البكاء المموسق.. ورقة الحزن العراقية الخضراء أبداً

ديسمبر 31, 2019 اضف تعليق

نص أول من مجموعة نصوص تُقدم الغناء العراقي، تُناقش تميّزه المعترف به، وخصوصيته، وعلى ذلك دوره في حياة مجتمعه.

زاهر موسى
شاعر وإعلامي عراقي


عرف العراق الحزن مبكراً. الصوت الجميل كان تجربة لتحويل اتجاه الحزن لا أكثر. غالباً، كان الأمر يتعلق بتجسيد مأساة مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب كي لا تمحوها الذاكرة العجلى. ذهب العراقيون منذ العصر العباسي نحو تحويل رثاء أقدس شهدائهم، حفيد الرسول، إلى فن صوتي. وحينما جاء البويهيون شاع الأمر ووجد مناخاً مناطقياً له، لكن شيئاً ما دفع بهذا الترنم الحزين إلى واجهة الصراع السياسي، ليدخل حيز التعبير عن المعارضة عبر المزج بين واقعة الطف من الماضي وما يمد لها بصلة من وقائع الأزمان اللاحقة بها.


فن الحزن

تحتفظ ذاكرة شيعة العراق بغالبية الأسماء المؤسِّسة لهذا الفن الذي صار له أنماط وقواعد، وانقسم لاحقاً إلى ثنائية الأصالة والتحديث. وعلى الرغم من انشغال تيار الأصالة في صياغة "اللطمية" بحسب مقاسات الفاجعة الحسينية، إلا إن هذا التيار كان شغوفاً بمساحة الشعرية على حساب اللحن المؤدَّى. ومع ستينيات القرن الماضي بدأ الرواديد وهم منشدو حلقات الحزن هذه بالمغايرة. تشترط اللطمية الانتظام في لطم الصدور بتناغم يسيطر عليه الرادود عبر آدائه المتزن، الذي تختلط فيه مزايا الناعي بالمنشد حتى يصعب التمييز بينهما، قبل هذا يكون الشاعر والرادود قد وجدا روحاً تجمع موهبتيهما في بوتقة الحزن والولاء لقضيتيهما. يكون هذا سابقاً لتقويم التراجيديا الشيعية والذي يبدأ من محرم الحرام وحتى ما بعد منتصف شهر صفر فيما سبق.. أما اليوم فقد اتسعت مناخات الحزن لتستحضر غالبية المآسي التاريخية لهذه الطائفة على طول العام.
ترتبط اللطمية بالمحاضرة الحسينية التي تسبقها عادة. وبعد أن ينهي خطيب المنبر وعظه وتذكيره السردي بواقعة الطف، يشرع الرادود بالإنشاد ويعضده الحضور بترديد مطلع القصيدة المموسقة ولطم صدورهم. وحتى سبعينيات القرن الماضي كان العزاء الحسيني لا يغادر المقامات الموسيقية الرتيبة والفخمة. حينها برز اسم حمزة الصغير كوريث لأسلافه من"الرواديد" في الإنشاد الأصيل الذي يليق بقدسية الواقعة والحزن ضمناً. حمزة اليتيم والمولود في أزقة كربلاء الملتوية على شجنها الخاص امتهن أعمالاً كثيرة في شبابه كالعطارة وصناعة الأحذية، وحين أصبح اسماً معروفاً في مواسم العزاء أخذت صوته الأشرطة التي لم تكن آنذاك جزءاً أصيلاً من حياة الرواديد. كان حمزة مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بشاعر كلاسيكي اسمه كاظم المنظور، وكلاهما نجح في تطوير منظومة اللطميات نحو أفق أكثر التزاماً بالتصوير الشعري والمغايرة الموسيقية الهادفة. تبع حمزة الصغير في شهرته رادود آخر هو ياسين الرميثي واختلفا في سياق قصائدهما حيث ذهب الأول باتجاه تطوير المقامات، أما الثاني فكان أميل إلى تحديث المضامين وإشاعة الروح السياسية في لطمياته. ارتبط اسم ياسين الرميثي والشاعر رسول محيي الدين بقصيدة "يحسين بضمايرنه" التي أصبحت نشيد الشيعة المقهورين بفعل السلطة عبر عقود. كانت ميول الرميثي في قصائده سبباً في اعتقالات طالته هو وأبناءه، الذين أُعدم منهم ثلاثة، ومن ثم هجرته من العراق بعد انتفاضة عام 1991.



