ماري الخازن... تعيش في صورها ويموت القصر

نوفمبر 27, 2019 اضف تعليق


إذا كان الزمن المتغلغل في صور ماري الخازن، والبساطة التي يتّصف بها ناس صورها، قد شكّلا الدافع الأساسي لتوجيه الإنتباه إلى ما تركته كاميراتها الهاوية، والرائدة، فإنّ القصر الذي عاشت فيه هو الذي ضاعف، فيما أظنّ، الإهتمام بلقطاتها.
ربّما لتأليفه الخلفيّة للحياة اليوميّة المسجّلة داخله، وخارجه، وفي جواره القريب حيث كانت عدستها تطارد الشركاء الذين يعملون في أراضي آل الخازن الواسعة، ويكدّون في الحقول.
داخلني هذا الشعور وأنا أستقبل، فيما مضى، نادين توما (صاحبة دار قنبز للأطفال) وسيفين عريس اللتين جاءتا وصوّرتا البيت بالفيديو. حين كان القصر أفضل حالاً بالقياس إلى ما وصل إليه الآن. ولم يفارقني هذا الشعور وأنا أرحّب بالدكتورة ياسمين نشّابه طعّان التي شكّل نتاج ماري الخازن موضوعاً لدراستها الأكاديميّة. ولا غادرني وأنا أستضيف مؤخّراً الروائيّة اللبنانيّة جورجيا مخلوف المقيمة في باريس، لتأهّلها من فرنسيّ.
القصر الذي تعود رؤيته للنور إلى العالم 1887 كان بدأ في تشييده الشيخ فندي الخازن (من غوسطا – كسروان) لكنّ الموت حال دون إكماله لمشروعه الذي قدّر لنجلَيْه الشيخ بربر، "ميرالاي عسكر لبنان"، والشيخ سعيد الخازن، والد ماري، إتمامه، وزرعه على رأس التلّة المشرفة على حقول الزيتون في زغرتا، والكورة، والمعيصرة في أبي سمرا، وعلى كلّ ما يتخلّلها أو يُدانيها من تمدّد عمراني، وعلى كلّ تلك المساحات من التلال والجبال. وهو مكوّن من طبقتين أرضيّة وعلويّة كلّ منهما بمساحة 400 متر مربّع.
والإحساس بإستيقاظ الزمن يتضاعف في كلّ زيارة مهما تباعدت الأعوام التي تفصل الواحدة عن الأخرى. فكلاهما يستبطن الزمن الذي فات: القصر وصور ماري المستدعية لأيّام عزّه قبل أن تعبث به يد الإهمال. وقد سبق وأطلقت غير صرخة لإنقاذه من براثنه أوّلاً عبر "النهار"، ثمّ عبر "الأنوار" في مقابلة مع الإعلامي الصديق روبير فرنجية. وكنت كلّما أعدت الكرّة وزرته معايناً توجّعه البالغ من الإهمال الممعن في دكّه يساورني أنني أدلف إلى تاريخ، وتتجدّد فيّ مشاعر الأسف على شاهد معماري أصيل مهدّد بالغرق التدريجيّ في لجّة الخراب. مع أنّه يصلح أن يكون متحفاً. وما سلم من صور ماري كفيل بإستحضار الأطياف، والأصوات، والملامح، والروائح، والنظرات، بحميميّتها الأخّاذة.
كم تبدو مثل هذه الهموم ترفيّة، مؤجّلة، وبعيدة المنال وسط كلّ هذا الغليان في الأحداث الجارية في البلاد الآن.
محسن أ. يمّين
عندما يكون الهامش أوسع دلالة

عندما يكون الهامش أوسع دلالة

نوفمبر 24, 2019 اضف تعليق


 (المتن والهامش: تمارين على الكتابة الناسوتية)*

د. علي وتوت **

 في تمارينه على الكتابة (الناسوتية) كما يدعوها في العنوان الثانوي للكتاب، مخالفة بذلك للمعالجات اللاهوتية، يضعنا الأستاذ قبيسي وجها لوجه بإزاء تساؤلات مهمة في قضايا سوسيو ثقافية عديدة.

فالإشكاليات التي أثارها المؤلف في الدين والتاريخ واللغة والثقافة، وحاول تفكيكها، وإعادة تشكيلها لإخراجها من صيغة المسلمات أو البديهيات المسلم بها- والتي جرت التفسيرات والمعالجات اللاهوتية والميتافيزيقية على وضعها فيها قسرا- ومن ثم وضعها ضمن إطارها الاجتماعي التاريخي، هذه الإشكاليات ليس هناك أدنى شك في أهميتها على مستوى التخصيص في الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع، أو على مستوى الثقافة عموما.

إن القضايا المعقدة العديدة التي أثارها المؤلف في كتابه تجعل من الصعب اختزال قضايا الكتاب في هذا العرض البسيط، لكن الحقيقة أن هذه المعالجة هي فعل إشادة بالجهد الرائع للمؤلف، وفي إطار الإشادة لا بد من التنويه إلى أن الأستاذ القبيسي، وهو مختص بالانثروبولوجيا Anthropology (أو علم الأناسة كما يسميها هو) يتعامل مع الإشكاليات المعروضة بحس الباحث الموسوعي المتمكن من المقتربات Approaches العملية المناظرة بعيدها وقريبها، هذا أولا، وثانيا فإن عملية اختيار هذه القضايا وأسلوب طرحها وطريقة التعامل معها والمنهج المستخدم، كل ذلك يؤكد أننا أمام باحث مقمش من الدرجة الأولى، وبالتالي فإننا أمام جهد علمي له فرادته في الثقافة العربية الحديثة، وبخاصة عندما يثير الباحث إشكالية الهوية والأسئلة الحرجة المطروحة، ثالثا، فإن الكتاب ورغم انه- وكما أكد المؤلف- مجموعة مقالات سبق له أن نشر معظمها، مع ملحق احتوى ترجمات لثلاث دراسات (مقالات) لباحثين أجانب، كان المؤلف قد ترجم واحدة وقام بتصحيح وضبط الترجمتين الباقيتين، لكن القارئ سوف يدهش لهذا الترابط الذي يشد تلك المقالات التي أصبحت فصولا للكتاب، فثمة إبداع ملغز سوف يتملك القارئ مع تقدم القراءة وسوف تتسع الحيرة ويتضاءل الأمل بالقدرة على التغيير، وإذا كانت الناسوتية هي النهج الذي اختطه المؤلف في مناقشة القضايا المهمة التي أثارها في كتابه، فانه ركز بؤرة اهتمامه على تكون الثقافة المفارقة (المميزة) للجماعة الإسلامية الأولى، مثل قضايا الإنبناء الثقافي لهذه الجماعة وتباينها واختلافها عن ثقافات الجماعات الأخرى، مثلما ركز على قضايا أخرى كالتعامل العلمي مع التاريخ سواء كان مكتوب أو مرويا، فالمكتوب يحتاج إلى إعادة قراءة مثلما أن المروي منه يحتاج إلى التدوين، لكن قضايا أخرى أخذت حيزا مهما من فصول الكتاب، إن لم تكن في حجمها ففي ثقلها النوعي كقضايا الذات والهوية والأصالة والتقليد، مثلما أثار في الفصل الأخير مشكلة الترجمة في الثقافة العربية.

والأستاذ قبيسي يتصدى لموضوعاته مستفيدا من كل الخلفيات النظرية والواقعية، إلا أنه يركز على التفسيرات التي يطغى عليها الحس البنيوي الوظيفي، فهو يبدأ المقالة الأولى الموسومة بتساؤل: (في الاستماتة... كيف نقرأ لمرسيل موس؟) بإيراد أمثلة من كتب تراثية عدة***، حول مسالة موت المحبين ضحية للعشق والحب والوجد أو كمداً وحسرة على من يحبونهم، وهو يعزز تلك الإشارات والأمثلة بحديث نبوي شريف يؤكد المرء يمكن أن يموت فرقا (أي خوفا)، ليدخل إلى فكرة الموت عند العرب الأوائل الذين عدوا انه يقع على أنواع بحسب أنواع الحياة (كما يقول ابن منظور، ومن هذه الأنواع الموت حزنا وكمدا وفرقا وخوفا مكدرا للحياة أو موتا بالسحر (1). وفي معرض تعليقه على حديث نبوي شريف يقول فيه النبي (ص): (إن أول من مات إبليس لأنه أول من عصى)، يذكر المؤلف بان لا سبيل لفهم هذا الحديث إلا باعتبار الموت يرتبط ارتباطا وثيقا بالمعصية. ألم يذكر ابن منظور أن المعصية من الأحوال الشاقة التي قد يستعار الموت لها. وهي إذا كانت تعتبر في الدين المسيحي (مميتة) بمعنى أنها قد تؤدي بصاحبها إلى الهلاك في الآخرة شأن الكبائر في الدين الإسلامي، فهي قد تكون (مميتة) فعلا، وفي هذه الدنيا لدى العديد من الأقوام التي تسمى بدائية. بل قد يصح الافتراض بان المعنى الأخروي الذي أضفى على الخطيئة المميتة في الدين المسيحي ما هو إلا تطوير لمعنى أصلي مأخوذ من الأولين. ولا يكتفي المؤلف بالأحاديث النبوية وقصص الأولين (2)، رغم أنه يركز عليها، بل إنه يستشهد من آية قرآنية، مؤكدا أنه يصعب فهم بعض الآيات القرآنية من دون هذا الافتراض الذي يجعل الموت نتيجة للمعصية، من ذلك قول موسى لقومه: {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم} (البقرة،55)، أو {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} (البقرة،94)، مع أن (قتل النفس) و(تمني الموت) أمران محظوران مبدئيا والأحاديث النبوية الشريفة تترى كما يقال نهيا عن تمني الموت، ناهيك بقتل النفس (3).

إن هذه الأخبار التي يستطيع المرء أن يكثر منها إلى ما لانهاية نظرا لكثافة حضورها في الكتب التراثية (4)، ولا ينبغي أن تدرج بالضرورة إلى خانة الترهات والأباطيل خاصة وإنها تلقى تأكيدا، في قسم منها من جانب النصوص الدينية الأساسية، بل أن الأولى إن تعتبر بمثابة (الوقائع المجتمعية) الخوف، بالمعنى الذي يقصده موس. فإذا صح أن المرء يموت، في مجتمع معين، بسحر ساحر أو من شدة الخوف، فإن افتراض الباحث أنه حيال واقعة مجتمعية يكون افتراضا على نصيب مرتفع من الصحة. هذا الافتراض يصح اعتباره فرضية عمل تستمد جدواها من مدى صحتها للمساعدة على فهم أفضل لهذا السيل من الأخبار المتماثلة التي يحفل بها التراث (5). فإذا كان (موس) وجها بارزا بين الباحثين في الاجتماعيات فالأرجح إن ذلك يعود إلى أعماله حول السحر والأضحية والهبة وجملة من السلوكيات المجتمعية التي تحكمها تصورات غيبية لا أثر للعقلانية فيها، بل إن البحث هو الذي يكشف عن نمط المخصوص (6).

إن الاهتمام بهذه الأخبار- الوقائع على ضوء مقالتي موس وكانون، ينتمي إلى مهمة إضفاء المعنى، بل المعنى العميق أحيانا على جوانب ثقافية تبدو للعقل التعليلي خالية من أي معنى وذلك باتجاه رصد الوظيفة المجتمعية لما يبدو في ظاهره نافلا أو عبثيا أو ضربا من ضروب الهبل وقلة العقل، ثم أن الاهتمام بهذه الوقائع الأخبار ليس اهتماما بها بذاتها فقط، بل مدخلا للتوقف عند غيرها من الوقائع المجانسة لها. فالوقائع المذكورة التي تشهد على حالات موت ناشئ عن عوامل نفسية ومجتمعية إنما تبلور حالة أخرى. لكن الموت بحد ذاته قد لا يكون موضوع الاهتمام الأساسي لهذه المقالة الضرورة. فإذا كانت الأحوال النفسية والمعتقدات الجماعية تصل في تأثيرها على الجسد إلى حد الموت، فهي بالأحرى قادرة على إحداث تأثيرات جسدية أدنى من حيث الدرجة، وان تكون مجانسة للأولى من حيث الطبيعة(7). فالمؤلف الذي اتخذ الحالة القصوى- الموت أو الاستماتة كما سماها- مدخلا من خلالها إلى فرضية البحث. فمن خلالها المقالين اللذين يؤيدهما بالواقع، فما ذلك إلا طريق لبلورتها كأنموذج أو موديل يصل من خلالها إلى فرضية البحث. فمن خلال تلك الوقائع الأخبار يخلص المؤلف إلى فرضيته الأساسية في هذه المقالة/ البحث وهي: (إذا كانت الأحوال النفسية والمعتقدات الجماعية تصل في تأثيرها على الجسد إلى حد تعطيل وظائفه الحياتية تعطيلا كاملا، فإنها قادرة بشكل أولي، على أحداث استجابات وتحديد ضوابط جسدية بحيث ينتج عن ذلك قولبة معينة للسلوك مجتمعيا وفرديا (8) ).

ولنسأل: ماذا يعني المؤلف بهذه الفرضية، وإلى ماذا يريد أن يصل؟

إن الأستاذ قبيسي يحاول أن يفسر كيف أن تصنيف الأفعال إلى مسموحات ومحظورات، أي إلى مجموعة من الأوامر والنواهي التي تحفل بها ثقافة جماعة من الجماعات تحدد سلوكها والتزاماتها وتميزها عن غيرها من الجماعات، وهو يريد أن يصل إلى بيان كيف جرى تثبيت قواعد السلوك (الجسدي) لدى المسلمين الأوائل، ما هو دور الأحوال النفسية والمعتقدات الجماعية في تثبيت القواعد التي ميزت الجماعة الإسلامية الأولى عن غيرها من الجماعات المحيطة بها من يهود ونصارى ومشركين؟

والمؤلف يميل إلى الاعتماد على السنّة النبوية في تفسير ذلك التميز مؤكدا هذا بقوله (أن ثمة ميلا كبيرا إلى اعتبار القران، بما هو كلام إلهي، المصدر الأول لتكون الجماعة الإسلامية الأولى، ولكن ربما كان على الباحث المقمش أن لا يلتفت كثيرا إلى هذا الميل، وان يخص السنّة لا القرآن، باهتمام أكبر. إذ إن السنّة، بما هي أحكام لتحديد السلوك حتى بدقائقه الجسدية أحيانا، هي التي تفسر بالدرجة الأولى تكون الجماعة الإسلامية الأولى، بما هي جماعة متميزة عملياً عما كان حولها من الجماعات(9). ثم يضيف غير أن هذا التميز بالذات حصل بناء على تثبيت طائفة متكاملة من قواعد السلوك، وخاصة الجسدي منها، والتي لعبت في ترسيخها القوى الغيبية والخفية، بما هي جزء من المعتقدات الجماعية الموروثة دورا أساسيا(10). وبناء على هذه الاستنتاجات يقوم بتحليل العديد من السلوكيات المميزة للمسلمين.

أما مقالته الثانية (من قضى ومن ينتظر) فهو يبتدئها بعرضه (متهكماً) كتابات صدرت في عام 1987 تشي بتشاؤم كبير بأوضاع مجتمعاتنا، ناهيك بمستقبلها، ويبدو أكثر ما تشكك فيه هذه الكتابات هو (حداثة) هذه المجتمعات.

