728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الخميس، 24 أكتوبر 2019

    في الذكرى الاربعين لغياب ام كلثوم


    (نشرت لاول مرة عند وفاتها في «الحرية» ١٠ شباط/فبراير ١٩٧٥)


    «وأشربُ من صوتها فيغوص من
    روحي الى القاعِ
    غناءٌ من لِسان النار، يهتف
    «سوف أنساها
    وأنسى نكبتي بجفائها وتذوب
    أوجاعي» (بدر شاكر السيّاب، «ام كلثوم والذكرى»)

    لم يخطيء ابداً الذين رفعوا صورة كبيرة للسيدة أم كلثوم في مقدمة مسيرة تشييع جثمانها يوم الاربعاء الماضي وقد كتبوا عليها «شهيدة الحب اللالهي» فقد كانوا يعيّنون بدقة الظاهرة التي تمثّلها «كوكب الشرق» في مجتمعنا العربي.
    الحب الإلهي هو الصوفية. وأم كلثوم التي رفعت الغناء الى مستوى طقس من طقوس العبادة، هي اولًا راهبةٌ صوفية متعبّدة. الحنجرة النادرة والصوت الفذ والمواهب الادبية والموسيقية المتضافرة – هذه كلها تنتج مطربة ناجحة، لكنها لا تكفي لبناء تلك السطوة الرهيبة وذلك الحضور الكاسح اللذين ميّزا صلة ام كلثوم بقسم كبير من الجماهير العربية على امتداد نصف قرن من الزمن.
    التناقضات المتفاقمة التي لا تجد حلّاً، المراحل الانتقالية المديدة، النكبات والكوارث – تلك هي التربة التاريخية التي تنمو عليها الصوفية وتترعرع. وهي ظروف عرفها وطننا العربي في زمن أم كلثوم.
    وأم كلثوم كانت «الوسط»، بؤرة التناقضات، ومرحلة الانتقال، يعتبرها غالي شكري (في مقال له في جريدة «المحرر») ممثلة الطبقة الوسطى المصرية. ويقول انها، على الصعيد الفني، ليست امتدادا لمنيرة المصرية، مطربة الارستقراطية، ولا لسيد درويش، فنان الشعب، ليست الثورة ولا الثورة المضادة، وانما هي «اكثر التجسيدات الفنية نضجاً لنقطة التحولات التاريخية في حياة المجتمع المصري نحو الوسط». لكن شكري يستدرك ان أم كلثوم لم تسقط عن عرشها عام ١٩٥٢ عندما سقطت الطبقة الوسطى عن عرشها السياسي.
    ولعل الذي يغفله شكري هو ان عدم سقوط أم كلثوم عن عرشها عام ١٩٥٢ قد يكون دليلا على كون الطبقة الوسطى نفسها لم تسقط عن عرشها السياسي بعد ٢٣ يوليو وان المجتمع المصري، في ظل الناصرية، ظل يتذبذب حول «الوسط».
    والوسط هو بؤرة التناقضات ومركز احتدامها ومجال المحاولات الوهمية للخروج منها. وموقع أمتنا هو نفسه مصدر للتناقضات اللامتناهية، ليس أقلها شأناً انها أمة غنية الى حد ان الامم الصناعية المتقدمة، التي كانت ولا تزال تستعمرها، باتت تتسول أموالها والمساعدات.
    وهي أمة فقيرة مدقعة في فقرها الى درجة ان اشد الشعوب بؤسا تشفق عليها.
    وقليلة هي الامم التي تضافر عليها الكبت والقهر والأماني الوطنية والقومية غير المتحققة والنكبات مثل ما هي متضافرة على أمتنا.
    واية مرحة انتقالة اطول من تلك التي نعيشها، حيث القديم يتشبّث بأهداب الحياة منتظرا الضربة القاضية التي لا تأتي، بينما الجديد لا زال عاجزا عن تمزيق غشاء الرحم، ولا من عملية قيصرية.
    والتعبير عن الكبت والحرمان والقهر والآمال غير المتحققة والحزن – باختصار عن عذاب هذا المجتمع العربي – ذلك هو الدور الذي يمنح أم كلثوم كل قوتها وشمول سطوتها.
    أما طريقة تعبيرها عن كل هذا فتكمن في ما يمكن تسميته «أصالتها». ذلك انها تكمل تراثا طويلا، وتجسّم سمة مميزة من سمات الحضارة العربية.
    فالغزل إحتكر منذ القدم الشِعر والغناء العربيين وفَرَض على كافة المشاعر والقضايا الاخرى ان تعبّر عن نفسها من خلاله. والدين، من جهة ثانية، إحتكر التعبير الايديولوجي. فكان على القوى الاجتماعية والتيارات الفكرية التي تعكس مصالحها أن تعبّر عن نفسها في الدين وخلاله على شكل اجتهادات وشيع وإنشقاقات وهرطقات.
    ولقد تساءل ماركس:« لماذا يبدو تاريخ الشرق على انه تاريخ ديانات؟» مؤكدا هذه السمة المميزة للتراث العربي.
    واتحاد العشق بالدين، هو تحديدا الصوفية.