تحديث الحزن

وفي الثمانينات والتسعينيات من القرن الفائت تعرّف العراقيون داخل وخارج العراق ــ على الرغم من فرض السلطة رقابة متزمتة ــ على شابين سيكونان الأشهر عبر السنوات في هذا الفن الصوتي، جليل وباسم الكربلائي. كانا ممن هربوا من العراق عقب ما يُعرف بانتفاضة صفر عام 1977 والتي حرّم فيها النظام الشعائر الحسينية، وأفرزت مواجهة مع السلطة أُعدم فيها الكثيرون. جليل الأكبر سناً كان معروفاً من الشيعة في دول الخليج وكذلك المنفيون العراقيون في سوريا وإيران، وكان باسم الكربلائي، الذي سيغدو الأشهر، ملازماً له. كان من الواضح تأثير ثقافة الكاسيت على شيوع هذين الاسمين وكيف كان تسرب صوتيهما المسجلين إلى العراق يمثل تمسكاً بروح الشعائر الملغية قسراً.
  

أسباب كثيرة حدت بشيعة العراق وآخرين إلى التشبث باللطمية كفعل معارض، وأهمها بث الحزن والنواح على سيل المصائب الذي لحق بهم عقب إعدام المرجع محمد باقر الصدر عام 1980. جليل الكربلائي كان ملتزماً بالمقامات ذات الجمل الموسيقية الرتيبة غير أنه بدأ بتحديث موسيقاه وقدراته في الإنشاد عقب انتفاضة 1991، أما باسم الكربلائي فقد كان ميّالاً إلى تحديث لا تحده حدود منذ بروزه، وهو ما جعله يتسيّد هذا الفن لاحقاً. وفي ظل تلك الأجواء بدأ الشباب الشيعة يتحسّسون حناجرهم في كل مكان. كان من الواضح أن القصائد تكتب وأن الرواديد ينشدون في عتمات البيوت داخل العراق في التسعينيات. وغلب على هذه المرحلة التعريض بالسلطة عبر كنايات تربط بين يزيد بن معاوية، الخليفة الأموي، وبين صدام حسين، على خلفية حملات القمع الممنهجة ضدهم. وبدأ نظام صدام حسين يجد في هذه الأنماط أمراً بسيطاً لا يؤثر عليه بعد أن أعدم المرجعيات الدينية والاجتماعية، وأباد المنتفضين ووضعهم في مقابر جماعية. كانت أشرطة التسجيل تتسرب إلى العراق عبر التجارة الخاصة التي ازدهرت مع سوريا والأردن في ظرف الحصار، وباتت سوريا مشغلاً أساسياً لمؤسسات الهندسة الصوتية التي تنتج هذا الفن الصوتي إلى جوار المحاضرات الدينية، بالإضافة إلى بث الاذاعات العابرة للحدود.
كانت تجربة السيد محمد محمد صادق الصدر، والد مقتدى الصدر، أمراً مهماً في سياق تنامي ظاهرة اللطميات، إذ كان الصدر الثاني ــ كما يصفه الشيعة ــ مهتماً بهذا الفن باعتباره شكلاً من أشكال المعارضة لنظام البعث. وقد وصل الأمر بالرجل الذي تم اغتياله وابنيه عام 1999 إلى إنشاد لطمية بصوته في إحدى خطب الجمعة وهو أمر لم يعرفه الوسط الشيعي مسبقاً. فالغالب على علاقة المرجعيات بالعزاء الحسيني منذ قرون اقتصارها على الحضور. ومنذ تلك اللحظة التي وقف فيها محمد الصدر لاطماً صدره ومنشداً قصيدة للشريف الرضي من على منبر مسجد الكوفة، غدت هذه التجربة تعزيزاً لوظيفة اللطمية السياسية والتي تمثل إضافة لأنماط المعارضة في منطقتنا بشكل حقيقي وواسع.


