المَربوء... ليونارد كوهن

سبتمبر 29, 2019 اضف تعليق

ترجمة ريم غنايم.

لأنك لن تدمّر حياتك. لا يمكنك أن تتنفّس. خشية أن تتشرّد. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك صرتَ تعبد الوقت. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنّك لن تحظى بالجميلة يومًا. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لن تبحر إلى الميناء الصغير وتدخل القرية. لا يمكنك أن تتنفّس. لأن حزنك لن يعود إلى أصله. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك تؤمن أنه ما كان عليك أن تكون بعيدًا جدًا. لا يمكنك أن تتنفّس. لأن هذا هو وادي ظل الموت. لا يمكنك أن تتنفّس. حملك القارب إلى هنا. خَتمَت الفراشة فرارَك. لأنك لا تقوى على أن تكون هنا. لا يمكنك أن تتنفّس. تحطّمت الفراشة في صينيّة فضيّة وختمت فرارَك مثل حجرٍ تدحرجَ في نفق. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لا تُبصر الآتي. لا يمكنك أن تتنفّس. لأن هذا العالم لكَ وليس لك. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك ترتاح، لأنك تكافح، لأنك لا تعمل. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك تجعل العالم يحول بيني وبينك. لا يمكنك أن تتنفّس. لهَجسٍ بالنّفس السّاكن. لا يمكنك أن تتنفّس. هنا لديهم أشجار البرتقال والليمون. هنا ثمّة حماماتُ مياه معدنية. لأنك تريد أن تختار طريقًا. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنّك تجد لغة لترحّب بي. لا يمكنك أن تتنفّس. تتلألأ الشمس في أرجاء المياه الزرقاء. الشاطئ الحجريّ يغسله البحر. ستائر صفراء تُمتص مقابل الكوى. المروحة ترغب في أن يخلد الجميع إلى النوم. تفصلُ نفسك عن امرأة مجهولة بسترة خضراء. لشغفك بالغَلبة. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لن تخاطبني مثل نظير. لأنك أوصيتَ الحراس بأن يوصدوا الأبواب ويسلبوا النّفَس. لأن العالم مدموغٌ بالنّظام، مثل ختمٍ بشمع ممسوخٍ. لأن لك إله عدل. لأن العدل فوريّ ولا تشوبه شائبة. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لا تستطيع أن تصون انفصالك. لأنّ غربتك مهزومة. لأنك تسحب أنفاسك عبر قناع من العفة. لأنك تبعث إلى الموضوعية سترتها الخضراء، الجُزر المتوهّجة، المسافة التي تفصلك عن الحب، وجلّ مأزقك اللاهث. لا يمكنك أن تتنفّس

شارون أولدز/ موتُ مارلين مونرو

سبتمبر 29, 2019 اضف تعليق

ترجمة: ريم غايم
لمَس رجالُ الإسعافِ جسدَها

الباردَ، حَملوه، ثقيلاً كالحَديد،

على النّقالة، حاولوا سدّ

الفم، أغلقوا عَينيها، أوثقوا

الذراعَين بالطّرفين، أزاحوا جديلةً

عالقة، وكأنّ للأمرِ أهميّةً،

رأَوا هيئةَ نهدَيها، سطّحَتهما

الجاذبيّة، من تحت الملاءة

حَملوها، كما لو كانت هيَ هيَ،

نازلينَ الدّرج.

لم يَعُد هؤلاء الرجال كما كانوا. خرجوا بعدها، كَعادتهم،

ليتناولوا مشروبًا أو اثنين، لكنّ عيونهم عجزت

عن التلاقي.

تغيّرت حيواتُهم-

واحدٌ راوَدتهُ كوابيسُ،

آلامٌ غريبة، عنّةٌ، وسويداء. وواحدٌ نفرَ

من عمله، بدَت زوجته مغايرةً، شأنَ أولاده. حتّى الموت

بدا مغايرًا في عينيه— مكانًا تنتظره فيه،

وواحدٌ وَجَدَ نفسَه يقف ليلاً عند مدخل حجرة نومٍ، يصغي

إلى نفَسِ امرأة، مجرّد امرأةٍ عاديّة

تتنفّس.

يبتهجون لموت شاعر عظيم

سبتمبر 24, 2019 اضف تعليق

علوان حسين

شعوب العالم بأجمعها تفخر بمبدعيها , تـُقيم ُ لهم النصب وتجعل من منازلهم الشخصية متاحف وتـُشيد ُ لهم التماثيل تباهي بهم الأمم . لماذا نحن من دون باقي شعوب العالم نحاول التقليل من أهمية مبدعينا الذين تركوا بصمة ً لا تمحى وتأثيرا ً على الأجيال كما نفعل مع الشاعر العظيم سعدي يوسف ؟ سعدي يوسف شاعر اشكالي هو أحد أهم الشعراء الرواد في اللغة العربية . محمود درويش الشاعر العربي الكبير كان أحد المتأثرين بشعره كان يقول حينما أقرأ لسعدي يوسف أشعر بأن الشعر في خير . تـُرجم شعره لمعظم اللغات الحية حتى الصين البعيدة ترجمت شعر سعدي يوسف ورُشح لنيل جائزة نوبل والأهم من كل هذا يعد شعره منجزا ابداعيا ً مهما ً يؤرخ لمرحلة أو حقبة طويلة من تاريخ الشعب بكل تحولاته الاجتماعية والسياسية من حيث كونه مرآة حقيقية تعكس موقف الشاعر من الأحداث التي مر ّ بها الشعب العراقي ومواقفه النضالية بالضد من الأنظمة الفاشية هو المعارض الأزلي والمنفي قسريا ً من بلاده حيث عاش المنفى بكل غربته واغترابه بعيدا ً عن سماء الوطن . العلاقة بين الشاعر والجمهور ليست متسقة دوما السبب منوط باختلاف الوعي والحساسية ونضج التجربة مابين الشاعر والإنسان البسيط , الأفكار والمواقف التي تصدر من الشاعر تكون أحيانا ً ملتبسة أو غير مفهومة ٍ لكثيرين منا وهنا نقع في سوء الفهم وتتعمق المسافة مابين الشاعر وجمهوره خصوصا ً في الأوقات الملتبسة كالموقف من الأحتلال البعض يسميه تحرير أو الموقف من نظام ما بعد سقوط بغداد وتفاصيل أخرى كثيرة . لاشك أن من حق شاعر بقامة وأهمية سعدي يوسف أن تكون له رؤاه وأفكاره ونرجسيته اذا طلب الأمر مما يجري في بلاده والعالم , الذين مجدوا وطبلوا لحروب صدام والذين كتبوا ولو حرفا ً واحدا ً تمجيدا ً لشخص الدكتاتور أو لرموز الفساد في الحكومة الحالية لا يحق له توجيه سهام النقد لشاعر كرس شعره وحياته من أجل شعبه معارضا ً جذريا ً شرسا ً للدكتاتورية والأنظمة الفاشية في العراق . للذين وصفوا الشاعر بالخرف والطائفية وتمنوا له الموت شامتين أقول أنتم الفقراء الناس الجوف القاصرين عن تذوق الجمال وفهمه والمعطوبين أخلاقيا ً قساة القلوب لقد تصحرت أرواحكم حتى تمنيتم الموت لشاعر كرس حياته وشعره لكم وعنكم وكان صوت المقهورين والحالمين وضمير أمة ٍ من حقها أن تفخر بوجود شاعر حي يقظ الضمير شاعر لا يقل أهمية عن بابلو نيرودا وغارسيا لوركا ومايكوفسكي وناظم حكمت ومن حقه علينا أن يُدرس شعره ويحتفى به وبمنجزه كما يليق بشاعر عظيم .