من هذه المقدمة عن جمود المجتمعات العربية، وعدم تغيرها (من وجهة نظر كتاب ومفكرين عرب لهم ثقلهم****)، يقودنا الأستاذ قبيسي إلى رؤيته للتغير عبر مناقشته لمقالة الانثروبولوجي (الفريد مترو)، (المترجمة من قبله في ملاحق الكتاب) والموسومة (ثورة الفأس)، والتي يشير فيها إلى ما أحدثه دخول الفأس الحديدي على حياة بعض القبائل التي لم تكن تعرف الحديد من قبل، ناهيك بالفأس الحديدي، إذ كان دخول هذه الفأس مدعاة لتخريب ناظم مجتمعي بكامله، ونسف نمط حياة كان ما يزال صامدا في وجه أسباب التغير منذ قرون. فقد تغيرت وتيرة الحياة وطبيعة القيم والتبادلات والعلاقات المجتمعية والاقتصادية، بل ونصوص أساطير متوارثة منذ آلاف السنين. مما أدى إلى حالة تسيب كامل، ما لبثت أن أدت إلى انهيار فعلي تفككت على أثره القبائل وتاه أفرادها في الفيافي، وما لبثوا أن انقرضوا، شأنهم ربما شان جديس وطسم وأهل الرس(11).

وإذا كان تبني الفأس الفولاذية رغم كونها تقنية أشد فعالية من الفأس الحجرية، قد أدى إلى انهيار التنظيم المجتمعي والى تفسخ الجماعة، فلا شك أن تبني منظومات ثقافية أو مجتمعية جديدة سوف يؤدي إلى ذلك وأكثر في مجتمعاتنا، فالجماعات البشرية لا تبني كل يوم نظاما (System) مجتمعيا متكاملا، فهي إذ تفلح بعد لأي في بناء مثل هذا وتلمس بالتجريب عبر العقود، بل والقرون، أنه بات يفعل فعله ويقوم بدوره في تنظيم حياة الجماعة وتأمين حد معقول من الطمأنينة لأهلها حتى تتمسك به وتحافظ عليه، وتحرص على حمايته من غير الزمان ومتقلباته، ومن هنا هي (مُحَافِظة). من هنا نفهم كل تلك الأمثلة التي ترد في دراسات الأناسيين، والتي يتبين منها (عناد) بعض الشعوب وتمسكها بتقنيتها المخصوصة، مثلا، على الرغم من اقتناعها في كثير من الأحيان بأن تقنيات جيرانها ربما كانت أجدى وأفعل (12).

لا يكفي إذا أن تتوفر تقنية أفضل من تلك المرعية الأجراء في تنظيم مجمعتي ما، حتى تتهافت على استقبالها الجماعات الأخرى. فالجماعات البشرية مهما كان شأنها تدرج بالأصل على تنظيماتها ومعتقداتها، بل وأشخاصها أفضل ما يمكن أن ينوجد في الوجود، ويروي الأناسي (نيمو ونداجو)، الذي تبنته إحدى القبائل بعد أن تزوج إحدى نسائها، كيف أن أهل القبيلة كانوا ينتحبون شفقة عليه كلما ذهب ليزور بلاده الأصلية، نظرا لتلك الأهوال التي لابد أن يعانيها عن المكان الوحيد- قريتهم- الذي يستحق عناء العيش فيه (13).

ومن خلال هذه الإلتقاطات وغيرها، يعمل المؤلف جهده ليصور لنا كيف أن مجتمعاتنا لم تبق جامدة أبدا، بل تغير الكثير من تقنياتها، لكنها لم تتخل عن تقنياتها، ولا هي أغرمت من النظرة الأولى بالحداثة التي لم يترنم بذكرها الآن الكثير من المترنمين، لقد ظلت شعوب هذه المنطقة تتحلى برجاحة الموقف وأناته طوال قرون. ولعل تلك الرجاحة والأناة يعودان إلى نوع من الاطمئنان إلى تنظيم مجتمعي كان فاعلا أو ما زال فاعلا منذ زمن(14). وهو يسوق لنا العديد من الأمثلة ليؤكد مقولته تلك.

وعلى الرغم من أننا لا نتفق مع المؤلف في تقسيمه لتاريخ البشر إلى ثورتين حاسمتين (هما الثورة الحجرية والثورة الصناعية)، إذ إن التاريخ البشري ضم ثورات لها نفس تأثير الثورة الأولى- على الأقل- إن لم تكن أعمق تأثيرا. إلا أننا نؤيده فيما ذهب إليه من أن عاما واحدا من إنجازات الثورة الصناعية وفعلها في العالم الحديث يعادل عقودا كثيرة مما تعده أحداث الإمبراطورية الرومانية أو الخلافة العباسية على صعيد التغيرات الفعلية في نمط حياة الشعوب وأنماط معيشتها (15).

والمؤلف يدهشنا في رؤيته لتنبؤات (ماركس) حول الإمبريالية والاستعمار، إذ يؤكد أن الرجل لا يطرح البتة على ما يبدو (حق) الإنكليز في استعمار الهند ولا (حق) الهند في أن تكون بلادا قادرة على التصرف بحياتها واقتصادها ومعتقداتها على نحو ما يحلو لأهلها، بل إن ماركس يطرح المشكلة على اشد ما يكون الطرح الأوربي المحوري من نزق، ففي رأيه أن المسالة ليست في معرفة ما إذا كان يحق للإنكليز أن يستولوا على الهند أم لا. بل في معرفة ما إذا كنا نفضل هندا مستولى عليها من قبل الأتراك أو الفرس أو الروس، أم هندا مستولى عليها من قبل البريطانيين (16).

ثم أن المؤلف يعود في المقالين الثالث والرابع الموسومين (في أصول مخالفة اليهود. دراسة ناسوتية) و (قراءة ناسوتية في أحكام السنة النبوية) إلى موضوعه الأثير الذي بحثه في المقال الأول ليشبعه بحثاً ويزيده عمقا واتساعاً في هذين المقالين، فهو يعرض المثل تلو الآخر عن كيفية الإنبناء الثقافي للجماعة الإسلامية الأولى في السني الأولى للهجرة إلى المدينة المنورة.

أما في المقالين الخامس والسادس فإنه يتناول قضية العلاقة بين التاريخ والثقافة والمجتمع مستشهدا بتنظيرات مؤرخين مختصين في علم التاريخ لهم شانهم محاولا قراءة ماهية التاريخ في مجتمعاتنا العربية في ضوء مقالات هؤلاء المختصين، ففي المقال الخامس الموسوم (التاريخ والعقل التقليدي) يؤكد المؤلف صحة ملاحظات المؤرخ الهندي (ساتيش شاندرا إقبال) عن هذا الفرع المعرفي بل ويشككون في قيمته، فهذا الاهتمام المبالغ به بالتاريخ من قبل العالم الثالث، في الوقت الذي بدأ فيه مفكرو البلدان الغربية يهونون من أمر هذا الفرع المعرفي بل ويشككون في قيمته، فهذا الاهتمام بالتاريخ كما يشير إقبال يلعب دورا واضحا في ترسيخ مفهوم القومية ويساعدهم على النظر في شؤون وحدة بلدانهم المجزاة ويعزز لديهم التطلع نحو الحداثة ونحو التطور المجتمعي (17). والنتيجة المترتبة على هذه الملاحظة- كما يشير إليها الأستاذ القبيسي- هي إن الغاية من التشديد على التاريخ عندنا غاية تنتمي إلى الدعاوى وهو يفترض خطأ هذه الغاية الواضح ثم انه من جهة أخرى يعود ليميز بين الفكر التاريخي والفكر التقليدي (الذي تتسم به مجتمعاتنا). وذلك في ضوء تمييز المؤرخ الفرنسي الكبير (فرانسوا شاتليه)، ويضرب المثل على كيفية تعامل العقل أو الفكر التقليدي مع المحادثات التاريخية اليومية، ويستمر الأستاذ القبيسي في المقال السادس الموسوم (الفكر التاريخي والأسطورة) بمناقشة افتراض شاتليه في كتابه (ولادة التاريخ) والذي يؤكد فيه أن الوعي بالكينونة السياسية ينطوي على وعي بالكينونة التاريخية (18)، كما أن الوعي بانحلال الكينونة السياسية ينطوي على انحلال الوعي بالكينونة التاريخية، محاولا الإجابة فيه عن تساؤل ليس عن شروط نشأة الوعي التاريخي فقط، بل التساؤل عن طبيعة الشأن السياسي المخصوص في مجتمع لا يقيم اعتبارا في غياب شروطه؟ ولنا أن نتصور كيف أن المؤلف حاول قراءة تلك الافتراضات عن (ولادة التاريخ) العربي.

تنطلق ملاحظات المقال السابع الموسوم (المنهج العلمي والنظرية المأزومة) من تصور يعتمد آراء (كارل بوبرK. Popper) عن المنهج العلمي مفاده أن المعرفة العلمية ليست يقينية. وإن العلم بالشيء سواء كان طبيعيا أو مجتمعا ليس نظاما System من المقولات الأكيدة أو المتقنة الصياغة، ولا هو يتقدم باضطراد وانتظام نحو غاية معلومة أو نهائية. وإن العالم لا يبحث عن الحقيقة ولا يستطيع الوصول إليها ولا هو يدعي ذلك. فالجهد المبذول في هذا السبيل. إنما يبذل من اجل الوصول إلى معرفة ما نسبية ومؤقتة دائماً. فهو يؤكد أن الباحث أو العالم الذي يستحق بالفعل هذه التسمية هو الذي لا تسلبه نظريته أو فرضيته العلمية، بحيث يعتبر أن عمليته تقتضي الدفاع عنها دفاعا إيمانيا أو عقائديا، بل يسعى خلافا لذلك إلى محاولة تهديمها وتقويضها. فهو في سياق بحثه العلمي يستعمل كل ما لديه من حيل منطقية أو رياضية أو تقنية ليبرهن- إذا كان الأمر يقبل برهانا- على أن فرضياته وتخميناته كانت خاطئة أو ناقصة بغية استبدالها بفرضيات جديدة. قد تفتقد لأي تبرير عقلي أو غيره، بل إنها قد تكون أحيانا كناية عن أحكام مسبقة أو استباقات متهورة ومبسترة للأمور (19).

والمؤلف لا يكتفي بعرض ومناقشة آراء (بوبر) فقط، بل إنه يستعرض آراء العديد من المفكرين والباحثين الذين شكلت القضية جزءا من اهتماماتهم أو شغلتهم حينا، من أمثال هيوم وكنط ودوركهايم وبرتراند راسل مثلما يعرض بشكل جديد لآراء أبو حامد الغزالي.

أما في المقال الثامن الموسوم (نظرة ثانية إلى ابن خلدون) فإن الأستاذ قبيسي يبتدئ اسطر مقالته بتعجب ساخر عن عدم مقارنة صاحب (المقدمة) و (دارون) صاحب نظرية التطور الشهيرة!! فيشير إلى أن جميع من كتب عن ابن خلدون تقريبا، ورغم اختلافهم حوله، فهو عند كاتب ليس بصاحب نظرية علمية أصلا، وإنما هو مجرد واصف طوبوغرافي لأحداث المغرب في عصره، وهو عند دارس آخر رائد للمادية الجدلية والمادية التاريخية، وهو عند دارس ثالث مجرد امتداد للمدرسة المشائية والافلاطونية في الفكر العربي الإسلامي، وهو عند رابع مناقض لهاتين المدرستين وامتداد للفكر الأشعري أو الغزالي خاصة، وهو عند دارس خامس انقطاع كامل عن المنطق الصوري الارسططالي، وهو عند دارس سادس زنديق يتخذ من الدين تقية أو إن الدين عنده على الأقل ليست له الصدارة في تفسير نظرياته، بل لعله يتركه عند عتبة نظريته العقلانية. وهو عند دارس سابع متدين عميق التدين، وليست نظرياته التاريخية الاجتماعية إلا امتداد وتجسيدا لرؤيته الدينية، وهكذا... وهكذا(20). إلا أنهم جميعا- أو يكادون- يؤكدون انه مفكر عقلاني، والأستاذ قبيسي يناقش هذه (العقلانية) بشيء من التفصيل مستندا في ذلك ليس على آراء نقاد ابن خلدون المفترضة، لكنه وعبر مناقشة مستفيضة لمدى إيمان ابن خلدون بالسحر يبين عدم دقة استخدام المصطلحات العلمية الوصفية الحديثة (مثل العلمية والعقلانية والجدلية والمادية) على طروحات المقدمة. ورغم إنه يؤكد أن ابن خلدون وبمقارنته بالعديد من الاثنوغرافيين ابتداء من أفلاطون في شرائعه مرورا بـ (فرجيليوس) و (المجريطي) و (أبو حيان التوحيدي) وسحرة القرون الوسطى، وانتهاء بـ (مارسيل موس) في نظريته العامة حول السحر والمحاولات العديدة والمتفرقة التي نجدها في الدراسات الاناسية الحديثة حاول إيجاد نظرية في السحر أو تاريخا له(21). والأستاذ قبيسي يستعرض محاولة ابن خلدون تلك ويناقش فيها مطولا.

أما في قراءته لكتاب (ادوارد هال) البعد المستتر يعود المؤلف في المقال التاسع إلى موضوعة البنية الحضرية ممثلة في بيئة المدينة، وعلى الرغم من أن الكتاب قد صدر في ستينات القرن الماضي، إلا أن قبيسي يؤكد أهميته. وذلك لان مؤلفه يعتمد منظورين جديدين لدراسة المدينة، إذ إن هال يعكف على دراسة المدينة ومشكلاتها من خلال عالمين قد يبدوان غريبين عنها: عالم الرموز والإشارات وما تتخذه موضوعا لها، وعالم الحيوان وما اجري عليه من تجارب لسبر أغوار البعد الحيواني في الإنسان (22).

فضمن العالم الأول كانت الأبحاث اللغوية جسرا يمر عليه الباحثون وخاصة في علم الأناسة من أمثال بواس برتشارد إلى أبحاث أخرى ما لبثت أن استقلت من حيث موضوعها ومنهجيتها وكونت ما سمي بعد ذلك بعلمي الدلالة والسيمياء، وهكذا يعتبر هال أن (فرانس بواس) كان قد سبقه منذ خمسين عاما، للبحث في هذا الموضوع الذي يقوم على اعتبار التواصل بين البشر بمختلف أشكاله أساساً للثقافة بل أساساً للحياة نفسها.

وبعد أن كانت اللغة تعتبر الشكل الرئيس بلا منازع من أشكال التواصل هذه. أخذ الباحثون يهتمون بأشكال أخرى تشكل موضوعا لعلم قائم بذاته: السيميولوجيا ومن بين هذه العناصر السيميائية ثمة عنصر لم يحظ باهتمام الباحثين إلا منذ فترة وجيزة، إنه ذلك العنصر المسمى بلغة الغرب، والذي يصطلح الأستاذ قبيسي على ترجمته بـ (المجال) وصار النوع المعرفي الذي يتخذ المجال موضوعا للدراسة، بوصفه عنصرا من عناصر التواصل بين البشر، مكرسا تحت اسم المجالية PROXEMIQUE هي جزء من السيمياء تدرس كيفية استخدام المجال من قبل الكائنات الحية وخاصة منها الإنسان (23).