عودة الشعائر
عقب احتلال العراق عام 2003 وعودة الشعائر بعد حظرها على مدى عقدين ونصف، انشغل شيعة العراق بتنظيمها، وغدا المشي إلى المراقد هاجساً يقود الجموع، خصوصاً مع تحديات الهجمات الإرهابية التي قتلت الآلاف. في البداية، كان بروز الشباب طاغياً كرواديد ينشدون في كل مكان بأصوات تتلمس طريق الشهرة، ومثلّت عودة جليل وباسم الكربلائيين انتصاراً لمن ينتظم في هذا المسلك الفني. حينها لم يكن للتيار القديم من الرواديد حضوراً وباتت قصائدهم الرتيبة لا تجد متلقين كثر. الرادود وطن النجفي وهو من جيل حمزة الصغير وياسين الرميثي، حضر موسم العزاء الأول بعد الاحتلال وحاول المحتفون به اتاحة الفرصة له داخل ضريح الإمام الحسين في كربلاء، غير أن الجموع الكثيرة لم تكترث لنمطه القديم.
وقد ساهم البث الفضائي وبروز الفيديو كليب في نشر اللطمية إلى مساحات أوسع وتقديم المنتج الفني بطريقة جاذبة إلى حد بعيد. غير أن طبيعة المواقف السياسية للتيارات الشيعية أفرزت أنماطاً متعددة تصنف جميعها تحت خانة الإنشاد الديني.. التيار الصدري الذي قرر مواجهة الاحتلال عسكرياً وجد في أصوات مجموعة من شبابه المندفعين، مثل أحمد الساعدي وعلي الدلفي، ترويجاً لمشروعه عبر نمط تتميز موسيقاه بالسرعة وبإدخال عناصر موسيقية عديدة بالإضافة لأصواتهم الشجية. بدأت الموضوعات والأنماط الموسيقية تتعدد فمن مواجهة الاحتلال، إلى الأحزاب الشيعية في السلطة، إلى مواجهة الإرهاب، ومن الأداء السريع إلى المقامات الأصيلة المتداخلة بتنويعات رشيقة.
امتدت الأيام بالإنشاد الشيعي حتى مرحلة مواجهة "داعش" وهو يمتلك زخم مواجهات عديدة في الأفق السياسي والاجتماعي. وكعادة هذا الفن الموسيقي، فقد وضع نفسه في مرحلة تصد واضح لكل التحديات التي تحيق بشيعة العراق. فضائيات ومواقع الكترونية ومنابر تزدحم اليوم بالرواديد في اتساع لمشهد العزاء الذي كان لا يتسع للكثيرين، وأهواء سياسية تدفع باتجاه دعم بعض الشعائر غير المتفق عليها كالتطبير والترويج الطائفي في متن القصيدة المموسقة كإجراء دعوي وترويجي.
عبر عقود متلاصقة وضع الشيعة في أصواتهم حزناً كثيفاً مطعماً بنبرات سياسية لا تخفي الانتماء لشعور الاضطهاد الثقيل، مرّت السنوات والأصوات تزدحم في أذن المجتمع مرة بحفيف المعاناة ومرة بصخب المواجهة دون انقطاع.
عن السفير العربي

-كلمات حُبّ- روبير ساباتيي

ديسمبر 18, 2019 اضف تعليق
ترجمة مبارك وساط


--------------------------
كلماتُ الحبّ أبدا لن أسمعَ موسيقاها مستقبلاً.
سأشعرُ بالخوف من الصّمت، أنا الذي كنتُ أحبُّ أنْ يَرِين!
أوشوش أحياناً لأعطيَ انطباعًا بأنّ آخَرَ هو الذي يتكلّم، 
أتكلّمُ وحدي مُحَاوِلاً أَنْ أكون اثْنين.
الجدار عارٍ.
عليه أتملّى ظلّي.
شُكرًا يا ظِلِّي. يا رفيقي اللطيف! 
وأنتِ أيّتُها الذّاكرة، أنْعِمي عليّ بِذِكْرَى
فأرى حياتي كحلم: 
كلّ ذلك الماضي أتخيّله مستقبلاً.

