير من الفقر ، الآلاف من المشاكل. لكن إذا كنتم دائماً تعتقدون أن العالم سيء، تذكروا إن حالنا لم يكن أفضل أبدًا في تاريخ البشرية. أبداً. هذه الإجابة ينبغي أن تمنحنا الجرأة. جوابه كان صائب تماماً.

يودت ليره: ولكن هناك الكثير من الفقر والظلم الدائم ، لا سيما في أميركا اللاتينية.
ماريو فارغاس: لكن الظروف المعيشية تحسنت حتى بالنسبة لأولئك الذين هم في حالة سيئة للغاية. قبل ذلك كان شعورهم أسوأ. خاصة بالنسبة للشباب ، من المهم ألا يقعوا في هذا التشاؤم الكسيح ، وهذا هو أسوأ شيء بالنسبة للمجتمع.

يودت ليره: كيف ترى الموجة الشعبوية الجديدة ، والقومية في العالم؟
ماريو فارغاس: هذه مشكلة كبيرة. الشعبوية لا تنفصل عن القومية. والقومية هي واحدة من أكبر الكوارث في تاريخ البشرية. فيما إذا كان هناك شخص يعرف بأن أوروبا هي التي خاضت حربين عالميتين بملايين من القتلى بسبب القومية. الدين وحده فقط من يسبب الكثير من الضحايا ، و سفك الدماء ، والظلم بالقدر الذي تسببه الشعبوية، التي تتمثل مقوماتها الرئيسية في القومية. على المرء محاربة الشعبوية والقومية بكل الوسائل ، باسم الديمقراطية والحرية.

يودت ليره: أوروبا يتم الاستيلاء عليها حالياً من قبل الشعبويين وأمثلة على ذلك: أوربان ، فيلدرز، انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي ، وحزب البديل من أجل ألمانيا.
ماريو فارغاس: ما تفعله الشعبوية حاليًا أمر فظيع. وهذا يعني أن الذاكرة غير موجودة. بالأمس عشنا ما أفسدته القومية والآن منتشرة في كل مكان ، حتى في إسبانيا.

يودت ليره: من أين أتت الشعبوية بالذات في الوقت الحاضر؟
ماريو فارغاس: أنه تفكير قبلي. الحنين إلى شيء لم يكن موجوداً. الحنين إلى مجتمع متجانس تمامًا ,يتحدث بنفس اللغة وله نفس العرق وذات الإله ونفس التقاليد. لم يكن هذا الأمر موجودة أبداً ، أبداً ، فقط في عهد رجال الكهوف ، والهمجية. ولكنه هذا الحنين إلى الماضي يمنح الناس بطريقة ما الهدوء.

يودت ليره: لكن لماذا ظهرت الان؟
ماريو فارغاس: هذا مرتبط بالتطور السريع لهذا العالم. نحن نعيش في واقع لا علاقة له بالماضي. هذا يخيف الكثير من الناس ، يخيفهم. ومن هنا يأتي التوق إلى الماضي ، وهو أمر غير واقعي. هنا في إسبانيا نشهد ثورة في العادات. يشعر الكثيرون بالإرهاق من نهضة النساء والتغيير الاجتماعي. فأين إذن يفرون؟ في الخيال ، في هذه الفكرة عن مجتمع موحد تمامًا، متجانس، صحي، حيث يتعرف الجميع على بعضهم البعض. هذا لم يكن موجودًا ولن يوجد أبدًا. خاصة اليوم ، لأن الحدود قد رُفعت ، لأننا جميعًا مواطنون في العالم، سواء أردنا ذلك أم لا. ولكن الحنين إلى القومية عاد للظهور مجدداً ، خاصة في أوروبا، وهذا أمر مخيف.

يودت ليره: ليس فقط في أوروبا. أيضا في الولايات المتحدة الأميركية.
ماريو فارغاس: نعم هناك ايضاً. كيف يمكن للمرء أن يشرح أن هذا البلد، الذي يمتلك الطليعة في الحداثة، اختار شخصًا مثل ترامب؟ هكذا شخص جاهل ديماغوجي، غير مؤهل إطلاقاً لهذا المنصب وهذه المسؤولية. هذا صعب الفهم. المفاجأة الكبرى بالنسبة لي هي أن هناك جزء يشعر بأنه يمثله. يعتقد المرء أن الولايات المتحدة هي سرة العالم الحر. هذا الأمر مرعب جداً جداً.

يودت ليره: ماذا يُمكن ان نفعل؟
ماريو فارغاس: من المهم أن ينجح الاتحاد الأوروبي ويأخذ دور البطولة. المشروع الأوروبي ليس مهمًا لأوروبا فحسب ، بل للبشرية جمعاء. ليس من الجيد أن ينقسم العالم إلى كتلتين. إن وجود أوروبا أمر أساسي وبالتالي أمر مهم لوحدة أوروبا. أوروبا هي مهد الديمقراطية. مهد الحرية. أعطت أوروبا العالم حقوق الإنسان ، وهيأت الفرد.