إن كتاب هال لا يقصر على البعد الثقافي وحده. فهو إذ يؤكد أن الأنظمة الثقافية تؤثر في بنية السلوك تأثيرا كبيرا، فإن الذي لا يقل صحة هو أنها متجذرة في الكيان البايولوجي والفيزيولوجي للإنسان، فقد أوجد الإنسان لنفسه (امتدادات) مكنته من تحسين وتخصيص عدد من الوظائف، فالحاسبة الالكترونية كجزء من الدماغ، والهاتف امتداد للصوت، والعجلات امتداد للساقين، واللغة امتداد للتجربة عبر الزمان والمكان، لكن الإنسان أوصل امتداداته هذه إلى مستوى من التبلور بحيث كدنا ننسى أن إنسانيته متجذرة في طبيعة الحيوانية، حتى إن الإنسان أصبح قادرا على أن يبني محيطه الذي يعيش فيه من ألفه إلى يائه، وإن دور البعد الطبيعي أخذ بالتضاؤل إلى حد التلاشي. لكن الإنسان إذا يبني محيطه على هذا النحو يحدد في الوقت نفسه معالم الكائن العضوي كما سيكون عليه في المستقبل. وهذا ما يعتبره هال منظورا معلقا وأفقا قائما في ضوء معرفته بالوضع اليائس الذي يطغى على المدينة (24).

وإذا كان هال- كما يقول الأستاذ قبيسي- يشكو من مدن تحاصرها بيوت التنك والصفيح، وتحفل بمستشفيات للمعالجة العقلية، وبسجون وسيارات تضيق الخناق على البشر وتنذر بولادة إنسان مختلف غير معروف المعالم، فماذا نقول عن مدننا(25).

في المقالين العاشر والحادي عشر يعمد المؤلف إلى مناقشة إشكالية هوية المثقف العربي، وذلك خلال الأسئلة الحرجة المطروحة على هذه الهوية. ففي المقال العاشر الموسوم (هوية بمنزلة الصفر) والمقصود بالهوية هنا هو الانتماء فرديا كان أو جماعيا. إذ يؤكد الأستاذ قبيسي سلفا أن الباحث في ذلك هو مجلبة للهم وانشغال البال (26). وربما تكون هذه المجلبة للهم هي التي دفعته إلى أن يحاول أن يجيب عن سؤال (ماهية هويته) والذي يبدو أن من سأله كان يرجو منه محاورة النفس قبل كل شيء، لعل الأسئلة تعود عليه بما يشفي الغليل أو يسد الرمق، وبهذا المعنى كثيرا ما يكون المسؤول مرآة السائل، تحت طائلة توازي المرايا وتناسل الصور إلى ما لا نهاية (27).

والأستاذ قبيسي يبتدئ إجابته بالتمهيد (فإذا كان لابد منه بد فربما كان على العاقل أن يهون الأمور على نفسه فتهون، فيزين لها أن هذا التمرين الإنشائي ليس عميقا بالقدر الذي نتخيل (28). وهو يبادر إلى الإجابة مدفوعا باليأس مرة وبالخشية مرة أخرى (وحتى لا نطيل أمر هذه المحنة التي ابتليتني بها فاطرح معك السؤال عن هويتي الفردية والحق إنني أخشى في هذا المجال أن يكتشف جوابي عن جهل مطبق إذ أتساءل من أنا (29).

وهو ينطلق في إجابته عن هويته الفردية (الذاتية) التي هي- كما يقول- (عبارة عن جسدي وآرائي وسلوكي وكلامي وذوقي وعلاقاتي وطائفة من مثل هذه العناصر لكنها كلها عناصر متغيرة بفعل مرور الزمن وتغير المعطيات فضلا عن أن علاقة هذه العناصر بعضها ببعض هي الأخرى علاقة متغيرة بفعل العاملين المذكورين إياهما)(30). فالجسد الذي يتغير بشكل مستمر وهو مسيطر عليه من قبل الدماغ والجهاز العصبي هذا الجهاز الذي لا نكاد نفقه من قوانينه شيئا يتحكم في السلوك إلى حد كبير مثلما يفبرك ما يسمى الآراء والمعتقدات والأفكار أيضا إذ يذكر المؤلف انه تغير من قومي التوجه يهتف بعروبة الجزائر إلى ماركسي مناضل لا يقل مشروعه طموحا عن تغيير العالم ثم إلى طوباوي يعتبر أن الأمة التي لا تأكل مما تزرع أمة ضحكت من جهلها الأمم. وهو يفترض مضطرا صحة القول بان المبادئ الثابتة لا وجود لها إلا في الديانات السماوية ليؤكد أن من الممكن أن يغير قناعته في أي لحظة قادمة. فقد تكون لدي (الآن) أفكار عظيمة وقد يكون اطمئناني إليها وثقتي بها على نحو اطمئناني إلى أفكاري السابقة أو يزيد. فالمسالة ليست هنا وإنما هي في أن هذا كله لا يجدي في تحديد (هوية) إذ ما القياس الذي نحدد به مدى هذه (الآن)؟ ومن يضمن لي أن لا أغير هذه الآراء غدا أو بعد غد؟ (31).

ثم ينتقل إلى الهوية القومية فيقول (فلا اخالك إلا منتظرا مني بصبر أن أحدثك عن هويتي بحكم انتمائي إلى قوم، أي عن هويتي (القومية)، وربما كنت اشتبه في أنك تنتظر مني كلاما مفيدا حول ماهية انتمائي إلى ذنيك العاملين اللذين ملئا دنيانا وشغلا ناسنا طوال تاريخنا وآننا، واللذين هما العروبة والإسلام. إذ إنني لا اخالك تعول أهمية كبيرة على التماهي بالتيارات الفكرية أو الأيديولوجية الأخرى التي عرفتها هذه المنطقة في أزمنتها القديمة أو الحديثة.

فاعلم أيها الأخ أن من أسهل الأمور وأريحها أن يقول المرء أنا عربي وأنا إسلامي فيتماهى والحالة هذه بهوية اجتماعية (سوسيولوجية) موروثة ويكفي نفسه وأنفس المؤمنين شر السجال وما يبحثون (32). إذ إن الهوية المجتمعية (نسبة إلى المجتمع) أو القومية (نسبة إلى القوم) أمر لا ينتمي من حيث وجوده إلى حيز التأكيد بقدر ما ينتمي إلى حيز (إعادة البناء الدائمة) وإن كل استعمال لمقولة الهوية إنما يبدأ بنقد هذه المقولة بالذات أي بتجزئتها إلى عناصر شتى (33). هذا ما كان قد توصل إليه مجموعة من الباحثين الفرنسيين في الحلقة الدراسية التي عقدت في الكوليج دي فرانس والتي صدرت أعمالها في كتاب صدر عام 1977، فقد لاحظ هؤلاء الباحثون أن جميع المجتمعات أو الثقافات التي درسوها بعيدة كل البعد عن توكيد هوية جوهرية لها، بل إنها أقرب في تناولها لهويتها إلى القيام بتحليل تتناثر الهوية بموجبه أجزاء وشظايا، ولنقل إلى عناصر مختلفة، وعليه فإنهم افترضوا أن أزمة الهوية تتقوم في أمرين كلاهما أدعى إلى القلق من الآخر هما:

1- إنها وظيفة غير مستقرة (من حيث أنها ليست واقعا جوهريا).

2- إنها عبارة عن مكان وزمان (غير مستقرين هما الآخران). تتضافر فيهما المعطيات وتتبادل وتتنازع (فلا يشترك فيهما إلا قوى الطبيعة والتأريخ التي تترفع ممن عليائها عن اجتهاداتنا الفكرية المكرورة (34).

يعود المؤلف بعد عرض هذه الحلقة الدراسية إلى محاولة البحث في الهوية القومية فيقول باندهاش: (لا أخال أن أحداً ما زال يعتقد أن هناك قوما عربا حافظوا على نقاوتهم كعنصر أو كعرق عبر كل هذه العصور وبعد كل هذا الاختلاط الذي شهدته المنطقة (العربية) ولابد من تسمية- بين أعراق وشعوب وجماعات شتى).

بل الأصح أن يقال أن أولئك العرب الذين انتشروا في المنطقة- وعلى افتراض أنهم يشكلون عرقا واحدا- قد تلاحقوا وذابوا في خضم خليط من الشعوب. فلا معنى لأن يتحدث المرء عن عرب ما، رغم علمه مثلا أن خلفاء الدولة العربية في عصرها الذهبي- العباسي- لم يكن بينهم إلا ثلاثة فقط ممن كانت أمهاتهم عربيات. أما سائر الباقين أي الأكثرية الساحقة- فقد كانت أمهاتهم (سراري) روميات أو تركيات أو فارسيات.. الخ(35).

هذا عندما لم يبح الحكام أنفسهم من أعراق أخرى من بني بويه أو السلاجقة أو كالمماليك ومحمد علي باشا الكبير. وهذا الذي يصح على الخاصة يصح على العامة أيضا: (لا لأن أسواق النخاسة كانت تملأ المدن العربية بمختلف أنواع العبيد نساء ورجال وإن الجواري كن يلدن كما تلد الحرائر أو يزيد وحسب، بل لان التسري كان قد غدا مبدأ فاعلا منذ زمن مبكر من عمر المجتمع الجديد. وكان من شان الاختلاط المذكور أن لم يبق من سؤدد العرب- باستثناء السلطة- إلا لغتهم التي سادت وطغت على سائر اللغات، لكن العربية منها ما لبثت أن ساهم في تقعيدها أناس لم يكونوا عربا فأدخلوا في نحو اللغة العربية قواعد تنتمي إلى بنية لغتهم الأم وطعموها بالألفاظ الدخيلة.

أما الثقافة العربية بما فيها مجمل السلوك المعيوش من عادات وتقاليد ولباس ومسكن ومأكل وشعائر.. الخ، فقد كانت هي الأخرى من صنع شعوب شتى (36).

ثم أن السلطة نفسها ما لبثت أن صارت غير عربية وإذا كانت التسمية- عربية- ظلت تطلق عليه في معرض الحديث عن الدولة والحضارة فما ذلك إلا لأن الكلام لا يقوم في أحيان كثيرة على مجاراة تطور الوقائع. وذلك من قبيل القول بأن الشمس أشرقت وأغربت وهي بالواقع لا تشرق ولا تغرب، وإنما هي أرض تدور.. وأيام تتداول بين (الناس) (37).

ويضيف المؤلف أن إلقاء اللوم على الاستعمار- وهو ملوم ولا تكفي تجزئة الأمة العربية الواحدة ليس من الحق في شيء، إذ يذكر في هذا الشأن انقسامات الأمة التي تحدرت أقطارها منذ أمد بعيد، وحروبها مع بعضها وحروب هذه الأقطار مع بعضها البعض في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي، وهو يسال أيضا، هل أن فهم العرب لمقولة (العدو) تقتصر على العدو الصهيوني وحسب؟ أم أن هناك من لا يزال يعتقد أن الجهل عدو، والأمية عدو، وأزمات السكان عدو، واستشراء أجهزة الرقابة والمخابرات عدو، والصحافة المكممة عدو، والارتهان بالغذاء للغير عدو، والعجز عن إنتاج أبرة أو مسمار عدو، وتبذير الدخل اليومي على شراء أسلحة تدمر كل عقد أو يكاد عدو، وعلى شراء المصانع و (المفتاح باليد) لأغلقها بعد أقل من عقد؟ وبيع مخزون النفط لتعزيز اقتصاد (العدو) بل و (الأعداء) أجمعين..

..(ثم تسألني من نحن؟ في الحقيقة لم أعد أدري على وجه التحديد) (38).

وتأتي المقالة الحادية عشرة التي هي عبارة عن أجوبة لأسئلة وجهها أحد الصحفيين إلى المشتغلين بالفلسفة تخص التوجهات الفكرية، التي يحاول المؤلف فيها أن يشير إلى قضايا مهمة عديدة في هذا المجال (منها قضية التوجه أو المدرسة الفكرية والمنهج المستخدم و... ما إلى غيرها من القضايا).

أما في المقال الأخير الموسوم (لغتنا والترجمة: بحث العلة وتسكينها) يخص المؤلف واقع الترجمة في اللغة العربية بدراسة كانت الأطول على مستوى فصول الكتاب (بلغت 48 صفحة) وانتهت بثلاث ترجمات مهمة. إذ يفتتح المقالة بالإشارة إلى النقص الواضح الذي تعانيه المكتبة العربية من أدبيات العلوم الاجتماعية المختلفة التي تتسارع خطى تطورها بعيدا جدا عنا، فيقول: (ليس من الضروري أن يجتهد المرء اجتهادا كثيرا ليتبين له أن ما هو متوفر باللغة العربية من الكتب الأساسية في العلوم الإنسانية والاجتماعية لا يفي بحاجات الثقافة العربية الراهنة، ناهيك بشروط تطورها المستقبلية) (39). وهو يعرض الإنجازات المتواضعة لقطاع الترجمة العربية في هذا المجال، مثلما يعرض لأراء أكثر الخبراء والباحثين في الترجمة باستعراض أرائهم في الندوتين اللتين أقيمتا لهذا الغرض*****. ثم إنه يضعنا بإزاء علة القضية وذلك بالتأكيد على أن طرح القضية على هذا المستوى العام يجعلها بالتالي مشكلة حضارية معقدة تضاف إلى بقية المشكلات المعقدة الأخرى، لذا فهو يخرج باستنتاج مفاده أننا لا نبالغ إذا قلنا إن هذا ما آلت إليه شتى المعالجات لمشكلة العلاقة بالنتاج الفكري والغربي بما هو الفكر الذي يبلور في عصرنا هذا نظرة معرفية لشؤون العالم (40). ولكن المؤلف يحاول أن يعرض للمشكلة من كافة جوانبها معززا ذلك بالأمثلة والإستشهادات أينما وجدت، وكل ذلك من أجل التوصل إلى حلول ناجعة بعيدا عن الشعارات الكبيرة والرنانة التي لا تغني ولا تشبع.

ضمن هذه الإشكالات السيوثقافية وأخرى غيرها تأتي مساهمة حسن قبيسي الرائعة لتضيف مبدأ جديدا لانفتاح الوعي العربي، وتعكس بالتالي سعيه الحثيث لإنتاج ثقافة أصيلة أساسها قراءة الذات، وقد كان هذا العرض دعوة للقراءة.

______________________________________________________________________________

** باحث من العراق: رئيس قسم علم الاجتماع في كلية الآداب/ جامعة القادسية.

*** كالمستظرف للابشيهي وطوق الحمامة لابن حزم الاندلسي ومصارع العشاق للسراج وتزيين الأسواق للانطاكي.

1- حسن قبيسي: المتن والهامش، تمارين على الكتابة الناسوتية، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1997، ص 12.

2- نفسه، ص 12.           3- نفسه، ص 13.

4- نفسه، ص 14.           5- نفسه، ص 16.

6- نفسه، ص 16.           7- نفسه، ص 17.

8- نفسه، ص 17.           9- نفسه، ص 18.

10- نفسه، ص 19.

**** برهان غليون في كتابه (مجتمع النخبة)، هشام شرابي في كتابه (البنية البطريريكية)، جورج قرم في كتابه (انفجار المشرق العربي).

11- نفسه، ص 37.

12- نفسه، ص 38.

13- نفسه، ص 39.

14- نفسه، ص 39.

15- نفسه، ص 40.

16- نفسه، ص 42.

17- نفسه، ص 117.

18- نفسه، ص 135.

19- نفسه، ص 160.

20- نفسه، ص 189.

21- نفسه، ص 196.