---------------------------
رُوبير ساباتيي:
شاعر، روائيّ وكاتب فرنسي (1923-2012). ألَّفَ: "تاريخ الشِّعر الفرنسي"، في تسعة أجزاء. من مجموعاته الشِّعرية: "الأعياد الشّمسيّة"، "إهداءُ سفينة"، "الأسماك الشَّهِيّة"، "إيكارْ وقصائد أخرى"، "ضوء حيّ"... وفي مجال الرّواية، عُرِفَ خاصّة برائعته: "أعواد الثّقاب السّويديّة"، التي يتناول فيها طفولته في حيّ مونمارتر الباريسي - وهي الأولى من سلسلة روايات- وإثْر صدورها، اكتسبَ صاحبها شعبيّة كبيرة في فرنسا وخارجها .

شارون أولدز/ جِماعٌ بلا حبّ

ديسمبر 18, 2019 اضف تعليق


ترجمة ريم غنايم

كيف يفعلونها، أولئك الذين يمارسون الحبّ
بلا حبّ؟ جَمالهم كَجَمالِ راقصين،
يتزحلقون فوق بعضهم مثل متزلجي الجليد
على الجليد، الأصابعُ كلاليبُ
مغروزة في الأجساد، الوجوهُ
حمراء كشريحة لحمٍ، نبيذ، رطبة
كأطفال لحظة الولادة، توشك أمّهاتهم على
تسليمهم. كيف ينتشون ويبلغون يبلغون الرّب يبلغون مياهًا راكدة، لا حبّ
من وصلوا معهم إلى هناك، ضوءٌ ينبلج ببطء من اللحم المتعالق؟ إنهم الأتقياء الحقيقيّون،
الطهرانيّون، المحترفون الذين لن يقبلوا بحبّ مسيح كاذب، ويحبّوا الكاهن بدلا من الرّب. هم لا يخطئون الحبيب من أجل مُتعتهم.
هم مثل عدّائين كبار: يعرفون أنّهم وحيدون
في الطريق، الصقيع، الريح،
ملاءمة أحذيتهم، عافية قلوبهم/رئاتهم—ليست إلا عناصر، مثل الشريك
في السرير، بينما الحقيقة هي أنّ
الجسد المفردَ وحيدٌ في الكَون
يواجه أفضل أوقاته.

(*)  من مجموعتها المَوتى والأحياء

المَربوء ليونارد كوهن

ديسمبر 09, 2019 اضف تعليق

ترجمة ريم غنايم

لأنك لن تدمّر حياتك. لا يمكنك أن تتنفّس. خشية أن تتشرّد. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك صرتَ تعبد الوقت. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنّك لن تحظى بالجميلة يومًا. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لن تبحر إلى الميناء الصغير وتدخل القرية. لا يمكنك أن تتنفّس. لأن حزنك لن يعود إلى أصله. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك تؤمن أنه ما كان عليك أن تكون بعيدًا جدًا. لا يمكنك أن تتنفّس. لأن هذا هو وادي ظل الموت. لا يمكنك أن تتنفّس. حملك القارب إلى هنا. خَتمَت الفراشة فرارَك. لأنك لا تقوى على أن تكون هنا. لا يمكنك أن تتنفّس. تحطّمت الفراشة في صينيّة فضيّة وختمت فرارَك مثل حجرٍ تدحرجَ في نفق. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لا تُبصر الآتي. لا يمكنك أن تتنفّس. لأن هذا العالم لكَ وليس لك. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك ترتاح، لأنك تكافح، لأنك لا تعمل. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك تجعل العالم يحول بيني وبينك. لا يمكنك أن تتنفّس. لهَجسٍ بالنّفس السّاكن. لا يمكنك أن تتنفّس. هنا لديهم أشجار البرتقال والليمون. هنا ثمّة حماماتُ مياه معدنية. لأنك تريد أن تختار طريقًا. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنّك تجد لغة لترحّب بي. لا يمكنك أن تتنفّس. تتلألأ الشمس في أرجاء المياه الزرقاء. الشاطئ الحجريّ يغسله البحر. ستائر صفراء تُمتص مقابل الكوى. المروحة ترغب في أن يخلد الجميع إلى النوم. تفصلُ نفسك عن امرأة مجهولة بسترة خضراء. لشغفك بالغَلبة. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لن تخاطبني مثل نظير لك. لأنك أوصيتَ الحراس بأن يوصدوا الأبواب ويسلبوا النّفَس. لأن العالم مدموغٌ بالنّظام، مثل ختمٍ بشمع ممسوخٍ. لأن لك إله عدل. لأن العدل فوريّ ولا تشوبه شائبة. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لا تستطيع أن تصون انفصالك. لأنّ غربتك مهزومة. لأنك تسحب أنفاسك عبر قناع من العفة. لأنك تبعث إلى الموضوعية سترتها الخضراء، الجُزر المتوهّجة، المسافة التي تفصلك عن الحب، وجلّ مأزقك اللاهث. لا يمكنك أن تتنفّس.