في ما لا يصلح له المجاز

في ما لا يصلح له المجاز

سبتمبر 24, 2019 اضف تعليق


 
عمر قدور
«قلَّ الرجال إلى حدِّ لغيرك ما... أشرتُ يوماً إذا ناديتُ: يا رجلُ»

هذا البيت من قصيدة طويلة للراحل جوزيف حرب، ألقاها في القرداحة مؤبّناً حافظ الأسد في أربعينه، حيث لم ينسَ أن يعرج فيها على الإبن البكر باسل الذي كان قد رحل قبل سنوات، وأن يختمها بمديح الإبن الذي كان حينها يتهيأ لاستلام الحكم بأبيات يقول في أحدها: واصعد بشعبك للآتي وأنت كمن... إلى الينابيع بالأشجار يرتحل. جدير بالذكر أن جوزيف حرب نال على موقفه هذا وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة بعد عشر سنوات، أي للمصادفة قبل الثورة السورية بأقل من ثلاثة أشهر، ولم يبدر عنه بعد الثورة ما ينبئ بتغير في موقفه إزاء الحكم في سوريا، الموقف الذي لم تغير فيه ممارسات نظام الوصاية في بلده الأم.

رحل جوزيف حرب، وقد يرى الكثيرون أنه ليس من اللائق الآن نبش مواقفه السياسية أو المآخذ عليها، وربما يكون من سوء الحظ أن يرحل في وقت يشهد هذا الاصطفاف الحاد، وأن لا يتمكن الكثير من السوريين من نسيان المواقف المؤلمة لهم، المواقف المتأتية من شعراء رددوا قصائدهم المغنّاة، أو من شعراء آخرين لطالما ترددت في قصائدهم المجازات المضادة للقهر وللتهميش والإلغاء. جوزيف حرب ليس استثناء كما نعلم، طلال حيدر في تلك الأثناء ساق المبالغة إلى منتهاها فأبّن باسل الأسد في قصيدة يقول في جزء منها: بيشبه أهل بيت النبي.. معصوم ع الميلين.. بتخمنو هلق إجا.. وبتخمنو بعدين. وفيما بعد أبّن حافظ الأسد في قصيدة يقول فيها: شفت الأسد.. بإيده عم يودع عالدنيي السما.. وحوله ملايكة السما تهدّي الجموع. وفي مكان آخر من القصيدة: لما الأسد بينام.. بتتيتم الأيام.. بتقرا ع حالا الفاتحة.. بتقلك عليك السلام.. طلع الصبح لابس سواد الليل ع أسده.. حنوا الدني بشار.. حمل الحزن عن بلده.

مع ذلك، وليس فقط لأننا الآن في زمن من الاصطفاف الحاد، يحضر السؤال عما يدفع شعراء معاصرين إلى مديح الحكام، شعراء يدّعي جلّهم الانتماء إلى الحداثة الشعرية والحداثة العامة لكنهم يظهرون في مدائحهم كأنهم قادمون للتو من بلاط الخليفة أو السلطان؟ يزيد من هول المفارقة أن يستمد هؤلاء مخزونهم من أزمان كان الحكام يؤلّهون فيها، أو يُنظر فيها إليهم ككائنات نصف بشرية ونصف سماوية، فجوزيف حرب يقول في قصيدته الآنفة الذكر: إن كان من رسل لله قد ختموا... فالأرض أيضاً لها من أهلها رسلُ. أما طلال حيدر فمنح العصمة لباسل، ثم أتى بالملائكة لتهدئة الجموع الثكلى بحافظ الأسد! قد نقول إن فائض المحبة يأتي بمبالغات غير مقصودة تماماً، نرى ذلك بخاصة في قصائد الغزل، ولكن عندما ترفع المعاني من شأن الحاكم وتقلل من شأن المحكومين ألا يذكر هذا بأولئك الشبيحة الذين ظهروا في التسجيلات المسربة يرغمون المعتقلين على السجود لصورة بشار وعلى القول إنه ربهم؟

يُسجّل لشعراء كجوزيف حرب وطلال حيدر وضوحهم مقارنة بشعراء آخرين اختبأوا خلف المجازات ليخفوا مواقفهم الحقيقية التي لا تمت بصلة لنصوصهم؛ شعراء حداثيون «بحق» رفعوا راية التغيير، وتناولوا ما اعتبروه من المحرمات، ولكن ما أن نزل الناس محتجين إلى الشوارع حتى اصطفوا مع الحاكم وتنكروا لأطروحاتهم السابقة. البعض منهم لم يتنكر لها، ووجد العزاء بالقول إن «الجموع» الثائرة التي كان يقصدها ليست هؤلاء الرعاع الجهلة الذين قاموا بثورتهم الآن. من غير المهم هنا مناقشتهم بالقول إن الزنوج، في ثورتهم التي دافعوا عنها فيما مضى، لم يكونوا خريجي أوكسفورد مثلاً، وحتى الذين قاموا بمثالهم «الثورة الفرنسية» التي وصفها كثيرون بثورة الرعاع؛ هؤلاء لم يكونوا خريجي السوربون. ما يهمنا في هذا الصدد هو استخدام المقولات كعدة ثقافية ليس إلا؛ قضايا مثل الحريات والحداثة والتقدم كانت فيما مضى معياراً للانتماء إلى الجو الثقافي، أو بالأحرى معياراً للانتماء إلى النخبة، ويمكن المغامرة بالقول إن الثقافة كانت لمدة طويلة لدى الكثيرين مشروع صعود بالمعنى الاجتماعي الضيق للكلمة، فلا هي مشروع ثقافي شخصي، ولا هي مشروع ثقافي أكثر عمومية. وعلى الرغم من أن الصعود الاجتماعي ليس معيباً في حد ذاته، إلا أن أداته هنا لم تكن قائمة على المنجز الشخصي، بل على تمثل ثقافة النخبة الثقافية وتوسل الانضمام إليها.