    عزاء وخدر
    ونعود الى فاطمة ابراهيم، المسماة أم كلثوم، التي حملت احزان الريف المصري الى قلب المدن المصرية والعربية، حيث أسست سلطانها. اغاني الحب التي وزّعتها حملت كل الاوجاع وبعض العزاء، فباتت رمزاً وطنيا عربيا شاملا.
    في درك هزائمها، عندما كانت الجماهير العربية تشعر انه لم يبق لها شيء، بقي لها صوت أم كلثوم.
    وفي أحلك ساعات الذلّ الوطني، كانت الجماهير تقاوم بها وبصوتها الاستسلام الكامل، وتتمسك بالدين والتراث اللذين يحملهما هذا الصوت، لتصفع الاعداء.
    لكن هذا لم يكن يكفي أم كلثوم. كانت «الشافية» من الاوجاع على طريقتها الخاصة، الاشبه بطرق الطبابة العربية القديمة المعتمدة على الفَصْد والكيّ. تنقأ الجراح، وتفتح الشرايين. تعرّي الألم. وتلحّ على الوجع. ويظل صوتها يردد ويكرر التأوه الى ان يبلغ الوجع ذروته، الى ان يطغى الوجع الكبير – الحرمان من الإله المحبوب وشوق الاتحاد به – على كافة الاوجاع الاخرى.
    وعند الذروة، ينقلب الألم الى انفجار للنشوة. إذّاك يتحول المسرح الى هيكل عبادة. وتزول الحدود الفاصلة بين «السمّيعة» المنتشين، المخدّرين، وبين دراويش حلقات الذِكر السائرين نحو «الجذبة».
    لكن النشوة عابرة وليس يبقى إلا طعم المرارة في الحلق.

    المرأة العبدة والمعبودة
    ولا تغنّي أم كلثوم العشق الذي يحبل بشتى انواع هموم المجتمع العربي، انها تغني ايضا العشق، بما هو علاقة بين جنسين.
    سلطانها على الرجال، لا مجال للبحث عن حجج لاثباته. انها «الستّ» بالنسبة اليهم، وكفى. وحده الشرق، وطن الحرمان الجنسي الكاسح، يمنح المرأة صفة المعبودة وهي العبدة. لكن مصدر اللذة المحرّم هذا هو ايضا إمرأة خانعة، متسامحة، تابعة. والرجل عبدها مثلما هو سيّدها.
    بالنسبة للنساء تمثّل أم كلثوم، المالكة لتلك السطوة على الرجال، بطلةٌ تثأر من كافة صنوف القهر التي تتعرض لها المرأة العربية.
    ولعل اهم من ذلك انها تعلن بجرأة نادرة رغبات المرأة المكبوتة، المحرّمة. هنا يكتسب فن أم كلثوم تلك الصفة الإباحية التي حافظت على جاذبيتها كأمرأة، وهي في العقد الثامن من العمر. إباحية لا تمتّ بصلة الى تفاهات هز البطن والكباريهات ولا الى تأوهات المراهقات من طراز «حتى فساطيني التي أهملتها». وانما الإباحية الجامعة الناضجة التي لا يجيدها إلا من حطّم الحواجز بين الجسد والروح. الإباحية التي تجرأ عليها الصوفيون والشيوعيون فقط. الاولون لأنهم اعطوا الإله صفات الحبيبة. والآخرون، لأنهم يرفعون الإنسان الى مستوى الألوهة.