22- نفسه، ص 211.

23- نفسه، ص 213.

24- نفسه، ص213.

25- نفسه، ص214.         26- نفسه، ص227.

27- نفسه، ص228.         28- نفسه، ص228.

29- نفسه، ص228.         30- نفسه، ص229.

31- نفسه، ص230.         32- نفسه، ص230.

33- نفسه، ص231.         34- نفسه، ص232.

35 - نفسه، ص233.                36 - نفسه، ص234.

37 - نفسه، ص235.                38 - نفسه، ص256.

39 - نفسه، ص257.

***** المقصود بهما:

1- أعمال الندوة التي عقدها مركز الدراسات العربية (بيروت) ونشرها عام 1982 بعنوان (التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي).

2- الندوة التي نظمتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (تونس) بعنوان (واقع الترجمة في الوطن العربي)، وذلك عام 1985.

40- نفسه، ص258.

عبد الوهاب الملوح... سيرة محارب بطاسة حلاقة

نوفمبر 21, 2019 اضف تعليق

تتراجع آنا كارينينا عن نواياها وعوض أن تبوح لدولي أخت زوجها فرونسكي بهمومها تبرح المكان، تلقي بنفسها في أول عربةو تُفسح المجال لدواخلها... تهيم مع أفكارها؛ تسرح؛ تتذكر؛ تفكر؛.. في مشهد مونولوغ من أقوى مشاهد التي حققتها الكتابة عموما... تنزل آنا من العربة آملة لقاء فرونسكي الذي يعلمها إنه لن يعود؛ ليبدأ مونولوغ آخر في عربة أخرى؛يتواصل في مقصورة القطار الذي ستنزل منه آنا لتذهب بهدوء إلى انتحارها؛ يتقاطع المونولوغ مع لقطات متفرقة من الخارج اللامبالي مع حركة العربة مع حركة القطار مع انزياحات هذيانات آنا وسوف تمثل كل هذه الحركات مشهدا واحدا.. نهاية آنا كارينينا... ازدحام فارغ في أكثر من حركة واحدة في وقت واحد ولا رابط بينها غير تشتت وتمزق حالة هذه المرأة التي لا شيء يفيد إنها مكسورة العزيمة أو أنها منهارة تماما دونما لجوء إلى دراماتيكية تستبق لحظة الانتحار.. انتحار البطلة الذي لن يمثل نهاية الرواية... هو نهاية القصة وليس نهاية الكتابة.. يتمرد تولستوي على بعض قوانين الكتابة الروائية السائدة في عصره
من أجل تحقيق الجمال ليس من الضروري الانضباط للقاعدة وشروط الجنس الأدبي.. سوف يرى بعضهم إن هذا المشهد يستبق ما سوف ينجزه جيمس جويس بعد نصف قرن في رائعته عوليس بشكل أكثر تحررا وأكثر وعيا بمنهجية الهذيان... غير إن مونولوغ آنا هو استرداد أو امتداد لمحاولات أخرى كانت تهجس بالتجاوز في أشكال الكتابة السردية والخروج من مأزق الجنس وإعلاء شأن سيرة محارب بطاسة حلاقة... قبل ذلك بقرن تجرأ لورانس شتيرن 1713/1768أن يكسر القاعدة؛ يخوض المغامرة / المقامرة يكتب رواية بشكل متحرر من كل التشريعات والقوانين.
وسط ازدهار الرواية كجنس أدبي جديد يتمرد لورانس شتيرن من أجل كتابة رواية بلا قصة كما يقول هو.. حيث ضبابية الخط السردي ومقاربات تيبوغرافية مختلفة عما هو سائد؛ مزقت وحدة النسيج النصي للأثر من ذلك : صفحات سوداء؛ صفحات بيضاء؛ إدماج علامات الطباعة كجزء من المتن؛ رسوم مصغرة؛ أشكال هندسية.. مع التركيز أساسا على التفاصيل الدقيقة وخلال فصول مطولة سيتوقف لورانس عند أعمال هي في منتهى الدقة ويسلط الضوء على الحدث التافه البسيط.
أصل حكايةتريسترام شانداي إن تريسترام هذا يكتب سيرته بينما هو الغائب الوحيد في الأحداث التي تصنعها الكلمات... وليس ثمة غير الكلماتتصنع الأحداث وتشكل الوجود؛ وهو ما فتح الأفق لشتيرن لامتياح مادة كتابته من منابع متعددة؛ النحو؛ فن الحرب؛ فن الطب؛ فن الطبخ؛ الحكايات الشعبية..
ليس لأن لورانس شتيرن كتب خارج سقف الجنس تابع أثره ليون تولستوي في ما سبق ذكره بشأن مشهد انتحار آنا كارينيا ولكن لأن الإبداع هو هذا التحرر الدائم وإرادة التجاوز والكتابة خارج القاعدة الكتابة بوعي مسلح بالتحرر لذلك سيهتف فلوبير مرة قائلا أريد أن أكتب الفراغ لن يمر وقت طويل لتأـي فرجينيا وولف1882/1941لتقطع نهائيا مع قوانين السرد المعتادة فإذا السرد يؤسسه المونولوغ ويدفعه روايتها الأمواج التي تستعصي على التصنيف حتى أن بعضهم يميل إلى تسميتها بالقصيدة الرواية.. هي الأثر الأكثر إثارة للجدل للخرق العظيم الذي تعمدته؛ فليس الخط السردي هوالعمود الفقري للرواية ومعمارها لا يكاد يتخذ هيأة محددة بقدر ما هو كتابة متحررة بوعي؛ والشخصيات مائعة تتميز باللامبالاة اللانهائية ولم تكن فرجينيا وحدها في إعلان الانقلاب على دساتير الكتابة الروائية بل لعلها كانت متأثرة بمارسيل بروست في روايته البحث عن الزمن الضائع وجويس في عوليس هذا العمل الذي طالما اشمأزت منه ورفضت نشره في الدار التي أسستها صحبة زوجها ولم تكن وولف وحدها من رأى أن أعمال جويس ليست مِؤهلة للنشر؛ بدءا من عمله الأول ناس دبلن ثمصورة الفنان في شبابه وسوف يتطلب الأمر ناشرا أمريكيا ليوصل ستيفن ديدالوس إلى القراء.. كانت حجة رفض الناشرين لأعمال جويس أن أسلوب كتابته لا يستجيب لتطلعات القراء لما يتعمده من إيغال في الهذيان وعدم وضوح خط السرد واهتمامه المبالغ بالتفاصيل الدقيقة والتافه اليومي واستطراداته المطولة ونسفه للدراماتيكية القائمة على الصراع بين الأضداد وما يتطلبه هذا من شخصيات وشخصيات مضادة ولغته التي تنزع نحو الشعرية.. سيثير صدور عوليس سنة 1924 ضجة كبرى في جميع الأوساط بما فيه الأوساط غير الثقافية.. تقنيات مغايرة في بناء الشخصيات؛ مقاربة مختلفة تماما للسائد في البناء المعماري للرواية وتأويل الزمن السردي؛ اتكاء السرد على حالات الذات وهواجسها ومزاجاتها المتقلبة وعدم التعويل على الأحداث لدفع السرد وإعطاء الأولوية للهذيان والحوار الداخلي والمادة الحلمية وهو ما استدعى معجما لغويا مختلفا تماما؛ لغة إشارية إيحائية مكثفة وهو ما سيقتضي تركيبة مغايرة للجملة؛ سيتواصل الآحتفاء بالطاسة في
يقظة فينجان التي رغم أنها لم تنل نفس نجاح عوليس لكنها واصلت نفس التمشي نحو التحرر من انضباطية الجنس الأدبي سيقول عنها بارت:
quot;هو كتاب يفتقر للحسم يعمد إلى إنتاج مشهد لغوي من حيث إنه يحتفي بالدوال على حساب المدلولات؛ إنه شعر النثر
لحق الحلاق الذي سرق منه كيخاد ا طاسته للحلاقة وقال له هات الطاسة فأجابه دون كيشوت هي خوذتي التي سأحارب بها.
جعل جويس من محاولة الاختراق دينا جديا تفشى وجاءت كتابات بروست لترسخ هذا التوجه مما جعل ناتالي ساروت وهي بصدد صاحب البحث عن الزمن الضائع لقد فتح عصر الريبة
فعلا؛ تتالت الأعمال السردية المتمردة؛ سيجيء البولوني فيتولد غمبروفيتش يكتب نصوصا روائية بالقدر الذي لا تتوسل فيه الغنائية تحتكم إلى الواقع عبر فتنة مخيلة متجاوزة ورواياته فيرديدورالأدب الإباحي هي بمثابة شذرات تشردية يتهيَّأ إنها حكايات ولكنها مقاربات نثرية مختلفة ذات منزع شعري و ستأتي رواية السائرون نيامالهيرمان بروخ لتمزج بين خمسة أجناس مختلفة رواية.. قصة.. شعر.. دراسة؛ وستاتي أعمال لولكليزيو الذي يمزج بين أكثر من جنس وينسف القاعدة موظفا كل طاقات الكتابة من اجل إنجاز عمل أكثر تحررا؛ ولعل ما قاله الكاتب الكبير ميلان كونديرا بشأن مائة عام من العزلة لغابريال ماركيز يؤكد فعلا ما قالته ساروت هو عصر الريبة وعدم الاطمئنان ليقين النظريات
إنها واحدة من اعظم النتاجات الأدبية الشعرية التي عرفتها ولم يقل النتاجات الروائية.
عبد الوهاب الملوح

رواية للكاتب المغربي محمد خير الدين: وقائع أسطورة مغربية

نوفمبر 18, 2019 اضف تعليق


ظهرت الآن باللغة الألمانية آخر رواية كتبها الكاتب المغربي محمد خيرالدين تحت عنوان "صراعه الأخير". رواية تدور أحداثها حول شخصية أغون شيش الأسطورية وتزخر بالذكريات الشخصية والذاكرة الجماعية. مراجعة للرواية كتبتها رغينا كايل
عز الظهيرة (High Noon) في عمق الجنوب المغربي: عمل شبيه بفلم ويسترن قاتم الأجواء ذلك الذي يمنحنا إياه رامبو المغربي محمد خير الدين(1941-1995) بهذه الملحمة العائلية من إقليم الأطلس الصغير والتي تدور وقائعها حول شخصية أغون شيش الذي يهيم باعتباره فارسا متوحدا عبر المناطق الجبلية المحززة بالأجراف والأودية في الجنوب المغربي؛ طالب ثأر وحيدا، صعلوكا بدافع الشرف يتقفى آثار قبيلة قتَلة أخته داخل وسط طبيعي واجتماعي نموذجي القسوة موسوم منذ عهود ضاربة في القدم بمياسم الفقر والمجاعات ووقائع الثأر الدموية والتقاتل القبليّ وتجارة الرقّ والمعتقدات الخرافية والعنف والجهل؛ وسط يتأرجح بين الجحيم والجنة:
عبر الجنوب الخرافي
"لقد أنبأه أسلافه من قبل بأن الأموات سيظلون يرافقونه حيثما حلّ ومضى، ولن يستطيع منهم إفلاتا."
أغنون شيش المطارِد المطارَد تؤويه المغاور ليلا وأضرحة الأولياء ومقابر مهجورة وخرابات القلاع الحربية المتداعية خلال رحلته كفارس محمل برسالة من العصور الماضية تتجسد لديه في شكل هلوسات ورؤى أحلام وفي لقاءات بالأرواح والجنّ...
تبدو الرواية في مواقع عديدة في هيأة دليل أسفار يتنقل بالقارئ عبر الجنوب الخرافي العتيق داخل مثلث تافراوت-تيزنيت-تارودانت، تلك المنطقة التي هي موطن محمد خير الدين والتي ما فتئ يستحضرها في كل كتاباته، لكن قلما وردت في أي عمل من أعماله السابقة بمثل هذا الطابع الفاتن الملحّ والمؤثر و المثير كما جاءت عليه في رواية Vie et légende d’Agoun’chich : حياة أغون شيش ووقائعها الأسطورية، روايته السابعة والأخيرة، وأول رواية يكتبها فوق أرض المغرب ما بين سنتي 1979 و1983 بعد عشرات السنين من حياة المنفى:
"أي مذاق لذيذ لإبريق اللبن الممزوج بطحين الزعتر بعد الخمور الحادة في أرض الغربة!"
طقوس إحتفالية
الذكريات الشخصية والذاكرة والجماعية، التاريخ العام ووقائع المسيرة الحياتية للأفراد تنصهر جميعها معا داخل صورة نموذجية للجنوب الذي كان منذ ذلك الزمن الذي تدور فيه أحداث الرواية (الثلاثينات من القرن الماضي) موسوما بظاهرات النزوح والفرار من الأرياف والهجرة والالتقاء الأليم بعالم الحداثة الاستعمارية.
بلمسات تصويرية فنيّة ساحرة يحفظ محمد خير الدين لغة البربر وعاداتهم، ويصور تقاليد حياتهم اليومية وطقوسهم الاحتفالية، ويخلّد أقاصيص الخلق وأساطير البدء، ويروي وقائع من حياة الأولياء مثل سيدي حَمد وسيدي موسى وللّه تيعازتْ تاسملالتْ، أو حكايات البطولات وشخصيات خرافية من أمثال حمَد ونمير التي تتماهى معها شخصية أغون شيش وترى نفسها نسخة منها:
"بيتي كان إحدى النجوم وأنا كنت حَمد أو نمير: جنيّا... من مادة الكواكب كنت...وكان جسمي يروي الأرض بعرقه، ذلك أنني كنت أعمل في ملكوت المنفى السماوي..."
في انتظار المنفى
ليس شيئا أقل من ملكوت السماء هو المنفى الذي غدا أغون شيش ينتظره في آخر الرواية: وما ابتدأ على هيأة Ethno-Western –سيرة إثنوغرافية من الغرب الأميركي، على غرار رواية on the road (إحالة على رواية "على الطريق" لجاك كيرواك)، أو بعبارة أفضل off road (خارج الطريق) مع لمسات سريالية، سيفضي بالنهاية إلى وثيقة تقريرية عن صدام الحضارات(clash of civilisations) والمصادمة مع السلطة الاستعمارية التي سيجد أغون شيش "ملك الجبال" وروح الجنوب نفسه مندحرا فيها أكثر فأكثر إلى موقع دفاعي كلما تقدمت به مسيرته باتجاه الشمال.
وعندما تدهس شاحنة نقل بغلته المحبّبة ورفيقة دربه الوحيدة، عندها فقط سيجد أغون شيش نفسه أمام صراعه الأخير؛ الصراع الذي يحيل عليه عنوان الترجمة الألمانية للرواية، والذي كان ضمنيا في النص الأصلي وقد تركه الكاتب لخيال القارئ.
ليس بالسلاح تكسب المعركة
"وفي اليوم نفسه وارى سلاحه التراب إلى جانب بغلته وركب الحافلة باتجاه الدار البيضاء." ذلك أنه قد غدا واضحا لديه: ليس بالسلاح يمكن كسب هذه المعركة التي هي "معركة حضارية"، وليست الجبال هي ركح هذه المعركة إذنْ.
والرواية بكليتها هي في الحقيقة، مثلها مثل كل تركة خير الدين الأدبية، جزء من هذا الصراع بالنهاية. وكون هذه الرواية لم تنشر في الدار البيضاء إلا سنة 2002، أي بعد مرور 18 سنة عن صدور طبعتها الأولى بباريس، وسبع سنوات بعد وفاة محمد خير الدين، إنما يعد لوحده مؤشرا على أن رواية أغون شيش ومن ورائها مجمل الثقافة البربرية العريقة التي ينتمي إليها حوالي 50 إلى 60% من الشعب المغربي، والتي كانت ترى نفسها على الدوام مندحرة إلى مواقع دفاعية، تظل بالفعل كيانا قادرا على الصمود وعلى تجديد نفسه مثلها مثل شجرة الأرغان الشهيرة التي يرد ذكرها في مستهل الكتاب والتي تعتبر الرمز الطبيعي الحي لتلك المناطق الجنوبية.
إعادة الإعتبار الى الثقافة الشعبية
عن "اللغة المقاتلة" كعلامة مميزة في كتابة خيري الدين..
تلك هي اللغة التي أعلنها خير الدين في سنوات شبابه ومارسها في العديد من كتاباته، بدءا برواية أغادير التي مثلت بدايته الروائية العنيفة وحاز بها سنة 1967 على جائزة الفتية الشرسين التي أسسها جون كوكتو. تبدو روايته هذه من الوهلة الأولى وكأنها قد ابتعدت في الأثناء عن هذه اللغة المقاتلة.
لكنها، حتى وهي تكرس عودة إلى النمط السردي الذي تأسس خلال الثمانينات وغدا نمطا مميزا سائدا لدى كتاب جيله (نذكر منهم الطاهر بن جلون على سبيل المثال)، فإنها في تلك المقاطع التنظيرية تعيد الربط مع مواقف مجلة أنفاس (1966-1972).
وكانت تلك المجلة الأدبية والثقافية الطلائعية التي أسسها بمعيّة كتاب مغاربة نذكر منهم عبد اللطيف اللعبي والنيسابوري (قبل أن تقع تحت طائلة الرقابة) هي التي أطلقت نداء شديد اللهجة يدعو إلى "تحرير الوعي". أو بكلمة أخرى إلى إعادة الاعتبار إلى الثقافة الشعبية العربية الأمازيغية التي مارس عليها التيار السائد للصفويّة العربية الإسلامية قمعا قد يكون أشرس مما مارسته الهيمنة الاستعمارية من قبلها.
رمز النهضة البربرية
"عالمي قد تمّت مواراته التراب مثل بغلتي..."
... هكذا يعلن أغون شيش قبل أن يرتحل باتجاه الدار البيضاء. إلا أن محمد خير الدين نبّاش القبور(إحالة على رواية له تحمل هذا العنوان) الذي كانت له منزلة الشاعر الملعون قد كان أول من نبش عن هذا العالم المطمور وأعاده إلى الحياة، وذلك في اتجاه معاكس لروح العصر الرسمية السائدة.
واليوم قد غدا الشاعر الملعون يحتل منزلة رمز النهضة البربرية، نهضة قد غدت منذ خمس سنوات تجد مساندة ودعما حتى من الجهات الحكومية وذلك عن طريق تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM) الذي يعمل في الاتجاه الذي كان يحلم به الراوي على تمهيد الطريق نحو المستقبل الشامل لثقافة يقدّر عمرها بثلاثة ألاف سنة: "ثقافة يتقاسمها المرء مثل الخبز والماء مع رفاق دربه."
بقلم رغينا كايل
ترجمة علي مصباح
حقوق طبع النسخة العربية قنطرة 2007
ِ
رغينا كايل مترجمة وأستاذة أدب فرنسي في جامعات هايدلبرغ، رباط وبركسل.