عصفور فوق السّلك


مثل عصفورٍ فوق السّلك،

مثل سكّير في جوقة منتصف الليل

حاولت على طريقتي أن أكون حرًّا.

مثل دودةٍ في كُلاّبٍ،

مثل فارسٍ من كتابٍ قديم

صُنتُ لأجلك كلّ أَوشحتي.

إذا كنت، إذا كنت فظًّا،

أتمنّى لو تصفحين.

إذا كنتُ، إذا كنتُ كاذبًا

أتمنّى لو تعرفين أنّي لم أكن كذلك معك قطّ.

*

مثل رضيعٍ جهيض،

مثل حيوانٍ بِقَرنه

مزّقتُ عنّي كلّ من مدّ يده لي.

لكنّي أقسم بهذا النّشيد

وبكلّ خطأ اقترفته

أنّي سأعوّضك.

رأيتُ متسوّلاً يتوكّأ على عكّازه الخشبيّ،

قال لي: “لا تطلب الكثير”.

وامرأة جميلة تركن إلى بابها المعتم،

هتفت لي، “هيه، لم لا تطلب المزيد؟”
*

أوه مثلَ عصفور فوق السّلك،

مثل سكّير في جوقة منتصف الليل


حاولت على طريقتي أن أكون حرًّا.

العبقري

لأجلك
سأكون يهوديًا من الغيتو
وَسأرقص
وَسأضع جواربَ بيضاء
عند أطراف جسدي المقوّسة
وأُسمّم آبارًا
في أرجاء البلدة.
لأجلك
سأكون يهوديًا مرتدًا
وسأبوح للكاهن الاسبانيّ
بنذر الدم
في التلمود
وأينَ تتوارى عظامُ
طفلٍ
لأجلك
سأكون يهوديًا مصرفيًا
وسأدمّر
ملكًا صيّادًا عجوزًا مغرورًا
وأضع حدًا لسلالته
لأجلك
سأكون يهوديًا من برودواي
وسأبكي في المسارح
على أمّي
وأعقد صفقاتٍ رابحة
من تحت المنضدة
لأجلك
سأكون يهوديًا طبيبًا
وسأفتّش
في كلّ حاويات القمامة عن قُلَفٍ
لأعيدَ تَقطيبها
لأجلك
سأكون يهوديًا من داكاو
وسأرقد في الجير
بأطراف جسد مقوّسة
وبأَلمٍ مُنتفخ

لا يقوى عقلٌ على إدراكه

بوروز من الدّاخل والخارج

ديسمبر 09, 2019 اضف تعليق
شذوذ كاتب بورجوازيّ
عن الملعون العجوز بيل


ريم غنايم

شكّل العام 1997 ضربة قاسية لعشّاق جيل البيت ولِمن جايلهم، ففيه رحل وليام سيوارد بوروز، صاحب الرواية الشهيرة "الغذاء العاري" والأب الرّوحي لحركة جيل البيت، عن عمر ناهز ال 83، وهو نفس عام رحيل صديقه وشريكه في الأبوّة ألن غينسبرغ، صاحب “عواء” عن عمر ناهز ال 71. قبلها بأعوام قليلة، 1969، رحل جاك كيرواك صاحب رواية “على الطريق” والضّلع الثالث في هذا المثلث متساوي الأضلاع، عن عمر ناهز ال47. ثلاثة يقفون على رأس أهمّ حركة بوهيمية في منتصف القرن العشرين، وهم نفس الثلاثة الّذين غيّروا وجه الخريطة الأدبيّة الأميركيّة لأكثر من عقدين، كردّ فعلٍ مناهض لوجه الحياة الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة كما عاشها العالم وقتها.

