في الحب

أكتوبر 31, 2019 اضف تعليق

بقلم طه حسين

سيبسم لهذا العنوان قوم وسيعبس له آخرون، وسيكون بين الباسمين من يبسم عن رضا لأنه يريد أن يقرأ عن الحب شيئًا، ومن يبسم عن سخرية لأنه لا يرضى أن يكون الحب موضوعًا للحديث في مجلة ينتظر منها الجد الصارم ولا يحب منها الإقبال على لغو الحديث، فأما العابسون فسيكون عبوسهم سخطًا خالصًا؛ لأن حديث الحب لهو كله، وما أكثر الصحف والمجلات التي تلهج باللهو وتغرق فيه!

ومع ذلك فقد كانت حياتنا في العصر الأول أسمح من هذا كله وأكثر يسرًا، وكانت أحاديث الحب لا تثير سخطًا ولا عبوسًا وإنما تثير رضا وابتهاجًا وتدعو إلى الروية والتفكير في كثير من الأحيان، وقد مضى في تاريخنا الأدبي والعقلي عصر لم يكن الحب فيه هزلًا ولا دعابة، وإنما كان جدًّا خالصًا لا يخلو من صرامة وحزم في كثير من الأحيان، فلم يكن حب الغَزِلين في شمال الحجاز وفي نجد لهوًا ولا مجونًا، ولا مصدرًا للدعابة والفكاهة، وإنما كان جزءًا من جد الحياة اقتضته ظروف من السياسة والدين فدُفِع إليه الغَزِلون في شيء من التصوف لعله خير ما يستحق البقاء من شعرنا العربي القديم، ونحن نقرؤه فنجد راحة إليه واستمتاعًا به لا يشوبهما مجون ولا يتصل بهما ميل إلى العبث واللهو، وإنما تجد فيهما النفوس غذاءً روحيًّا يرتفع بها عن صغائر الحياة، ويعزيها عن هذه السفاسف اليومية التي تنزل بها عما تحب لنفسها من مكان رفيع. على أن هذا الهيام الذي شمل النفس العربية في نجد وشمال الحجاز لم يتردد في أن يغزو البيئات الدينية والعلمية الصارمة الحازمة في مكة والمدينة، فقد كان شعر جميل وكُثَيِّر والقيسين يُنشَد في المسجد الحرام ويُنشَد في المسجد النبوي، ويستمتع به في هذين المسجدين المطهرين قوم وقفوا أنفسهم على رواية العلم والدين لا يجدون في ذلك حرجًا ولا جناحًا؛ وربما تجاوز بعضهم هذا الاستمتاع بأحاديث الحب وما كان يُنشَد فيه من شعر إلى الحب نفسه؛ فشقي بالحب إن كان الحب شقاءً، ونعم بالحب إن كان الحب نعيمًا، وذاق لذته المؤلمة وحلاوته المرة، إن صح أن تكون اللذة مؤلمة وأن تكون الحلاوة مرة.

وقد كان عبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي صاحب قراءة للقرآن ورواية للحديث، وإقبال على النسك والزهد وتفرغ للعبادة والطاعة، حتى لقبه أهل مكة بالقس، فلم يمنعه ذلك حين رأى سلَّامة وسمع غناءها أن يحبها حبًّا انتهى به إلى الهيام وجعله شاعرًا غزلًا كغيره من الشعراء الغزلين. لم يجد في ذلك حرجًا ولا جناحًا؛ لأن ذلك لم يورطه في إثم ولا فسوق، وعبد الرحمن بن أبي عمار القس هو الذي يقول في سلامة هذين البيتين الرائعين:

سلَّامُ هل لي منكمُ ناصرُ أم هل لقلبي عنكم زاجرُ
قد سمع النَّاس بوجدي بكم فمنهم اللائم والعاذرُ
ويزعم الرواة أن سلامة أحبت القس وحُبِّبت إليه، وهمَّت ذات يوم أن تقبِّله أو أن تضع فمها على فمه كما يقول الرواة، ولكنه امتنع عليها مؤثرًا نقاءَ القلب وصفاء الضمير، مشفقًا أن ينعم بحبها في الدنيا فيشقى بحبها في الآخرة ويصبح من هؤلاء الأخلاء الأعداء الذين ذكرهم القرآن الكريم.

وقد آثر ابن عباس رحمه الله — كما يعرف النَّاس جميعًا — أن يسمع لغزل ابن أبي ربيعة على أن يسمع لأسئلة نافع بن الأزرق في الفقه والحديث وتفسير القرآن، فقد كان القدماء أسمح منا نفوسًا وأحسن منا استقبالًا لأمور الحياة، يعنفون بأنفسهم في مواضع العنف، ويرفقون بها في مواطن الرفق، ولا يتكلفون هذا الجد السخيف والتزمُّت الذي لا يدل على شيء، وأنا بعد هذا كله لا أريد أن أتحدث عن الحب مرغِّبًا فيه أو مرغِّبًا عنه، محسِّنًا له أو زاريًا عليه، بل لا أريد أن أتحدث عن الحب في نفسه، وإنما أريد أن أتحدث عنه من حيث إنه كان موضوعًا للبحث والدرس والتأليف عند أديبين عظيمين؛ أحدهما عربي مسلم قديم، والآخر أوروبي مسيحي حديث، فأما أولهما فهو ابن حزم الأندلسي، وأما ثانيهما فهو ستندال الفرنسي، فقد عاش أولهما في القرن الحادي عشر، وعاش ثانيهما في القرن التاسع عشر، فبينهما نحو ثمانية قرون، وهما بعد ذلك يختلفان أشد الاختلاف ولا يكادان يتفقان إلا في الشيء اليسير جدًّا.

فابن حزم مسلم متعمق للإسلام، يؤمن به إيمانًا صادقًا متينًا، يرتفع به إلى شيء يوشك أن يكون نسكًا، وهو قد وقف حياته أو أكثر حياته على تعمق العلوم الإسلامية والعربية؛ فهو متقن لرواية الحديث، محسن للفقه، متخصص في الكلام متفوق في الجدل، عالم بشئون الفرق الإسلامية، مهاجم لأكثرها مدافع عن أقلها، منافح عن الإسلام، ناقد لما ورث المسيحيون واليهود من المسيحية واليهودية، عارض لكل مسألة من مسائل الدين بالدرس والنقد والتحليل، مظهر رأيه فيها، مؤيد له بما يرى أنه الحجة القاطعة والبرهان الساطع الذي لا يمكن الشك فيه، فهو بذلك رجل من رجال الدين، ومن رجال الدين الذين وقفوا أنفسهم وحياتهم على درسه واستقصائه، والذود عنه والقيام من دونه.

وهو صاحب مذهب بعينه في الدين ليست عليه كثرة المسلمين؛ فهو ظاهري يؤثر النص ويكره التأويل، ولا يحب التأوُّل ولا يميل إلى التأويل، وهو من أجل ذلك لا يُخاصَم في الكلام وحده وإنما يُخاصَم في الفقه أيضًا، وهو من أجل ذلك متقن للغة أشد الإتقان، متعمق لكل ما يتصل بها من علم أشد التعمق؛ فهو لغوي، وهو نسابة، وهو راوية للشعر والأدب والأخبار، ثم هو قبل هذا كله من أسرة قد تولت الوزارة واتصلت بالقصور وعملت في الدواوين ودبرت أمور السياسة، وقد شارك في بعض ما نهضت به الأسرة من الأعباء، ولكنه صرف نفسه عن السياسة، أو صرفته الظروف عن السياسة إلى العلم، فأحاط بكل ما كانت تتكون منه الثقافة الإسلامية العربية في ذلك الوقت، ثم لم يكتفِ بأن يكون عالمًا ممتازًا، بل أراد أن يكون معلمًا ممتازًا أيضًا، ومؤلفًا ممتازًا كذلك، هذا هو ابن حزم.

أما ستندال فقد نشأ في عصر الثورة الفرنسية، وشارك في الخطوب السياسية والعسكرية التي امتلأ بها عصر نابليون وقاتل في غير موقعة من مواقع هذا القائد العظيم، وشهد الأحداث الكبرى التي اضطربت لها فرنسا ثم اضطربت لها أوروبا ثم اضطرب لها العالم كله في آخر القرن الثامن عشر وفي النصف الأول للقرن التاسع عشر، وهو بحكم نشأته وبيئته والعصر الذي عاش فيه، مسيحي اللون حر الضمير واسع الثقافة إلى أبعد حد ممكن، ولكنه لم يكن وزيرًا ولم يحاول أن يكون وزيرًا، ولم يكن معلمًا ولم يحاول أن يكون معلمًا، وإنما عاش لنفسه أولًا، ومُنِح قلبًا ذكيًّا وعقلًا خصبًا وضميرًا حيًّا ونبوغًا فنيًّا ممتازًا، فلم يجد بدًّا من أن يصور حياته وحياة النَّاس من حوله وحياة العصر الذي عاش فيه.

فالاختلاف بين هذين الرجلين بعيد إلى أقصى غايات البعد، ولكنهما على ذلك يلتقيان في بعض الأمر، فكلاهما أوروبي المولد والنشأة؛ وُلِد ابن حزم ونشأ وعاش في إسبانيا، ووُلِد ستندال وعاش في فرنسا وغيرها من البلاد الأوروبية.

وقد ذكرت آنفًا أن ابن حزم عربي مسلم، وما أردت بعروبته هذا المعنى الضيق الذي يتصل بالجنس والنسب؛ فقد يقال إن ابن حزم لم يكن عربيًّا صليبة، وإنما أردت هذه العروبة التي تتصل بالثقافة والسياسة والدين واللغة والنشأة، وهذه الخصائل التي هي أهم ألف مرة ومرة من الجنسية والعنصرية.

فقد كان الرجلان إذن أوروبيين، ولكن أحدهما عربي الحياة والآخر فرنسي الحياة، وأحدهما من أبناء القرن الحادي عشر والآخر من أبناء القرن التاسع عشر، وقد كان الرجلان يلتقيان في شيء آخر؛ فكلاهما عاش في عصر فتنة واضطراب. عاش ابن حزم في عصر انهيار الدولة الأموية في الأندلس وانتثار النظام السياسي في هذا الجزء من أوروبا، وقل إن شئت في هذا الجزء من العالم الإسلامي القديم، وقد شهد ابن حزم انتقال السلطان من بني أمية إلى حجابهم، ثم انهيار الأمر حول هؤلاء الحجاب، وقيام ملوك الطوائف، وتدخل البربر في شئون العرب الإسبانيين، ثم هو لم يشهد ذلك من برجه العاجي، وإنما شهده شهود المشارك فيه، المصطلي بناره، المتحمل لآثاره، فذاق السجن ونُفِيَ من الأرض وتقاذفته مدن الأندلس، بل تقاذفته مدن العالم الإسلامي الغربي؛ فهو قد عبر إلى إفريقية، وهو قد عبر إلى الباليار، وهو قد لقي في هذا كله ألوانًا من المحن وضروبًا من الخطوب.

وعاش ستندال في عصر الثورة وفي عصر الحروب التي أثارها نابليون أو أُثِيرت عليه، وشارك في هذه الحروب فانتصر حين انتصر نابليون وانهزم حين انهزم نابليون، واضطرته هذه الحروب إلى التقلب في أقطار أوروبا، فذهب إلى ألمانيا والنمسا والروسيا وأقام في إيطاليا فأطال الإقامة وعاد آخر الأمر إلى فرنسا.

وليس المهم بالقياس إلى هذين الرجلين أنهما عاشا في عصر فتنة واضطراب وتأثرا بهما في حياتهما المادية، وإنما المهم أن كليهما قد مُنِح حسًّا دقيقًا وشعورًا رقيقًا، وعاطفة ثائرة، ومزاجًا حادًّا وذوقًا رفيعًا، فتأثر بهذه الفتنة وتأثر بهذا الاضطراب، وعاش عيشة سخط وشذوذ وقلق لا عيشة رضا واطمئنان وحرص على ملاءمة الجيل الذي كان يعيش فيه.

كان ابن حزم شاذًّا في إسبانيا المسلمة المضطربة، وكان ستندال شاذًّا في فرنسا المسيحية الثائرة، وكان كلاهما ساخطًا على ما يرى، منكرًا لما يشهد، عاكفًا على نفسه يتسلى بعلمه وأدبه عما يجري حوله من الخطوب.