الذّكرى الرابعة والعشرون لوفاة الشاعر والروائي المغربي محمد خير الدّين

نوفمبر 18, 2019 اضف تعليق

اليوم حلت الذّكرى الرابعة والعشرون لوفاة الشاعر والروائي المغربي محمد خير الدّين (1995-1941)، وهذا مقتطف من روايته "أگادير" (الصادرة عن دار نشر سوي - 1967):
ترجمة: مبارك وساط

(...)

البرْد الرّاتع في غرفتي التي تنفتح على الشّارع، ونافذتي التي لا تنغلق... مخّي السّارح الحاضِر متى إذنْ ستكون بَغْلا بشكل أقلّ؟ رأسي، لُقْيَتِي، حافظةُ أوراقي، وجدّي الذي نبشتُ قبره لأعرف إن كان قد غيّرَ مكَانَه، الموتُ الذي يَرفضني، أنا عَفِن، أنا لِحاءُ الشّجرة العجوز المهووسة، دمي أو بالعكسِ لِمْفايَ ضاربة إلى السّواد، دمٌ عَدَمٌ، دمُ نحلةٍ، دمي الهائل، دمي بلا اسْمٍ، دمي الذي هو ليلٌ دائما... أُفْرِغُ لوحدي بنوكَ الدّم، دمٌ هو هياجُ حشرة تجوسُ الحديقة حيث الصّداقة معقودة بين المصاطب، دمٌ مُمَلّحٌ مُدَخَّنٌ، دمٌ زلزال يَنطلقُ من إبهام قدمِي... دمٌ نقود مزيّفة، أنْسَلُّ وليس بدافع الخطأ يُسلّمني الدّم كأني جانٍ، أمضي إلى ضوضاء المدن من دون اسم حقيقي، وفي كلّ مكان ألاقي سُحُبًا من الذّرّات... لا أتوجّه إليكَ بالكلام إلا لأننا نبقى غير منفصلين، تقول نحن غير قابلين للانفصال، نحن قابلان للانفصال، أجيب أنا الذي استُحْلِفتُ في اللحظة التي تمّ خلالها اغتيالي، لقد شكّلْتُكَ كما اقتضتْ لياقتي، وبحسب مهارة الفخاخ، دون إسقاط شيء من سحر إله الفودو الذي أطاح به الأوربي ذو الأسنان المشحوذة جيدا واليدين الطّويلتين، الحائزُ معارفَ العظاية الباسمة، وهنالك أبو الآباء، أبو السمكة العجوز التي صنعتْها الرُّتيلاء المُسِنّة أمام أبِي الآباء وأمّ الآباء... طبعا أنا أختفي، أيها الدّم- المحرقة الدّم- البنزين الدّم- المعركة ... شهدتُ عمليات فَصْدٍ من العنق والعانة، كان ذلك على عرش من الحجر المتبلّر وعلى الفراغ الذي يتوسّط الهذيان، وكانت العانس المحتدّة المزاج سبب مشاقّ العمل في الحقل وحَفْرِ الآبار تغرز رأسَها نفسَه في الحجر وتضحك شِبْهَ نائمة فيما أعْلَى منها بلْ على جلدها ترسُمُ الدّكتورةُ الطّوفانَ، الدّخانَ، الثّلجَ، الحَرْبَ، كانت المنيّة حاضِرة، قلْتُ لنفسي، فهل لها قلب ودمٌ وجسدٌ يمكنه أن يسحرني؟ كلّا.

ربّما تَعود في ليلة ما وهي لن تنبثقَ من أحشائي، وستُصَفّق ومن بعيدٍ تناديني يا سيّدا كأنّي قيصر، يا بومةُ كأني القُرصان أو الإعصارُ حاملاَ هذا الاسم، تعال لأسمّمك، تعالَ لأكسوَك لباسَ رومانيٍّ قديم، لباسا أبيضَ مذهلا، تعالَ أيّها النّسيان، ولْأكُفّ عن الظّنّ. علاماتٌ مُشاةٌ سائقو سيّارات راكبو درّاجاتٍ مُلوكٌ أفّاكون كتّابٌ أنساقٌ منطقيّةٌ جماركُ غزواتٌ، المساءُ يفتحُ المقاهي، المصابيح تقتات من الشّمسِ، الإنسان يُتلف كبده، إنّهم يُرَقّعون دمي، وأشعر بالألم في الأماكن التي تحمرّ من جسدي... وأنا دوما أسائل دمي الذي أنعتُه بمطرح نفايات المدينة، بالفأر المُصاب بالطّاعون، بوباء أقمارٍ نتنة، بنقيضِ كُلِّ ما يمنحنا الهناء فنتشبّثُ به أثناء تهاطل المطر إذْ يُصبح الفحم الحجريّ بثمن الدّم، دمي الذي تقيّأتُه، دمي الذي لا يمضي لتناوُلِ الكَرْكَنْدِ مُضمّخََ الشّارب بالطِّيبِ مُصفَّفَ الشَّعر على الطّريقة الإيطاليّة، دمي الأعرجُ... دمي الجُذامُ، دمي مثل سانْ جوستْ على منصّة الإعدام، دمي إنّكَ ترتجف، دمي إنّك تُتَوِّجُ شِرّيرا حقيقيا، دمي إنّك تُطْلِقُ النّار...

-------------------



من أبرز الشخصيات الأدبية المغربية الأمازيغية، كتب باللغة الفرنسية فقط ، ولم يكتب مطلقاً بالعربية أو بالأمازيغية، وبذلك ظل مجهولاً عربياً. ترك الدراسة مبكراً وعمل في العشرين من عمره مندوباً بالضمان الاجتماعي من عام 1961 إلى 1963 في أكادير ثم في الدار البيضاء، واستقال سنة 1967 من منصبه وهاجر إلى باريس هارباً من الملاحقة القانونية لاشتراكه في انتفاضة مارس 1965 ليلتحق هناك بعد ثلاث سنوات في ثورة طلاب فرنسا (مايو 1968). كان من بين الطلاب الذين احتلوا مسرح الأوديون بباريس. نشر له سارتر قصيدة “الملك” في افتتاحية مجلته الشهيرة “الأزمنة الحديث”. صدر كتابه الأول في لندن سنة 1964 بعنوان “غثيان أسود” وقد ضم قصائد تشي بيأس وجودي متأصل. في سنة 1967، نشرت له دار سوي الفرنسية رائعته “أغادير” التي كتبها في أعقاب الزلزال الذي دمر المدينة المغربية سنة 1960، وكانت المخطوطة تحمل عنوان “التحقيق” قبل أن يقترح الناشر تغيير الاسم إلى “أغادير”. توفى في 18 نوفمبر عام 1995.

النتاج الروائي:
•”أغادير”، 1967
•”الجسد السالب”، 1968
•”أنا المر”، 1970
•”النباش”، 1973
•”حياة وحلم شعب دائم التيهان”، 1978
•”أسطورة وحياة أغونشيش”، 1984

•”كان يا مكان زوجين سعيدين”، 1993

تشارلز بوكوفسكي... إلى العاهِرة الّتي أَخذت قَصائدي

نوفمبر 14, 2019 اضف تعليق

ترجمة: ريم غنايم


"يَقول البَعض إنّه لا بدّ أن نُقصيَ إحساسَنا الذّاتيّ بالنّدم
عَن القصيدة،
لتبقَ مجرّدة، وفي هذا شيءٌ من المنطق،
لكن يا الله;
اثنتا عشرَة قصيدةً اختَفت وأنا لا أحتفظ بنسخٍ كربونيّة، ولديك
أيضًا لَوحاتي، أفضلها; وهذا يخنقُني:
أتحاولين سَحقي مثلَ بقيّتها؟
لمَ لم تأخُذي أموالي؟ فعادةً ما يختلسنَ
من سراويل السكارى الراقدين في الرّكن.
في المرّة القادِمة خُذي ذراعي اليُسرى أو نقودًا من فئة الخمسين
وليس قصائدي؛
لستُ شكسبير
لكن يومًا ما
لن تكون قصائد أخرى، مجرّدةً أو غيرها؛
سيظلّ دائمًا المال والعاهرات والسكارى
حتّى القنبلة الأخيرة،
لكن كما قال الله،
متربّعًا،
أرى أين خلقتُ الكثير من الشّعراء
ولكن ليس الكثير من
الشعر".
ثقافة ما بعد 1967 : الصدمة المستمرة والافضاء الى حيث لا مكان !

ثقافة ما بعد 1967 : الصدمة المستمرة والافضاء الى حيث لا مكان !

نوفمبر 12, 2019 اضف تعليق


حسن داوود |
> في سنة 1971 انعقد في بيروت لقاء شعري هو الاول في تاريخ الشعر العربي الحديث. كان ذلك جديداً على هذا الشعر اليافع الذي لا ترجع بدايته الى اكثر من ربع قرن، لكنه لم يكن جديداً على الشعر العمودي، القديم قِدم التاريخ العربي كله. لهذا الشعر القديم كانت تعقد لقاءات عُدّت احداثها اياماً مشهودة في اكثر الدول العربية. في القاهرة جرى لقاء عُدّ تاريخياً لشعراء اوائل القرن وذلك لتطويب احمد شوقي اميراً للشعر، في بيروت ما زالت المناسبات مُتذكَرة ومنها تكريم الشعراء العرب لشاعر لبنان الاخطل الصغير، في منتصف الستينات. قبل ذلك، في الخمسينات وما قبلها كانت قصائد الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري تلهب الجماهير وتهزّ عروش السياسيين. الشاعر السوري بدوي الجبل كان قد فعل الشيء نفسه في سورية. الشعر العربي القديم كان شيئاً من تاريخ العرب ومن أصالتهم. على مدى التاريخ العربي كله احيط هذا الشعر بقدر من القداسة ابقاه، في بنائه وأوزانه وقوافيه، ثابتاً مستمراً من دون تغيّر. الشعر الحديث، الذي يؤرّخ لبدايته في اواخر النصف الاول من اربعينات هذا القرن، كان عليه ان ينتظر كل هذا الزمن حتى يتمكن من الظهور. لكنه، في سنة 1971، اسرع الى عقد ملتقاه الاول في بيروت، كان ذلك بمثابة تظاهرة ثقافية اجتمع لها الشعراء الحديثون من مختلف الدول العربية. هذا يعني ان شعر الحديثين خطا خطوة كبيرة الى الامام متجاوزاً بذلك حلقات النخب الضيقة. الملتقى ذاك بدا كأنه يجمع الشعراء ليتمكنوا معاً من ان يطووا صفحة الماضي الكبيرة.

بدت الحداثة كما لو انها تثأر من ذلك التاريخ الواحد القديم بإيقافه وإنهائه. وأحسب ان ذاك الهجوم كان محكماً اذ ابقى للشعر التقليدي دوراً واحداً هو ان يلقى من على المنابر في المناسبات، لا ان يقرأ في الكتب. الشعر الحديث تمكن من ان يرد الشعر القديم الى الماضي القديم ويغلق الحاضر عليه. كان ذلك الهجوم محكماً اذ من اسلحته مثلاً احكام السيطرة على الصفحات الثقافية في الصحف والحؤول بينها وبين ان تنشر قصائد عمودية.

سقوط أحمد سعيد

ما كانت الحداثة الشعرية لتحقق هذا الانتصار السهل لولا الصدمة الهائلة التي احدثتها حرب 1967، او هزيمة 1967. في سنة 1948 حدثت هزيمة اولى أُخرِج الفلسطينيون نتيجتها من مدنهم وقراهم، لكن هذه كانت اقل وقعاً من لاحقتها اذ لم تختبر فيها القوة العربية كاملة. هزيمة 1967 لم تترك مجالاً للبس اذ على مدى ايام ستة فقط كانت القدرات العسكرية العربية قد تحطمت جميعها. الناصرية انكسرت صورتها بعدما شكلت على مدى عقدين املاً باستعادة القوة العربية. الاذاعات العربية التي ظلت سنوات كثيرة تبشّر بالنصر العربي القادم وتحتفل به، تحولت الى موضوع سخرية عام. احمد سعيد، السياسي والمذيع الضخم الصوت الهادئ المتحدي، أُسكت على اثر الهزيمة وصار اسمه، في خلال سنوات كثيرة تلت، نكتة شائعة تشير الى غش النفس وخداعها بالكذب، كما تشير الى ما سمّي في تلك السنوات بالعاهة العربية التي قوامها العجز القابع تحت لغة الخطابة المنتصرة. هذا ولم تضع الهزيمة الناس في موضع الناقد الدارس لأسبابها. بين اكثر الايام العربية احتشاداً عاطفياً كان يوم اعلان جمال عبدالناصر استقالته، ربما في اليوم ذاته الذي جرى الاعلان فيه اننا هزمنا تلك الهزيمة الكاملة.