هكذا كانت المجازات ملائمة تماماً لأنها جسر بين ما يتطلع إليه المثقف من مكانة وبين الثمن الذي لا يود دفعه لقاء ذلك. عادة، يوصف المجاز بأنه جسر بين معنَيَيْن، وفي تلك المسافة الفاصلة بينهما يكمن جماله حيث لا يكون على هيئة المعنى الأول تماماً، ولا على هيئة المعنى الثاني تماماً. يحتمل المجاز الوقوعَ في الحيرة والتردد والشكّ، مثلما يحتمل الإحالة القاطعة إلى طرف من طرفيه، لكنه يبقى أقرب إلى الاحتمال الأول ففيه يتحقق، وعندما ينحاز كلياً إلى أحد الجهتين يكون قد فقد وظيفته الأساسية. وإذا كان المجاز من أعمدة الفن الرئيسية فهو يفقد قيمته سريعاً في عالم السياسة، ويفقدها بخاصة في اللحظات التاريخية الحاسمة، في لحظات القطيعة التي لا تقبل جسراً بين معنى آفل ومعنى قادم. هنا، في الموقف السياسي المباشر، لا بد للشاعر أن يتخلص من مجازاته التي لم تعد تنفع كعدّة، أو على الأقل لا بد له من اعتزال اللحظة الراهنة ليحافظ على قدر من الالتباس في نصوصه. الخيار الثاني ليس سهلاً كما يجري تصوره، فالكثير من الشعراء يعزّ عليهم البقاء خارج دائرة الاهتمام الحالية، ولأنهم لا يقدرون على الانتماء إلى الجموع التي سعوا طويلاً إلى الخروج منها، لأنهم بهذا المعنى لا يقدرون على التخلي عن نخبويتهم المكتسبة، فليس أمامهم سوى الانحياز إلى السلطة القائمة بوصفها مكافئاً لسلطتهم الثقافية، وليس أمامهم سوى الخوف من السلطة القادمة لأنها غير مضمونة أولاً، ولأنها تالياً قد تخلخل من طبيعة «الناموس» الثقافي السائد.

يجدر بالحديث عن الموقف السياسي للراحل جوزيف حرب أن يفتح النقاش على عموم العلاقة بين المثقف والسلطة؛ السلطة بمعناها المتعدد والمتشعب، وبمعنى أن فروعها المتعدد تتآزر لتصنع نظاماً. ذلك بدوره يقتضي تفحص النص الذي كان سائداً، لا بغرض الكشف عن النفاق أو الكذب «فهذه مسألة أخلاقية» وإنما بغرض التدقيق في مدى مواءمته الكلية للنظام السائد، وفي مدى انسجامه مع ادّعاءات الحداثة التي حملها النظام القديم ككل. مثل هذه المساءلة هي التي تمنع إعادة إنتاج النظام نفسه ثانية، وتحبط محاولات النظام القديم الهيمنة على المستقبل بالبنى الأساسية ذاتها بعد تغيير بسيط في توجهاتها السياسية المباشرة. أما على الصعيد الشخصي فقد يكون أفضل تكريم لكاتب راحل أن يُعدّ رحيله مناسبة لمساءلة فعل الكتابة، وأن يجري تخليصه من عيوب نصوصه وعثراتها، ومن ثم الاحتفاظ له بقيمته الحقيقية المجردة عن أغراضه الشخصية. بالتأكيد الذين يُسقطون على الحقل النقدي مقولة «اذكروا حسنات أمواتكم» لن يفهموا ذلك، ومن غير المستبعد أنهم يفكرون في آخرتهم أكثر مما يفكرون في يومنا هذا.

هؤلاء الذين يحلمون بالشِّعر

سبتمبر 23, 2019 اضف تعليق
 ترجمة: يارا المصري

هؤلاء الذين يحلمون بالشِّعر


قصائد للشاعر الصيني: غي ماي

التقديم والترجمة عن الصينية: يارا المصري



حَسَنٌ، الآن أتقبلُ فشلي التام

وزجاجات النبيذ الفارغة والبيضات ذات الثقوب الصغيرة

حَسَنٌ، بإمكاني الآن أن أنجزَ انهياراً آخر مهماً

فلأنجزه، هذه المرَّة، إنجازاً مثالياً



أمَّا عن خمرنا والمسودات الجافة

والحب، التصرفات، البصاق، والطموحات العالية

بإمكاني أن أغليهم في قِدر

وأقدمه لك، يا مَن تتوق إلى انهياري التام.

غي ماي ـ من قصيدة “العهد”  



وُلِد الشاعر غي مان عام 1967 في مقاطعة هيلونغ جيانغ، والتحق بقسم اللغة الصينية ـ جامعة بكين عام 1985، ووزع عام 1989 للعمل في مجلة “أدب الصين” التي كانت تصدر آنذاك، وبدأ محاولات كتابة الشعر حين التحق بالجامعة. ورغم أن تجربته الشعرية لم تدم إلَّا ست سنوات، إلَّا أنه ترك إنتاجاً شعرياً وضعه بين شعراءِ جيله المميزين، وفي مكانةٍ بارزةٍ في الشعر الصيني المعاصر.

وفي الرابع من سبتمبر عام 1991 انتحر غرقاً في نهر وان تشوان في ضواحي بكين الغربية، وكان عمره 24 عاماً، لينضم كذلك إلى الشعراء المنتحرين من جيله كالشاعر الصيني خاي زي.

كتب الشاعر شي تشوان عن رحيل أصدقائه بما فيهم خاي زي ولُوه يي خي وغي ماي قائلاً:

“كيف بإمكاننا التخلص من أثقال الروح؟ ورغم أننا لا نستطيع التحرر منها كلياً، كيف يمكننا أن ننعم بشيء من الطمأنينة ونحن نسير في دربنا، بدون أن نلتفت بين حين وآخر، متأملين بقلق، تلك الأرواح التي تتبعنا؟ ورغم أنني كتبتُ عن الراحلين الكثير من القصائد والمقالات لتخليد ذكراهم، لكنني لم أتمكن من محو ما تركوا في من كآبةٍ وحزنٍ بالكلمات.

إنَّ حفظ ذكرى ما أمرٌ أخلاقيٌّ ونابع من الضمير، لكن ليس بإمكاني إنكار أن الموت يخترقُ رأسي، ويخترقُ ظهري كقشعريرة باردة، يأتي في حلمي كتجلي الرعب. لقد حلمتُ من قبل أنني أسير في درب ضيق في وادي جبل تتناثر فيه أوراق شجر متساقطة، يفضى إلى منزل مهجور خالٍ من البشر، وكل شيء داخله أزرق اللون؛ جدران زُرق، أرضية زرقاء، كراسي وطاولة زرقاء، أكواب شاي زُرق، تبعث فيك إحساساً ما بالبرودة، ثم رُفِعت الستائر الزُرق فجأة! لم يكن ذلك شغبَ عفاريت، بل كان الصمت، الخواء، وجهَ الموت الحقيقي.”









الذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعد موتِهم



الَّذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعد موتِهم… أناسٌ غيرُ محظوظين

هم ملائكةٌ بأرديةٍ بيْض مقطوعةٌ رؤوسُها

تسيرُ بكآبةٍ رائحةً غاديةً في الدربِ الضيِّقِ الذي يُفضي إلى الدير

تُغنِّي بصوتٍ خفيضٍ… صوتٍ يصلُ إلى آذانِ الغربانِ الصغيرة

الساكنةِ أسفلِ إفريزِ الباغودا



والماعزُ الأسودُ الحالمُ بالروثِ في طريقِه

يمكنه أن يلمحَ أشجارِ الحورِ الكثيفة. أمَّا أنا

فأكون سوطاً شرساً

يجلدُ تلك التخيلاتِ الملعونةَ بالموت

هذا عَلَم… عتمةٌ تخفق



بعد الموت، من بإمكانه أن يرى الشمسَ مجدداً؟ والحياة

بديلٌ مهيب… انْتَظَرَ طويلاً

عيناه معبأتان بصوفٍ بُنِّي

باستطاعتِه أن يصيرَ نجوماً في سماءٍ ليلة

بعد موتِنا لن نستطيع رؤيةَ الشراراتِ المنبعثةِ من حِمم اللافا



بعد موتِنا لن يمكننا أن نحلمَ بهؤلاءِ الذين يحلمون بالشعر

وكأنَّ الأمرَ أشبه بزجاجةٍ سحريةٍ ذاتِ مدخلٍ مُحبَّبٍ إلى النفس

تدفعنا الهوامُ والبذورُ نصفَ المشقوقة

إلى الحُلمِ بالشِّعر… أمَّا في كلماتٍ القصائدِ الكئيبة

ثمةَ هناك الذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعدَ موتهم.





شخص



شخصٌ يحيا في لغتِه

شخصٌ يحيا في مياهِه



شخصٌ يحيا في ضوءِ النجومِ الساطع

شخصٌ يحيا في قلوبٍ طيبةٍ لأشخاصٍ آخرين



بَسَطتُ شباكَ الحكمةِ في الطريقِ لأحبائي

وبالطبع يمكنني الحصولَ على طعامٍ رخيص



لكن إذ أسكبُ اليودَ الحلوَ على كُمِّي

يتهادى من بعيدٍ بحرُ دموع.





إذ أُرافقُ صديقاً إلى الكنيسة



ثمةَ ثلاثُ حيواتٍ لم تختبرها بعد

ثمةَ ثلاثةُ طيورِ سنونو أمسكتُ بها في حجرتِك

ثمةَ ثلاثةُ معتقداتٍ حفرتُها في الشجرة

ثمةَ ثلاثةُ أنهارٍ لم يطأها إلَّا طرفُ قدمِك



ثمةَ ثلاثةُ مراسمَ تُعقَد قربك

ثمةَ ثلاثةُ أزمنةٍ تعبرها في حُلمِك

ثمةَ ثلاثةُ قناديلَ أخمدتها الريحُ في حُجرتِك

ثمةَ ثلاثُ نوافذَ تُفتَحُ وتُغلقُ في حياتِك



ثمةَ ثلاثُمائةِ خيطِ ضوءٍ، تُفضي إلى دربِ الرب

ثمةَ ثلاثةُ آلافِ حجرٍ، هي زهورٌ خفيةٌ عن أعين الناس

ثمةَ ثلاثونَ ألفَ سهمٍ، تشيرُ إلى وجهةِ الموت

ثمةَ ثلاثُمائةِ مليونَ سفينةٍ، غرقت واحدةٌ تلو الأخرى يومَ ولادتِك



ما يُسَمُّونَه الحبَّ ما هو إلَّا سعادة

وما يُسَمُّونَه الألمَ ما هو إلَّا خطأ





الحَدّ



أن أرى نفسي كتاباً، أمرٌ مستحيل

والتحليقُ مستحيل.

وأن أعيشَ داخلَ ثمرةِ جوزٍ، أمرٌ مستحيل.

وجيتارٌ ذو ثلاثةِ أوتارٍ، يُمَنِّي بسعادةٍ ناقصةٍ، أمرٌ مستحيل.

وأمرٌ مستحيلٌ أن أملأ الحقولَ بالألم.

وأن أملكَ شغفاً، أمرٌ مستحيل.

وأن أنسى الكلمات، أمرٌ مستحيل.

وأن أبقى أمرٌ مستحيل.

وأن أقضي الليلَ مع الرب، أمرٌ مستحيل.

والموتُ مستحيل.





في يومٍ ما



في يومٍ ما، سأربح العالم

في يومٍ ما، سأسترجعُ خسائري.

في يومٍ ما، لن أتوقف عن قهرِ ماضيي.

وأنتَ يا من احترمتني، لم تكن زائفاً

لذا سأجعلُ من لحمي ودمي ذهباً، وطعاماً

وأهديه إلى وقاركَ واتساعِ أفقِك

ويا من أحببتموني، إنِّي لم أخذلكم

رغم أن انتظاركَم، كان كئيباً وحائراً

فإنَّ الحقيقة ستنجلي في يومٍ ما

وسيُعَوَّضُ عن كلِّ قطرةِ عرقٍ

مُرَّة.



إلى نجمةِ الغسق



ارتفعت نجمةُ الغسقِ من الأرضِ والبحر

حيث كنتُ أقفُ أنا في نهايةِ العتمة

وأرى الغسقَ يشبه تمثالاً أبيضَ عارياً

أنا نجمةُ السماءِ الوحيدةِ اللامعة

وفي تلك اللحظةِ الحرجة

بدا وكأنَّني رأيتُ أمساً آخرَ للبشرية

حين كان ثمةَ ثلاثةُ أشياءٍ تتقاتلُ فيما بينها:

الغسقُ، الشيءُ الوحيدُ الذي يلمعُ في السماء

النجومُ، فراشُ ابنةِ الليلِ الكئيب

أنا، أنا الظلامُ الكامنُ في حياتي

وفي تلك اللحظةِ الأخيرةِ، كان باستطاعتي أن احلم

بهذه الأرضِ القاحلة، وآخرِ بذرة

بهذا الزمنِ المُعلَّق، وآخرِ صوت

وهذا العالمِ، وآخرِ ما فيه، نجمة الغسق.





نشرت في موقع جدلية يناير – 2018

أوكتافيو باث... الجرّة المكسورة

سبتمبر 22, 2019 اضف تعليق


ترجمة: ر.غ

تتفتحُ النظرة الجوانيّة على عالمٍ من لهيبٍ ودُوارٍ
يولدُ تحتَ جبينِ الحالِم:
شموسٌ زرقاءُ، أعصايرُ خضراءُ، نقراتُ ضوءٍ تفلقُ نجومًا
كالرّمان،
عبّادُ الشّمس الوَحيد، عينٌ ذهبيّةٌ تدورُ في قلب
مُنحدرٍ من الجير،
أحراشٌ من البلّور الرّنان، أحراشٌ من الرّجع والرّدود
وأمواجٌ، حوارٌ من الشفافية،
ريحٌ، خَبَبُ الماء بين الحيطانِ العالية، عنقُ
نافورة،
خيلٌ، مذنّبٌ، سهمٌ ناريّ يثقب قلبَ الليل، ريشٌ،
زبدٌ،
ريشٌ، مشاعلُ، شموعٌ، أجنحةٌ تتفتّحُ فجأةً،
غزوُ بياضٍ،
طيورُ جُزرٍ تشدو تحت جبين الحالم!