في هذا كله كان الرجلان يختلفان ويتفقان، ومن هنا فرغ ابن حزم لعلوم اللغة والدين، وفرغ ستندال للقصص والإنشاء الأدبي الخالص، ومن النافع أن نقف عند هذين الكاتبين وقفة قصيرة؛ فقد يكون من المفيد أن نرى كيف عُنِيَ الأديب المسلم القديم والأديب المسيحي الحديث بهذا الأمر الخطير الذي هو الحب.

وإذا قلت إن الحب أمر خطير؛ فإنما أصدر في ذلك عن ابن حزم من جهة وعن ستندال من جهة أخرى، ولست في حاجة إلى أن أصدر في ذلك عن شعر الشعراء ولا عن أدب الأدباء ولا عن الحياة نفسها؛ لأني لا أكتب فصلًا في الحب من حيث هو، وإنما أكتب فصلًا في الحب كما صوره هذان الأديبان.

والظاهر أن الحب قد كان خطيرًا حقًّا في إسبانيا المسلمة أيام ابن حزم، وليس أدل على ذلك من أن هذا المحدث الفقيه المتكلم الفيلسوف المنفي من أرض وطنه قد فرغ لكتابة رسالة فيه، وهو لم يفرغ لكتابة هذه الرسالة إلا لأن صديقًا من أصدقائه الفقهاء المحدثين المتأدبين قد طلب إليه أن يكتب هذه الرسالة، فلولا أن الأمر له شيء من خطر لما طلب هذا الفقيه المحدِّث الأديب إلى ابن حزم أن يفرغ له ويكتب فيه، ولما أجاب ابن حزم إلى ما طُلِب إليه وهو على جناح سفر قد أُزعِج عن وطنه واستقر في شاطبة لينتقل منها إلى منفًى آخر.

ثم نحن نقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب قد شغل ابن حزم في حياته كلها كما شغله الفقه والتفسير والحديث والكلام، ونقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب لم يشغله وحده، ولم يشغله مع صاحبه الذي طلب إليه تأليف الكتاب وحدهما، وإنما الظاهر أنه كان يشغل النَّاس جميعًا في إسبانيا المسلمة لعهد ابن حزم، ولعله كان يشغل المثقفين والممتازين أكثر مما كان يشغل غيرهم من الناس.

أما في فرنسا فالحب شيء خطير في كل وقت لا يحتاج ذلك إلى دليل، ولكنك سترى أن ستندال لم يكن يقدر الحب كما ألِفَه مواطنوه الفرنسيون.

أكاد أعتقد أن في نفوسنا من إسبانيا المسلمة صورة غير مطابقة للحقيقة الواقعة أثناء القرن الخامس للهجرة على أقل تقدير، فنحن نقرأ فقهًا وفلسفة وحديثًا وكلامًا وتفسيرًا ولغة، ونحن نقرأ أخبار الفتن والحرب فيُخيَّل إلينا أن إسبانيا المسلمة قد كانت في القرن الخامس موطن الجد المظلم والثورات المنكرة والاختلاف المؤذي للنفوس، لا نكاد نستثني من ذلك إلا هذه البيئات الخاصة التي كانت تمتاز بالعكوف على اللذات والانصراف إلى الشعر والموسيقى والغناء، ولكن ابن حزم يعطينا في كتابه «طوق الحمامة» صورة أخرى لإسبانيا المسلمة في ذلك العهد، صورة وطن كان النَّاس فيه جميعًا يذوقون الحب، ويبلون لذاته وآلامه، يتعرضون له كما يتعرضون لغيره من محن الحياة، بل يتعرضون له كما يتعرضون للموت، لا فرق في ذلك بين أصحاب الجد منهم وأصحاب الهزل، ولا بين الذين يفرغون للعلم والدين، والذين يفرغون للأدب والفن، والذين يفرغون للسياسة والحرب.

وأكبر الظن أن أمور النَّاس كلهم تجري على هذا النحو في جميع أقطار الأرض، ولكن حظوظ النَّاس من الحرية في تصوير هذا والتعبير عنه تختلف باختلاف الأوطان والبيئات والظروف، والظاهر أن إسبانيا المسلمة كانت على حظ عظيم لا في الحب وحده بل في التحدث عن الحب أيضًا، ومن الحق أن ابن حزم تحرج شيئًا أو كاد يتحرج شيئًا من الكتابة في هذا الموضوع، ولكنه لم يلبث أن يعفي نفسه من هذا الحرج بآثار رواها في أول الكتاب وبحض على الطاعة ونهي عن المعصية، وترغيب في الفقه سجَّلها في آخر الكتاب، فقد روى ابن حزم بسنده المتصل إلى أبي الدرداء رحمه الله أنه كان يقول: «أَجِمُّوا النفوس بشيء من الباطل؛ ليكون عونًا لها على الحق.» وروى آثارًا أخرى عن جماعة من السلف الصالح رحمهم الله.

وكان هذا أشبه باستئذان للدخول في هذا الموضوع الخطير الذي يظهر أن ابن حزم فكر فيه وعاش معه منذ نشأ إلى أن مات، وأخص ما يتفق فيه ابن حزم وستندال أنهما لم يريدا أن يكتبا في الحب كتابة المتزيد المتكلف، وإنما أرادا أن يكتبا فيه كتابة العالم الذي يؤثر البحث والاستقصاء، ويعتمد على الملاحظة والمشاهدة، ويستنبط من هذا كله أصولًا وقواعد هي أشبه بالعلم وأقرب إليه من شبهها بالأدب وقربها إليه، فليس الذي يعنيهما أن يرويا الأخبار ولا أن يستنبئا الخيال ولا أن يفلسفا في غير موضع للفلسفة، وإنما الذي يعنيهما أن ينظرا إلى الواقع ويعمدا إليه ويأخذا منه في غير تكلف ولا تصنع أيضًا، كلاهما يريد العلم ويعتمد على الظواهر الواقعة، ولكن أحدهما يعيش في القرن الحادي عشر، والآخر يعيش في القرن التاسع عشر، وبين حياة العقل الإنساني في هذين العصرين أمد بعيد؛ فابن حزم يعيش في عهد الكلام وما بعد الطبيعة، وستندال يعيش في عهد العلم والتجربة، فليس غريبًا أن يكون ابن حزم فيلسوفًا حين يفسر الظواهر الواقعة، وأن يكون ستندال عمليًّا حين يفسر هذه الظواهر نفسها.

ومن هنا عمد ابن حزم إلى تعريف الحب كما كان النَّاس في عصره يعمدون إلى تعريف كل شيء، وعمد إلى تعريفه على النحو الفلسفي الذي ألفه أصحاب المنطق؛ فهو يثبت قبل كل شيء أن الحب حقيقة واقعة لا منصرف عنها ولا تخلص منها، وأنه من أجل ذلك شيء مباح لا ينكره الدين ولا العرف ما دام لا يتجاوز حدود الدين والعرف، وهو يذكر الحب الذي ألم بطائفة من خلفاء بني أمية في الأندلس ومن خلفاء الفاطميين في مصر، والحب الذي ألم ببعض الفقهاء من أبناء الصحابة والتابعين وما أفتى به ابن عباس رحمه الله في بعض الأمور التي تتصل بالحب، ثم يذكر بعد ذلك «مائية الحب» كما يقول، وهي كلمة يأخذها من «ما»، وهي توازي كلمة «الماهية» عند الشرقيين من أصحاب المنطق والفلسفة، كأن الشرقيين يأخذون كلمتهم من «ما هو»، وكأن ابن حزم وأصحابه الأندلسيين يأخذون كلمتهم من «ما» وحدها، فيجعلون الألف همزة حين ينسبون. ومائية الحب كما يقول ابن حزم، أو ماهيته كما يقول الشرقيون؛ هي عند ابن حزم: «الاتصال بين أجزاء النفس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع.» كان ابن حزم يذهب إلى ما ذهب إليه بعض الفلاسفة من قدماء اليونان من أن هناك عنصرًا رفيعًا تأتلف منه نفس واحدة قد قُسِّمت أجزاؤها على المخلوقات ذوات النفوس، فقد يحدث اتصال بين بعض هذه الأجزاء المقسمة بين النَّاس فيكون الحب، وقد يحدث انفصال فيكون البغض، وبمقدار ما يكون الاتصال قويًّا أو ضعيفًا يقوى الحب أو يضعف، وبمقدار ما يكون الانفصال قويًّا أو ضعيفًا يشتد البغض أو يلين.

وهذا الاتصال إنما هو ملاءمة في الشكل وتشابه في الطبع وحنين جزء من النفس إلى جزء آخر من النفس، والأعراض الطارئة هي التي تباعد بين هذه الأجزاء أو تتيح لها أن تقترب وتأتلف، وابن حزم لا يحب أن يذهب مذهب إمامه محمد بن داود الظاهري ومذهب غيره من الفلاسفة الذين يرون أن النفوس كرات مستقلة تستقر في المخلوقات إلى حين، وإنما هو يرى أن النفوس أجزاء من نفس واحدة قد قُسِّمت على المخلوقات إلى حين، ثم هي تعود إلى أصلها، وإن كان ابن حزم لم يصرح بهذه العودة في هذا الكتاب، والشيء المهم هو أن الحب عند ابن حزم لا يأتي من الأجسام وإنما يأتي من النفوس، وليست الأجسام في حقيقة الأمر إلا وسائط ووسائل تتيح للنفوس أن تتقارب أو أن تتباعد، وآية ذلك أن من النَّاس من يحب شخصًا تنقصه هذه الخصلة أو تلك من خصال الجمال الجسمي وهو يعلم أن بين النَّاس من يستوفون خصال الجمال كلها أو أكثرها، ومن يزيدون على محبوبه في هذه الخصال، فلو كان الجمال الجسمي مصدر الحب لما أمكن أن يحب الإنسان شخصًا قبيحًا أو منقوص الحسن، ونحن نعلم أن العاشقين لمن لا يبلغ الحسن فيهم أقصاه ولمن يقدر عليهم القبح ليسوا قليلين، ولا تفسير لذلك عند ابن حزم إلا أن الحب ظاهرة تتصل بالنفوس ولا تتصل بالأجسام إلا اتصالًا عارضًا، فنحن هنا أمام بحث فلسفي يتصل بما بعد الطبيعة أكثر مما يتصل بالطبيعة نفسها، أو قل: إنه يتخذ الطبيعة سلمًا يرقى فيه إلى ما بعد الطبيعة، وليس شيء من هذا كله غريبًا؛ فابن حزم يعيش في القرن الحادي عشر، والعلم عنده ما وُرِث عن الفلاسفة والمتكلمين.

فأما ستندال فهو لا يعمد إلى التعريف ولا يفكر في الاستنباط المنطقي، وإنما يعمد إلى الاستقراء والاستقصاء، فهو لا يعرف الحب جملة وإنما يستقصي أنواع الحب عند أفراد النَّاس وعند أصنافهم، وهو يضع أصلًا في أول كتابه لا يكاد يحققه حتى يشك في دقته ويفتح باب الاستقراء والاستقصاء من جديد.