السّؤال المطروح هنا، لماذا لا يزال العالَم يتذكّر، بنفس وهج الأمس، كتّابًا اتّهموا لسنوات طويلة بالفحش وارتكاب الجرائم والتّحريض على السّلطة والشذوذ والإباحيّة والمجون، الأمر الذي دفع الرقابة إلى مصادرة أعمالهم التي قلبت موازين المفاهيم الشّعريّة والنّثريّة في ذلك الوقت؟ الإجابة في رأيي تكمن في صدق الشّبان البيتنيكيّين في التّعبير عن مآزق راهنة يعرفونها ويألفونها، فوثّقوها بكلمات تشبهها تمامًا بدون بلاغة مستحيلة، واستعاروا عوالم بشريّة أخرى (كالانفتاح على البوذيّة والطاويّة، البوهيميّة، الجاز، البوب، الهايكو، السورياليّة، ولغة الشوارع وغيرها) احتضنوا رؤاها بحثًا عن ملاذات بديلة. إنّه الإيمان بالكلمات وبمن ينطق بها هو ما جعل جيلاً كاملاً يهتف مردّدًا وراء هؤلاء، فجاءت قصيدة عواء لألن غينسبرغ صرخة فظّة وخشنة وخادشة في وجه الاستبداد واليأس. وجاءت رواية كيرواك "على الطريق" مفتوحة وحرّة وعفويّة تسندُ مفهوم الضّياع كرديف للحريّة. وجاء بوروز برواياته "المدمن و"الغداء العاري" و"المثليّ" و "الآلة الناعمة" وغيرها، لوحات سورياليّة محسّنة الجينات، غائرة في فظاظة الواقع، والكتابة العفويّة بأسلوب التقطيع الدادائيّ. بهذه الأساليب وهذه الرؤية، كتب هؤلاء الشّبان ما فهموه وأدركوه وعاشوه دون أن يدخلوا في معاطف وأحذية السّلف، ودون اجترار شعريّة خاوية مفصولة عن عقائدهم وعن سياقهم المتفجّر برغبات الثورة والتمرّد والانفتاح والتغيير والتي تمثّلت في صعود الجاز، وثقافة البوب، والأزياء الهيبيّة وغيرها من مظاهر كانت بشكل أو بآخر الأذن الأخرى لجيل البيت.