أبقي عبدالناصر حيث هو لثلاث سنوات حزينة مات في آخرها مسبباً يوفوريا عاطفية اخرى. في جنازته سار الملايين، هو المهزوم المنكسر، وبدا ان كل قيادة من بعده لن تستطيع ان تجمع هذه الكتل البشرية وأن تعطي لها معنى ووجهة. بموت عبدالناصر وليس بهزيمته بدأ ذلك المعنى الواحد بالتفتت والتبعثر. كان عبدالناصر قد احتكر السياسة في مصر، بلده، اما بسبب جماهيريته العالية وإما بحجره ومنعه للأحزاب التي على يمينه ويساره. بعد موته عادت التيارات الاسلامية الى الحركة من جديد بادئة، شأنها دائماً، من قعر المجتمعات، الامر الذي يميز عملها بالبطء لكن بالثبات، وبالخفية إذ لا يضيرها ان يظهر عملها الى العلن بعد سنوات كثيرة من بدئه.

ثقافة الاسلام حاضرة دائماً لإرشاد الحركات الاسلامية ولا يلزم، للعودة الى السياسة، إلا سماع صوت النفس الذي بددته الحكومات والجمهوريات وأشكال الحكم المستوردة. استطاعت الثقافة الاسلامية ان تبقى تعمل سنين طويلة من دون ان تخرج الى واجهة السجال الثقافي او السياسي. لكن الثقافة الاخرى، ثقافة الشيوعيين واليساريين، بدأت، منذ انطلاقتها الجديدة في مطلع السبعينات، تطلق افكارها وشعاراتها فبدت كما لو ان غايتها الايهام باتساع رقعتها ونفوذها. اما في الاتجاه العام، ذاك الذي تعبّر عنه الجامعات وحركات الشوارع واتجاهات الرأي العامة، فبدا ان سنوات ما بعد السبعين هي سنوات قطيعة مع الثقافة التي كانت قائمة من قبل، كما سنوات تحدٍ لها ومجابهة.

في الملتقى الشعري الحديث ذاك، الاول من نوعه، لم توجّه الضربة قاسية الى الشاعر القديم فقط، لكن لكل ما هو قديم ايضاً. الشاعر ادونيس، وهو الذي بدا اكثر الشعراء حداثة في الملتقى، بدا كأنه ينعي الحضارة العربية المتقهقرة كلها منذ ايام العرب في الاندلس قبل نحو خمسمئة عام. كما بدا ناعياً اللغة العربية، رمز تلك الحضارة وقوقعتها. شاعر آخر هو عبداللطيف اللعبي وجّه لمغنية العرب الاولى اكثر الشتائم صراحة وعلنية: Chante, Chante, Vielle Putain. في ذلك الوقت كانت ام كلثوم رمزاً مقدساً من رموز الحضارة العربية وليس الفن العربي وحده، اذ في يوم موتها، بعد سنوات قليلة من موت عبدالناصر، بدا ان مصر فقدت رمزها الوطني الثاني.

Chante, Chante, Vielle Putain: صار يقول عبداللطيف اللعبي في قصيدته التي برغم كونها بالفرنسية، او بلغة "الاستعمار الفرنسي"، استقبلت استقبالاً حاراً في الملتقى الشعري ذاك. كان هذا الملتقى يتجرأ على المحرمات العربية. شاعر من سورية هو ممدوح عدوان قال، بعد ان ذكّر بتراجع الإمام عليّ وقعوده، "ولذا اعطيت سيفي لإبن ملجم"، وإبن ملجم هذا هو قاتل الإمام عليّ، خليفة المسلمين والرمز المستمر لإحدى طوائفهم الكبيرة.

وفي ذاك الملتقى الشعري قال خليل حاوي، الذي قضى انتحاراً بعد ايام من الاجتياح الاسرائيلي للبنان في 1982، مخاطباً العالم العربي في ما احسب: "وكيف تبعثك العناية وأنت ميت حجّرته شهوة الموت". هذا فيما راح شعراء مثل بلند الحيدري العراقي وصلاح عبد الصبور المصري يعبّرون في قصائدهم عن أرق ما بعد منتصف الليل وعن حاجتهم الى الاقراص ليتمكنوا من النوم.

في بيروت، التي كانت مركزاً اساسياً للثقافة العربية في سنوات ما بعد 1969، بدا ان ما استجد على المدينة مقبل على تدمير الركائز الهشّة التي قام عليها لبنان.

أوسَعَ لبنان، او بعض طوائف لبنان، للمقاومين الفلسطينيين القادمين من الأردن فبدا الامر كما لو ان شعباً يُدخل الى باطنه شعباً آخر. اما المقاومة الفلسطينية فاعتبرت آنذاك البديل عن الانظمة العربية جميعها. في التظاهرات التي كانت تعمّ بيروت، كانت جميع الانظمة تدان. في الجامعات، بين الطلاب المسيّسين، بات الانتساب الى الناصرية شيئاً من الماضي وتحوّل الطلاب الناصريون الى الصف الخلفي، فاقدين كل جاذبية كما كل قدرة على المساجلة والنقاش.

استدارة ثم استدارات

في تلك الفترة من اواخر الستينات وأول السبعينات لم تُرفض انظمة الحكم وحدها بل رُفض معها كل تشكيل نظامي في السياسة كما في الثقافة والفكر. كل ما هو موجود وراسخ في وجوده ينبغي تحطيمه لأنه من مقومات الهزيمة ومن مقدماتها. كل ما ينتسب الى الفترة التي سبقت 1967 ينبغي ان يسقط لأنه من عناصر الزمن العاجز المهزوم. الامر يشابه، ان شئنا ان نستخدم ابسط الامثال، اكتشاف امرئ انه كان يسير في الطريق الخطأ فاستدار، ليسير نحو الجهة المعاكسة. هذه الاستدارة نحو الجهة المعاكسة ستعقبها استدارات نحو جهات معاكسة كثيرة في السنوات التي تلت، ما دام ان كل طريق تُسلك تُظهر، من بدايتها، انها الطريق الخطأ ويجب العودة عنها.

ثقافة المقاومة حلّت اذن محل ثقافات الانظمة وقد جرى تحطيم الهياكل القائمة كلها، في السياسة وفي الثقافة ايضاً. ساد الاعتقاد في تلك الفترة، ولسنوات تلت، بأنه ينبغي للثقافة ان تلعب دوراً مباشراً وراهناً فتكون بذلك مشاركة في القتال ضد اسرائيل، حيث هو القتال، وأن تعمل على اسقاط الانظمة المهيمنة، هناك بعيداً عن الجبهات. في الفترة التي سبقت الهزيمة، وعلى مدى عقود عدة، كانت التيارات الشعرية العربية تقوم على ما يجمع الشعراء تبعاً للاتجاهات الخاصة بالشعر، تشكلت في الثلاثينات كما احسب، مجموعة أبولو التي تضم شعراء سعوا الى التقدم خطوة نحو الحداثة لكن من دون تخليهم عن عمود الشعر وقافيته. كما قامت مجموعة للشعراء الرمزيين او للشعراء الرومنطيقيين. هذه اتجاهات انبثقت من مدارس الشعر نفسه، وليس من خارجه. بعد اواخر الستينات صار الشعراء يُجمَعون تحت اسماء هي هذه: شعراء المقاومة الفلسطينية، وهذه التسمية تضم شعراء متفاوتي الاهمية لكن تجمعهم المقاومة الفلسطينية التي نُسّبوا اليها. في لبنان ايضاً كانت هناك حاجة لشعراء مقاومة لبنانيين فأطلق على مجموعة منهم، يجمعها انتسابها الى جنوب لبنان المحاذي لإسرائيل، اسم "شعراء الجنوب".

كان على الشعر اذن ان يعمل من فوره. ان يذهب الى الشوارع حيث التظاهرات لا الى الكتب. هذا الدور الجديد للشعر قد يبرئه من التهمة الموجّهة الى الكلام عموماً، التي قوامها الفراغ واللامعنى. كما ان هذا الدور الجديد للشعر، لم يقتصر ذلك على الشعر طبعاً. في الاغاني، التي هي الفن الاقدر على الانتشار والفعالية الجماهيرية، استبدل الغناء العربي كله، المزدهر آنذاك والقائم على تاريخ غنائي وموسيقي طويل، استبدل بمحاولات غنائية تنسجم وظيفتها مع الوظيفة الموصوفة للشعر اعلاه.

في 1971 كان يمكن لواحدنا ان يسمع اغنيات الثنائي احمد فؤاد نجم والشيخ امام، المصريين، ليعرف كيف ان كل شيء بات عرضة للتكسير: ام كلثوم، التي سبق للشاعر المغربي ان شتمها، جرى شتمها مرة اخرى في اغاني الرجلين. المغني الاكثر شهرة عبدالحليم حافظ اطلقت عليه اغنية الثنائي صفة الخناثة والدلع الذي لا يليق إلا بالنساء. كما تناول الثنائي في اغنياته المثقفين العرب الذين لا يفعلون شيئاً إلا الكلام في المقاهي، ومن ضحاياه ايضاً جمال عبدالناصر نفسه ومحمد حسنين هيكل الصحافي الاكثر شهرة وتأثيراً في العالم العربي. اما الضباط المصريون فكان الكلام عنهم الاكثر قسوة إذ وُصفوا حاملين احذيتهم تحت آباطهم وهاربين من خط النار.

بين المثقفين في اكثر من مدينة عربية بدا كما لو ان هذا الثنائي هو البديل عن الغناء العربي كله، تماماً مثلما هي المقاومة الشعبية المسلحة هي بديلة عن الانظمة كلها. مغنٍ آخر هو مارسيل خليفة اعتبر ايضاً بمثابة نموذج يمكن البدء به لعصر غنائي عربي جديد، وقد اتخذ اغنياته لكلماتها من شعراء المقاومة وشعراء الجنوب. كنا كما لو اننا نخلف عالماً كاملاً وراءنا لنبدأ بتأسيس عالم جديد. وأحسب ان الاحزاب السياسية آنذاك، وفي مقدمها احزاب الرفض اليساري المتأثرة بموجة 1968 في فرنسا، لم تدعُ الى التعقل. اذا كان موت جمال عبدالناصر قد انهى الناصرية قبل ان تتوافر بدائل منها، فان رفض المتظاهرين انهى كل ما هو قائم مقترحاً بدائل هي لا اكثر من محاولات هامشية عارضة.

المتن والهامش


في المظاهرات التي كانت تعبر شوارع بيروت كان الهتاف يعلو: "هو هو هوشي منه ... تشي تشي غيفارا"، كان ذلك يستجيب لموجة عالمية بالطبع، لكن هنا، في بيروت الموصلة افكارها الى العواصم العربية جميعها، بدا كما لو ان هذين القائدين يُستدعيان لأنهما نظيفان من كل محلية عربية قد تلوثهما. جرى الالتفات الى هناك، الى اقاصي آسيا وإلى اميركا اللاتينية البعيدة من اجل استلهام النماذج. من التراث العربي كله، وهو تراث عريض ومديد، لم يهتد الدعاة الجدد إلا الى وجوه قليلة أبقاها التاريخ العربي الرسمي في هامشه. بين حلقات الطلاب كان يتردد اسم ابي ذر الغفاري مثلاً وهو مناضل دافع عن الفقراء نفاه الأمويون قبل نحو الف وثلاثمئة عام. كان الطلاب والمثقفون والصحافيون كأنهم يجيئون بالهامش الى المتن ليضعوه محلّه. وهم، على اي حال، لم يعثروا على شيء كثير في ذلك الهامش اذ لم يتبحّروا فيه، هم الذين ما عادوا من اهله.

قبل الهزيمة كان اعلام الثقافة العربية هم اولئك المشتغلون على الثقافة الاسلامية العربية. حين كنا طلاباً في المدارس الثانوية، قبل 1967 مباشرة، كانت تطلق على طه حسين صفة عميد الأدب العربي. وهو كان كذلك فعلاً ليس في ما يتعلق بالأدب العربي فقط لكن ايضاً في التاريخ العربي الاسلامي الذي وضع فيه كتباً كثيرة. كان طه حسين هذا ابرز شخصية ادبية عربية بالرغم من ان مجال عمله اقتصر على الادب والتاريخ القديمين. قبل 1967 كانت ثقافتنا هناك، في تاريخنا. وكنا كأننا مجتمعون حول محورها. كنا بذلك متصلين مع ذلك التاريخ الثقافي والأدبي وكتابنا الاكثر شهرة هم اولئك الدارسون له. مع طه حسين، كما مع احمد امين وشوقي ضيف وعباس محمود العقاد كانت الثقافة الاسلامية العربية هي موضوع النظر، هكذا من دون ان يكون قارئوها اسلاميين، بعد الهزيمة، ولا اعرف ان كان ذلك بسببها، بدا كما لو ان الجميع اداروا الظهر عن ذلك التاريخ وتلك الثقافة. بعد رحيل طه حسين ومن معه لم تنجب الكتابة العربية جيلاً جديداً له التأثير ذاته، صارت دراسة التاريخ والأدب الاسلاميين عمل اختصاصيين لا تصل كتاباتهم إلا الى اختصاصيين مثلهم.

أرى ان هذا الانقطاع هو الاكثر اساسية بين التحولات المتعاقبة التي شهدتها فترة ما بعد هزيمة 1967. ذاك ان النكات التي قيلت في الهزء من النفس آنذاك، والاغنيات التي لعبت الدور نفسه، كما الشعارات السياسية والافكار السياسية، كل ذلك جرى نسيانه الآن. قصائد الشعر المبالغة في حداثتها التي نشرتها مجلة "مواقف" آنذاك، لم تكتب لها حياة طويلة. ما انتج في تلك المرحلة كبديل عما سبق لم يعد موجوداً الآن إلاّ في ذاكرة قليلين. ما بقي هو ذلك الابتعاد عن الثقافة العربية وذلك الانفصال عنها. كان طه حسين، الدارس في فرنسا والمجيد للغة الفرنسية، يسعى الى تحديث التاريخ العربي وإغناء النظر اليه بفكر عصري جديد. هذه محاولة توقفت من بعده. ذاك ان الاجيال الثقافية الجديدة انصرفت عما كان هو منكباً عليه. آثرت ان تدير وجهها نحو الثقافات الحزبية السريعة التأثير والفعل. منذ مطلع السبعينات باتت الافكار الوافدة مكتسبة جاذبية لم تتوقف. في العالم العربي اليوم ما زالت مزدهرة عملية الترجمة التي بدأت كأنما لتعويض الثقافة المتروكة. لكن الترجمة ليس الغرض منها التعرف على ما يجري في الثقافات الأخرى فقط، لكن من اجل تمكين هذه الثقافات اكثر وإزاحة الثقافة المحلية والتقليل من اهميتها. الاسلاميون في العالم العربي، اولئك الذين بدأت اصواتهم تسمع عالية في عواصم كثيرة يجدون اسماً جامعاً للمثقفين العرب الآخرين وهو انهم "غربيون"، او "متغربون". ذلك وضوح في التعيين لم يكن لهؤلاء الغربيين ان يدركوه بأنفسهم اذ انهم يعتقدون انهم مثقفون وكفى. مثقفون هكذا من دون اضافة او تعيين.