يودت ليره: لقد تنحيت عن الاحتجاج على القومية بل حتى عن نادي القلم  الدولي.
ماريو ماريو فارغاس: نعم، اعتكفت لأن نادي القلم وقع في أيادي بعض ممن يريدون استقلال كاتالونيا. لقد استدرجوا رئيسة النادي القلمي، وهي فتاة أميركية تعيش في المكسيك. لذا فقد وضعت القلم في خدمة حركة الاستقلال، التي اناهضها بقوة.

يودت ليره: لماذا؟
ماريو فارغاس: ببساطة. لم تتمتع حركة الاستقلال بالأغلبية في كاتالونيا. انهم بعيدون عن 50 في المائة. وهو اختراع من القرن التاسع عشر للقومية. لم تكن كاتالونيا مستقلة أبدًا ولا يومًا واحداً. أولاً كانت جزءًا من فرنسا ، ثم إسبانيا. في إسبانيا كانت هناك مناطق مستقلة مثل: بالنسية، أراغون ، ولكن ليس كاتالونيا ، إنها اختراع للبرجوازية في القرن التاسع عشر. الاستقلال سيكون مأساة لإسبانيا وأوروبا. إذا وصلت كاتالونيا إلى ذلك مع أقلية ، فماذا يجب أن يقول الباسك ، الغاليسيون ، بلنسية؟ ستكون هذه سابقة لبقية أوروبا. أوروبا تزيل الحواجز والحدود كما ينبغي أن يكون والآن يأتي هذا الزحف القومي؟ لهذا السبب من المهم للغاية محاربته – باسم الحرية والديمقراطية.

يودت ليره: أنت تمدح الليبرالية والرأسمالية في كتابك. ولكن هناك الكثير ممن يلقون اللوم على الزيادة في الفوارق بين الفقراء والأغنياء ، والأزمة المالية وإزالة الغابات المطيرة وكارثة المناخ. لقد دفعتنا الرأسمالية التوربينية إلى هذا المنعطف.
ماريو فارغاس: هذا ليس صحيحاً. رغم أن هناك أيضًا بين الليبراليين طائفيين يعتقدون أنه يمكن حل كل شيء بالسوق. لكن الليبرالية كانت دائمًا تمثل الطليعة في كل الإصلاحات الكبرى التي دفعت الإنسانية إلى الأمام. لم يكن المفكرون العظماء في الليبرالية طائفيين ، ولم يكونوا متعصبين. لقد كان آدم سميث دائمًا مهتمًا جدًا بالقضايا الاجتماعية ، فقد دعا لليبرالية الاقتصادية لجعلها في مصلحة جميع الناس، وخاصة الفقراء ، ثم المزارعين ، حتى يتمكنوا من الافلات من الظروف المعيشية الحيوانية.

يودت ليره: الانتقاد هو أن العولمة تساعد الأثرياء ، قبل كل شيء ، على أن يصبحوا أكثر ثراء.
ماريو فارغاس: هذا ليس صحيحاً. العولمة هي واحدة من أفضل الأشياء التي حدثت للعالم. إنها تسمح لدولة فقيرة أن تصبح دولة مُزدهرة لديها سياسات جيدة. أفضل مثال هو جنوب شرق آسيا. كانت هذه البلدان فقيرة للغاية مع عدد قليل من الناس الأثرياء. اليوم هم أثرياء للغاية – بفضل العولمة. هل زرتِ سنغافورة من قبل؟

يودت ليره: كلا لم أزرها.
ماريو فارغاس: دُعيت إلى سنغافورة. كان لدي أصدقاء هناك وترجيتهم: بأن يروني الفقرا، ويأخذوني إلى الأحياء الفقيرة. أخذوني إلى منطقة الطبقة الوسطى وقالوا: هؤلاء فقراء. لم يكن ذلك ممكناً لولا العولمة – على الأقل من الناحية الاقتصادية. من الناحية السياسية، حسنًا، سنغافورة ليست نموذجًا للديموقراطية. والدول في أوروبا التي لم تعد تعاني من الفقر على الإطلاق ، هي دول ديموقراطية – مثل السويد وسويسرا، لقد قضت على الفقر. الدول التي انجزت هذه المهمة هي دول ذات ديموقراطيات ليبرالية.

يودت ليره: هل هناك سياسيون يعجبونك كما كنت معجب بـ رونالد ريجان ومارغريت تاتشر سابقاً؟
ماريو فارغاس: كنت معجب بهما كثيراً، لقد عشت في إنجلترا آنذاك. لقد كانت ثورة حقيقية. عندما وصلت ، كانت إنجلترا بلدًا حافلًا  بالحريات نعم ، ولكن في حالة انحدار ، فقد فشل فيها الاشتراكيون مثل المحافظين. كانت السيدة تاتشر ثورة حقيقية. أعطت بريطانيا الطاقة ، والديناميكية من جديد. هذا جدير بالملاحظة.