فتحتُ عينيّ، تأملتُ السّماءَ، ورأيتُ كيفَ
اكتسى الليلُ نجومًا:
جزرٌ حيّة، أساورُ من جزرٍ ملتهبة، حجارةٌ تتنفس،
تحترقُ، عناقيدُ من حجارةٍ حيّة،
وكلّ تلك النوافير والأضواء الجليّة، والفرسان البيض
فوق خيولٍ سوداء،
وذلك النّهر، وصوتُ الماءِ السّحيق يمازجُ
النّارَ، ضوءٌ قبالةَ الظّلام!
قيثاراتٌ، حدائقُ من قيثارات.

لكنّ أحدًا لم يكن معي.
خلا الصّحراء: صبّارٌ، عكّوبٌ، حجارةٌ هائلة تنفجر
تحت الشّمس.
لا صوتَ للصراصير.
رائحةُ جيرٍ طفيفة وبذورٌ محترقة،
كانت شوارعُ القرية خلجان ناضبة
ولو صَرخ أحدهم: "أمِن أحد هنا؟"
لتشظّى الهواءُ إلى ألف شظية.

فولكر شلوندورف مكرّماً في بيروت.. إنساني، ملتزم، مزعج

سبتمبر 22, 2019 اضف تعليق


محمد صبحي|الأحد22/09/2019
شارك المقال :
  • فولكر شلوندورف مكرّماً في بيروت.. إنساني، ملتزم، مزعج
    شلوندورف
  • الطبل الصفيح' وأول أوسكار لفيلم ألماني
    الطبل الصفيح' وأول أوسكار لفيلم ألماني
  • خلال تصوير 'موت بائع متجول
    خلال تصوير 'موت بائع متجول

تحتفي بيروت هذه الأيام بالمخرج الألماني الكبير فولكر شلوندورف (1939)، عبر استعادة لأربعة من أفلامه ومحاضرة يلقيها، ضمن فعاليات النسخة السادسة من أسبوع الفيلم الألماني. في السطور التالية إضاءة على بدايات شلوندورف وتحية لمسيرته السينمائية الرفيعة:

بدايةً، يصعب تصديق أن هذا المعلم الألماني بلغ الثمانين قبل شهور، إذ يبدو أصغر سناً وأصفى ذهناً مما تدّعيه سنوات العمر الطويلة خلفه. حتى أن ناقداً ألمانياً استغرب لقياه، في مناسبة بلوغه الثمانين، لابساً سترة رياضية وهو يهمّ بدخول إحدى صالات السينما لإجراء حديث صحافي، قبل أن يزيل السينمائي العجوز اللبس بقوله "لقد جئت لتوي من سباق نصف ماراثون". رجل يصعب تصنيفه أو تأطيره، حاضر الذهن وقادر على مباغتتك ببديهة سريعة، صادق وصريح، لا يزال يحمل بداخله روحاً شابة مستعدة لاستئناف الأشياء. وهو إلى ذلك، صريح ولا يضلّ حديثه في طرق التفافية، تماماً كما تتحدّث بذلك أفلامه. في مهرجان برلين عام 2017، حيث عُرض آخر أفلامه "العودة إلى مونتاوك"، أكثر أفلامه ذاتية، صرّح أنه يتناول فيه حب حياته السعيد/الفاشل، وأخطائه، واخفاقاته، وارتباكاته. الكبرياء والشكّ، الثقة بالنفس، السعي وراء العدالة والإنصاف؛ كلها ملامح تتشابك عنده بلا انفصام، على نحو لا نراه سوى في عدد قليل من الفنانين المنفتحين للحديث بصراحة عن ذلك.
Video Player


كان شلوندورف مختلفاً بعض الشيء عن باقي أقرانه ومجايليه الألمان، أبرزهم بالطبع فيرنز هيرتسوغ وفيم فيندرز، ممن تحلّقوا حول "مانفيستو أوبرهاوزن"، سواء على مستوى موضوعات أفلامه أو في انحيازه السياسي اليساري أو في اقتحامه مجال الإنتاج السينمائي لضمان استقلاليته كفنان. فالمخرج السينمائي المنحدر من جبال تانوس (شمال فرانكفورت، في  وسط غرب ألمانيا)، قادته أقدار مراهقته إلى المشاركة في برنامج لتبادل الطلاب، فذهب إلى فرنسا لإكمال دراسته الثانوية داخل مدرسة داخلية يسوعية في بريتاني، ومكث هناك عشر سنوات بدلًا من شهرين كما كان مقرّراً. في العام 1959 تخرّج في الثانوية العامة في باريس ونال شهادة البكالوريا الفرنسية (وكان من بين زملائه في الصف المخرج برتراند تافرنييه)، ثم عاد إلى باريس لدراسة العلوم السياسية، ولم يكتف بها، فنقل اهتمامه لدراسة علوم التصوير السينمائي (بناء على تشجيع آحد آباء المدرسة اليسوعية المحبين للفنون) في كلية الدراسات العليا في التصوير السينمائي في باريس، حيث تعرّف على المخرج لوي مال، فجمعتهما في السنوات اللاحقة عدة أعمال مشتركة. بالإضافة إلى مال، عمل شلوندورف مساعداً لمخرجين من أبرز روّاد "الموجة الجديدة"، هما آلان رينيه وجان بيير ميلفيل. كان لتلمذة شلوندورف على أيدي هذا الثلاثي تأثيراً حاسماً أيضاً على الحياة المستقبلية للمخرج السينمائي. فالإنسانية الهادئة لمال، ورهافة رينيه في سينماه الإنسانية العميقة، واشتغالات ميلفيل البصرية؛ تبدو أصداؤها جلية في مسار شلوندورف السينمائي اللاحق بعدما تشرّب الصنعة في سنوات تكوينه الباريسية، وتأثر بسعي من تعاون معهم من مخرجين شباب لهجر القوالب الجاهزة والاستديوهات العقيمة والنزول إلى الشارع والناس.