البدء بين استمرار وانقطاع

لقد تُرك التراث الاسلامي لأهله، اي للجماعات الحزبية الاسلامية التي تقرأ الاسلام خالصاً من اي شائبة قد تلمّ به. لقد ترك لهم ذلك التراث، هكذا طوعاً، وهم عادوا اليه، او الى اصوله الاولى مبعدين كل ما استجد عليه من تفسيرات وأحداث وتواريخ حدثت من بعده. ما فعله الاسلاميون هو رفض التاريخ جملة والعودة الى الحدث الثابت في زمنه الذي هو ظهور عقيدة الاسلام. لقد رفض هؤلاء قروناً كثيرة وأزاحوها من ذاكرتهم ووعيهم. الحديثون ايضاً فعلوا الشيء نفسه اذ لم يجدوا شيئاً سبقهم، باستثناء اسماء من قبيل ابي ذر الغفاري المناضل الطبقي في العصر الاموي، يمكن استئنافه ليكون بدؤهم استمراراً لا انقطاعاً.

منذ هزيمة 1967 اذن جرى رفض مسارات كاملة في الثقافة والادب والفن والغناء. بدونا بعد الهزيمة كما لو اننا كنا نعيش في مرحلة جنحت عما يمكن ان يكون خط السير الصحيح للتاريخ. الزمن الذي سبقنا وأنجبنا كان خطأ ينبغي حذفه والخلاص منه. البعض، وهم الذين تشكلوا في تيارات اسلامية، عبّر عن رفضه ذاك بالعودة الى الماضي، الى النقطة التي تسبق حدوث التاريخ. البعض الآخر قرر البدء مما يرى انه المستقبل. وكان على هذين المختلفين، ان ينتظرا نحو العقدين حتى يبلغ افتراقهما تلك النقطة التي جعلت منهما طرفين مكتملي العداوة.

لقد انقضى اكثر من ثلاثين سنة على هزيمة 1967. لكن في ذلك التاريخ، وقت حدوث الهزيمة، سمّاها المهزومون "نكسة" اي ما يشبه ان تكون ارتجاجة عابرة في سياق زمن متماسك صلب. رافضو الهزيمة وأنظمتها املوا، هم ايضاً، بأن يكون الامر كذلك وهم حاولوا، كل على طريقته، ان يصححوا الخطأ الذي أدى اليها. الآن، بعد انقضاء هذه السنوات الثلاثين، او الاحدى والثلاثين بتنا نعرف اننا في سياق هزائم وأننا لم نتلق فقط هزيمة واحدة مفردة، كما اننا، فوق ذلك، نزداد ابتعاداً عن معرفة الطريق الصحيحة التي ينبغي البدء منها لنكون على الطريق الصحيح. كان الامر سهلاً في البداية، اثر 1967، اذ كانت هناك الاحتمالات الكثيرة التي لم تجرّب بعد. في هذه السنوات الثلاثين ادرنا وجوهنا نحو جهات كثيرة لنبدأ التقدم، في كل مرة، نحو بداية نظنها هي الصحيحة. الآن نعرف اننا جربنا الاحتمالات كلها. 1997 او 1998 أمرُّ وقعاً من 1967 اذ نبدو الآن فاقدين لحماسة البدايات، كما فاقدين اليقين من ان التزاماً ما، او عقيدة ما قد يضعان الاقدام واثقة على طريق صحيحة.

في الأدب ما زال وقع 1967 مستمراً ايضاً. احياناً قد نجد ذلك في صورة مباشرة كأن يكتب روائي اردني هو غالب هلسا، في اواخر الثمانينات، رواية عن الرجع المتطاول لهزيمة 1967. ذاك ان قلق التردد بين البدايات لم يُصب السياسيين فقط. في الأدب قلّما بلغت تجربة مداها او قلما استقر الكتاب على اعتقاد ادبي. في هذه السنوات الثلاثين جرى تجريب كل ما امكن تجريبه، وما زلنا نعتقد اننا لم نصل الى التحقق الذي انطلاقاً منه نبدأ بكتابة ما سيشكل حقبتنا الادبية المنتظرة. في هذه السنوات التي انقضت تعاقبت علينا موجات ادبية، واحدة اثر واحدة. في السبعينات استقبلنا بحفاوة بالغة ما جرت ترجمته من الادب الواقعي، ثم ارتفعت عالية موجة الأدب الاميركي اللاتيني التي سمّيناها "الواقعية الخرافية"، ثم ارتفعت عالياً موجة الادب الياباني الذي لم يكن، قبل وصول موجته، قد تُرجم شيء منه الى العربية، ثم موجة الأدب المنشق عن الاشتراكية الخ..

انها موجات تتتالى لم نستطع ان نرفع موجة لنا بينها. ذاك اننا كنا نبدأ شيئاً سرعان ما نعود عنه. الآن اذ ينظر واحدنا الى الآثار الأدبية للسنوات الثلاثين لا يجد تجارب او هياكل مكتملة. اننا في مرحلة تفتّح قبل الأوان. الأوان الذي لم يحن بعد ولا نستطيع ان نحدس وقت قدومه. ليس في هذه السنوات اثر يتسم بالاكتمال، بالوجود الكامل. لا شيء يساوي ما انجزه الشعراء العرب القديمون الذين يرجع زمنهم الى ما يزيد على الألف عام.

 منذ 7 أبريل 1998 / 00:00 

شوبنهاور متفائلًا

نوفمبر 10, 2019 اضف تعليق

  لدونكان ريكتر*



شوبنهاور المتشائم معروف جيدًا. يرى الحياة مثل بندول يتأرجح بين الألم (عندما نريد ما لا نمتلك)، والملل (عندما نمتلك شيئًا فقدنا الاهتمام به). وهو أيضًا يعتقد أن مفتاح فهم الحياة هو التأمل في الكفاح من أجل البقاء، وخاصة من ناحية الحصول على الغذاء. فكر في بيتزا البيبروني: بالنسبة إلى الخنازير والأبقار التي صنع منها البيبروني، الأمر كابوس لا يمكن تصوره: أن تنشأ سجينًا، تذبح، وتقطع، وتؤكل. (الحياة في البرية ليست أفضل كثيرًا، فبدلًا من العيش في مكان مغلق، هناك حياة قوامها الخوف، والكفاح المستمر من أجل البقاء، وغالبًا ما تنتهي بالافتراس حيًا من قبل قطيع حيوانات لاحمة). الجانب الطيب للموضوع أن أحدهم يحصل على وجبة حارة ودهنية. لكن نسبيًا، الجانب الطيب ليس طيبًا بهذا القدر. في ذلك المثال، كما في كل مكان في الحياة، يتفوق مقدار الألم على مقدار اللذة، بشكل هائل. 

ويمكن قول شيء مماثل، وإن كان أقل وحشية، عن حياة معظم الناس. نكره المدرسة، ونتلهف على البلوغ، نمقت وظائفنا (أو بطالتنا)، ونتلهف على التقاعد؛ ثم نضيق ذرعًا بآلام وملل وذل الشيخوخة. ومثل الأبقار والخنازير، يكون الموت أفضل بالنسبة لنا. 

هذا نمط التفكير الذي ينسبه الناس إلى شوبنهاور، لكنها ليست الصورة الكاملة بأية حال، فشوبنهاور المتفائل لديه أنباء طيبة للمقتنعين بتلك الرؤية الكئيبة. أتظن أن من الأفضل لنا أن نموت؟ حسنًا، كلنا سنموت قبل مرور وقت طويل – وليس لدينا روح يُحتمل أن تعاني الجحيم الأبدي. عندما نموت، نموت، وما كناه يصير إلى تراب. 

أهذه أنباء طيبة؟ حقًا؟ 

نعم! أتظن أن تحولك إلى تراب شيء سيء؟ ربما لمقولة «خلقنا من تراب وإليه نعود» وقع كئيب، لكن التراب عظيم. كما يعبر شوبنهاور في العالم إرادة وتمثلًا:

«تَعَلَّم أن تعرفها قبل أن تحتقرها. تلك المادة الكامنة هناك في صورة تراب ورماد، ذائبة في الماء، ستشكل من ذاتها كريستالة، وتلمع مثل معدن، ثم تطلق شرارة كهربية، وبواسطة شدتها الجلفانية، ستظهر قوة من شأنها أن تحلل التراكيب الأقرب، وتختزل التربة إلى معادن؛ كلا، بل بإرادتها الخاصة، ستشكل من نفسها النبات والحيوان، ومن رحمها الغامض، ستخلق تلك الحياة التي يؤلمك القلق من خسارتها، لأنك ضيق الأفق».

ستموت، لكن المادة التي خلقت منها ستحيا. هذه أنباء طيبة للغاية، لأن المادة مذهلة، وحياتك مفعمة بالألم. المادة التي خلقت منها لا يمكن تدميرها، وستتحول إلى كريستالات ومعادن ونباتات، بل حتى حيوانات. أمر رائع. من ناحية أخرى، أنت -المخلوق من مواد مذهلة – واقع تحت وطأة الضغوط والمعاناة. سيكون من الأفضل أن تنقضي تلك الضغوط وتلك المعاناة. 

ليست المادة وحدها هي المذهلة. كل شئ فاتن. لذلك يرسم الفنان البارع أو يلتقط صورة لأي شيء، فتخرج تحفة فنية. غالبًا ما نغفل عن تلك الفتنة الكونية بسبب غرورنا. بكلمات أخرى، نهتم بأنفسنا أكثر مما نهتم ببقية العالم. نحن أميل لعدم الاكتراث بشأن الأشياء التي لا نريدها، أما الأشياء التي نريد، فتشعرنا بالغيظ، لأنه لا يمكننا الحصول عليها، وفي النهاية، يصيبنا الملل ما إن نحوزها. 

أهلًا بك في عالم الإرادة
لكن ماذا لو تمكننا من أن نخطو خارج الرغبة، وخارج أفكار الامتلاك؛ بعيدًا عن الخوف، وعن فكرة لكن ماذا سأستفيد من هذا؟ ماذا لو تركنا الأشياء تحدث؟ 

هذه هي الاحتمالية التي تقدمها لنا لوحة الحياة الساكنة. لا يمكننا أكل الفاكهة في اللوحة، أو شراء المزرعة في المنظر الطبيعي. وعندما تتنحى احتمالية الاستغلال أو التملك -عندما نتحرر من إرادتنا القابضة والمريرة- وتتجه عقولنا للتأمل البسيط، حينها سنتمتع بالسلام النفسي، ونرى مدى جمال الأشياء، كل الأشياء. الفن قادر على أن يرينا ذلك، ويُعجبنا لهذا السبب: لكن إذا تمكنت من وضع عقلك في الحالة الصحيحة، ستختبر الأشياء اليومية كما لو كانت فنًا من دون الحاجة لإنفاق الملايين على التحف الفنية. العالم في جوهره تحفة هائلة، والاستمتاع بها مجاني. 

هناك المزيد. كتاب شوبنهاور العظيم اسمه «العالم إرادة وتمثلًا»، لأنه يتصور العالم متأصل فيه هذين الجانبين. التمثل هو الكيفية التي تبدو بها الأشياء بالنسبة لنا، مجرد مظهر خارجي، لا تزيد حقيقته عن حقيقة حلم. أما الإرادة فهي طبيعة العالم الحقة والباطنة. 

ما معنى ذلك؟ إذا أردنا تبسيط حجة شوبنهاور فهي كالآتي: أنا أعلم أنني في جوهري الداخلي والحقيقي عبارة عن إرادة، إرادتي؛ ولأن الاعتقاد بأني مميز بطريقة ما هو ضرب من الجنون، لذا كل شيء هو إرادة. 

كيف عرفت أنني إرادة؟ أعرف أنني لست جثة، الفرق بيني وبين الجثة أني أفعل أشياءً، بالإضافة لأني لا أتحلل ببطء. أفعالي إذن هي ما تجعلني الشخص الذي أنا عليه. وتعبر أفعالي عن إرادتي، فأنا ما أفعل، وأنا أفعل ما تمليه علي إرادتي. حتى لو كنت أفعل شيئًا لا أرغبه، مثلًا حينما أكون في العمل، ففي هذه الحالة أنا أقوم بفعل اخترته لسبب ما، رغبتي في الحصول على المرتب مثلًا. 

أنا إذن تجسد لإرادتي. وأنا لست مميزًا في هذا الشأن، أنت أيضًا تجسد لإرادتك، وكذلك الحيوانات، وكل الكائنات الحية؛ بل عند شوبنهاور، الأشياء غير الحية أيضًا. النباتات غير واعية، لكنها تنمو بطريقة تمكنها من إيجاد الشمس والماء وفرص التكاثر. تقودها إرادة الحياة. حتى الأشياء غير الحية تفعل – تصب الأنهار في البحار، تكبر الجبال ببطء أو تنهار، وهكذا. لا يعني شوبنهاور أن الأنهار «تريد» أن تصب في البحار، لكن تدفقها رغم ذلك، هو تعبير عن الإرادة. 

نعرف أن الكائنات الحية تتصرف وفقًا للإرادة -غالبًا في صورة إرادة الحياة- وأن الكائنات الحية مصنوعة من نفس مادة الأشياء غير الحية. لذلك يمكننا أن نتصور مثل شوبنهاور أن كل الأشياء تحفزها القوة الأساسية ذاتها، والتي نطلق عليها الإرادة. 

هذه الإرادة لا يروى لها ظمأ، لأن طبيعتها أن تسعى للمزيد، لا يحكمها المنطق، فهي ترغب بصورة عمياء. لهذا الكلام وقع مخيف، مثل فم يقضم طوال الوقت. ومع ذلك، يرى شوبنهاور إمكانية أن نقول إن العالم موسيقى، بنفس الدقة التي نقول بها إنه إرادة. 

الموسيقى والمادة والمعنى 
يقول شوبنهاور إن الموسيقى تهزنا بقوة، رغم أنها لا تعبر عن أي شيء في العالم المتمثل. يرينا هذا أولًا أن الموسيقى تمثيل مباشر للإرادة، بدون أي وسيط. قد تخيفنا قصة أو فيلم عن وحش أو معركة، إذ تؤثر على ذواتنا بجعلنا نفكر فيما نرهب. أما الموسيقى، وبدون أي تدخل من الأفكار، تتحدث مباشرةً باسم الإرادة، لذلك يعتقد شوبنهاور أن الموسيقى قد تكون تجسيدًا مباشر للإرادة. 