فليس هناك حب واحد إذن، وإنما هناك أنواع أربعة من الحب؛ أولها الحب الجامح الذي يملك على النفس أهواءها وعواطفها وحسها وشعورها، والذي يندفع كالسيل لا يلوي على شيء ولا يترك لصاحبه حظًّا من أناة أو روية أو تفكير، والثاني الحب المترف الذي ينشئه التكلف وما تقتضيه الحضارة الراقية المصفاة من إتراف في الذوق، وتأنق في فنون المتاع، والذي لا يكاد يتصل بالنفس ولا بالقلب، ولا يكاد يؤثر في العاطفة أو في الشعور، وإنما هو لون من ألوان الذوق، وفن من فنون الترف، قد وُضِعت له قواعده وأصوله، وأحاط النَّاس بأسراره ودقائقه، فهم يصعدون فيه عن علم وينتهون إلى غايته عن بصيرة، والثالث الحب الجسدي الذي تدفع إليه الغرائز والذي يشترك فيه الإنسان والحيوان، والرابع حب الغرور الذي ينشأ عن الكبرياء وإيثار النفس بهذه الظواهر الخداعة التي يكبر بها الإنسان أمام نفسه وإن لم يكبر بها في أنفس الناس، وقد مثل ستندال لأنواع الحب هذه بأمثلة تصورها تصويرًا صادقًا وتدل عليها دلالة واضحة، فأبطال الحب المعروفون الذين تحدث عنهم التاريخ يصورون النوع الأول، والمترفون من الفرنسيين أثناء القرن الثامن عشر يصورون النوع الثاني، والصائد الذي يشتهي قروية رآها تهيم في الغابة فأعجبه شكلها يصور النوع الثالث، وكثرة الشعب الفرنسي في عصر ستندال تصور النوع الرابع. على أن ستندال لا يلبث أن يلاحظ أن هذا التقسيم ليس دقيقًا ولا نهائيًّا، وأن من الممكن أن ينحل كل نوع من هذه الأنواع الأربعة إلى أنواع أخرى جزئية يدل عليها بألفاظ أخرى، فأمور الحب أشد دقة وأكثر اختلافًا وأيسر تفاوتًا من أن تُستقصَى على نحو قاطع محتوم، وليس المهم عند ستندال أن تُحْصَى أنواع الحب أو تُستقصَى، وإنما المهم أن نتبين كيف ينشأ الحب وكيف ينمو وكيف يضعف وكيف يموت، وستندال يرى أن هذا كله إنما يجري طبقًا لقوانين يعرضها في هذا الكتاب، والإعجاب هو أول درجة من درجات الحب ترقاها النفس حين تتجاوز نظرتها العادية البريئة من الاكتراث إلى الشخص الذي كُتِب لها أن تحبه، فهي تبدأ بالخروج عن عدم الاكتراث إلى التفات خاص لا يكاد يتم حتى ينشأ عنه إعجاب يقف النفس عند هذا الشخص الذي التفتت إليه، ولا يكاد هذا الإعجاب يتصل حتى ترقى النفس في هذا السلم إلى درجة أخرى، وهي درجة التوق والشوق أو الطموح إن شئت، وهي الدرجة التي يقول فيها الإنسان لنفسه: أحْبِبْ إليَّ بأن أقبِّل هذا الشخص أو بأن يقبِّلني؛ فهو طموح إلى الاتصال المادي بعد أن تم الاتصال النفسي.

ثم يرقى الإنسان إلى الدرجة الثالثة، فأنت تستطيع أن تتوق وأن تشتاق وأن تطمح، ولكن هذا كله شيء وانتظار الوصول إلى ما تطمح إليه شيء آخر، فإذا تجاوزت الطموح إلى الأمل فقد ارتقيت إلى الدرجة الثالثة في تصديك للحب، ثم لا يكاد يستقر الأمل في نفسك، أو لا تكاد نفسك تستقر في الأمل، حتى تبلغ الدرجة الرابعة، وهي الدرجة التي يتم فيها تكوُّن الحب، فأنت قد أُعجِبت ثم اشتقت ثم أملت، ثم استحال هذا كله في نفسك إلى لذة قوية تحدث بمجرد أن ترى من تحب أو أن تسمعه أو أن تمسه أو أن تتصل بسبب من أسبابه، وأنت إذا وجدت هذه اللذة مُعَرَّض لأن تجد الألم إذا انقطعت الأسباب بينك وبين من تحب، وكذلك لا تبلغ الدرجة الرابعة حتى تضطرب بين ما يحدث الحب من لذة وألم، ومن نعيم وجحيم، وإذا وُجِد الحب فلا بد له من أن ينمو، إلا أن يُقتَل يوم مولده ونموه. يبدأ حين تبلغ الدرجة الخامسة، وهي ما يسميه ستندال التبلور الأول، ومنشؤها اتصال تفكيرك فيمن تحب، فأنت لا تفكر فيه كما هو قبل أن تلتفت إليه، أو قل: إنك لا تفكر فيه كما يفكر فيه غيرك من النَّاس الذين لا يحفلون به ولا يأبهون له، وإنما تسبغ عليه شيئًا من إعجابك به وشوقك إليه وأملك فيه، وإذا أنت تضيف إليه محاسن تزعم أنها لا توجد في غيره، وإذا أنت تقوي شعورك بالغبطة حين تتصل به بمقدار ما تضيف إليه من المحاسن، فهو وحده الذي يستطيع أن يرضي ما تطمح إليه نفسك من المثل العليا في اللذة والسعادة والنعيم، وغيره لا يقدر على أن يبلغك من هذا كله شيئًا؛ لأن هذا كله موصول بما خلعت على محبوبك من المحاسن والخصال التي ميزته بها من النَّاس جميعًا، وكذلك تتصل نفسك به اتصالًا قويًّا متينًا غير مقطوع، وإذا أنت حريص أشد الحرص على استبقاء هذا الاتصال والتزيد منه في كل لحظة ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، وإذا بلغت هذا الحرص فليس لك بد من أن ترقى إلى الدرجة السادسة؛ فالحرص مصدر الخوف والشك، ومتى انتهيت من الحرص إلى غايته فلا بد لك من أن تشك في أنك موفق أو غير موفق، وأنت في هذه الدرجة السادسة تسأل نفسك بين لحظة ولحظة، أيجد حبك صدى في نفس محبوبك أم لا يجد؟ ثم أنت لا تكتفي بهذا السؤال، ولا تطمئن إلى هذا الشك، ومتى اطمأن الإنسان إلى الشك؟! إنما أنت مضطر إلى أن تلتمس الدليل القاطع على أنك لم تخطئ فيما قدرت، ولم تخفق فيما طلبت، وعلى أن محبوبك يقارضك حبًّا بحب ويبادلك هيامًا بهيام، وأنت كذلك تسأل نفسك ثم تجيب نفسك، ثم تشك في الجواب فتستأنف السؤال، فإذا طال عليك هذا الأمر وظفرت بالإشارة الدالة أو اللمحة المطمعة أو الآية المقنعة فأنت راقٍ على رغمك إلى الدرجة السابعة وهي التبلور الثاني كما يسميها ستندال، فأنت قانع بأنك محبوب، وأنت تزين لنفسك هذا الحب الذي تجده والذي تطمئن إلى أن له صدى في نفس من تحب، تخلع على هذا الحب من صفات القوة والسعة والعمق والجمال ما شئت وما لم تشأ، ثم يُصبح هذا الحبُّ حياتك التي تملك عليك كل شيء، وتصرفك عن كل شيء وتأخذ عليك طريقك، وقد انتهيت الآن إلى قمة الحب، فلم يبقَ إلا أن يتصل نعيمك به أو شقاؤك، بما يمكن أن يعرض له من الضعف والفتور.

كذلك يعرض ستندال مقدمات الحب ونشأته ونموه وبلوغه إلى أقصى غاياته، ثم هو يعود إلى هذه الدرجات بعد ذلك فيدرسها درسًا مفصلًا عميقًا يضرب له الأمثال ويستدل عليه بالوقائع، فهو كما ترى بعيد كل البعد عما بعد الطبيعة، قريب كل القرب من الطبيعة نفسها، لا يلتمس للحب حدًّا ولا رسمًا ولا تعريفًا، وإنما يميز أظهر أنواعه ثم يتبعه منذ تتهيأ النفس له إلى أن تفنى النفس فيه، وواضح جدًّا أن ستندال حين يسلك هذه الطريق إنما يذهب مذهب العلماء المعاصرين له الذين تأثروا بنشأة العلوم التجريبية وتطورها، فاعتمدوا على الملاحظة المباشرة أكثر مما اعتمدوا على أي شيء آخر.

وقد همَّ ابن حزم أن يسلك هذه الطريق نفسها، بل هو لم يسلك إلا هذه الطريق، طريق الملاحظة المباشرة؛ فهو لا يخترع أحاديثه عن الحب اختراعًا ولا يبتكرها ابتكارًا ولا يخلقها من عند نفسه، وهو لا يكاد يلم بالفلسفة إلا حين يحاول تعريف الحب، وهو لا يقرر أصلًا من الأصول ولا فرعًا من الفروع إلا مستمدًّا له مما رأى بنفسه، أو مما وجد في نفسه، أو مما سمع من الذين لا يعرض الشك له فيما يلقون من الأحاديث، فابن حزم معتمد على الملاحظة المباشرة كما يعتمد عليها ستندال، ولكن ابن حزم لا ينتفع من ملاحظته المباشرة كما ينتفع بها ستندال، فبين الرجلين دهر طويل تطوَّر فيه العقل الإنساني، وتطورت فيه مذاهب البحث ومناهجه، ووسائل الملاحظة وأدواتها تطورًا عظيمًا بعيد المدى، فملاحظة ابن حزم دقيقة كملاحظات ستندال، ولكنها قريبة لا تتعمق ولا تكاد تتجاوز نفسها إلا قليلًا؛ لأن ابن حزم لم يظفر من أدوات البحث والاستقصاء والتعمق بمثل ما ظفر به الكاتب الفرنسي الحديث.

وبين الرجلين فرق آخر، وهو أن ابن حزم على شذوذه الذي لفت إليه المعاصرين جميعًا في الشرق والغرب، بل لفت إليه الذين جاءوا بعده بوقت طويل، لم يستطع أن يخلص من العادة المألوفة في التفكير والاستنباط؛ فهو قد فكر كما كان النَّاس يفكرون من حوله، بل كما فكر النَّاس من قبله ومن بعده، واستنبط كما كانوا يستنبطون، لم يستطع أن يتجاوز ذلك؛ لأن وقت تجاوزه لم يكن قد آن، ولأن وسائل هذا التجاوز لم تكن قد استُكشِفت بعد.

وقد يكون من الغريب أن ابن حزم قد صرَّح أكثر مما صرح ستندال، فستندال يزعم صادقًا أو غير صادق — ومن المحقق أنه غير صادق — أنه لم يتخذ نفسه موضوعًا للملاحظة في أي فصل من فصول كتابه؛ فهو لم يتحدث عن نفسه ولا عن عواطفه وشعوره بحال من الأحوال، أما ابن حزم فيحدثنا عن نفسه في صراحة رائعة حقًّا، ولعل أحاديثه عن نفسه هي خير ما اشتمل عليه الكتاب، وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه يحدثنا صادقًا من غير شك أنه لم يقترف في الحب إثمًا، ولم يورطه الحب في خطيئة كبيرة من الكبائر.

وهو من أجل ذلك يحدثنا عن نفسه في صراحة وإسماح، ويقص علينا من أنبائه ما يثير في نفوسنا كثيرًا جدًّا من الرفق به، والرثاء له، والعطف عليه. فنحن نشهده في دار أبيه الوزير وقد تعلقت نفسه بجارية من جواري الدار رائعة الحسن، بارعة الجمال، قوية النفس، صادقة العزم، حازمة الجد، لا تحب العبث ولا تميل إلى الدعابة، وإنما تغرق في الجد إغراقًا يكاد يدفعها إلى العبوس، وقد اجتمع أهل الدار في يوم من الأيام التي يجتمعون فيها لبعض الأمر، وقد ألم بهم ضيف فطعموا ونعموا، وأشرفوا من بعض أطناف الدار على البستان ينظرون إليه ثم إلى النهر، ثم يمدون أبصارهم إلى أبعد من البستان وأبعد من النهر، فيرون من قرطبة وضواحيها منظرًا عجيبًا، وقد وقفت هذه الجارية عند باب من أبواب الطنف تشرف منه على هذا المنظر الرائع الجميل، وابن حزم يحتال متنقلًا ليدنو منها ويقف من مكانها غير بعيد، ولكنها لا تحس احتياله ولا تلاحظ قربه حتى تنأى وتنتقل إلى باب آخر، وابن حزم يتبعها رفيقًا دائمًا محتالًا دائمًا متهالكًا دائمًا، وهي تبعد كلما قرب، وتنأى كلما دنا، ثم يقترح مقترح أن تهبط الجماعة إلى البستان وتجلس على عشبه الأخضر بين ما يزينه من شجر وزهر فيهبط القوم، ويحاول ابن حزم أن يدنو فتنأى صاحبته، ثم يقترح مقترح على الجارية أن تغني، وكانت بارعة في العزف متفوقة في الغناء، فتضرب وتغني، ويكون هذا كل ما استطاع ابن حزم أن يظفر به من هذه الجارية، ثم تمضي الأيام وتحدث الأحداث وتلم الخطوب ويبعد العهد، ويعود ابن حزم بعد أعوام إلى وطنه في قرطبة فيرى هذه الجارية وقد ابتذلتها حوادث الدهر، واضطرتها الخطوب إلى أن تتكلف ما لا يتكلف أمثالها من المترفات، وإذا الزهر قد ذوى، وإذا الحسن قد غاض، وإذا الضر قد بدا أو كاد يبدو، ونحن نرى ابن حزم يصور نفسه لنا وقد شغَفَتْ فتاة قلبه كما لم تشغفه فتاة قط، وقد اتصل الحب بينه وبينها، ثم اختطفها منه الموت، فانظر إلى الجزع الذي ليس بعده جزع، والوجد الذي ليس بعده وجد، والعذاب الذي لا يشبهه عذاب، وإذا هو يقضي أيامًا لا يضع ثيابه ولا ينعم بطعام أو شراب، وإذا هو يذكر حبيبته مستيقظًا ويحلم بها نائمًا، ويقول في حبه لها الشعر أثناء اليقظة وأثناء النوم، وإذا الأيام تمضي حتى تصبح أعوامًا وأعوامًا، والسن تتقدم بالفتى قليلًا قليلًا حتى يصبح كهلًا ثم يصير إلى الشيخوخة، وحبه لتلك الفتاة ما زال شابًّا في قلبه لم يؤثر فيه مر الزمن ولم يستطع السلوان أن يرقى إليه.