يودت ليره: هل تعرف السيدة تاتشر؟
ماريو فارغاس: نعم، تعرفت عليها. دُعيت لتناول العشاء. كنت محظوظا. قرأت تاتشر لبوبر وهايك، اللذين كتبت عنهما في كتابي. لم تكن خائفة من قول أن أكبر مفكر بالنسبة لها كارل بوبر وأن هايك قدم لها الإرشاد حتى في الاستشارات الاقتصادية.

يودت ليره: هل تحدثت مع رونالد ريغان؟
ماريو فارغاس: مرة واحدة. قلت له: أنا معجب بك كثيرًا، لكن كيف يمكنك أن تدعي إن لويس لامور هو أفضل أديب؟ لديكم عظماء مثل والت ويتمان، إدغار ألن بوي وويليام فوكنر. فقال إن لامور كتب العديد من الروايات عن الغرب المتوحش، ورعاة البقر التي هي ثقافة أميركية عظيمة. (يضحك).

يودت ليره: لكن  هل برأيك ما زال اليوم هناك ليبراليون كبار؟
ماريو فارغاس: نعم ما زال هناك، لكن لا يوجد أحد يصل إلى مستوى تاتشر أو ريغان.

يودت ليره: من هم؟
ماريو فارغاس: أنجيلا ميركل تبدو رائعة بالنسبة لي، فهي تقوم بعمل ممتاز. إنها أقل أيديولوجية من تاتشر أو ريغان، لكن يمكن تسميتها امرأة دولة عظيمة. تنبع قلة شعبيتها الحالية من حقيقة أنها استقبلت المهاجرين. تخيل هذا، إنها مبادرة إيثار مُثيرة للإعجاب، ولكن الألمان ليسوا على قدم مساواتهم. لقد ساهمت بشكل كبير في التقدم والازدهار وتحقيق الديموقراطية في ألمانيا. سوف يعطي التاريخ أنجيلا ميركل كل الحق.

يودت ليره: أنت نفسك اكتشفت السياسة في وقت مبكر جدًا، في سن الثانية عشرة.
ماريو فارغاس: كانت عائلتي قريبة من أحد أعظم رؤساء بيرو، خوسيه لويس بوستامانتي إي ريفيرو، كان محام نزيه جدًا. أسوأ ما قيل عنه، بأنه كان كما لو أنه رئيسًا لسويسرا. ثم انقلب رجال العسكر ضده. كان للانقلاب عواقب وخيمة على عائلتنا. كنت صغيراً وأنا في وسط السياسة.

يودت ليره: هل لديك احفاد؟
ماريو فارغاس: ستة.

يودت ليره: ما هي اهتماماتهم الكبيرة؟
ماريو فارغاس: اثنان فقط من أحفادي مهتمين بالسياسة. واحدة تدرس السياسة في جامعة كولومبيا في نيويورك. إنها ليبرالية للغاية ، مما يجعلني سعيدًا جدًا.

يودت ليره: ألا يهتمون بتغيرات المناخ؟
ماريو فارغاس: قبل كل شيء ، يواجه الشباب مشكلة لم تكن موجودة بالنسبة لنا: قلة الوظائف. التي تضغط عليهم بشدة. شبابك مختلف تمامًا عن شبابي. اليوم ، الوظيفة هي امتياز ، خاصة في البلدان المتقدمة. الشباب يعيش في حالة تخوف كبيرة. لقد جرنا هذا إلى حالة من الخمول، ومحاولة النسيان من خلال العيش على الهوامش مع الموسيقى والمخدرات. لكنهم أكثر حرية منا. لديهم الكثير من الحريات في حياتهم الجنسية ، من خلال الحركة النسوية. الحركة النسائية قوية جداً. التي فرضت إرادتها أخيراً ، من خلال رفع المظالم الواقعة على النساء. وأخيرا سيربحون معاركهم.

يودت ليره: هل تساعدنا على فهم قارتكم. يا لها من قارة مجنونة. لنبدأ مع فنزويلا.
ماريو فارغاس: مأساة. مهزلة. أن يتفكك مثل هذا البلد الغني بشكلٍ كامل. اللاجئون موجودون في كل مكان، سبعمائة ألف منهم في بلدي بيرو، أكثر من مليون في كولومبيا. في بيرو، يُسمح لهم بالعيش والعمل لمدة عام، وهذا تضامن. كنت هناك آخر مرة في عهد الرئيس شافيز، كنت مُحتجزًا على الحدود ، وتم استجوابي ، وكان هذه الحادثة سيئة.

يودت ليره: ثم على الجانب الأيمن البرازيل، التي يحكمها بولسونارو.
ماريو فارغاس: أنه ديماغوجي للأسف ، لن ينجح في البرازيل. إنه محرض عظيم ، وغير مؤهل. الأمر المخيف في البرازيل هو أن لولا، وهو ديماغوجي فاسد، خلفه ديماغوجي، الذي يأمل المرء منه فقط بأن لا يكون فاسد. انه لأمر محزن أن يبقى ما يُسمى بلد المستقبل دائمًا بلد المستقبل.