في عام 1960، أخرج ابن الـ 21 عاماً فيلماً قصيراً تحت اسم مستعار بعنوان "من يهتم؟"، تناول فيه حياة شاب جزائري يعيش في فرانكفورت رابطاً بينها وبين حرب فرنسا في بلده المحتل، غير أن سلطات الرقابة لم تسمح بعرض الفيلم بسبب "انحيازه ضد دولة صديقة". الانحياز للقضايا العادلة والإنسانية لن يغيب عن بال ومسيرة شلوندورف منذ سنواته الأولى، مثلما لن يسلمه ذلك من الانتقادات، كحال كل مبدع يرفع صوته في وجه كل من يريد إبقاء الحقيقة في الخفاء. وحين أراد إخراج فيلمه الطويل الأول،"تورليس الصغير"، عاد إلى ألمانيا، ووقع اختياره على باكورة أعمال الروائي االنمساوي روبرت موزيل لتكييفها سينمائياً. ظهرت الرواية عام 1906، تحت عنوان "تشوّشات تورليس الصغير"، ومن خلالها عاد المؤلف صاحب الـ 26 عاماً حينها إلى أيامه السابقة في ظل الظروف الاستبدادية السائدة في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى في معهد كاديت التعليمي العسكري. كان فولكر شلوندورف في نفس العمر تقريباً عندما اختار الرواية لفيلمه الأول، وربما استند أيضًا إلى تجاربه الخاصة في مدرسة بريتاني الداخلية. تشابهات تفيد في فهم ميل السينمائي الألماني الشاب إلى ذلك النصّ تحديداً، معطوفة على طبيعة الرحلة الصعبة التي يتعيّن على البطل خوضها للاندماج في مجتمعه.
حصد الفيلم نجاحاً باهراً، وحاز ثلاث جوائز في مهرجان الفيلم الألماني عن أفضل فيلم، وأفضل إخراج، وأفضل نصّ سينمائي، كما حصد جائزة نقاد السينما الدوليين في مهرجان كان السينمائي عام 1966. في العام التالي، ذهب شلوندورف إلى "كان" من جديد بفيلمه "دم ورعد"، كممثل وحيد لألمانيا في مسابقة المهرجان. لكنه اضطر للانتظار حتى عام 1975 ليحقق أول نجاح كبير له في بلده، مع فيلم "شرف كاترينا بلوم الضائع"، عن رواية بنفس الاسم لهاينريش بل، والذي شارك في كتابته وإنتاجه وإخراجه مع مارغريت فون تروتا (عمل معها ابتداء من فيلمه الثالث "مارك كولهاس: المتمرّد"، ثم تزوجها في العام 1971). رغم ذلك، تعرّض لهجوم الحزب الديمقراطي المسيحي وإحدى دور نشر الصحف، بسبب انتقاده (في الفيلم، كما في الرواية) أساليب عمل الصحافة الصفراء والشرطة في التصدي لليساريين، وتصويره لمقاتلات "جماعة الجيش الأحمر" (يعرف أيضاً بـ"مجموعة بادر ماينهوف") المسلحات كبطلات، وبسبب مشاركته في "صندوق المساعدة القانونية للدفاع عن السجناء السياسيين". في السنوات الثلاث التالية تعاون مع المخرج المرموق ألكسندر كلوغه في إنتاج وإخراج واحد من أفضل أفلام "السينما الألمانية الجديدة" بعنوان " ألمانيا في الخريف" تناولا فيه الأوضاع الألمانية في زمن النشاط المسلح لجماعة الجيش الأحمر، كما أخرج فيلمين يعالجان المشهد السياسي في محاولة لتقديم قراءة سياسية مناقضة لأخبار وسائل الإعلام في مشاهد تمزج بين الوثائقي والخيالي.


عن بداياته يقول شولوندورف إنه في الأسابيع الأولى بعد عودته إلى ألمانيا، تعرّف إلى المخرجين فيرنر هيرتسوغ وبيتر شاموني، لكنه وجدهما مخرجين نظريين إلى حد كبير، متأثرين بمناهج "مدرسة فرانكفورت" النقدية وعلم الاجتماع، بينما كان سعيه أن يصبح "مخرجاً عملياً". العملية التي أرادها، ربما هي ذاتها ما أثقلت شعوره بافتقار الثقة بالنفس لتناول قصص شخصية في أفلامه الأولى. وربما يكمن السبب في موت أمه المبكر المفاجئ، الذي جعله يصادق الكتب فأصبح يذهب في كل مساء إلى الفراش وفي يده كتاب، أو كما قال يوماً "إن الأدب بالنسبة له يحتل نفس الدرجة من الأهمية كالسينما". سارع إلى الأدب للعثور على ضالته، فذهب إلى موزيل وبريشت وماكس فريش ومارسيل بروست وآرثر ميلر وغونتر غراس وغيرهم.
Video Player
والحقيقة، إن شلوندورف ليس مجرد مخرج مولع باقتباس الأعمال الأدبية، كما قد تشير بسذاجة نظرة سريعة على عناوين أعماله. أفلام الأسبوع البيروتي دليل واضح على تمكُّن شلوندورف من أدواته السينمائية لتكييف الأعمال الأدبية، فهو ليس مخرجاً صنائعياً فحسب، بل خالق سينمائي يعرف كيف يصالح بين وسيطين مختلفين ويمزجهما للإتيان بشيء جديد. يتشرّب النصّ، و"يقيّفه"، ثم يضبط مقادير طبخته البصرية، كأنه يعيد كتابته للسينما، فتتم عملية الأفلمة. "تورليس الصغير" (موزيل)، و"بعل" (بريشت) و"موت بائع متجول" (ميلر)، و"دبلوماسية" (سيريل جيلي)؛ شواهد مثالية للوقوف على رحلة سينمائي وتطور أسلوبه على مدار زمني يتجاوز أربعة عقود. يمكن للمتفرج ملاحظة غوص نفسي داخل أعماق الشخصيات، اعتماداً على سرد كلاسيكي. يمكن أيضاً رؤية كيف يصير الفرد مرآة مجتمعه، تنعكس على معاناته الشخصية مفاعيل انهيار وسطه المحيط. وبالطبع، تحضر الحرب العالمية الثانية، في صدارة المشهد أو رابضة وراء أحداثه، كما في كل أعمال زملاء جيله الألمان، نشهد تأثيراتها في بنى المجتمع الألماني ومآلات أفراده المحكومون بمصير أكبر قدرتهم على دفعه. ودائماً، دائماً ثمة التزام سياسي كفيل بجعل فيلمه وثيقة على نبض عصره، مثلما هو انتصار لمبادئ الحق والعدالة والانحياز لضحايا التاريخ.


حين عُرض فيلمه الأول، "تورليس الصغير"، في مهرجان كان عام 1966، خرج الملحق الثقافي الألماني من القاعة وأعلن استيائه بصوتٍ مسموع. الآن، يبدو أن ألمانيا تريد ردّ الاعتبار للسينمائي الوحيد المتوّج بأوسكار أفضل فيلم. ناصر شلوندورف السجناء السياسيين من متطرفي اليسار في السبعينات، جالباً عليه لعنات الحزب الديمقراطي المسيحي، ثم دعم أنجيلا ميركل (مرشحة الحزب الديمقراطي المسيحي) في انتخابات 2009. إذا كان ذلك يبدو تناقضاً، فهو ليس كذلك في حالة شخص مثل شلوندورف لم يكفّ عن إحداث القلاقل أثناء رحلته في فضّ أحشاء تاريخ بلاده. صحيح أنه خرج بموضوعاته أبعد من ألمانيا، كثيراً، لكن أيضاً ما من سينمائي آخر، باستثناء كلوغه، تعامل مع التاريخ الألماني بجدية أكثر مما فعل.