فابن حزم إذن يعتمد على الملاحظة المباشرة الحرة الصريحة، يلاحظ نفسه وخلطاءه، ويلاحظ النَّاس من حوله، ولكنه على هذا كله مقيد مقصوص الجناح، لا يكاد يتعمق ولا يكاد يرتفع؛ لأنه يفكر كما كان يفكر النَّاس في عصره؛ فأسبابه إلى التعمق والاستقصاء قصار لا تتجاوز به القواعد السطحية أو التي توشك أن تكون سطحية.

وقد رتب ابن حزم كتابه ترتيبًا منطقيًّا مقاربًا، ولكنه كره أن ينفذ كتابه على النحو المنطقي الذي رتبه قبل أن يبدأ في إنشائه، وآثر أن يخالف بين الخطة المرسومة وتنفيذ هذه الخطة فوضع فصول كتابه حيث اقتضت مناسباتها أن تُوضَع، لا حيث اقتضى الترتيب المنطقي أن تكون، وهذا أيضًا دليل على أن ابن حزم قد حاول أن يتخفف من أثقال عصره ويتحرر من قيود التفكير التي كانت تمنع معاصريه من الحركة الحرة، كما نفهمها نحن الآن، ولكنه لم يبلغ مما أراد إلا أقله وأيسره.

ودليل آخر على أن ابن حزم أراد أن يتحرر من هذه القيود فذهب إلى أبعد مما ذهب إليه ستندال، ولكنه مع ذلك لم يبلغ ما أراد، وهو أن ابن حزم كره أن يرجع بحديث الحب إلى ما امتلأت به كتب الأدب من أخبار العشاق والمحبين، فلم يحفل بكل ما كان من حديث الأعراب، ومن غزل الغزلين في نجد والحجاز، ومن تكلف الشعراء بعد ذلك لما تكلفوا من فنون الحب، وأبى إلا أن يقصر ملاحظته على نفسه وعلى ما رأى وما سمع من معاصريه، على حين لم يكتفِ ستندال بما رأى وما سمع، وإنما اعتمد على ما قرأ أيضًا، وعلى ما قرأ من أخبار القدماء في جنوب فرنسا نفسها وفي إسبانيا المسيحية والمسلمة، بل على ما قرأ من كتب العرب أنفسهم؛ فهو قد عرف كتاب الأغاني ونقل عنه أطرافًا من أخبار الغزلين، ومن أخبار جميل وبثينة بنوع خاص، والغريب أننا نُعجَب بابن حزم لأنه أعرض عما كان يعرف من أمر القدماء وأبى أن يعتمد على غير الملاحظة المباشرة، ونُعجَب في الوقت نفسه بستندال لأنه طلب ما لم يكن يعرف من حب القدماء، فاستقصى حب الغزلين في جنوب فرنسا وتأثرهم في هذا الحب بحضارة المسلمين في الأندلس، ثم مضى يستقصي أصل هذا الحب الإسباني حتى انتهى به «الأغاني» إلى صدر الإسلام ثم إلى العصر الجاهلي، وقد أخطأ فيما فهم من ذلك وأصاب، ولكنه حاول ما لم يتعود أمثاله أن يحاولوه، فنحن نُعجَب به من هذه الناحية، كما نُعجَب بابن حزم لأنه ترك ما لم يتعود أمثاله أن يتركوه.

كلا الرجلين قصد إلى إجادة الدرس وإتقان البحث وتعمق الاستقصاء، ولكن أحدهما وُفِّق لما لم يُوفَّق له الآخر لأنه ملك من الوسائل والأدوات وأسباب العلم والثقافة ما لم يُتَح لصاحبه.

على أن هناك نواحي امتاز بها ستندال ولم تخطر لابن حزم على بال، فكلا الرجلين قد حاول درس النفس الإنسانية من بعض نواحيها، وكلا الرجلين قد اتخذ هذا الدرس وسيلة إلى نقد الحياة الاجتماعية المحيطة به، وكلا الرجلين قد أعطانا صورة دقيقة أو مقاربة لهذه الحياة، ولكن ابن حزم وقف عند هذا الحد، فأما ستندال فتجاوز النقد إلى الاقتراح، فستندال ينقد الحياة الفرنسية نقدًا مرًّا، لا يكتفي بذلك بل يعرض لتربية الفتاة فيستخلص عيوبها ويرد إلى العيوب كثيرًا من آفات الحب عند الفرنسيين بل عند الأوروبيين، ثم هو لا يكتفي بذلك بل يقترح مذهبًا جديدًا في تربية الفتاة لتستطيع أن تحب حبًّا صحيحًا صالحًا نقيًّا، وتلهم الفتى حبًّا صحيحًا صالحًا نقيًّا، ثم هو يتجاوز ذلك إلى الزواج، فينقد نظامه، ويقترح ألوانًا من الإصلاح تقرب المسافة بين الحب والزواج تقريبًا بعيدًا، وكل هذه أمور لم تخطر لابن حزم؛ لأنه كما قلت كان مثقلًا بقيود عصره مقصوص الجناح لم يستطع أن يتعمق ولا أن يرتفع.

وفي كتاب ستندال لون آخر من ألوان البحث لم يخطر لابن حزم ولم يكن يمكن أن يخطر له، فستندال يبحث عن الصلة بين الحرب وبين طبائع الشعوب من جهة، وبين الحب ونظام الحكم من جهة أخرى، وهذا اللون من بحث ستندال ممتع حقًّا، ولا سيما حين يعرض لبعض خصائص الشعوب والحكومات، فالحب مقيد بارد شديد الكسل والفتور في بلاد الإنجليز؛ لأن طبيعة الإقليم وطبيعة الشعب وطبيعة الحكومة الأرستقراطية، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإنجليزي خجلًا مستخذيًا لا يظهر إلا على استحياء، والحب في إيطاليا جامح مندفع لا يثبت أمامه شيء، وهو لا يستخفي ولا يتردد ولا يستخذي ولا يخجل، وإنما يظهر صريحًا حرًّا كما تظهر الشمس؛ لأن طبيعة الإقليم الإيطالي والشعب الإيطالي وتفرق السلطان في إيطاليا لعهد ستندال، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإيطالي جريئًا عنيفًا مقدامًا، والحب في فرنسا مغرور منافق لا يكاد يثبت ولا يستقر؛ لأن طبيعة الشعب الفرنسي والإقليم الفرنسي ونظم الحكم في فرنسا بعد انهيار الإمبراطورية، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الفرنسي مرائيًا ثرثارًا لا يقول شيئًا ولا يصور شيئًا، فأين نحن من ابن حزم الذي لم يتجاوز بالحب وطنه الأندلسي؟! وقد خطر له مرة أو مرتين أن يَعبُر بالحب مضيق جبل طارق ففعل، ولكنه تحدث إلينا عن أندلسي باع جارية له كان يحبها لبعض البربر، ثم تبعتها نفسه، ولم يستطع السلو عنها، ولم يُرِد البربري أن يعفيه من البيع، فرفع أمره إلى السلطان في قصة طريفة مؤثرة.

وقد مضى ابن حزم بالحب إلى الشرق فأبعد حتى انتهى إلى بغداد، ولكنه يحدثنا عن عالم أندلسي انتهى إلى حارة لا تنفذ، ورأى في هذه الحارة جارية دلته على أن الحارة غير نافذة، وكانت الجارية سافرة؛ فراعَهُ حسنها وشغفه حبها، وخاف على نفسه ودينه الفتنة فسافر إلى البصرة ومات فيها شهيدًا لهذا الحب.

فكأن ابن حزم لم يُرد أن يعرض في كتابه لغير الحب الأندلسي، درسه في موطنه، ثم تبعه أحيانًا إلى مهاجره في إفريقية أو في بغداد.

على أن هناك مسألة هي فيما أعتقد أجل خطرًا من كل ما عرضت له في هذا الحديث إلى الآن، لماذا ألف ابن حزم كتابه طوق الحمامة؟ ولماذا ألف ستندال كتابه في الحب؟

أما أيسر الجواب عن هذه المسألة فهو أن صديقًا لابن حزم طلب إليه أن يضع له هذه الرسالة ففعل، وأن ستندال أنفق حياته كلها متتبعًا للحب على اختلاف صوره وأشكاله ومواطنه، فألف فيه كتابًا، ولكن هذا لا يقنعني، ويُخيَّل إليَّ أن هناك جوابًا آخر قد يكون أجل من هذا خطرًا وأبعد منه أثرًا، فكتاب ابن حزم وكتاب ستندال لم يقصد بهما إلى الحب في نفسه، وإنما قصد بهما إلى الفن، إلى فن تصوير الحب والتعبير عنه. فقد ألف ابن حزم كتابه في البلاغة إذن، وقصد به إلى أن يعلم الشعراء والكتاب — والشعراء خاصة — كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يصفونه في الشعر والنثر، وآية ذلك هذه النماذج الشعرية التي يبثها في كل فصل من فصول الكتاب، وهي نماذج ينشئها هو ولا ينقلها عن غيره، وأكبر الظن أنه صنع كثيرًا من هذه النماذج خاصة لهذا الكتاب.

وأما ستندال فقد ألف كتابًا في النقد وفن الجمال، أراد به إلى أن يشرح أولًا مذهبه فيما عرض من أمر الحب في قصصه المختلفة، وأراد به بعد ذلك أن يعلم القصاص كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يعرضونه فيما ينشئونه من القصص الطوال والقصار، وآية ذلك هذه النماذج القصصية التي أضافها إلى كتابه بعد أن عرض نظرياته في الحب.

فنحن إذن أمام كتابين من كتب العلم لم يقصد بهما صاحباهما إلى العبث ولا إلى اللهو ولا إلى مجرد التجربة، وإنما قصدا بهما التعليم قبل كل شيء.

وقد أُعْجِبَ القدماء بكتاب ابن حزم ولكنهم لم ينظروا إليه إلا على أنه أثر أدبي، على أنه غاية في نفسه لا وسيلة إلى فن الشعر، ولم يُعجَب المعاصرون لستندال بكتابه في الحب حين نشره في أوائل القرن الماضي، فقد بِيع من طبعته الأولى في عشر سنين بضع عشرة نسخة، فلما مضى على نشره عشرون عامًا أنبأنا ستندال نفسه بأنه لا يظن أن الذين ذاقوه وفهموه قد بلغوا المائة، أما الآن فقد تقدمت دراسات الحب من نواحيه المختلفة تقدمًا هائلًا، حتى أصبح كتاب ابن حزم وكتاب ستندال كتابين لهما خطرهما في التاريخ الأدبي ليس غير، ولكنه خطر غير قليل.

.......
من كتاب «ألوان» طه حسين.
.