يودت ليره: في المكسيك، من ناحية أخرى ، يحكم الشعبوي اليساري لوبيز أوبرادور.
ماريو فارغاس: أنه تراجع آخر نحو الشعبوية.

يودت ليره: هل ترى إطلاقاً شيئًا مثل الليبرالية في أميركا اللاتينية؟
ماريو فارغاس: هناك بعض المحاولات، لكنها لا تجلب سوى القليل من الثمار، على سبيل المثال في الأرجنتين في عهد الرئيس ماكري. ماكري لديه أفكار جيدة. لكنه لم يجرؤ على القيام بعلاج الصدمة في هذه البلاد التي انهارت في سنوات حكم الرئيس كيرشنر، سنوات الديماغوجية، والفساد والشعبوية. لقد حاول ماكري تبني سياسة التدرج، وهي محاولة لإصلاح البلاد بشكل تدريجي. كان ذلك خطيراً. لذا يلومه الناس على أشياء التي كان على كيرشنر الإجابة عليها.

يودت ليره: في أكتوبر هناك انتخابات.
ماريو فارغاس: آمل أن ينجح مساره الإصلاحي إذا فاز في الانتخابات. إذا لم يفز، فستكون هذه كارثة بالنسبة للأرجنتين، كارثة حقيقية.

يودت ليره: فقط الأخبار السيئة من أميركا اللاتينية.
ماريو فارغاس: لكن هناك أيضا حالة التشيلي، التي لا يذكرها أحد. تشيلي كانت دولة فقيرة وهي الآن مُزدهرة للغاية. لم تعد تنتمي إلى أميركا اللاتينية، فهي قريبة من العالم الأول. وقد نجح التشيليون في تحقيق هذا الازدهار عن طريق الديموقراطية. لديهم يسار غير متعصب وقَبِل السياسة الاقتصادية الليبرالية التي أخرجت التشيلي من الديكتاتورية. كانت للتشيلي سياسة جيدة من اليسار واليمين، لذلك فهي نموذج يحتذى به.
يودت بيرو: في بلدك بيرو هناك..
ماريو فارغاس: … خمسة رؤساء إما في السجن أو هاربين أو قتلوا أنفسهم – بسبب الفساد. مع العلم أنهم مُرتشين من قبل شركة Odebrecht البرازيلية. وتم إنشاء هذا  الارتباط عن طريق رئيس البرازيل لولا. الفساد مُتجذر بعمق في حياة أميركا اللاتينية. هذه حقيقة. لحسن الحظ ، هناك بعض القُضاة في بيرو وكذلك في البرازيل يقفقون ضد مثل هذه الأمور بشجاعة وكفاءة كبيرة.

يودت ليره: لقد نافست في عام 1990 لتُصبح رئيس بيرو. لماذا لا تعود الآن، في هذه الساعة التاريخية؟
ماريو فارغاس: مهنتي ليست في السياسة. في ذلك الوقت، انخرطت في السياسة لقيادة الحملة ضد تأميم البنوك. كما حققت حركتنا نجاحًا كبيرًا، ازداد الضغط عليَ يومها كي أصبح مُرشحًا للرئاسة.

يودت ليره: كنت على وشك الفوز مع حزبك (حركة الحرية) ضد فوجيموري ، الذي انتهى به المطاف في السجن.
ماريو فارغاس: نعم، لكن السياسة لا تهمني. لم اقبل ابدا بمنصب ومع ذلك ، بقي شيء من حركتي. وأعقب ذلك سياسة مفتوحة اجتذبت الاستثمار والازدهار. لا أريد أن أكون مُتكبرا، لكن هناك أفكار ليبرالية من حملتنا ما زالت باقية- على الرغم من الأزمات.

يودت ليره: كيف ينظرون لك أبناء بلدك اليوم؟
ماريو فارغاس: ينظر لي جزء منهم بكثير من المحبة ، ولكن ليس الكل ينظر لي بعين العطف. يعتقدون أن أفكاري يجب أن تُحارب بقوة.

يودت ليره: يُطلق عليك الليبرالي الجديد.
ماريو فارغاس: سيكون هذا الأمر أقل حده. كانت هذه مجرد شتيمة لمحاربة الليبرالية. ولكن مع كل زيارة للبيرو، ألاحظ تراجه هذا الأمر.

يودت ليره: هل تشعر اليوم بأنك بيروفي أم إسباني؟
ماريو فارغاس: أنا مواطن من العالم. أنا بيروفي ولدي جواز سفر إسباني، لكنني كنت دائماً أرغب في أن أكون مواطنًا في العالم. ولقد حققت ذلك. هذا يجعلني أكثر سعادة.

يودت ليره: فعلياً مواطن في العالم؟
ماريو فارغاس: يمكنني العيش في العديد من الأماكن في العالم دون أي مشكلة. لقد عشت في العديد من الأماكن – في باريس ولندن وحتى ألمانيا وشعرت دائمًا بأنني في وطني.