    العزء لمن؟
    اذا كان كل ما ورد اعلاه يفسّر الإجماع على أم كلثوم لدى طبقات عدة من المجتمع العربي فإنه لا يعني انها ظاهرة فوق الطبقات.
    مثلها كمثل الدين، أم كلثوم تعني شيئا للحكام واصحاب الامتيازات، وتعني شيئا آخر تماما للفقراء والمحرومين. الثري الخليجي الذي يسافر يوم الخميس من اول كل شهر الى القاهرة لحضور حفلة ام كلثوم، تشكل «الستّ» بالنسبة اليه ترفيها وترفا يضافان الى كافة انواع الترف والترفيه التي تتيحها له ثروته: انها «تغيير جو»، وساعات من الاسترسال تعوّدها الذين يقضون حياتهم بحثا عن وسيلة لاضاعة الوقت.
    اما بالنسبة لاوسع الجماهير المحرومة، فصوت أم كلثوم، واغانيها، هي الثقافة الوحيدة، الاشبه بالمجانية، وهي «التسلية» الوحيدة والعزاء الوحيد.
    ومثلما للاغنياء دينهم، فإن لهم «أم كلثومهم». وكما المساواة في الدين عند الاغنياء تكرّس سيطرتهم وعبودية الاخرين لهم، وتحرّك اهتمام هؤلاء بالبحث عن الاسباب الحقيقية لبؤسهم، كذلك، فالمساواة في حب «الست» وهي الخدر والانتشاء تلعب الدور نفسه.
    أما عند الفقراء فهذا الانفجار للقهر احتجاجٌ على القهر وسعي الى تجاوزه. والالتجاء الى أم كلثوم، الى الحزن، والعشق المستحيل، عزاءٌ وبعض الرجاء، تماما مثل الالتجاء الى الدين والاعتصام بالله، والدين هنا هو دين المحرومين، هو التعبير عن الحرمان. وهو التعبير عن التوق الى المساواة الفعلية. وكم تعبّر فيروز بدقة عن هذه الوظيفة للدين، عندما ترتّل للرب «لا تهملني، لا تنساني، يا شمس المساكين!ً»
    ولا عجب، بعد هذا، ان ينفجر الغضب الشعبي عند وفاة أم كلثوم ويضطر الحاكم الى التضليل حول موعد وفاتها. لقد خبروا مبلغ الألم الذي تحدثه خسارة الشعب للعزاء الذي يتعزّى به من ويلاته المتراكمة.
    وقد كانت أم كلثوم ذلك العزاء. فما اتعس شعبا فَقَد حتى العزاء ولم يبق له إلا القهر الجارح المصفّى. ما اتعس المُدمن وقد حُرم المسكّنات ولم يبق له الا الوجع الصارخ.
    بوفاة ام كلثوم سُلِب شعبنا وسيلة فذة من وسائل تحمّل العذاب. ولعلها خسارة لا تعوّض.

    الفن والثورة
    يتساءل البعض: كيف يمكن ان يكون لأم كلثوم هذا الدور التخديري وقد اسهم فنّها في اطلاق احداث تاريخية منها حرب تشرين ١٩٧٣؟
    تكتب اتيل عدنان («الاوريان-لوجور»): «لا يقولنّ احد لي ان أم كلثوم مخدّر. ان الفلاحين الجنود المصريين ذهبوا الى الحرب واغانيها على شفاههم وفي رؤوسهم، وانهم بهذه الاغاني لسائرون نحو الثورة.»
    الفن يقود الى الممارسة ويوجهها. مثله كمثل اية افكار واديولوجيات اخرى. واذا كانت اغاني ام كلثوم «وجّهت» حرب تشرين، فإن هذه القيادة «الفنّية» للحرب ليست مختلفة البتة عن «القيادة السياسية» المصرية المتمثلة بأنور السادات والبرجوازية المصرية الجديدة. وحرب تشرين كمثل الفن الذي قادها: حدث تاريخي ضخم مهدد بأن يكتسب فاعلية تخديرية ضخمة.
    اما الثورة، فلن يكون هذا الفن طليعتها. سنظل نعتصم بصوت أم كلثوم طالما الذل الوطني طاغٍ، وطالما الخوف مسيطر، والاعداء يبدو اقوى، وسنظل نحتاجها، طالما نشوة الحزن على الالام تنوب عن العمل لاستئصالها.
    فصوت ام كلثوم هو مسكّن الاوجاع الذي لا يشفى من مرض. ولكن عندما نقلِع عن الإدمان على المسكّنات، ونمسك بمبضع الجرّاح بدلا عنها، سيلوح فنٌ يقود مسيرتنا متفجّراً ثقة بالنفس وبالمستقبل، فنٌ يعلن تصميم البشر على السيطرة على حياتهم.
    ومن تباشيره نشيد للشيخ إمام من كلمات احمد فؤاد نجم بعنوان «بُكرة الآتي آت»:
    كل ما ح أسآل، ردّوا ورايَ
    «بُكرة الآتي آت»
    بُكرة حياتي ح تبقى مراية
    «بُكرة الآتي آت»
    بيضا بتبرُقْ للّي ورايَ
    «بُكرة الآتي آت»
    ح ارمي في عين الموت زلاّية
    «بُكرة الآتي آت»
    بكرة الدنيا ح تبقى في إيدي
    «بُكرة الآتي آت»
    يا ما ح ينعم بيها وليدي
    «بُكرة الآتي آت»
    ح امشي ودِبّ الخطو حديدي
    «بُكرة الآتي آت»
    بكرة الكلمة ح تبقى رحايا
    «بُكرة الآتي آت»
    عندما تيجي اللحظة الجاية
    «بُكرة الآتي آت»
    بعدما تصبح عيني قنايا
    مين راح يحسب للأموات؟!
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: في الذكرى الاربعين لغياب ام كلثوم Rating: 5 Reviewed By: alrumi.com
    Scroll to Top