باول تسيلان.. يسمع أن الفأس قد أزهر

أكتوبر 29, 2019 اضف تعليق

ترجمة حميد كشكولي
(Hamid Kashkoli)

*Paul Celan
( نوفمبر 1920- أبريل 1970)

اسمعُ أن الفأس قد أزهر،
اسمعُ أن المكان لا يمكن أن يُسمّى،
اسمعُ أن الرغيف الذي ينظر إليه يُشفي هذا المشنوق،
الخبز الذي خبزتْه له الزوجة،
اسمعُ أنهم يدعون الحياة َ ملاذهم الوحيد.

النوم والطعام
أنفاس الليل دثارك، ويضطجع عندك الظلام.
إنها تلمس ُ مفاصلك و والصدغين،
إنها تنبه للحياة والغفوة، وتعثر عليك في الكلمات، وفي الآمال، والأفكار،
إنها تنام عند كل واحد منهم، وتجذبك إلى الأمام.
إنها تقشط ملحا من أهداب عيونك وتضعه على المنضدة،
إنها تسترق السمع لرمال الساعة، وتجلس أمامها،
و هي أمست مثل الورد والظلال والماء،
فتكرّمك كالشراب.

أغصانك بيضاء في الظلام، يا شجرة الصفصاف!
شَعرُ أمّي لم يصبح أبيض قط.
يا وردة الهندباء، إن أوكراينا خضراء .
أمي الشقراء لم تعُد إلى البيت.
أيتها الغيوم الممطرة!
هل تتأخرين عند الآبار؟
تبكي أمي الصامتة الآن للجميع.
أيتها النجمة المدوّرة!
تلفّين اللفافة الذهبية.
قلب أمي جرحه الرصاص.
أيها الباب الصاجي! من أخرجك من الحديد؟
فأمّي اللطيفة لن تستطيع المجيء.

أغنية الحياة

خنفساءات الليل قادمات،
يسرحن فوق يديك في العالم.
ريح رقدت بعرض حلقك.
فأنت الجسر بدون أن تعرف.
( إنّ من أعطيتها الليل، تركتك وحيدا،
ومن دعوتها إلى النوم، انظر، إنها لم تغفُ.
وما قطّرته راحا، مات من الراح.)
ريح رقدت بعرض حلقك.
فأنت الجسرُ بدون أن تعرف.
خنفساءات الليل قادمات.

من الظلام
محاربون دفعوا بالرمح إلى القمر.
نزيف.
الخشخاش أيضا ينزف.
الجسرُ، أختاه، قد حطّموه لكِ.
لم تعُدْ ثمة همسات للوقت.
ولم يَعُدْ هذا غصنك الهزاز.
وفيما بعد،
أجثو على ركبتي، واصرخُ، وأولع النار في الصورة الحلم في المرايا.

عيون داكنة في سبتمبر
زمن القلنسوة الحجرية.
تتدفق خصلات الألم حصبة حول وجه الأرض،
التفاحة المحتساة مقلية في الأنفاس.
كلمة خطيئة: لذيذة ومعادية للعبة التي يلعبونها في انعكاسات لمعان مستقبلهم.
تزهر الكستناء مرة أخرى:
ما يشير إلى الأمل المسكين المنهوك في عودة "أوريونس" القريبة.




باول تسيلان- *
يعتبر من أهم شعراء ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولد باول تسيلان، من عائلة يهودية، في مدينة جيزنزفيتش في مقاطعة بوكافين الرومانية، و كانت الألمانية لغتهم الأم. قضى والداه في معسكرات الاعتقال النازية، وألقي القبض عليه ليقضي فترة من 1942 إلى 1943 في وحدة الأشغال الشاقة اليهودية التي أنشأها النازيون لتعبيد الطرق في مولدافيا. مصائب الحرب و جرائم النازية طبعت حياته كلها وأدبه إلى أن انتحر في 1970. وبعد انتهاء الحرب أقام في بوخارست حيث أصبح يعاني ازدواجية صعبة في علاقته مع اللغة الألمانية التي أبدع بها أديه وكتاباته، بدل اللغة الرومانية، إذ كتب بها قصائد لم تكن بمستوى ما كتبه بالألمانية. وبعد أن حصل على شهادة البكالوريا، راح يدرس الطب في مدينة تور (فرنسا)، فتعرف فيها على السريالية التي ستكون أحد مصادر شعريته المتعددة.
وأريد أن أشير إلى نقطة مهمة وهي أنني قد استعرت من مكتبة مالمو السويدية العامة ديوانا صغيرا له باسم "قصائد رومانية" يتضمن قصائد نثر كتبها بالرومانية مترجمة إلى السويدية. لقد قرأت لبعض الكتاب أن تسيلان لم يكتب قط بالرومانية، لذا أردت هنا التنويه.
ترجمة: حميد كشكولي

بابلو نيرودا... صدركِ يكفي

أكتوبر 29, 2019 اضف تعليق


ترجمة ريم غنايم

يكفيني صدرُكِ لقَلبي،
ويكفيكِ جناحايَ لحرّيتك.
ما كان يرقدُ فوقَ روحكِ سيطلع
من فمي إلى السّماء.

فيكِ وهمُ كلّ نهار.
تَصِلين كما النّدى إلى الزّهور المقبّبة.
تقوّضين الأفق بغيابكِ.
في تحليقٍ أبديّ كما الموجة.

قلتُ إنّك أنشدتِ في الرّيح
كالصّنوبَر والصّواري.
مثلها فارعةٌ وسَكوتة،
وحزينةٌ، على حين غرّة، كَرِحلة.

تحشدين لنفسكِ أشياءَ كشارعٍ قديم.
مأهولةٌ برَجعٍ وأصواتِ حنين.
استيقظتُ وحينًا بعد حين فرّت وارتحلت العصافير
التي كانت تنام في روحكِ.

ذلك التعري الذي نجهله

أكتوبر 29, 2019 اضف تعليق

محمد حجيري

  كانت مرتدية كامل ملابسها، لكنها بدأت بالتعري تدريجياً إلى أن صوّرتها عارية تماماً"


لفتني عنوان تدوينة "تاريخ التصوير العاري في مصر" لاسلام الرفاعي، الذي يطرح سؤالا وهو ماذا يحدث لو وجدت صور عارية لجدتك في صندوق أخفته والدتك عن أعين الجميع حتى وفاتها؟ ويجيب: "في الغالب معظم الناس يتخلص من هذه الصور للتخلص من هذا الإرث وإن كان متسامحاً سيقوم باخفائها، لكن قصتنا اليوم تدور حول شخص رفض كل البدائل المتاحة وصنع هو بديله الخاص ولذا فقصته تستحق أن تُروى".

ويقصد الرفاعي في تدوينته، المخرج اللبناني أكرم زعتري، الذي اكتشف في منتصف التسعينات مجموعة من الصور العارية لجدته نادية عبد الواحد في أحد أدراج والدته، وكانت الصور موقعة بإمضاء فان ليو – القاهرة 1959، وفي العام 1998 زار زعتري استديو فان ليو الواقع  في الطابق الأول من مبني 7، شارع 26 يوليو في وسط القاهرة، وسأله عن حياته وكيف جاء لمصر، وانتهى به الأمر أن صور فيلماً تسجلياً عنه بعنوان "هي وهو"، يكشف الكثير عن واحد من أهم مصوّري مصر في القرن العشرين. وسبق لأكرم زعتري أن كتب مقالا في مجلة "الوسط" المحتجبة عن فان ليو، يلمح فيه الى أن "العري النسائي في الصورة نوع معروف لدى المصورين في مصر خلال الثلاثينات والأربعينات، وله نساء متخصصات تمثلن عادة أمام الرسامين والمصورين الفوتوغرافيين".

صوَّر فان ليو عدداً كبيراً من صور العري، وكان يتحيَّن وضعاً يسمح له بطلب التعرّي من الماثلات أمامه. يقول: "لصور العري طابع شخصي: أولاً يجب أن تتوصل لعلاقة صداقة وطيدة مع الزبونة كي تطلب منها التعري، وإلا كان هذا مستحيلاً. كل صور العري التي صورتها مبنية على صداقة حميمة، ما عدا واحدة فقط. كانت سيدة مصرية من هليوبوليس، أرادت أن تتصور 12 صورة مختلفة بكاميرا روليفلكس. في البداية كانت مرتدية كامل ملابسها، ولكنها بدأت بالتعري تدريجياً إلى أن صوّرتها عارية تماماً. صورتها في 12 وضعية مختلفة وهي تخلع ثيابها تدريجياً، من دون أن أسألها حتى ماذا تعمل، ومن دون أن تكون بيننا أي معرفة سابقة".
Video Player

قصة نادية لا تطرح أسئلة المدوّن فحسب، بل السؤال الأساسي، لماذ كن يتصورن عاريات في الاستديو؟ خصوصاً أن أرقام اللواتي كن يتصورن ليست قليلة ولا تقتصر على المجتمع الفني أو موديلات الرسم؟ يرجح فان ليو أن لصورة العري ارتباطاً بالوقت. إذ أن الإنسان يتغير مع الزمن بجسده وملامح وجهه. والمرأة وعت ذلك برأيه، لذلك تسعى عادة إلى تصوير نفسها في سن الشباب". هذا الجواب مقنع نسبياً لكنه لا يعطي صورة كاملة الوضوح عن أسباب التعري لدى نساء المجتمعات المخملية... والسؤال الآخر: مَن يشاهد صورهن؟ وعلى من يعرضنها؟ هل كانت ثقافة سائدة لدى فئة من الناس؟ ولا نعرف شيئاً عن أسباب "جرأة" ناديا، هل سمِعَت من نساء اخريات ان التعري من الأمور العادية في استديو فان ليو فذهبت وتصرفت بتلقائية؟ هل كان للتعري ما قبل الأيديولوجيات الأصولية معنى مختلفاً، لدرجة أننا قرأنا مقالاً لسيد قطب قبل التحاقه بالتطرف، يدافع عن العريّ والذهاب الى المسابح؟ من الصعب الإجابة عن أسئلة حول موضوع فيه الكثير من الحميمية والخصوصية وحتى السرية. فرغم أن فان ليو صوّر مئات النساء عاريات في الاستديو الذي يملكه، لكن قلة من الصور عرفنا صاحباتها، ومنهن ناديا وراقصة إيرانية.

يمكننا القول ان "الانسان يصوّر الاشياء التي يعرف أنها مهددة بالانقراض" بحسب الكاتب الفرنسي ريجيس دوبريه، والانسان يشعر مع الوقت بزوال شبابه، وتكون الصورة نوستالجيا خاصة جداً، أو مجرد استذكار لزمن غابر، مكانها في الصناديق المقفلة وليس البراويز أو الصالونات. وأن يجد زعتري صورة الجدة في أحد أدراج الأم، فهذا يحمل دلالات كثيرة عن ثقافة الصورة، وتوزيعها في البيت. إذ غالباً ما تكون الصور الحميمة مخفية أو لا يظهرها اصحاب العلاقة الى العلن، أو تبقى في غرفة النوم.

هناك معطيات أخرى سمعتها في بيروت من أكثر من شخص، ان بعض النساء في زمن مضى كن يتصورن عاريات في بعض الاستديوهات، ويرسلن صورهن العارية لأزواجهن في المغترب او المهجر لكي يبقى متشوقا لهن، كأنهن كن يستبدلن أجسادهن بصور جسدهن، هن يرسلن ما يراود الذهن عن الجسد الغاوي.. ونادراً ما كانت تظهر الصور على الملأ. والواضح في هذا الزمن أن التعري بات يصنف في خانة "الفضيحة"، حين تختار فتاة التعري لأسباب مختلفة، كما فعلت نجمة رياضة التزلج، جاكي شمعون، التي تعرت كدعاية لمجلة سياحية، وصورت المصورة اللبنانية الأصل رشا كحيل نفسها في شقة صديقها ونشرتها على الانترنت كنوع من اختبار لتحولات الجسد في الصورة.