يودت ليره: في المانيا؟
ماريو فارغاس: نعم في برلين. شعرت هناك بأني في وطني، رغم أنني لم أتحدث لغة البلد.

يودت ليره: اين كنت تسكن؟
 ماريو فارغاس: في أكاديمية العلوم في غرونن فالد. كان الشيء العظيم في هذا المكان هو: السماح للمرء بالعيش هناك مجانًا لمدة عام. الموسيقيين والشعراء وعلماء الأحياء والأنثروبولوجيا والكُتُاب. يتم توفير شقة ومساعدة من قبل سكرتيرة وتعمل على ما تعمل عليه أنت بكل الأحوال. كان هناك شرط واحد فقط: تناول الغداء في أكاديمية العلوم ثلاث مرات في الأسبوع. كنت سعيدًا جدًا في برلين في ذلك العام.

يودت ليره: يبدو أنك شخص سعيد على الإطلاق.
ماريو فارغاس: يجب أن لا تكون سعيدًا طوال الوقت. فقط في لحظات قصيرة. وإلا سيكون الأمر روتينياً. لكن عندما أنظر إلى كل شيء، فأنا أكثر سعادة من التعيس.

يودت ليره: لا بد لنا من الحديث عن الحب. ما مدى أهمية الحب في حياتك؟
 (ينظر فيرغاس لوسا مرة أخرى إلى اللوحة الزيتية الكبيرة لإيزابيل بريسلر على الحائط. وكانت ترتدي فستان سهرة أحمر).
ماريو فارغاس: الحب يلعب دوراً محورياً. الحُب يثري الحياة ، ويعطي الكثير من الزخم ، ويجعل حياة المرء أكثر تفاؤلاً ، وأكثر إبداعًا. غياب الحب يجعل الحياة حزينة.

يودت ليره: هل ما يزال هذا الحال في الشيخوخة؟ هل يوجد فرق بين الحب في عمر 18 و 83؟
ماريو فارغاس: بعمر الــ 80 يُعتبر المرء من ذوي الخبرة، ولكن عندما يعصف الحب، فإن التجربة برمتها غير مجدية. التجربة تنفق، تنطفئ. الحب في سن 80 ليس هو نفسه في سن 18. إنه حُب أقل عصفاً. ولكن إن وجد ، فإن الحياة تُصبح أفضل بكثير.

يودت ليره: هل ما زلت تعيش الحب بشغف؟
ماريو فارغاس: نعم، أعتقد ذلك. أنا بالتأكيد أحاول ذلك.

يودت ليره: يُمكن للمرء أن يلحظ ذلك أيضاً. أنت مُلاحق باستمرار من قبل المصورين.
ماريو فارغاس: إنهم في كل مكان، ولا يوجد مكانًا غير متواجدين فيه ، إنه شيء فظيع للغاية. يلاحقون زوجتي. الليلة نذهب إلى مباراة تنس كبيرة. صهر زوجتي هو رقم 34 في العالم في لعبة التنس، ولديه مباراة في رابطة محترفي التنس ATP Masters. سيكون أيضاً هناك المصورون.

يودت ليره: السؤال الأخير: كم عدد الكتب التي ما زلت تريد كتابتها؟
ماريو فارغاس: لدي ما يكفي من المشاريع. لن أنتهي بهم جميعًا أبدًا. عندما أنتهي من كتاب ما ، فإن مشكلتي الأكبر هي: ما الذي أختاره الآن؟ لدي الكثير. حلمي الكبير أن أموت أثناء الكتابة وقلم الحبر في يدي. ما زلت أكتب باليد وبالحبر.

يودت ليره: ماريو، شكرا لك على المقابلة.
ماريو فارغاس: كانت محادثة طويلة. لقد ثرثرت فيها كطائر القمري.

قصائد دانييل بولانجي (Daniel Boulanger)

يناير 20, 2020 اضف تعليق

ترجمة: مبارك وساط
تقديم:

 وُلِدَ دانييل بولانجي في مدينة كُومْپيينْ بفرنسا سنة 1922، وهو روائيّ وكاتب قِصّة قصيرة وشاعر وكاتب مسرحيّ وممثّل سينمائيّ وكاتب سيناريوهات. في سنة 1983، أصبح عضواً في لجنة تحكيم "جائزة غونكور"، وفي 2008، استقال من اللجنة المذكورة. صدرتْ لهُ أعمال كثيرة، نذكر منها:– في مجال الرّواية: "مِرآة من هنا"، "الباب الأسود"، "الأرعن"... – في الشِّعْر: "أيّتها النّافذة يا سفينتي"، "ضاحية الجِنّيات"، "من صوفٍ ومن حرير"، "فندق الصّورة"، لمسات (أو رتوشات)... وإلى هذه المجموعة الأخيرة، المنشورة سنة 1988 من قِبل دار غاليمار، في سلسلة "شِعر"، ينتمي عدد وافر من القصائد المترجمة ضِمن هذه المجموعات، والأخريات تمّ اختيارهنّ من مجموعات أخرى له.