هنا، وفي هذا السّياق، جاء بوروز.
لم يتجاوز رحيل بوروز أو العجوز بيل، قطيعة الجسد عن الرّوح التي خلقت معها رؤية مغايرة للعالَم والإنسان والتي سرعان ما تحوّلت إلى ثقافة جيل كامل رافض مثّله بوروز بتمرّده وثوريّته وموهبة الجنوح إلى أقصى اليمين وأقصى اليَسار دون أن يقيمَ وزنًا لمؤسسة حاكمة ولا لسلطة رادعة ولا لثقافة رسميّة. هذا الرّفض في حدّ ذاته سعيًا نحو الحريّة، هو ما جعل، من كتّاب جيل البيت، وثالوثه المقدّس "الأيقونات" العملاقة للثقافة المضادّة في الحياة الأدبيّة والفنيّة في الشارع الأمريكيّ والعالَم عمومًا.
لكن يبدو أن قدر الكاتب بوروز جاء بعَكس التوقّعات وبعَكس الحسابات المنطقيّة التي رَسمت للكاتب مسار المثقّف البورجوازيّ في عائلة مرفّهة لا يعوزها شيء، انسلَخ الطّفل عن جلده، وأصبح هذا الانسلاخ الاسم الآخر للحياة. لم ينقص الطفل بوروز شيئًا على صعيد حياته الأسريّة، فالطّفل كان ينتمي لعائلة بورجوازيّة مرفّهة عريقة الأصول، لم يكن له مبرّر ليختار مسار الانسلاخ الصّعب. لكنّ هذا البورجوازيّ المرفّه، والذي سيصبح شابًا متعلّمًا مثقفًا لاحقًا، قرّر عن طيب خاطر وبنيّة مبيّتة السّقوط من "قعر القفّة" ليتمدّد في حكايات قاع العالَم السفليّ. يعترف الكاتب بأسلوبه البوروزيّ، بهذه النيّة قائلاً:
“في الواقع، ذكرياتي الأولى مصبوغة بالخوف من الكوابيس. خفت من البقاء لوحدي، خفت من الظلام، وخفت من الذهاب إلى النوم لأني دائمًا حلمت برعبٍ خارق كان دائمًا على وشك أن يتحقق. كنت أخشى أن يأتي يوم أستيقظ فيه ولا ينقطع الحلم. أذكر أنّني سمعتُ الخادمة يوما تتحدث عن الأفيون وكيف أنّ تدخينه يسوق أحلامًا لذيذة، فقلت: “عندما أكبر سأدخّن الأفيون".
المتأمّل سيرة بوروز يلاحظ رابطًا خفيًّا قويًا بين رؤيته الاحتجاجيّة المتطرّفة للواقع، ومنصبه الاجتماعيّ كبورجوازيّ يمتلك كلّ صفات ومعايير النجاح للانخراط في المجتمع. ورغم ذلك، انحرف “الطفل” عن مساره. ربّما شيء ما يكمن في جوهر البورجوازيّة كحالة توفّر للفرد كلّ احتياجاته، إلى حدّ يصل الإشباع، هو ما يمهّد ويحفّز على التمرّد بامتياز. وربّما هي حالة الامتلاء التي شعر بها “الطفل”، هي ما جعلته ينحاز إلى “غريزة” الانحراف المبيّتة. إنّها نفس البورجوازيّة التي انحدر منها غينسبرغ وكيرواك، ونفس البورجوازيّة التي هيأتهم لمسارات أكاديميّة راقية. وربّما هو هذا الانضباط الزائد عن الحاجة، والأقدار المرسومة مسبقًا لأرواح متمرّدة، هي بالذّات ما هيّأ لهذا الطّفل ولع اللعب بالمسدّس وولع السّقوط كإيديولوجيا موجّهة للحياة. يُبَرهن نموذج بوروز هنا، أنّ البورجوازيّة هي النموذج الاجتماعيّ الأمثل والدّفيئة الحاضنة بامتيازاتها وتفوّقها، الذي قد يربّي، دون وعي أحيانًا، داخله أفرادًا يطيحون به وبقيمه.
لم يكن وليام بوروز كاتبًا عبقريًا تقرأ له نصًا فيهزّك بجماليّات النّثر والشّعر وفق معايير الأدب النموذجيّ. كان بوروز حالة أدبيّة، تقليعة حداثيّة سورياليّة فانتازيّة، أشبه بـ "كولاج" ينحت، ويصوّر ويُقحم وينشز، ويعمّق الواقعيّة بكلّ غثيانه وسفالته وجماله. هكذا جاءت روايته الشهيرة "الغداء العاري" وهكذا جاءت روايته الأولى "المدمن"، اعترافات جريئة لكاتب سقط في الإدمان بإرادة ورفض حبل النجاة بإرادة أيضًا.
وكنصّه الأدبيّ العفويّ، كان بوروز أيضًا خليطًا مفتوحًا على العالَم واتجاهاته. فكانَ ناثرًا، وشاعرًا، وكاتب مقالة، ورسامًا ومصوّرًا، وموسيقيًا، ومجرمًا، ومدمنًا ميئوسًا منه، وبوهيميًا، ومثليًا. كان خليطًا من الهارمونيا والنّشاز يشبه العصر الذي أفرزه وأفرز معه حالة من الغليان على المستوى الاجتماعيّ والفرديّ على حدّ سواء. هذا الخليطُ هو ما جعل منه “ماركة مسجّلة” حتّى وهو في الثالثة والثمانين.
عُرف بوروز في صباه فتى فظًا، بعيدًا عن المجتمع، قريبًا من هوايات الصّيد والقنص واللصوصيّة، بورجوازيّا سيّئًا يُعجَبُ بسير الكتّاب اللصوص، يقتحم المنازل، يحملُ سلاحًا وهو في الثامنة ويطلق النّار على الدّجاج، ويبحث عن صديق يشاركه الجريمة على الدوام. هذا الولع بالجريمة والرغبة في السّقوط تجسّد في سيرة الكاتب الإشكاليّة لاحقًا. ففي عام 1944، يرتبط اسم بوروز (وكيرواك) بجريمة قتل هزّت الأوساط الأدبيّة والإعلاميّة الأمرويكيّة، قام فيها لوسيان كار، أَحد الأصدقاء المقرّبين لبوروز وكيرواك، صديقًا له يُدعى ديفيد كاميرر وألقى بجثّته في نهر هدسون، ومثل كلّ من بوروز وكيرواك كشاهدَين تستّرا على الجريمة. وفي عام 1951 قتلَ بوروز زوجته جوان فولمر خطأً في لعبة تسلية بدأت بإطلاق الرّصاص على كأس زجاجيّة فوق رأس جوان، فأصابت الرّصاصة رأس جوان وأردتها قتيلة في الحال. تمكّن من الإفلات من المحاكمة بفضل أموال عائلته وحُكم عليه لمدّة عامَين غيابيا.