التعري بين جاكي شمعون ورشا كحيل كان ميديا للوصول الى هدف محدد، وليس للاحتفاظ بصورة الجمال الشباب، وليس لبث الشوق في قلوب الأزواج. هي لعبة ميديا لم تخل من ضجيج اعلامي واجتماعي، لنتذكر الحملة التي تعرضت لها جاكي شمعون حتى من وزارة الرياضة اللبنانية. لنتذكر أنه بعد سنتين من نشر رشا صورها، اكتشفها الاعلام اللبناني، ومعظمهم لم يتحدث عن صورها باعتبارها فنانة أو تقدم فناً من أنواع الفنون الفردية أو الذاتية، بل تحدث عن الصور باعتبارها لفتاة لبنانية "شرقية" تتعرى وتخرج عن السياق وتكسر القالب والمألوف والمحرم. حتى صورة نادية عبد الواحد العارية، حين عرفت هويتها وظهرت صورها على الملأ، خرجت عن سياقها العابر. أصبحت مادة لفيلم توثيقي، وتحولت لاحقاً إلى مادة للكثير من المقالات عن صور التعري، فهي الشاهد النادر على مرحلة شبه آفلة، وينقصها نوع من التفسير الميديائي والسوسيولوجي والانتربولوجي يخرجها من دائرة النسيان.  

في مقابل تعري بعض النساء الشرقيات في زمن مضى لالتقاط الصور في الاستديو، سبقت ذلك موجة التعري الاستشراقي، أو الجنس على الطريقة الاستشراقية. تزخر الكتب ومواقع الانترنت بمثل هذه الصور، ويستغرب المرء كيف كانوا يلتقطون صورا استيهامية غير واقعية لاشباع شهواتهم. فالمصور الاستشراقي هو الذي يخترع الشرق وازياءه ونساءه كما يتخيله، اذ انه ينتج ما يرغبه ويشتهيه الأوروبي وليس بالضرورة الواقع كما هو.

لاحظ الكاتب بدر الحاج في كتاب"بيروت/ ضوء على ورق" أن المرأة العارية أو شبه العارية، كما في اعمال بونفيس ودوما واوبان، تعرض جسدها او قسماً منه لعين الغربي من أجل اغرائه واشباع شهواته، ومن غير المهم ما اذا كانت المرأة في تلك الصور مشرقية فعلاً أم لا. وليس مهماً ما إذا كانت الصور قد انتجت في بيروت او في أوروبا. ففي حين تبدو النساء في اعمال بونفيس واوبان، بملامح مشرقية جرى تصويرهن في الاستديو لقاء مبلغ مالي زهيد، فإن النساء في الصور التي التقطها دوما لا تبدو عليهن الملامح الشرقية. وما كتبه ميشيل فوكو عن هذا الموضوع فيه شيء من الدقة، اذ اعتبر "ان سحر الشرق يخلق داخلك نموذجاً اختزاليا قبل أن تراه فأنت من الممكن أن تقرأ "ألف ليلة وليلة"، فتظل تحلم بعالم الشرق المليء بأسرار وراء ستائر الحريم وداخل قاعات الرجال المليئة بالفحولة والشجاعة وتظل تتنقل بين عوالم خيالية من الجنيات والنساء الممتلئات بالشهوة".  

كان الاستشراق الفوتوغرافي (والفني) أساسيا في صناعة المتخيل الجنسي الغربي وفي تنميط الصورة السلبية للنساء الشرقيات. أما في المجتمع الشرقي، فبقيت علاقة النساء بأجسادهن رهن الالتباسات والتفسيرات الخاطئة والتسريبات ولغة التفضيح. لم تصل الأمور الى النظرة الى الجسد بتجرد. بقي كل شيء في خانة التصنيف بين الحرام والحلال. وعلى هذا، تحتاج صور نادية عبد الواحد الكثير من التفسير عن شخصيتها ومجتمعها، والامر نفسه ينطبق على المصور فان ليو. 
بمعنى آخر، الاستشراق ينتج صورة الجسد الشرقي الجنسي، أما الثقافة الشرقية فتنتج ما يمكن تسميته إلغاء الجسد...

وفي الهواتف النقالة والانترنت، باتت صورة التعري القديمة مجرد علامة متحفية أمام طوفان الأفلام الجنسية وما شابه.

بول أوستر... الصّدفة الثامنة من الدفتر الأحمر

أكتوبر 29, 2019 اضف تعليق

ترجمة ريم غنايم
قبل ثلاثة أعوام، صيفًا، ظهرت رسالة في صندوقي البريديّ. وَصَلت في مغلّف مستطيل الشكل أبيض، وكانت موجّهة إلى شخص لم يكن اسمه مألوفًا لديّ: روبرت م. مورغان من سياتيل، واشنطن. دُمغ وجه الرسالة بأختام بريدية عديدة: غير قابل للتسليم، لا يمكن إرساله، يعاد إلى الكاتب. شُطب اسم السيّد مورغان بقلم حبر، وكتب أحدهم بجانبه "ليس إلى هذا العنوان". بنفس الحبر الأزرق، رُسِم سهمٌ أشار إلى الطرف الأيسر العلويّ للمغلف، مصحوبًا بكلمات "يُعاد إلى المرسل". افترضتُ أنّ مكتب البريد أخطأ، ولهذا فحصت الطرف الأيسر العلويّ لأرى من المرسل. هناك، لشدّ دهشتي، اكتشفت اسمي وعنواني. ليس هذا فحسب، بل وأنّ المعلومات طُبعت على ملصق عناوين مصمّم وفق الطّلب (من الملصقات التي يمكنك أن تطلبها في رزمات مكوّنة من مائتي ملصق عبر الإعلانات التي تظهر على عُلب عيدان الثقاب). قُيّد اسمي بشكل صحيح، وكان العنوان عنواني- لكنّ الحقيقة كانت (ولا تزال) أنّي لم أمتلك ولم أطلب في حياتي مجموعة ملصقات عناوين مطبوعة.
في الداخل، كانت هناك رسالة مطبوعة على آلة كاتبة بتباعد مُفرد، وبدأت على النحو التالي: "العزيز روبرت، ردًا على رسالتك التي يعود تاريخها إلى 15 تموز 1989، يمكنني فقط أن أقول إنّني، مثل غيري من الأدباء، كثيرًا ما أتلقّى رسائل تتعلّق بعملي".
بعد ذلك، وبأسلوب طنّان ورنّان، يقتبس عن فلاسفة فرنسيين بلهجة تنضح زهوًا ورضًا عن الذّات، واصل مؤلف الرسالة، ومدح "روبرت" على الأفكار التي طوّرها حول إحدى رواياتي في أحد المساقات الأكاديميّة التي تدور حول الرواية المعاصرة. كانت رسالة مرذولة، من نوع الرسائل التي لا أحلم بأن أخطّها إلى أحد، ورغم ذلك كانت موقّعة باسمي. لم يشبه الخطّ فيها خطّي، لكن ذلك كان مواساة بسيطة. شخص ما في مكان ما حاول أن ينتحل شخصي، ولا يزال، على حدّ علمي، يفعلها.
اقترح أحد الأصدقاء بأن يكون هذا نموذجًا ل "فنّ البريد". لقد عرف مؤلّف الرسالة أنه لا يمكن وصول الرسالة إلى روبرت مورغان (فلا وجود لهذا الشخص)، وعمليًا وجّه ملاحظاته إليّ. لكن هذا يُلمح إلى الثقة غير المبررة في الخدمات البريديّة الأمريكيّة، وأشك في أن يكون هناك شخص قد اجتهد في طلب ملصقات عناوين تحمل اسمي ثم جلس ليكتب رسالة منمقة ومتبجحة كهذه، قد ترك شيئًا للصدفة. أم تراه يفعلها؟ لعلّ المتحاذقين في هذا العالم يؤمنون بأنّ كلّ شيء يسير على النحو الذي يريدونه.
لا أملك إلا أملاً ضعيفًا في الوصول يومًا إلى حلّ هذا اللغز الصّغير. هذا المهرّج عرف جيدًا كيف يخفي أثره، ولم أسمع منه شيئًا من وقتها. ما يحيّرني في تصرّفي أنا، هو أني لم أرمِ الرسالة، رغم أني أصاب بقشعريرة كلما نظرت إليها. الإنسان العاقل سيلقي بهذا الشيء في حاوية النفايات. بدلا من ذلك، ولأسباب لا أدركها، احتفظت بها على طاولتي طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، مجيزًا لها بأن تتحوّل إلى شيء ثابت بين الأقلام والدفاتر والمماحي. ربّما أحتفظ بها هناك كنصب تذكاري لغبائي. ربّما تكون السبيل لتذكيري بأنّي لا أعرف شيئًا، بأنّ العالم الذي أعيش فيه سيظلّ يفلت منّي للأبد.

تأملات في الصوت الأول

أكتوبر 27, 2019 اضف تعليق

  
عبد الله البياري
للحياة صوت، فالحضارة صوت، والفنون صوت، والإنسان صوت، والحيوان صوت، والله صوت، والدين صوت، و الثقافة صوت، والحرب صوت، و السلم صوت، والإنتاج صوت، فالحياة كلها صوت، ولا صمت إلا الموت (والصمت تأويل للصوت). ولولا غرق الإنسان في إدراك الحياة بعينه لا بأذنه، لأمكنه أن يُغير مفهومه لوجوده كذات وموضوع معًا ويمتلك حرية أكبر فيما يتعلق بهما، بالإستناد لكل الأصوات حوله وفيه، إذ أن هوس الحضارة الإنسانية بالمراقبة والقياس والتحجيم والتشكيل، يحجب عنه –الإنسان- جوانب مختلفة من ذاته ومحيطه وعالمه.

مع إنتقال "المدلول" من "الدال" السمعي/الأذني/الشفاهي، إلى "الدال" المرئي/العياني/الكتابي، يتغلب النزوع المادي على المعنوي له، وهنا تبدأ بنيوية السلطة والسيطرة وآلياتها الرقابية و الضبطية، بتحويل الفكرة/المدلول إلى مادة.  وهنا تبدأ السيطرة في التحرك على محورين في الزمان و المكان:

أولًا: أمامًا، فتسعى العين الرائية للسيطرة و التملك للكون، لتضع الكون المتسع، أمامها، فتبدأ شهوة الاستعمار، بوضع الأرض "الجديدة" في مرمى العين، وتشكيل عين المُحتل/المُستعمَر، بحسب عين المُحتل/المُستعمِر، يذكر مثلًا أن الإسباني في استعماره لللاتينية، حيث كانت الإنكا والمايا قبائل تقدم تراسيم عباداتها للشمس، كان قد قدم نفسه ابنًا لآلهتهم/الشمس، بياضٌ ببشرة سماوية، وعين زرقاء كالبحر، وشعر يشتعل صفرة كشمس، مهندسًا أعينهم كعينيه الطامعة في بلادهم وأرضهم وتاريخهم.
ثانيًا: خلفًا، فثارت الأديان على التاريخ، فقيل أن المسيح أبيض، وتارة أسود، وأخرى أصفر، كل تلك الإسباغات هي إرضاءات للعين؛ أخذت مالم تأخذه الأذن من إرضاءات إلا القليل، ممن تساءل مثلًا عن لغة/لسان آدم (منهم للمثال لا الحصر، كان عبد الفتاح كيليطو).
ماذا لو قُرأ الوجود بأصواته لا بصوره، ماذا لو انكسرت خريطة العالم التي لم تكن إلا إرضاءً لشهوة العين، أما كان للذات أن تتكلم فتكون/توجد، دون الحاجة للعين الرائية في المقولة الشهيرة "تكلم لأراك"، وكأن الوجود محكوم بالرؤية لا بذاته. 

الموسيقى موت الكلمة، فيتحرر المعنى بالصوت. أورد ابن عربي قولة للنفري " ياعبدي اللّيل لي، لا للقرآن يُتلى، اللّيل لي لا للمحمدة والثّناء"، فيُفرّق ابن عربي في تلك المقولة بين "تلاوة" حاجبة وأخرى كاشفة، الأولى تحجب منجزها عن الله الذي خصّ اللّيل له، انطلاقًا من انشغال صاحبها بمعاني القرآن عن الله. وهو ما أوضحه الشيخ الأكبر رائيًا أن الله يتوجه إلى منجز هذه التلاوة بالقول: "وماطلبتك لتتلو القرآن، فتقف مع معانيه. فإن معانيه تفرّقك عنّي، فآية تمشي بك في جنتي، وما أعددت لأوليائي فيها. فأين أنا، إذا كنت أنت في جنتي (...) وآية توقفك مع ملائكتي (...) وآية تستشرف بك على جهنم، فتعاين ما أعددت لمن عصاني وأشرك بي (من سموم وحميم وظل من يحموم لا باردٍ ولا كريم)، فأين أنا والليل لي؟، فهذا أنت ياعبدي في النهار معاشك وفي الليل ماتعطيه تلاوتك: من جنة ونار وعرض، فأنت بين آخرة ودنيا برزخ، فما تركت لي وقتًا تخلو فيه، لا لنفسك، بل لي".