في سيرته الذاتية التي صدرت قبل سنوات قليلة بعنوان "الضوء والظل والحركة"، يقول شلوندورف: "عندما سأبلغ الثمانين، يمكنني بعدها فعل ما أريد، ولا يكون على أن أثبت أي شيء". ربما حان وقت تفعيل الوعد.


(*) تعقد اليوم(22 أيلول/ الساعة الخامسة في متروبوليس أمبير صوفيل) ندوة مختصة عن الإخراج، فولكر شلوندورف، الراوي السينمائي، مع المخرج فولكر شلوندورف، يدير هذه الندوة المخرج هادي زكاك. باللغة الانكليزية. الدخول مجاني. يسبق الندوة المختصة عرض فيلم فولكر شلوندورف Circle of Deceit بنسخته المرممة الساعة الثالثة بعد الظهر. (1981، 108 دقيقة)...

(**) يقدّم معهد غوته لبنان وجمعية متروبوليس الدورة السادسة من "أسبوع الفيلم الألماني" بين 19 أيلول و1 تشرين الأول. وتتضمن 7 أفلام ألمانية حديثة الإنتاج، بالإضافة الى 5 أفلام تعرض كتحيّة تكريمية للمخرج الألماني فولكر شلوندورف بحضوره، بالإضافة الى عرض لفيلم ألماني صامت في الهواء الطلق مع عزف موسيقى حيّ ciné-concert يقام لدعم جمعية متروبوليس".

حنة أرنت مواجهة الذات مواجهة الآخر

سبتمبر 21, 2019 اضف تعليق

*د.سعد البازعي
يواجه الذين يكتبون عن المفكرة الألمانية حنة أرنت Arendt صعوبة في تصنيفها، تصر هي أنها ليست فيلسوفة رغم تخصصها في الفلسفة وتتلمذها على اثنين من أشهر الفلاسفة المعاصرين لها هما مارتن هايدغر وكارل ياسبرز وما تفيض به كتاباتها من اشتغال فلسفي مكثف، كما أنها لا ترى نفسها مؤرخة أو عالمة سياسة رغم هيمنة التاريخ والعلوم السياسية على مؤلفاتها، نظرا لأنه لا التاريخ ولا العلوم السياسية هي تخصصها. تفضل أن توصف بـ«منظّرة سياسية»، وقد يكون هذا الوصف دقيقًا فعلاً لأنه يجمع بين الرؤية الفلسفية والانشغال برصد الأحداث وتحليلها، والتنظير ضرب من الفكر دون شك وليس بمقدور أحد أن يكون منظرًا ما لم يتمكن من الفلسفة، أو فلسفة العلم الذي يتخصص فيه.
غير أن تنظير أرنت السياسي على ما فيه من عمق فلسفي واستيعاب للتاريخ والسياسة يخرج عن المألوف من حيث أنها كانت إلى جانب ذلك ناشطة سياسية تعمل وتتفاعل مع الأحداث.
انتماؤها اليهودي وحياتها في ألمانيا في خضم التطورات التي أدت إلى صعود النازية ثم الحرب العالمية الثانية والنشاط الصهيوني بعد ذلك في تأسيس إسرائيل كانت عوامل حاسمة في تشكيل رؤيتها للأحداث وما قامت به من جهود وأنتجته من أعمال ما تزال تشد الباحثين وتجعلها بتعبير غرامشي مثقفة عضوية بامتياز. ولا شك أن بعض تفاصيل حياتها الشخصية – علاقتها العاطفية بالفيلسوف الألماني هايدغر بشكل خاص – ألقت بألوان أخرى مختلفة تمامًا على سيرتها وإن لم تخل من صلة بنشاطها الفكري والسياسي. وأود في هذا المقال والذي يليه أن أسلط بعض الضوء على جوانب مهمة من نشاط أرنت على الصعيدين المشار إليها، الفكر والسياسة.
لقد اتسمت حياة حنة أرنت بالجدل، شأن كل المفكرين الذين تركوا أثرًا عميقًا في المجالات التي عملوا فيها، لكن ظروف نشاطها من حيث كونها يهودية منتمية للعمل الصهيوني في بداية نشاطها ثم معارضتها له بعد ذلك، وتأليفها في موضوعات كبيرة وحساسة مثل الهيمنة السياسية والحرية والعنف، زاد من معدل الجدل في نشاطها الفكري والعملي.
بعد دراستها للفلسفة على يد عمالقة في الفكر الألماني مثل مارتن هايدغر وكارل ياسبرز وجدت أرنت نفسها في خضم الأحداث المرعبة التي رافقت سيطرة النازية على مقاليد الأمور في ألمانيا، ومع اتساع نطاق الملاحقات النازية لليهود استطاعت أرنت الهرب إلى فرنسا. كان ذلك عام 1933، مع أن عملية هروبها لم تكن سهلة، فقد سجنت لفترة قصيرة ثم أطلق سراحها لتخرج من ألمانيا مرة أخرى.
كانت في السابعة والعشرين من عمرها (فهي من مواليد عام 1906) وأنهت رسالة الدكتوراه وهي في الرابعة والعشرين في الفلسفة، الأمر الذي يفسر اتصالها المبكر وعلاقتها بهايدغر، العلاقة التي كانت من القوة بحيث أن أرنت صدمت حين علمت بتأييده للنازيين ورفضه التراجع عن ذلك حين كتبت له ترجوه أن يؤكد أن ذلك غير صحيح. غير أن مواجهتها للنازية واضطهاد النازيين لليهود من ناحية، وعلاقتها العاطفية بمن كان مؤيدًا للنظام المضطهد لليهود، أدى إلى اهتمام مبكر بمسالتين كبريين ومتداخلتين من وجهة نظرها: النظام الشمولي، ومعاداة السامية. جاء ذلك في أولى مؤلفاتها الرئيسة وأحد أشهرها: «أسس التوتاليتارية».
يتألف كتاب «أسس التوتاليتارية» من ثلاثة أجزاء أعادت أرنت كتابة بعضها وإضافة مقدمات على مدى السنوات التي اقتضتها طبعاته المختلفة منذ نشره أواسط القرن العشرين. ويتضح للقارئ أن «معاداة السامية» التي تشكل الجزء الأول كانت المحرض الأساسي على تأمل المفكرة الألمانية اليهودية في موضوعها الرئيس، أي التوتاليتارية أو الشمولية سواء أتمثلت في الحكم النازي أو الحكم البلشفي في عهد ستالين بوجه خاص. في مقدمتها للطبعة الأولى من الكتاب، في صيف عام 1950، تتحدث أرنت عن كيفية فهم حركة التاريخ وأنها تقتضي تفاديا للتفاؤل أو التشاؤم السهلين، مثلما أنها تقتضي الاستيعاب الواعي للحقائق، الاستيعاب المؤسس على القناعة بأن ثمة ما لا يمكن استيعابه، أن التاريخ مثقل بما هو شنيع وفظيع، دون أن يؤدي ذلك إلى التخلي عن محاولة التحليل والاستيعاب. ثم تصل إلى المثال الذي يوضح ما تقصد: «بهذا المعنى يمكن مواجهة وفهم الحقيقة الفظيعة المتمثلة في أن ظاهرة صغيرة (وغير مهمة في عالم السياسة) مثل المسألة اليهودية ومعاداة السامية يمكن أن تكون عاملاً مساعدًا، أولاً، في ظهور الحركة النازية، وبعد ذلك في نشوء حرب عالمية، وأخيرًا في تأسيس مصانع الموت».
تناول أرنت لمعاداة السامية ينقلها من مستوى التفاصيل الصغيرة وغير المهمة إلى مستوى بالغ الأهمية، وأي مستوى أقل من أن تكون محرضًا على حرب عالمية.
المواجهة التي تشير إليها هي مواجهة التقليل من شأن تلك الظاهرة، المواجهة التي تنهض بها في محاججة فكرية وتاريخية عميقة وقوية.
وإذا كان التقليل من شأن الظاهرة يحتاج إلى مواجهة، فإن هناك حاجة أيضا إلى مواجهة ليس مع المبالغة في إعطاء الأهمية لتلك الظاهرة، وإنما مع من يلبسها لباسًا أسطوريًا. المقللون في الغالب من غير اليهود، ومن حججهم أن اليهود كانوا مهيمنين، في حين أن اليهود يقعون في الغالب أيضًا في الفئة الثانية، ومن حججهم أن اليهود هم الضحايا دائمًا. تفسر أرنت معاداة السامية التي كانت وراء الهولوكوست تفسيرًا علمانيًا مختصره أن اليهود عندما كانوا يملكون القوة الاقتصادية والتأثير السياسي في المجتمع كانوا محل احترام العامة التي لا ترى غضاضة في الاضطهاد طالما أن من يمارسه يمتلك التأثير الاقتصادي والسياسي، لكن اليهود فيما بعد فقدوا تأثيرهم السياسي مع احتفاظهم بالثروة مما جعلهم محل احتقار ورفض بوصفهم عالة على المجتمع.
هذا التفسير لم يرق للكثير من اليهود ممن يؤمنون بتحليلات مغايرة لا سيما تلك المتكئة على مقولات دينية أسطورية مثل الشعب المختار.
يتضح إذا أن أرنت كانت تخوض مواجهة مزدوجة على مستويين، مستوى المؤرخين والمحللين السياسيين الغربيين من غير اليهود، ومستوى الجماعات اليهودية التي تنتمي إليها.
هذه المجابهة الثانية ستؤدي إلى الموقف الحاد الذي اتخذته أرنت من إسرائيل وبعض زعامات اليهود حين حضرت المحاكمة الشهيرة لأدولف آيخمان في إسرائيل في ستينيات القرن الماضي. في التقارير الخمسة التي بعثت بها أرنت إلى مجلة «النيويوركر» بعد حضورها المحاكمة شجبت أرنت المحاكمة والحكم وأدانت الزعيم الإسرائيلي بن غوريون على أساس أن ما فعله كان عملاً آيديولوجيا هدفه تثبيت شرعية إسرائيل وذلك بمحاكمة وإعدام رجل لم يكن هو المسؤول عن المحرقة النازية وإنما الأداة التي وظفها الحكم النازي.
الكتاب الذي تأسس على تلك التقارير تضمن رأيا رفضه الصهاينة عامة والإسرائيليون ومناصرو إسرائيل بشكل خاص، ليس في نقده الحاد لإسرائيل فحسب، وإنما في وصفه لآيخمان بأنه مجرد موظف يؤدي عمله دون أن تكون لديه قناعة بما يفعل.
اتضح ذلك من عنوان الكتاب: «آيخمان في إسرائيل: تقرير حول تفاهة الشر» (1963). لقد سبب ذلك الكتاب الكثير من المتاعب لأرنت، لكنها أصرت على أنها لم تفعل أكثر من قول الحق في وجه القوة، أنها لم تحاب أحدًا وإنما فعلت ما تراه ضروريًا ونافعًا.
________
*الشرق الأوسط

