الذّكرى الرابعة والعشرون لوفاة الشاعر والروائي المغربي محمد خير الدّين


اليوم حلت الذّكرى الرابعة والعشرون لوفاة الشاعر والروائي المغربي محمد خير الدّين (1995-1941)، وهذا مقتطف من روايته "أگادير" (الصادرة عن دار نشر سوي - 1967):
ترجمة: مبارك وساط

(...)

البرْد الرّاتع في غرفتي التي تنفتح على الشّارع، ونافذتي التي لا تنغلق... مخّي السّارح الحاضِر متى إذنْ ستكون بَغْلا بشكل أقلّ؟ رأسي، لُقْيَتِي، حافظةُ أوراقي، وجدّي الذي نبشتُ قبره لأعرف إن كان قد غيّرَ مكَانَه، الموتُ الذي يَرفضني، أنا عَفِن، أنا لِحاءُ الشّجرة العجوز المهووسة، دمي أو بالعكسِ لِمْفايَ ضاربة إلى السّواد، دمٌ عَدَمٌ، دمُ نحلةٍ، دمي الهائل، دمي بلا اسْمٍ، دمي الذي هو ليلٌ دائما... أُفْرِغُ لوحدي بنوكَ الدّم، دمٌ هو هياجُ حشرة تجوسُ الحديقة حيث الصّداقة معقودة بين المصاطب، دمٌ مُمَلّحٌ مُدَخَّنٌ، دمٌ زلزال يَنطلقُ من إبهام قدمِي... دمٌ نقود مزيّفة، أنْسَلُّ وليس بدافع الخطأ يُسلّمني الدّم كأني جانٍ، أمضي إلى ضوضاء المدن من دون اسم حقيقي، وفي كلّ مكان ألاقي سُحُبًا من الذّرّات... لا أتوجّه إليكَ بالكلام إلا لأننا نبقى غير منفصلين، تقول نحن غير قابلين للانفصال، نحن قابلان للانفصال، أجيب أنا الذي استُحْلِفتُ في اللحظة التي تمّ خلالها اغتيالي، لقد شكّلْتُكَ كما اقتضتْ لياقتي، وبحسب مهارة الفخاخ، دون إسقاط شيء من سحر إله الفودو الذي أطاح به الأوربي ذو الأسنان المشحوذة جيدا واليدين الطّويلتين، الحائزُ معارفَ العظاية الباسمة، وهنالك أبو الآباء، أبو السمكة العجوز التي صنعتْها الرُّتيلاء المُسِنّة أمام أبِي الآباء وأمّ الآباء... طبعا أنا أختفي، أيها الدّم- المحرقة الدّم- البنزين الدّم- المعركة ... شهدتُ عمليات فَصْدٍ من العنق والعانة، كان ذلك على عرش من الحجر المتبلّر وعلى الفراغ الذي يتوسّط الهذيان، وكانت العانس المحتدّة المزاج سبب مشاقّ العمل في الحقل وحَفْرِ الآبار تغرز رأسَها نفسَه في الحجر وتضحك شِبْهَ نائمة فيما أعْلَى منها بلْ على جلدها ترسُمُ الدّكتورةُ الطّوفانَ، الدّخانَ، الثّلجَ، الحَرْبَ، كانت المنيّة حاضِرة، قلْتُ لنفسي، فهل لها قلب ودمٌ وجسدٌ يمكنه أن يسحرني؟ كلّا.

ربّما تَعود في ليلة ما وهي لن تنبثقَ من أحشائي، وستُصَفّق ومن بعيدٍ تناديني يا سيّدا كأنّي قيصر، يا بومةُ كأني القُرصان أو الإعصارُ حاملاَ هذا الاسم، تعال لأسمّمك، تعالَ لأكسوَك لباسَ رومانيٍّ قديم، لباسا أبيضَ مذهلا، تعالَ أيّها النّسيان، ولْأكُفّ عن الظّنّ. علاماتٌ مُشاةٌ سائقو سيّارات راكبو درّاجاتٍ مُلوكٌ أفّاكون كتّابٌ أنساقٌ منطقيّةٌ جماركُ غزواتٌ، المساءُ يفتحُ المقاهي، المصابيح تقتات من الشّمسِ، الإنسان يُتلف كبده، إنّهم يُرَقّعون دمي، وأشعر بالألم في الأماكن التي تحمرّ من جسدي... وأنا دوما أسائل دمي الذي أنعتُه بمطرح نفايات المدينة، بالفأر المُصاب بالطّاعون، بوباء أقمارٍ نتنة، بنقيضِ كُلِّ ما يمنحنا الهناء فنتشبّثُ به أثناء تهاطل المطر إذْ يُصبح الفحم الحجريّ بثمن الدّم، دمي الذي تقيّأتُه، دمي الذي لا يمضي لتناوُلِ الكَرْكَنْدِ مُضمّخََ الشّارب بالطِّيبِ مُصفَّفَ الشَّعر على الطّريقة الإيطاليّة، دمي الأعرجُ... دمي الجُذامُ، دمي مثل سانْ جوستْ على منصّة الإعدام، دمي إنّكَ ترتجف، دمي إنّك تُتَوِّجُ شِرّيرا حقيقيا، دمي إنّك تُطْلِقُ النّار...

-------------------



من أبرز الشخصيات الأدبية المغربية الأمازيغية، كتب باللغة الفرنسية فقط ، ولم يكتب مطلقاً بالعربية أو بالأمازيغية، وبذلك ظل مجهولاً عربياً. ترك الدراسة مبكراً وعمل في العشرين من عمره مندوباً بالضمان الاجتماعي من عام 1961 إلى 1963 في أكادير ثم في الدار البيضاء، واستقال سنة 1967 من منصبه وهاجر إلى باريس هارباً من الملاحقة القانونية لاشتراكه في انتفاضة مارس 1965 ليلتحق هناك بعد ثلاث سنوات في ثورة طلاب فرنسا (مايو 1968). كان من بين الطلاب الذين احتلوا مسرح الأوديون بباريس. نشر له سارتر قصيدة “الملك” في افتتاحية مجلته الشهيرة “الأزمنة الحديث”. صدر كتابه الأول في لندن سنة 1964 بعنوان “غثيان أسود” وقد ضم قصائد تشي بيأس وجودي متأصل. في سنة 1967، نشرت له دار سوي الفرنسية رائعته “أغادير” التي كتبها في أعقاب الزلزال الذي دمر المدينة المغربية سنة 1960، وكانت المخطوطة تحمل عنوان “التحقيق” قبل أن يقترح الناشر تغيير الاسم إلى “أغادير”. توفى في 18 نوفمبر عام 1995.

النتاج الروائي:
•”أغادير”، 1967
•”الجسد السالب”، 1968
•”أنا المر”، 1970
•”النباش”، 1973
•”حياة وحلم شعب دائم التيهان”، 1978
•”أسطورة وحياة أغونشيش”، 1984

•”كان يا مكان زوجين سعيدين”، 1993

ليست هناك تعليقات