  وما تتميّز به قصائد دانييل بولانجي، إضافةً إلى كونها قصيرةً، أنّها تحملُ، في الغالب الأعمّ، عناوين يبدأ كلٌّ منها بِ: «لَمْسَةٌ على...» (بمعنى: "رُتُوش"...). وهكذا نجد من بين عناوين القصائد المترجمة في هذه المجموعة: «لمسةٌ على الحقل المُوحِش »، « لمسة على الطّريق الضّيّق»... والقيام بلمسة على شيء ما، في العادة، يعني تشذيبه أو تهذيبه أو تنقيحه، بشكل طفيف وسريع، أمّا لمسات دانييل بولانجي، فهي أبعد مدى، إذ إنّها تتمّ عبر نظرة جديدة إلى هذا الشّيء أو ذاك الموضوع أو تلك الصّورة الذّهنيّة، ويطبعها نزوع إبداعيّ يحمل سِمات وبَصمات دانييل بولانجي الخاصّة.
----------------------
القصائد

1 - لمسة على الحقل المُوحش

المسلكُ وسَط نباتات الذُّرَة
الذي يُشرف عليه القمر الأحمر
سبق أن رأيتُه من قبلُ في حُلم
كان في ذلك الحلم حتّى البردُ
ذو رائحة التّفّاح
وعلا نداءُ طائر بلا شجرة
واهتاجَ الظّلّ الذي كان يتجمّع
ويرتعشُ في أسفل سنبلة
لكنْ جاءني ذلك الشّخص وسألني
عن الطريق والسّاعة
وعمّا إذا كان لديّ ما يُشرب وما يؤكل
ما دمتُ واقفا هناك
بلا حِراك
ومنذ أمد طويل


2- لمسة على الطّريق الضّيّق

الضّجة تُبرعم
منطلقةً من سيّاراتٍ لها دواليب رهيفة
رجل يعيش في العُلّية
من دون أن يعرف بقيّة البيت
المحروسة من طرف قطط وأوانٍ نحاسيّة.
الغبار يُجلّله
بسبب الأسفار الطّويلة التي يقوم بها
بمحاذاة الجدران
حيثُ، من حين لآخر،
تظهر نساء
بطيئات وبلا ثياب.


3 - لمسةٌ على المزاج

لِمَ هذا القلق
إزاء غطاء المائدة الذي لا تَصِمُهُ لطخة
وفوقه الإناء النّحاسيّ والبَيْضة
يُوازِنانِ غَسَقَيهما؟
ما مِنْ حِكايةٍ تُرْوى لنا
ولنا في هذه الأغذية رغبة.
لكنّ البيضة والإناء هما في إطار
والإطار في مُتحف
والمتْحف يُغْلَق في المساء
في ذكرى جهود الرّسّام الشّاقّة

4 - لمسة على الخطأ

المرأة الطّاهرة حلّتْ شَعرها
في عُرضِ الشّارع

سلالِمُ العشيق بِحيويّة اللهب
جعلَتْ منها رماداً

خلف الباب
السّماء تحصُرُ نفسها في كأس
ومعها كلُّ غُيُومِها

 5- لمْسَة على الخائنة

لقد تركَتْ لي كلابَها
تِلْكَ الأحزانَ الكبيرةَ التي يُداعبُها المرء

6-  لمسةٌ على الاحتفال

عندما كُنْتُ حكيماً
كنّا أنا والخادمة خلال الأيّام المرشوشة بمسحوق السُّكَّر
نتركُ الحشد يتقاتل في السّاحة الكبرى
على قطع حَلوى صغيرة
يُلْقي بها إليه قُضاةٌ رومانِيّون

كنتُ أركبُ التّرام مع الخادمة
ونمضي حتّى المحطّة الأخيرة
وكنّا نعود إلى البيت
في نفسِ المَرْكبة الرّومانِيّة الصّفراء
من مكان أبعد بكثير من النّجومِ
التي ثَقَّبَتْها كلماتٌ مَجهولة

7- لمسة على كتلة العظام

الكلبُ الذي يُشبْهُ روحي
بقي واقفا
أمام ذِكْرَاي

أم كلثوم على عرش الشهرة في اسرائيل

يناير 18, 2020 اضف تعليق

  

تم نشر المقال في موقع "الحوار المتمدن" بقلم ليندا منوحين عبد العزيز

تستقطب سيدة الغناء العربي الأولى، أم كلثوم، المزيد من المعجبين والمعجبات في اسرائيل، الذين ولدوا بعد ان شدت هي الرحال الى جنات الله الفسيحة عام 1975، مخلفة منبعا غنيا ينهل منه الكبار والصغار، العلمانيون والمتدينون، كلٌ بأسلوبه الخاص.


في المهرجان الموسيقي بمناسبة يوم المرأة العالمي في الشهر القادم، تقوم المغنية ميري مسيكا بأداء اغانٍ لعمالقة الغناء النسوي منها ام كلثوم الى جانب اديت بياف الفرنسية ومرسيدس سوسا الارجنتينية.