الْعقلُ والْقلبُ: تشارلز باوكاوسكي

سبتمبر 19, 2019 اضف تعليق

*
وَحِيدُونَ دُونَ سَبَبْ
وَحِيدُونَ لِلْأبَدْ

وكانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ نَكُونَ عَلَى هَذا النَّحْو
لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُفْتَرضِ أَبَدَا
أَنْ نَكُونَ علَى غَيْرِ هذا النَّحْوِ
وحينَ يَنْطَلِقُ صِرَاعُ الْمَوْتِ:
آخِرَ شيْءٍ أَوَدُّ رُؤْيَتُه
طَوْقًا مِنْ وُجُوهِ أُنَاسٍ
تُرَفْرِفُ فَوْقِي
أَصْدِقَائِي الْمُفَضَّلِينَ الْقُدَامَى فَقَطْ,
جُدْرَانَ نَفْسِي.
لِيَكُونُوا هُنَاكَ وَحَسَبْ

لَقدْ كُنتُ وَحِيداً
لَكنْ نَادِراً مُنْعَزِلاً.
لَقَدْ شَفَيْتُ ظَمَئِي
عِنْدَ بِئْر نَفْسِي
وكانَ ذاكَ النَّبِيذُ جَيِّداً
أَجْوَدَ مَا نِلْتُ عَلَى الْإِطْلاَقِ.

وهَذِهِ اللَّيْلَة وأنَا جَالِسٌ
مُحَدِّقاً في الْعَتَمَة
الآنَ أَعِي أَخِيراً
الْعَتَمَةَ والنُّورَ
وكلَّ شَيْءٍ بَيْنَهُمَا.

سَلاَمُ الْعَقْلِ والْقَلْبِ
يَحْدُثُ:
حِينَ نَتَقَبَّلُ ماذَا يَعْنِي
أَنْ نَكُونَ قَدْ وُلِدْنَا فِي
هذه الحَيَاةِ الْغَرِيبَةِ.
عَلَيْنَا أنْ نَتَقَبَّلِ الْمُقامَرَة الْخَاسِرَة
لِأَيَّاِمنَا
وأنْ نَأْخُذَ قِسْطاً مِنَ الرِّضَى
فِي التَّلَذُّذِ بِتَرْكِ كُلِّ ذَلِكَ
خَلْفَنَا.
اِبْكِي لاَ مِنْ أَجْلِي
اِحْزَنْ لاَ مِنْ أجْلِي
اِقْرَأْ
مَا كُنْتُ قَدْ كَتَبْتُهُ
ثُمَّ
اِنْسَاهْ
بِرُمَّتِهْ.

اِشْرَبْ مِنْ بِئْرِ
نَفْسِكْ
وَابْدَأْ
مِنْ جَدِيدْ.
*
من ديوان: تعال للدّاخل \ نشر بعد موت الشاعر
2006
_______
ترجمة: ف. ب