غرافيتي الفنانين أقنعة الثورة والاحتجاج



للفنانين والفنانات نصيب من الغرافيتي أو فن الشارع، منه الغرافيتي الفني الذي يبين احتراف من أحبه، ومنه الذي يتضمن موقفاً من قضية شائكة ومعقدة أو موقفاً سياسياً ضد أحد الفنانين، في الجوهر والمضمون يحمل غرافيتي الفنانين رسالة متعددة الاتجاهات والألوان والمعاني، تتراوح بين السخرية والنقد والتحدي والصرخة والكليشيه الرائج.

واللافت، بعد التأمل، أن رواد الغرافيتي لا يختارون الشخصيات الفنية التي يرسمونها لمجرد الاختيار، فهم ينتقونها بحسب وظيفة صورتها ومعناها، بل بحسب رمزيتها وقوميتها ووطنيتها وحتى مركزها، سواء كانت رمزاً قومياً لمصر مثل  أم كلثوم أو حتى راقصة من الدرجة الثالثة، مثل صافيناز، وصولاً  إلى فنانين كوميديين لهم مواقفهم السياسية الملتبسة، مثل دريد لحام وعادل إمام وزياد الرحباني. ضمن مجموعة {غرافيتي من بلدي - اسبوع الحيطان العربي} على صفحات الفايسبوك، يتصدر واجهة الصفحة غرافيتي (زينكو) لشخصيات ثقافية وفنية وميليشياوية (فدائية)، أبرزها أم كلثوم مع عنوان أغنيتها {إنتو فين}، زياد الرحباني مع عنوان برنامجه الإذاعي {العقل زينة}، ليلى... تحمل البندقية، وهي، على ما أظن، المقاتلة الفلسطينية ليلى خالد، السوري دريد لحام ومسرحيته {كاسك يا وطن} التي كتبها الشاعر محمد الماغوط، والشاعر توفيق زياد مع {أناديكم}، تلك القصيدة- الأغنية التي قدمها الفنان أحمد قعبور بصوته.

إنها خلطة غرافيتية جدرانية تجمع بين الفكاهة المسرحية وأصالة الغناء، بين العنف الثوري وشعر الالتزام أو النضال، كأن من أحدثها يناجي أمراً غائباً عن هذه المدينة (بيروت ربما). الراجح أن هذا الغرافيتي محاولة لإظهار مهارة في انتقاء العناوين العريضة ورسمها، لم يأت رسمها في سياق حدث سياسي، هي مثل أعمال غرافيتية كثيرة (الزينكو) انتشرت في منطقة رأس بيروت على غرار ميكي ماوس بعدما تعرض لفتوى تحرمه، مع العلم أن بعض تلك الرسوم كان له وقعه وحمل موقفا من قضايا اجتماعية سائدة.

نون النسوة

 ثمة أعمال غرافيتية تكريمية للفنانين منها: غرافيتي وديع الصافي بعنوان {ذهب صافي} في منطقة التباريس بتوقيع فريق {اشكمان} المؤلف من عمر ومحمد قباني، وغرافيتي أسمهان بتوقيع  يزن حلواني.

وفي مصر اختيرت شخصيات فنية معروفة لترسم غرافيتي في بعض الأحياء، وتكون في واجهة الدفاع عن قضايا المرأة، في هذا السياق برزت مجموعة {نون النسوة} في خضمّ {الثورة المصرية}، وحملت راية الدفاع عن المرأة وقضاياها، من خلال استخدام أدوات فنية ومرئية مثل الغرافيتي.

صاغت المجموعة أهدافها في نشاط أطلقت عليه {غرافيتي حريمي}، في محاولة لاستبدال الصور السلبية النمطية عن المرأة بصور أكثر إيجابية. واختارت مجموعة {نون النسوة} ستة تصميمات أساسية استنسل (رينكو) تتضمن أشهر الجمل الحوارية في الدراما التي تتعلق بالمرأة للوصول إلى أكبر شريحة من المجتمع، من خلال الاعتماد على المخزون الثقافي المشترك وعلى فنانات مصريات لديهن جمهورهن، مثل سعاد حسني، تحية كاريوكا، أم كلثوم، فاتن حمامة وناديا لطفي، وكتبوا بالغرافيتي عبارات مستوحاة من التراث الفني، مثل: {البنت زي الولد} و{أقطاي هو أبيك بس من غير قناع يا مجلس}، و{أعطني حريتي أطلق يديّ} و{مافيش حاجة للرجال فقط}، و{عاشت مصر حرة}.