الصوت أبهة البهي في تجلي المعنى وإشراقه (ما للتجلي من انفتاح على "الإشراق" بالمنطق الصوفي)، الصوت في الترتيل هاهنا بين تلاوتين، هو الموسيقى ملمسها نسيج الصوت، يقول للمعنى تجلَّ هنا والآن، آلهةً.





صوت السلطة

إن مراوحة المعنى/الدلالة بين قيده الكتابي/الرؤيوي/العيني، وتحرره الشفاهي/السماعي/الأذني، لا يمكن أن يمر  دون الإشارة للعلاقة القوية بين الموسيقى/الصوت والوجود/الإدراك، وهو ماتجذر في الجسد الديني والثقافي و التاريخي الإنساني قاطبًا. وبالتالي فهي مراوحة لم تنج تمامًا من آليات السيطرة: الضبط و الرقابة، إذ يذكر مثلًا أن القدرة على تسجيل/تثبيت/احتفاظ/إماتة الصوت، كانت إحدى خواص الآلهة الثلاثة، بجانب: "الحرب" و"المجاعة"، وذلك بحسب الأسطورة الأوروبية القديمة (Gaelic Myth). وهذا التماهي السلطوي والنزوع الشبق للسيطرة على الأصوات والموسيقى لتشكيل الإدراك والوعي الجمعي كآلية سلطوية، يمكننا ملاحظته في خطبة سابقة لأندريه جدانوف (Andrei Dhdanov) أحد مستشاري ستالين لشؤون الآداب والفنون في الحزب الحاكم، والذي تنسب إليه مذهب "الجدانوفية" المتشدد في الفنون و الآداب، يقول فيها، مشيرًا إلى الموسيقى:

"نحن نواجه تيارين من الموسيقى السوفيتية، أحدهما صحي وتقدمي، مبني على الدور الأساسي والضخم للإرث الكلاسيكي لصراع الطبقات، وتحديدًا المدرسة الروسية للموسيقى، ومافيها من مخزون فكري صادق وواقعي، نابع من الرباط العضوي بين الشعب وأصواته وموسيقاه. أما التيار الثاني فهو دخيل على الموسيقى السوفيتية، إذ ينبني على الرفض المغطى و المقنع بقناع من التجدد والإثارة و الإختلاف، ورفض خدمة الشعب برفض موسيقى الشعب، وذلك بتغذية أعمق نقاط الحس الفردي للجمالية.
مهمتين بالغتي الأهمية تقعان الآن على عاتق الموسيقيين و الملحنيين السوفييت، الأولى هي تطوير وإجادة موسيقى سوفيتية، والثانية حماية الإرث الموسيقي السوفييتي من الإختراق بواسطة عناصر منحدرة من البرجوازية. دعونا لا ننسَ أن الاتحاد السوفييتي هو الحامي الأوحد للإرث الموسيقي العالمي باعتباره –الإرث الموسيقي- ممثلًا للحضارة الإنسانية جمعاء، وعليه فواجب على آذانكم الموسيقية و السياسية أن تكون حذقة وماهرة لإثبات أفضلية الموسيقى السوفييتية و المجتمع السوفييتي".

السلطة هاهنا تتأكد وتتمركز بالسيطرة على الأصوات وعسكرتها من خلال منظومات ترشيح وتوجيه وضبط ورقابة متعددة، فمنها كما في الإقتباس أعلاه، منظومة الطبقة والحضارة، وفي اقتباس آخر لهتلر ورد في "دليل عمل الإذاعة الألمانية" عام 1938، يقول: "لولا الصوت العالي، لما تمكنا من السيطرة على ألمانيا"، يتضح فيه دور منظومة "علو الصوت" ومافيها من طمس/خفض صوت الآخر، لتحقيق السيطرة، وفي أنماط أخرى، يتم استدعاء منظومات عنصرية، كما ذكر في أدبيات الحزب الاجتماعي القومي في ألمانيا النازية، يوردها أوزوالد سبينجلير في كتابه "انهيار الغرب"، إذ يردّ فيها:
"إذا منعت موسيقى الجاز للسود، إذا لم يجد أعداء الشعب جمهورًا لهم في ألمانيا ليلحنوا ويعزفوا موسيقاهم عديمة الروح والفكر، فإن قرارات المصادرة والمطاردة لن تصبح تعسفية"، وفي مواقع أخرى يغدو المنع جنسانيًا/جندريًا، ذو تأليه فحولي كمقولة : "صوت المرأة عورة".

لعل هذا التمدد السلطوي من الآلهة الأوروبية القديمة وجدانوف وألمانيا النازية وشيوخ الفحولة المقدسة، وتآمرهم بالرقابة والضبط على الصوت وصولًا لكل شواهد الموسيقى التي تصاحب الدكتاتوريات و الأنظمة الشمولية في التاريخ: "لاصوت يعلو فوق "صوت" المعركة" و"النشيد الوطني" وغيرها من النماذج المحايثة ("بشرة خير")، يكشف لنا ما استبطنته قولة النفري التي أوردها الشيخ الأكبر ابن عربي عن أكثر البنى الثقافية استبطانا وتماهيًا مع السلطة وهي "الدين"، في تناول النص الديني المركزي الذي ينطلق منه الزمان و المكان بالتلاوة، وهو مايدفعنا إلى الغوص في جدلية الشفاهية و الكتابية في الرؤية الدينية-الإسلامية، إذ يمكن قراءتها من خلال محورين:

1. الرؤية الكتابية للوجود، و الرؤية الشفاهية.

2. الصوت وميتافيزيقيا المعنى. 

الوجود والمعني بين الشفاهية والكتابية أو الصوت و الحرف

أولًا: الرؤية الكتابية للوجود، والرؤية الشفاهية:

 (أ) مشهد: في حديث مؤداه أن الرسول دخل المسجد يومًا، فرأى جمعًا من الناس على رجل فقال: "ماهذا؟" قالوا: "يارسول الله هذا رجل علّامة"، فقال: "وما العلّامة؟"، قالوا: "أعلم الناس بأنساب العرب، وأعلم الناس بعربية، وأعلم الناس بشعر، وأعلم الناس بما اختلف فيه العرب" فقال: "هذا علم لا ينفع، وجهل لا يضر".

ذكر ابن منظور، و النويري، والقلقشندي، أن الكتاب سميّ كتابًا؛ لأنه يجمع الحروف، وذلك قول يشير مستبطنًا أن كل ما لا يندرج في نظام الحرف، والحرف مرسوم الصوت إلى العين، ممثلًا بالكتابة، سيكون عرضة للضياع. وإذا توسعنا في الجذر الدلالي للكتابة، ومشتقاتها، نجد أن محورها المركزي هو جمع الأشياء وضمها معًا، التماسك ضد التفريق و التشتت.

 نُقل عن الرسول قوله: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: أكتب، فجرى في تلك الساعة بماهو كائن"، وفي رواية أخرى: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له اكتب، فقال ما أكتب، فقال: أكتب القدر، وما كان، وما هو كائن إلى الأبد". وعن ابن عباس ورد قوله: "إنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه" وصاغ المقدسي ذلك، بقوله:  إن الله، "لما أراد أن يخلق الخلق، علم بما هو كائن وما هو مكوّنه، فأجرى القلم به على اللوح"، فالوجود هو جريان القلم بالكتابة، يحل الفناء حينما يتوقف القلم.

يعود بنا والتر أونغ في كتابه عن الشفاهية والكتابية إلى ما وصفه "الانتقال من اللغة المسموعة إلى المكتوبة هو انتقال من الحيز الصوتي إلى الحيز المرئي"، وقد بدأت الكتابة وما صاحبها من تحوّل الأفكار المقاسة بالأذن إلى تمظهراتها المقاسة بالعين (يدعي يونغ أن الإلياذة كانت أقدر على تشكيل الوعي الذاتي الإغريقي وقتما كانت نشيدًا غير مكتوب)، لتبدأ حقبة "الصلابة/القسوة الغير إنسانية" وباتت عملية التفكير "حدثية/Situational " وتخلت عن فكرة "المطلق/المتجاوز/Abstract" ، خالقة أولى قيود الفكر، وهو ما يمكن رؤيته في التاريخ الإنساني في تأثر الأدب والفن بالكتابة، وما أدى إليه ذلك من تشابك إمبريالي وعنصري وطائفي وسلطوي، وتأثر الجغرافيا بالخرائط وانبثاق الحقبة الكولونيالية، وهو مالا يختلف من حيث المبدأ في اعتبار "الشعر" و"اللغة" "علم لا ينفع، وجهل لا يضر". يرى ابن كثير وابن سعد، أن الكتابة كانت قليلة قبل الإسلام، بل نادرة، ويقال أن الخلفاء العباسيون كانوا يفاخرون بأميتهم.

من هنا يمكن فهم الرؤية الكتابية للوجود، باعتبارها مركزية وجودية، تنبثق منها الرؤية الصلبة للأنا/الحق/العلم/النافع/النور، والآخر/الباطل/الجهل/الضار/الجاهلية، جاعلة ما قبلها "جاهلية"، والحقيقة استحواذا نصيًا –ادعاءً- فيها.  يصوغ الغزالي الرؤية الكتابية للوجود صياغة عرفانية بقوله: إن الله "كتب نسخة العالم من أوله إلى آخره في اللوح المحفوظ، ثم أخرجه إلى الوجود على وفق تلك النسخة، والعالم الذي خرج إلى الوجود بصورته تتأدى منه صورة أخرى إلى الحس و الخيال، فإن من ينظر إلى السماء و الأرض، ثم يغض بصره، يرى صورة السماء و الأرض في خياله، كأنه يشاهدها وينظر إليها، ثم يتأدى من خياله أثر إلى القلب، فيحصل فيه حقائق الأشياء التي دخلت في الحس و الخيال، والحاصل في القلب موافق للعالم الحاصل في الخيال، والحاصل في الخيال للعالم الموجود في نفسه، خارجًا من خيال الإنسان وقلبه، والعالم الموجود موافق للنسخة الموجودة في اللوح المحفوظ"، إن خط سير الخيال كوسيلة إلى الإدراك في مقولة الشيخ العلّامة، تنبثق من الرؤية الكتابية العينية للعالم في اللوح المحفوظ وتنتهي إليها، ومنطقيًا لا تتكشف بنية ذلك الإستحواذ المادي/البصري/العيني النازعة إلى السيطرة، إلا بتفكيكها سماعيًا/أذنيًا/معنويًا، أي أن تكون الرؤية شفاهية للوجود، فما هي الديناميات النفسية والتخيلية للشفاهية؟

فلكي نعرف ماالرؤية الشفاهية للوجود، وما طبيعة بنية تلك الرؤية علينا أن نتأمل الصوت من حيث هو صوت خالص، إن كل الإحساسات تحدث في الزمن ولكن للصوت علاقة خاصة بالزمن تختلف من حيث هي عن المادة في علاقتها بالزمن وكذلك مختلف الإحساسات في سجل الإنسانية. ذلك أن الصوت لا يوجد إلا عندما يكون في طريقه إلى انعدام الوجود، إنه ببساطة ليس قابلًا للعطب فحسب، بل إنه سريع الزوال بشكل جوهري، ويتم إدراكه بهذه الصفة عينها، فعندما نقول "موسيقى"، فإنه في الوقت الذي نصل إلى الألف المقصورة في نهاية الكلمة/الصوت فإن "الميم" في بادئ اللفظ، تكون قد فنت.  وهو مايختلف جذريًا في شأن الكتابة والحرف، ذلك أن الحرف/الكلمة يهزمه الزمن، وبالتالي يميل للارتباط بالسلطة والسيطرة، وهندسة الوجود، تمامًا كفكرة الصورة الفوتوغرافية، فالصورة التي تضم مشهدًا فاجعًا تسيطر على المعنى، فبرغم فجاعته وألمه، إلا أن الرائي لا يمكنه إلا أن يجير المعنى لسطوة الصورة التي يثبتها الزمن، فيقول صورة جميلة، برغم فجاعتها، الصوت يقاوم الثتبيت في الزمن، ومع أن كل الإحساسات البشرية تقع في الزمن، إلا أن الصوت هو الإحساس الوحيد الذي يعجز الزمن عن تثبيته، وبالتالي فهو أكثر حرية ومقاومة للسلطة التي تدعي أن الزمن و الوجود و القيمة تبدأ منها وفيها.
فـ"مع أن الكلمة موقعها القول، إلا أن الكتابة سجنتها في حقل البصر للأبد"، الشخص الكتابي لايمكنه إدراك ماتعنيه الكلمة كاملة للأذن" والذائقة، فزمانها خاضع للقلم/الكاتب/السلطة، وبالتالي فهي تشكل وعي وإدراك المتلقي لها. وبالذات إذا تذكرنا أن أقدم الوثائق المكتوبة تاريخيًا عمرها أقل من ثلث عمر أقدم الحضارات الإنسانية، مما يجعل ثلثي الفترة الإنسانية الماقبل كتابية سماعية، إلا أن السرد التاريخي الإناسي (أنثروبولوجيا) يؤرخ بالكتابة لا بالسماع. النظر يفصلنا عن العالم، بينما توحدنا الحواس الأخرى جميعًا مع غيرنا والعالم، فلنقارن فكرة الاستماع لموسيقى شعب أو تذوق طعامه مع فكرة القراءة عنه، أو رؤيته في برنامج وثائقي.