وفي إطار معرض "شمس آخر النهار"  تتفحص الفنانة نيفت يتسحاق بنظرة ملؤها الحنين والوعي تناسخ التراث الثقافي، إيصاله واستيعابه من جديد عبر أعمال "فيديو آرت". واهم ما يميز هذا المعرض أن تختار الفنانة نيفت يتسحاق (37 سنة) معبودة الجماهير كوكب الشرق أم كلثوم لتقف في مركز الإنتاج الفني، فيما تشكل الموسيقى العربية الكلاسيكية وجمال فن الزخرفة الشرقية الأساس للمعرض. تستخدم نيفت  أنغام موال وأصوات تصفيق من حفل تلفزيون موسيقي لأغنية "افرح يا قلبي " في عرضها المكون من جسم وصوت. تعرض الفنانة ستارة مسرح ثقيلة تسدل على المعرض. تتكرر عملية إغلاق وفتح الستارة الأمامية بينما تبقى الستارة الخلفية ساكنة ثم تدب فيها روح الحياة ويبدو كأنه بعد لحظة ستتجلى شخصية أم كلثوم أمام المشاهد وإلى جانبها أعضاء فرقتها الموسيقية.  

هذه العروض ما هي إلا مفردات فنية تعكس مقام ام كلثوم الذي اصبح في مصاف عمالقة الفن العالميين في نظر الجيل الجديد في اسرائيل.

صوت اسرائيل مدرسة لأم كلثوم
لقد قطعت اغاني كوكب الشرق ام كلثوم شوطا كبيرا في المشهد الثقافي الاسرائيلي منذ رحيلها في 3 شباط  1975 ونرى بصماتها العميقة في مجالات فنية وثقافية، رسمية وشعبية. ولا شك ان دار الاذاعة الاسرائيلية (صوت اسرائيل) ساهم في حفظ محبيها من الرعيل الاول عن طريق بث اغانيها في الساعة السادسة من مساء كل يوم ولمدة ساعة منذ ستينات العقد الماضي واصبح هذا الفاصل الموسيقي من سمات دار الاذاعة. ويقول مدير قسم الموسيقى في دار الاذاعة المتقاعد والملحن اسحاق ابو العز(افيعيزر) ان الجمهور اطفأ ظمأه بأغاني كوكب الشرق التي نشأ عليها".  

غير انه مع مرور الزمن واستتباب الامن في البلاد، اخذ راديو اسرائيل بالعبرية يبث بصورة تدريجية  اغاني لأم كلثوم لجمهور عبري، لم يسمع عنها من قبل، بعد ان نُشرت مقالات عنها في صحيفة هآرتس وغيرها، سيما للدكتور يائير هيرشفيلد. صحيح ان تغلغل غناء ام كلثوم في الوعي الاسرائيلي لدى الجيل الجديد استغرق وقتا طويلا حتى اختراق الموسيقى الشرقية ( الغناء العبري على ايقاع شرقي) التيار الرئيسي ("المينستريم") الاسرائيلي. ويقول الاستاذ ابو العز:"ان اختراق فنانين اسرائيليين شرقيين للمشهد الموسيقى الذي كان متأثرا بالموسيقى الكلاسيكية الغربية والموسيقى الروسية، مهد السبيل  لتبوء أم كلثوم  مكانة مرموقة في الوعي الاسرائيلي".