هل قتل بوروز زوجته خطأً أم أنّ جنونَ الكاتب لحظتها هو ما دفعه إلى القتل؟ في كلّ الأحوال، تظلّ هذه الحادثة، كما يقول بوروز، حدثًا موجّهًا في حياة الكاتب وفي رؤيته للكتابة والأدب لاحقًا (فقد نشر بوروز أوّل عملٍ أدبيّ سيرذاتيّ له هو المدمن عام 1953، أي فقط بعد عامَين على وقوع الحادثة).

نعم. كان بوروز إنسانًا “إشكاليًا” كما يبدو ظاهريًا، فلَم يترك طقوسًا “سافلة” إلاّ ومارسها وطال الانحراف كلّ جوانب حياة البطل السّيء. قتل الزوجة، الوقوع في الإدمان (المورفين، والهيروئين والماريحوانا والكوكائين والبنزدرين) والذي فلسفه بوروز كـ "أسلوب حياة"، الهويّة الجنسيّة الحائرة، الترحال بين عواصم العالَم : طنجة، باريس نيويورك، لندن، والضّياع كفلسفة جيل وعصر. حتّى في خنصر يده اليّسرى الذي قطعه ليثير إعجاب أحدهم، وحتى في هدوئه الغريب، هدوء من يبيّت خيانة العالَم لحظة بلحظة، وتشويه العاديّ بالصّخب، وحتّى في ممارسته للمثليّة كحال آخرين من أبناء هذا الجيل، كان بوروز منحرفًا بامتياز.

من يقرأ بوروز، يدرك بينه وبين نفسه أنّه لم يكن ناثرًا عظيمًا. وليست هنا النقطة الجوهريّة. كان بوروز تجسيدًا للعقل المنحرف الذي رأى في الحياة وفي الأدب وجهان لعملة واحدة. لذلك، تكمن أهميّته في رمزيّته كظاهرة عبّرت عن ثورة جيل كامل في الستينات والسبعينات. بيل هو ظاهرة اجتماعيّة احتجاجيّة في أدبه وفي حياته، وشأنه شأن تقليعات الهيبيز وموسيقى الجاز والبوب وشأن العالَم الذي كان ينتفضُ وقتها على الرأسماليّة وماكينة الاستهلاك، حاوَل بوروز أن يصرخَ بطريقته في وجه وحشيّة العالَم، فجاء الشّذوذ متطرفًا ردًا على تطرّف العالَم في هذه الوحشيّة.

أسْفار"جول سوبرفيال

ديسمبر 04, 2019 اضف تعليق
ترجمة مبارك وساط

----------------------

لا أعرفُ ما أفعله اليومَ بالأرض

بهذه القمّة الجبلِيّة

في أوروبا، بهذا السَّهل في

أستراليا.

وهذا الفيل الذي يخرج

مِنْ نهر "الغانج"

والماء ينساب منه

يبلِّلني لدى مروره لكن ليس لديه

ما يعلّمني إيّاه.

فما الذي تستطيعه عين فِيلٍ أمام عينِ

إنْسانٍ عاقل

له قوَّة شرخ الشّباب؟

لا أدري ما أفعله بهؤلاء النّسوة

المنتشرات في كلّ مكانٍ تقريبًا

على الأرض الأكثر منهنّ

استدارةً.

يا نِساءُ، امضينَ إلى أشغالكنّ

تفادين التأخّر.