يقول الناقد الموسيقي الإنجليزي نيك كولمان في مقالة له في صحيفة الغارديان: "أتصور أنك إذا كنت تحب الموسيقى على كل حال فسيكون لديها، في رأسك نوع من البعد الثالث، وهو بعد يقترح الحجم بالإضافة إلى السطح، وعمق الحق بالإضافة إلى الجوهر. متحدثًا عن نفسي فقد إعتدت أن أسمع أبنية متى ما سمعت الموسيقى، أشكالًا ثلاثية الأبعاد من المادة المعمارية والتوتر. لم أر هذه الأبنية بطريقة الحس المتزامن الكلاسيكية بقدر ما أحسست بها في مركز العاطفة في الدماغ، (...) كانت الموسيقى بالنسبة لي دومًا وعاءً جميلًا ثلاثي الأبعاد، (أن الأكيد تمامًا أن فن العمارة ]نميل لتسميتها "فن المكان"[ هذا يتعلق تماما بالسيطرة العاطفية للموسيقى" أي الصوت في الشفاهة، يقول الموسيقي دانييل ليفيتين: عندما نستمع للموسيقى "نحن ندرك خصائص وأبعاد متعددة" من بينها النغمة ودرجتها والجرس، والعلو وسرعة الإيقاع والأهم الموقع الفضائي/المكاني، لعل لهذا تحديدًا كان كل ما يلزم للخلق هو الكلام: "كن فيكون" وليس "أنظر فيكون"، وأول النص المقدس/القرآن أن إقرأ ، لا أكتب .

فللخلق صوت، وللحياة صوت، وللموت والفناء صمت.





ثانيًا: الصوت وميتافيزيقيا المعنى:

 الكتابة في الثقافة العربية- الإسلامية، في حرم النص الديني القرآني المقدس، بُنيت على مفهوم أن الكلام معنى ولفظًا هو "كلام الله المعجر"، وبالتالي انسجن المعنى في الكلمة، وزاد من قيده، معجزة القول و البناء النصي، أن تحدى مؤسسة الكلمة والكلام معًا. وعلى عكس ما قد يظهر ذلك داعمًا لسلطة الكتابة، بات هادمًا لها جاعلًا الكلمة صنمًا. 

أورد أبو الحسن الأشعري تعريفًا للكلام، بأنه "المعنى قائم في النفس"، ولما كان القرآن كلام الله، فهو إذن معنى قائم بنفسه، و"الكتابة رسوم تدل عليه، وليس بموجود معها"، و لأن الله قال على لسان نبيه الأعظم: "لا تسبوا الدهر فأنا الدهر"، فكان إبقاء المعنى في الصوت/الموسيقى/الشفاهة هو حالة الإطلاق الوجودي والتمام وتلك خاصية الألوهة إذ تستحوذ الزمان وتهزمه في آن، ونظرًا لأن الصوت هو الوحيد الذي لا يثبته/يوقفه الزمن -كما ذكرنا-، ولأن الله حيٌ باقٍ لا يموت كخاصية من الألوهة، والموت إفناء/توقف/تثبيت في الزمن، فإن المعنى باقٍ لا يموت بالصوت/الإيقاع لا بالكلمة/الحرف، أي باللحن والموسيقى وليس بالكلمة. وكما يؤكد القلقشبندي أن الكتابة تعمل على "تقييد الألفاظ بالرسوم الخطية"، لأن "مادتها الألفاظ"، ومنه كان النص قادرًا على حمل تأويلات زمانية متعددة، وانفتاحًا ثقافيًا دراميًا متغيرًا.

يقول حجة الإسلام الغزالي: "اعلم أن كل من طلب المعاني من الألفاظ ضاع وهلك، وكان كمن استدبر المغرب وهو يطلبه. ومن قرر المعاني أولًا في عقله، ثم أتبع المعاني الألفاظ، فقد اهتدى. فلنقرر المعاني، فنقول: الشيء في الوجود أربع مراتب: الأولى حقيقته في نفسه، الثانية ثبوت مثال حقيقته في الذهن، وهو الذي يُعبر عنه بالعلم، الثالثة تأليف صوت بحروف تدل عليه، وهو العبارة الدالة على المثال الذي في النفس، الرابعة تأليف رقوم تُدرك بحاسة البصر دالة على اللفظ، وهو الكتابة؛ فالكتابة تبع للفظ إذ تدل عليه، واللفظ تبع للعلم إذ يدل عليه، والعلم تبع للمعلوم إذ يطابقه ويوافقه. هذه الأربعة متطابقة متوازية، إلا أن الأولين وجودان حقيقيان لا يختلفان بالأعصار والأمم، والأخيرين وهما اللفظ و الكتابة، يختلفان بالأعصار و الأمم، لأنهما موضوعان بالإختيار"، هنا لا يفصل الغزالي بين المعنى/الفكرة والرسم/الحرف، ولكنه يدفع بها إلى مرحلة وسيطة بين متغيرين هما الفظ صوتًا/شفاهة والكتابة/مادةً، وهو ما يجعل للكلام والنص، قدرة على احتمال شحنة عاطفية درامية في القراءة القرانية، لها القدرة على التناسب و الحوار مع الحاضنة الثقافية، بل ومقاومة المنظومة الأصولية والقمعية فيها، يحضرنا هاهنا  نموذجًا لصراع الأصوات/الإيقاعات/الشفاهات وأثره في تشكيل الثقافة الدينية وتنويعاتها الطائفية حاليًا، وبالذات إذا استندت على المادة/البترودولار، وهو الصراع بين تلاوة الخليج العربي الصحراوية، التي نشأت في حاضنة أصولية وهي الوهابية، مستمدة أصوليتها من جغرافيا الصحراء القاسية الممتدة على استقامة الترحال لا الانتماء، شحيحة الجمال والموارد، لا امتدادا فيها للون والدراما، فحولية المنطق في عامّها وخاصّها؛ وقراءة الشام والشمال الأفريقي والمغرب العربي التي اتخذت من جغرافيا الجبال والينابيع و البحر والأنهر هدأتها وديمومتها وامتداداتها في المكان السماعي والمادي، و صولًا لمقاماتها العربية التي بلغت حيويتها أن ترآت لنفسها في الفلامنكو حتى بعد انهيار الحكم العربي في الأندلس. (ولعل الشيخ محمد عمران والشيخ محمود الشحات والشيخ مصطفى  اسماعيل والشيخ أحمد نعينع والشيخ ابن عامر والشيخ محمد إيدير، والمقرئات السيدات الشيخة مبروكة، وسكينة حسن، وصولًا  للنموذج الفقير أم كلثوم، وغير هؤلاء جميعًا، هم/ن غيض من فيض)، هذا الاتساع الدرامي للصوت أمكنه أن يستمر ويبقى و يقاوم ويتجدد مع التيارات الفكرية والوجودية التي مرت بها الإنسانية ككل، فكان أن اتسعت لتتماهى مع المدرسة التفكيكية المابعد حداثية، التي تستدعي نماذج متشظية فنيًا ووجوديًا، وتسبغ عليها جمالية ما، كنموذج "محسن نامجو" بعنوان "قرآن" (أنظر الروابط، المرفقة)، والذي له ما له وعليه ما عليه، وأيًا كانت نظرتنا وتقييمنا الموسيقي له، إلا أنه استطاع بناء نموذج تفيكي مابعد حداثي قادر على نقل شحنة درامية، مستخدما قراءة قرآنية شمال إفريقية، دامجًا إياها مع نص شعري، لم يتأتى اختياره عبثًا، فالكلمات ليست كالكلمات، والرقص حالة وجودية اجتماعية، لكلمات تنظم العلاقة بين الذات و الأنا بتنوعاتها: قامع ومقموع، ذكر وأنا، ذات وآخر، وغير ذلك.

وبالعودة للشيخ الأكبر ابن عربي، كما بدأنا منه مدينيين له بإشراقاتنا في ظله، هاهو يضيء لنا الشرح الإلهي بمواصلة حديثه عن قراءته الكاشفة لا الحاجبة، على لسان الإله الحق: "فالذي ينبغي له (هو) أن يصغي إليّ، ويخلي سمعه لكلامي، حتى أكون أنا في تلك التلاوة. كما تلوت عليه وأسمعته – أكون، أنا الذي أشرح له كلامي، وأترجم له عن معناه. فتلك "مسامرتي" معه. فيأخذ العلم مني: لا من فكره واعتباره. فلا يبالي العارف المحقق بذِكر جنة، ولا نار، ولا حساب، ولا عرض، ولا دنيا، ولا آخرة!  فإنه ما نظرها بعقله. ولا بحث عن الآية بفكره، وإنما "ألقى السمع" لما أقول، وهو "شهيد"، حاضر معي أتولى تعليمه بنفسي، فإنه مني سمع القرآن، ومني سمع شرحه وتفسير معانيه"، تلك القراءة المرجحة الكاشفة على تلك الحاجبة، خاصة بطبقة من أهل الليل، هي طبقة أقطاب أهل الليل "أصحاب المعاني المجردة، عن المواد المحسوسة والخيالية، فهم الواقفون مع الحق بالحق على الحق، من غير وجود ضد".

هكذا تعلم آدم "الأسماء" كلها، وليس "الكلمات" كلها، ولنا في حي بن يقظان إذ يتعلم المعنى لا الحرف، ألف طريق للإله الأعلى. 

رشيدة المدني..."حكايات الرأس المقطوع"

أكتوبر 26, 2019 اضف تعليق
ترجمة مبارك وساط


مقتطف من نَصٍّ شعريّ طويل
(بعنوان: الحكاية الثانية، وهو ضمن
كتاب شعري بعنوان "حكايات الرأس المقطوع")


البحرُ لنا

البحر ينبغي أن يُشرَب

البحر برُمّته يَتّخذ مكاناً له

في كفٍّ نصفِ مَضمومة

ماذا لو شحنتَ أعماقك

باللازورد

ماذا لو دهنتَ به سحنتك؟

ماذا لو وطأتَ بقدمك البحر؟

لو تعلّمتْ يدك ملامسات المحيط؟

ماذا لو أنَّ الأمواج على جسدك؟

لو مازجتِ الطّحالب رغبتك؟

لو كان ملحٌ على جراحك؟

لو كان لدمك هيجان البحر؟

ماذا لو وُلِدْتَ فجأةً من جديد؟

لو فاجأك الضّحك؟

لو حَلّ الصّيف فجأةً؟

لو فجأةً ظهرتْ شواطئ وأغنيات طفولتك؟

لو أنك فجأةً ترى بعينيك الاثنتين؟

لو أنك تسمع بكلتا أذنيك صُراخَ كلّ الأفواه؟

وماذا لو أنّك فجأة وقفتَ؟

لو أنّك فجأةً أيضا طفقتَ تقول

لا؟

-------------------------------------
رشيدة المدني: شاعرة مغربية فرنكوفونية، مولودة بطنجة سنة 1951. وقد كتبت الرواية أيضاً. القصيدة أعلاه هي من كتابها الشعري: "حكايات الرأس المقطوع".