الحركة الفكرية تزيد من الوعي
ولا شك ان التراجم العديدة لإنتاج أم كلثوم الغزير الى اللغة العبرية والندوات والدورات التثقيفية في الجامعات ساعدت القارئ على فهم هذه الاغاني بعد ان شغف بالألحان. ويقول لنا السفير المتقاعد من وزارة الخارجية تسفي كباي الذي ترجم لها كذلك بعض القصائد:" ان اغنية ‘انت عمري‘ كانت الاغنية الاولى التي اخترقت الوعي الاسرائيلي بل غزت عواطفه وأصبحت ‘انت عمري‘ مرادفة لأم كلثوم وصوت مصر". اما الشاعر روني سوميك الذي قدم طفلا من العراق في مطلع الخمسينات فقد كتب عن كوكب الشرق قصيدة بالعبرية " خرقة مطرّزة "جاء فيها:
كانت ترتدي‮ ‬فستان سهرة أسود
وشواكيشُ‮ ‬صوتها تضربُ‮ ‬مساميرَ‮ ‬فولاذيّة
في‮ ‬الكوعِ‮ ‬المُسند على طاولة المقهى
                   في‮ ‬ساحة "سترومة‮".‬
‮"‬عوّدت عيني‮ ‬على رؤياك
وان مرّ‮ ‬يوم من‮ ‬غير رؤياك
ما‮ ‬ينحسبش من عمري‮".‬
أمّا أنا فجئتُ‮ ‬ومَحوتُ‮ ‬نسرًا كبيرًا رُسمَ‮ ‬بالطباشير
على قطعةٍ‮ ‬من‮ ‬غيوم،
رفرفتْ‮ ‬تحت جناحيه خرقةٌ‮ ‬مطرّزة
أوثقها،‮ ‬بعد سنين،‮ ‬بعروة بنطالِه
طبّاخُ‮ ‬القاعدة العسكريّة في‮ ‬بئير أورا.‬
طلبتُ‮ ‬منه بعض حبّات من البرتقال،
وفي‮ ‬آلة التّسجيل اسودّ‮ ‬فستانُها مرّةً‮ ‬ثانية‮.‬
أغمضَ‮ ‬في‮ ‬عينيهِ‮ ‬أبخرةَ‮ ‬الغداء،‮ ‬وقشّرَ‮ ‬حبّاتِ‮ ‬البطاطا‮.‬
مَنْ‮ ‬ذي‮ ‬الّتي‮ ‬تُغنّي،‮ ‬حاولتُ‮ ‬الاستفسار،‮ ‬أمّ‮ ‬كلثوم؟
هزّ‮ ‬هو رأسَه‮.
‬من طرفه،‮ ‬بِوُسْعي‮ ‬أن أسرقَ‮ ‬المطبخَ‮ ‬بأسْرِه‮.‬
المطربات المشهورات في أسر أم كلثوم
غير ان الادباء والشعراء لم يكونوا الوحيدين الذين وقعوا في شباك محبوبة الجماهير، إذ شمل هذا المنحى باقة من المطربات المشهورات مثل زهافا بين التي غنت لجمهور فلسطيني وإسرائيلي اغاني ام كلثوم وانضمت الى هذا  المشوار المطربة المشهورة سريت حداد وغيرها. فلا عجب ان تقول زهافا في احدى المقابلات الصحفية ان امنيتها أن تغني لأم كلثوم في دار الاوبرا في القاهرة!

الكنيس تحتضن فن أم كلثوم
لكن الموسيقى الدينية اختصرت الطريق الى اغاني ام كلثوم والأغاني المصرية الكلاسيكية بعد ان شرّعهاً الحاخام عوفديا يوسيف، الذي كان متعودا على الاستماع الى اغانيها، منذ خدمته في مصر وهو شاب في نهاية الاربعينات. وهكذا شقت الموسيقى العلمانية طريقها الى الترانيم الدينية الشرقية، مضيفة عليها بهاء واناقة. هذا الموقف استقطب الكثير من تلاة التوراة ( حزانيم) الذين انشدوا الترانيم الدينية على ايقاع اغاني ام كلثوم وغيرها في الكنس مثل موشي حبوشة والحاخام دافيد مناحيم اللذين يقيمان الحفلات الغنائية خارج نطاق الحلقات المتدينة كذلك ويستقطبان جمهورا كبيرا من الجيل الناشئ. وبغية الاستجابة للطلب المتزايد، تخصصت قاعات بتقديم هذا اللون من الموسيقى، نخص منها بالذكر سوزان دلال في تل ابيب وبيت افي حاي في القدس. اضف الى ذلك مهرجانات السلام التي تتعبق بها مواسم السنة سيّما مهرجان العود الدولي الذي ازدهر منذ نشأته قبل أربعة عشر عاما وأصبح قاعدة فنية لنشر الموسيقى الكلاسيكية العربية.

بين الثقافة والسياسة
إن دراسة شهرة ام كلثوم في اسرائيل لا تكتمل بدون التوقف عند خانة الواقع السياسي، إذ ان الثقافة متأثرة تأثرا كبيرا بالنزاع العربي الاسرائيلي. ولذلك فأن الحركات السلمية على أنواعها كان لها دور في تغيير المناخ الثقافي. وفي حديث خاص لنا مع الروائي سامي ميخائيل، يكشف عن عوامل اضافية للتغيير الحاصل لدى الشبيبة الإسرائيليين:  "من المفارقة ان الجيل الجديد في اسرائيل قد يكون أكثر اهتماما بأم كلثوم من اهتمامه بالدول العربية نفسها. ولعل هذه الظاهرة ناجمة عن عاملين، الأول الاشتياق الذي حمله اهالي الجيل الناشئ عندما قدموا الى اسرائيل من الدول العربية، بينما يكمن العامل الثاني في القمع القسري حيال كل اشكال الفن العربي في العقود الاولى من نشأة دولة اسرائيل. هذا الامر ولّد ظاهرة معاكسة تفجرت بشكل تذمر من ناحية ومن ناحية ثانية احتضان التراث الذي يمثل الفن العربي وهو غناء ام كلثوم".

. قال افلاطون : من حزن فليستمع للأصوات الطيبة، فإن النفس اذا حزنت، خمد منها نورها، فاذا سمعت ما يطربها، اشتعل منها ما خمد.

المطربة الشهيرة زهافا بين في حفل في قرية طرعان تؤدي اغنية  " أنت عمري " لأم كلثوم وهي من اشهر اغانيها في اسرائيل لدى الجيل الناشئ:
http://bit.ly/WOBNLN