توجد حجة أخرى، هي أن الموسيقى تشبه الإرادة قليلًا. الإرادة العمياء التي يتصورها شوبنهاور مبطنة لحقيقة الواقع، ليس لديها هدف: إنها تريد فقط، لكن لا تريد شيئًا محددًا كي يرضيها. إنها، إذا جاز القول، لها هدف، لكنه ليس محددًا. وهو ما يجعلها شبيهة بالفن كما يعرفه كانط، واحد من أبطال شوبنهاور. يرى كانط أن الفنون، وخاصة الفنون الجميلة، هي «غائية بدون غاية». وعندها يكون ما هو حقيقي «الإرادة» مشابه لما هو جميل «الفن العظيم، مثلًا». ويعد شوبنهاور الموسيقى أسمى أشكال الفن. ولذا تشبه الموسيقى الواقع التام، مما يعني أن الواقع التام يشبه الموسيقى. «نحن -إذا شئنا- يمكن أن نقول: إن العالم موسيقى متجسدة، مثلما هو إرادة متجسدة».

يرى جوته أن العمارة موسيقى متجمدة، لكن شوبنهاور يعتقد أن كل شيء موسيقى متجسدة. وكما رأينا، فهو يعرف الأشياء المادية، ليس بما هي مصنوعة منه (ففي النهاية، كل شئ مادة)، بل بما تفعل. فكل تصرف هو تمثيل مادي أو تجسيد للموسيقى. العالم رقصة كبيرة، أو ما ينبغي أن نطلق عليه موسيقى متحركة ثلاثية الأبعاد. 

تتحرك القطارات، وتتصرف أسماك القرش بصفتها أسماك قرش، والبراكين باعتبارها براكين، وهكذا. بينما تتمشى في الشارع، فكل شيء يقوم برقصته الخاصة، معبرًا عن الإرادة بطريقته. كل نبات هو تفجر بطيء من الأغصان والأوراق، والنوار. والتلال، بطريقة ما، تحيا في موسيقاها الساكنة. لكن الأمر ليس بالفردانية التي صورته بها، فوفقًا لشوبنهاور، الكل واحد. 

فبينما تتصرف القطط مثل القطط، وأقواس القزح كأقواس القزح، فكل هذا جزء من سيمفونية هائلة. الطبيعة تناغم. تتحرك بإرادة واحدة. كتب ت. إس. إليوت في قصيدة «الحطام الجاف»: «أنت الموسيقى / ما دامت الموسيقى». هذا ما يعتقده شوبنهاور، لكنه سيضيف أنني أيضًا موسيقى، وت. إس. إليوت موسيقى، وكل شخص، وكل شئ آخر. وبينما لا يدوم شئ للأبد، تبقى الموسيقى. لأنها خالدة. 

خلاص شوبنهاوري
من خلال الفن، وخاصة الموسيقى -ومن خلال أي شيء يحملنا على تأمل الواقع، دون الاشتباك مع إرادتنا- نحن نُمنح ترياقًا ضد الرغبة والملل، التي لفت شوبنهاور المتشائم نظرنا إليها. ربما تمل من الأشياء التي تملكها، لكن ماذا عن الأشياء العديدة التي لا تمتلكها؟ ماذا عن حقيقتك، أيها التراب الفاتن؟ كلها أشياء رائعة، لو أنك تغلبت على غرورك بما يكفي لكي تقدرها. 

نجح شوبنهاور بطريقة ما في إحراز نوع من النشوة بعجائب الطبيعة. لقد تاه مرة حرفيًا وهو يحلم بين الزهور في حديقة بدرسدن. ولما رآه أحد المسؤولين يتصرف بغرابة سأله عن هويته؛ رد شوبنهاور: «أرغب أن تخبرني أنت، من أنا؟»

إذا تبنيت فلسفته، قد تصبحَ غريبَ الأطوار وسط الزهور. 

لكن للأسف، لا توفر فلسفة شوبنهاور علاجًا للألم. لكنها أيضًا لا تسبب الألم: هي ببساطة توضح مقدار المعاناة الموجودة بالفعل. بالإضافة لذلك، فهي ترينا مدى جمال وروعة العالم، وربما بعدها نصبح أميل للامتناع عن أكل الخنازير المذهلة (لم يكن شوبنهاور نباتيًا، لكن قد توحي أخلاقيات التعاطف خاصته بضرورة ذلك). إذا استبدلنا بيتزا البيبروني، بأخرى خضرية، سنقلل مقدار المعاناة في العالم. ربما لن نقلل حينها من معاناتنا الشخصية، طبعًا، لكن كلما زاد اهتمامنا بالزهور، والأبقار، وكل الأشياء، حينها قد يقل اهتمامنا بمشاكلنا، وهي بعد كل شئ، عابرة وتافهة، مثلما هي حتمية. 

الاختلافات بيننا لا تهم؛ لون الشعر، العمر، العنوان، إلى آخره. لكن ما يجمعنا هو شئ أهم بكثير: إنسانيتنا المشتركة. وما يجمعنا بكل الأشياء الحية وغير الحية، هو شئ أكثر أهمية : كلنا تجليات للإرادة الأبدية.  الوجود في حد ذاته هائل. عندما أموت ستصحبني التوافه للموت، لكن الأشياء المهمة تستمر. ما هو مهم في جوهره يبقى للأبد. وهذه أنباء طيبة للغاية.

نُشر بمجلة Philosophy Now

أكتوبر 2019

ترجمة: سارة شاهين

* دونكان ريكتر: أستاذ فلسفة بمعهد فرجينيا العسكري

الترجمة خاصة بـ Boring Books

ثوب الفردوس المفقود مقال لجورجيو أجامبن

نوفمبر 08, 2019 اضف تعليق

*في الثامن من أبريل من عام 2005، قدمت فنانة الأداء والمصوّرة الإيطالية فانيسا بيكروفت[1] عرضًا فنيًا في المتحف الوطني الجديد ببرلين، متحف الفن الحديث الشهير. وكان العرض عبارة عن مئة امرأة ــ تتراوح أعمارهن من الثامنة عشر إلى الخامسة والستين، دُربن على يد خبير نفساني، وأطعمن وجبات نباتية، ودُهِنّ بزيت اللوز ــ واقفات في صفوف داخل «الفترينة» التي صممها المعماري الألماني ميس فان دير روي، عرايا إلا من جوارب نسائية طويلة من النايلون.

 وتحكي إحدى الحضور، وهي الكاتبة الأمريكية جينيفر ألن، أن بجانبها في الصف كان يقف مواطن فانيسا بيكروفت جورجيو أجامبن، وأنه «عندما ألصقنا أنوفنا أخيرا بفترينة ميس فان دي روي العظيمة، لم يستطع أجامبن أن يُخفي استيائه، قائلًا: جوارب نايلون … كلا كلا!». «وبينما كنّا نتحدث عنla vita nuda، الحياة المُعرّاة»، تتابع ألن، «سألني الفيلسوف الإيطالي سؤالًا أرقه لعقود: كيف تتخيلين الناس في العالم المثالي: مرتدين للثياب أم عُراة؟».[2]
بعد حضوره العرض، وكحاشية عليه، كتب أجامبن هذا النص القصير، الذي نُشر بالألمانية في 2005 بعد العرض بأيام معدودة.
المترجم

 
الانطباع الأول الذي تركه عرض فانيسا بيكروفت على الجمهور الحاضر في المتحف الوطني الجديد ببرلين كان انطباعًا سياسيًا: لا شيء سوى أناس متحضرين مرتدين لثيابهم يجيلون النظر في أناس متحضرين متجردين من ثيابهم. إنه الوضع المتفاقم واليائس في الوقت عينه للإنسان في المجتمع الجماهيري يكشف عن نفسه لكن في كامل التباسه، في ذلك الشكل الغريب المميز لوضع الإنسان المعاصر: في شكل لا-حدث (non-event). أي شيء كان من شأنه أن يحدث لكنه لم يحدث.
لكن لو كان للمرء أن يتأمل بأثر رجعي في خصائص هذا العرض، هذا اللا-حدث، فسيتنحى هذا الانطباع السياسي الأولي أمام تأمل لاهوتي أصيل. وذلك لأن الشيء الذي كان من المفترض له أن يحدث لكنه لم يحدث، لم يكن حفلة عربدة ولا حفلة تعذيب ولا طقس سادو-مازوخية، وإنما مجرد العُري البشري. 
في ثقافتنا، العُريّ مرتبط على نحو لا ينفصم بمعنى لاهوتي، وذلك ليس فقط بسبب أن المرء عندما ينظر إلى هؤلاء النسوة المئة مختلفات الأعراق والأعمار والأشكال ــ الواقفات عرايا في صفوف منتظرات دونما حركة كما لو كنّ يترقبن حدوث شيء ما ــ لا يسعه أن يتجنب التفكير في أرض المحشر، حيث يقف المبعوثون من الموت عُراة في يوم الحساب. أنظر إلى هؤلاء النسوة العاريات وأفكر فيهن كمبعوثات من الموت محشورات ينتظرن الحساب على ما قدمت أيديهن في الحياة الدنيا. وإلى الأناس المرتدين لثيابهم المتحلقين حولهن وأفكر فيهم كملائكة، موكلين بوظائف سماوية معينة، يستعدون لسوقهن إما إلى الجنة أو إلى جهنم زمرًا.
أقول، ليس هذا فحسب ــ فالدلالة اللاهوتية لعرض شخص ما عاريّا تمضي إلى أعمق من ذلك. كلنا يعرف رواية سِفر التكوين التي تحكي عن أن آدم وحواء لم يُلاحظا عُريّهما إلا بعد الخطيئة الأصلية. وبحسب اللاهوتيين، فإن عدم ملاحظة العُريّ هذه ليست بسبب حالة مبكرة من الجهل البسيط: أنهما كانا عاريين طوال الوقت لكنهما كانا يجهلان ذلك ببساطة، ولما أكلا من الشجرة أدركا عريهما. فبالرغم من أن آدم وحواء لم يكونا مغطيين بثياب بشرية قبل أكلهما من الشجرة، إلا أنهما لم يكونا عاريين وقتئذ. فلقد كانا مغطيين بثوب من النعمة، من النور، من الستر الإلهي، غير مادي، غير مرئي، وملتصق على الجسد بإحكام. والخطيئة هي التي جردت الإنسان الأول من هذا الثوب السماوي، الذي جعل عُريه الأول، بريء، غير مثير للخجل. وفي عريّه المخجل التالي على الخطيئة، كان عليه أن يستر نفسه ــ بأوراق التين في أول الأمر ثم بالجلد الحيواني فيما بعد الطرد من عدن.
إن الثوب الذي نغطي به أنفسنا الآن لم يعد ثوب النعمة والبراءة وإنما ثوب الخطيئة والنفاق. وهذا الثوب يرتبط بالإنسان كضرورة، لأنه تذكره بـثوب الفردوس المفقود (ثوب النور، الستر الإلهي) وفي نفس الوقت هو وعد بثوب جديد سيُخلع على الإنسان عبر الخلاص. فإلى اللِباس تُعزى كرامة مسيحية مخصوصة تبلغ حتى آخر صيحات الموضة: يقول أحد اللاهوتيين المُحدَثين «إن الثوب الذي يرتديه الإنسان الساقط (الخطّاء) يمثل تذكرة له بالثوب الذي كان يرتديه ذات مرة في الفردوس. وكل تغير وابتكار في الموضة نحن على أتم استعداد لاتباعه، لأنه يعدنا ببداية لفهم أنفسنا، ليس سوى إيقاظ للأمل في استعادة الثوب المفقود… هذا الثوب الذي امتلكناه يوما ما وفقدناه والذي لا نزال نبحث عنه في كل ثياب العالم التي نرتديها يُخلع علينا كهبة في طقس العِماد».
يسمح لنا هذه التأمل اللاهوتي في التفكير على نحو جديد في العُريّ الذي لم يقع في عرض فانيسا بيكروفت. فوفقًا للمُسلّمة المؤسِسة للاهوت المسيحي للِباس، لا يكون العُريّ البشري ممكنًا، إذا كان له أن يكون ممكنا على الإطلاق، إلا كشيء عابر وسلبي. أولًا، لأن في جنة عدن كان الجسد المخلوق مكسو بالفعل بستر النعمة الإلهية؛ وثانيًا، لأن الجسد بعد السقوط قد كُسيّ مرة أخرى بفضل التعميد؛ وأخيرًا، لأن الناجين الذين سيدخلون الجنة سيُكسون مرة أخرى بثوب النعيم الذي لا يمكن خلعه عنهم بعد ذلك أبدًا. وعليه فـإن العُري يوجد، إذا كان له أن يوجد، فقط في الجحيم. وعندما يوجد على نحو مؤقت في الحياة في لحظة الوقوع في الخطيئة، يظل العُري غير مُفكَر فيه وغير مُؤوَل، بما أنه ذو معنى وحيد وهو المتعلق بثوب النعمة الإلهية.
والآن يمكننا أن نفهم لماذا لم يكن من الممكن أن يوجد في عرض فانيسا بيكروفت ــ الذي لم يُقم في الجحيم وإنما في المتحف الوطني الجديد، والذي لم يكن ثمة شيء آثم فيه على الإطلاق ــ حدث عُريّ. فكمتواطئ تام مع اللاهوت المسيحي، الذي كان مُترعا به من دون أن يعلم، لم يعرض هذا العرض سوى استحالة العُريّ نفسها.
ستكون كلمتي الأخيرة، إذن، تأملًا سياسيًا. ضد هذا التواطؤ مع السلعة واللاهوت، يتعين علينا أن نفكر في عُريّ ممكن للإنسان ــ العُري الذي جعله اللاهوت ومن بعده التشيؤ والبورنوجرافيا شيئًا غير قابل لأن يُفكر فيه. ما يتعين علينا أن نجده مرة أخرى هو عُريّ آدم قبل تغطية الله له برداء الستر والنور. لكن هذا العُريّ لا ينبغي أن يُفهم كوضع طبيعي ينبغي أن نعود إليه أو كوعد بشيء منتظر ينبغي أن نتوق إليه. وإنما هذا العُريّ هو شيء علينا، هنا والآن، أن نجرده، أن «نعريه»، خطوة بخطوة، من الرداء اللاهوتي الملتف حوله.
بحسب أمثولة غنوصية، سيقوم المُخلّصون في اليوم الآخر بنزع رداء النور الذي كساهم الله إياه عن أجسادهم، وسيقفون أمام بعضهم البعض في عُريّ لا يعرف النعمة ولا يعرف الخطيئة. وبمقدوري القول بأن الجسد البشري الذي سيُرى في ذلك اليوم سيكون مثل جسد تلك الفتاة في المتحف الوطني الجديد التي لمحتها، عرضًا، من الخلف، واختفت مرة ثانية من أمام نظري على الفور: هش، بسيط، غُفل، لكنه عار دونما ريب، وقابل لأن يُفكر فيه بيسر و لأن يُفهم بكل بساطة.
اقرأ المزيد لجورجيو أجامبن: السحر والسعادة
ترجمه عن الإنجليزية: طارق عثمان
نُشر النص الأصلي في مجلة Frankfurter Allegmeine Zeitung في أبريل 2005، وترجمه إلى الإنجليزية كريستيان نيلسون. 
الترجمة خاصة بـ Boring Books

[1]  فانيسا بيكروفت (Vanessa Beecroft ) فنانة أداء معاصرة ومصورة ورسامة ونحاتة إيطالية، مولودة بجنوا في عام 1969. عُرفت بعروضها الأدائية (لوحاتها الحية)، ومن أشهرها هذا العرض، رقم 55، الذي يعلق عليه أجامبن في هذا النص، والعرض رقم 61، الذي يصور مذبحة عرقية بدارفور.
  Leland de la Durantaye (2009). Giorgio Agamben: A critical introduction. Stanford: Stanford university press. P. 192 [2]