الفن مش حرام

في موازاة ذلك استعملت أسماء فنية {قومية} في الغرافيتي للدفاع عن الفن والسينما والأفلام القديمة في  مواجهة جماعة الاخوان المسلمين قبل اسقاط حكمهم وحلهم، كتب على الجدران باللهجة المصرية {ينفع ماتسمعش أم كلثوم وعبدالحليم؟.. ينفع ماتتفرجش على فاتن حمامة وعمر الشريف؟ طب ينفع تتخلى عن تراثك الفني عشان فئة بتقول إن الفن حرام؟}، أسئلة كثيرة أطلقها رسامو الغرافيتي والإجابة كانت لا، ومن هنا بدأت حملة غرافيتية على الجدران في المدن المصرية تحت عنوان {الفن مش حرام}.

استخدام كلمة {حرام} ملفت للنظر، فهذا العنصر الديني يشير، في هذا الصدد، إلى تقييد الفن باللجوء إلى حجج دينية. وفي الوقت نفسه يوضح للمشاهد أن حرية الفن ضرورية لارتقاء مثل هذه الرموز التي يفتخر بها كل مصري، على غرار أم كلثوم. ونرى من خلال الأمثلة أن الفنانين المصريين يلجأون إلى استخدام نزعات قومية كرموز إيجابية، في أغلب الأحيان، لتعزيز رسالتهم الخاصة وتأكيدها.

لم تقتصر الحملة على طبع صور عمالقة الفن الجميل فحسب، بل طُبعت لقطات من أفلام قديمة لكبار الفنانين، تحمل رسالة مفادها أن {تلك الأفلام أثرت في مجتمعنا، وهي جزء من ثقافتنا ولن يتم التخلي عنها مقابل تبني أفكار ليست من الدين}.

  استعملت أم كلثوم في رسم للسخرية من {الفن الهابط} أو {الجسدي} في لبنان. فعلى جدران منطقة رأس بيروت، في شارع الحمرا تحديداً، انتشر رسم غرافيتي لأم كلثوم ترتدي نظارات سوداء وهي تغنّي {بوس الواوا} لهيفا وهبي، هذا الرسم اشتهر في وسائل الإعلام المكتوبة والإلكترونية، وفي مصر أيضا رسمت صورة غرافيتي مرفقة بعبارة {تواشيح فيروز} في حملة ضد النشاز في الطرب العربي. حتى في مجال الألبسة، حضرت الأيقونة الفيروزية  وطبعت على {تي شيرتات} شبابية في بعض البلدان العربية وهي تباع على الإنترنت.

حظيت فيروز بأعمال كثيرة منها على درج الحميزة ليزن حلواني، ونشر {فريق أشكمان} على {فيسبوك}، غرافيتي فيروز، أيقونة الصوت على جدران أيقونة المكان. يتضمن الغرافيتي الأشكماني في بيروت صورة تقليدية لفيروز مع كلمة {لبيروت} بالخط العريض والأنيق.  

راقصات

للراقصات حضور في الغرافيتي خصوصاً الغرافيتي المصري، فإذا كانت الراقصة الشهيرة سامية جمال حظيت بغرافيتي ملون وتكريمي، فثمة أعمال غرافيتية عن الراقصات، كان الهدف منها السخرية من الوضعين: السياسي والاجتماعي، فنشر نشطاء على {فيسبوك} و{تويتر} غرافيتي من مدينة المنصورة للراقصة سما المصري وفيها عبارة {توقفوا عن جعل الأغبياء مشاهير}. وردّت سما في حوار تلفزيوني: {سعيدة بالغرافيتي الثوري اللي اترسملي، مع أني مابعرفش إنكليزي}.

ورسم نشطاء غرافيتي ساخر على جدران بمنطقة وسط البلد وكتبوا عليه تعليقاً: {على رمش عيونها... يا داخلية... {تعليقاً على الضجة التي أحدثها خبر إلقاء القبض على الراقصة صافيناز في أحد الفنادق الكبرى بمصر الجديدة، أثناء إحيائها إحدى حفلات الزفاف، لتنطلق على {فيسبوك} و{تويتر} صفحات ساخرة وتغريدات تطالب بالحرية لصافيناز، رافعة شعارات منها:  {صافيناز مش إخوان.. صافيناز مش إرهابية يا داخلية... هي دي محاربة الإرهاب يا داخلية تقبضي على صافي.. الحرية للعصفورة صافيناز}،  والاستعداد لجمعة {الصاروخ خط أحمر} .  

ثمة أعمال غرافيتي انتقدت المواقف السياسية لبعض الفنانين، وكان الغرافيتي الأبرز في هذا المجال لعادل إمام بسبب مواقفه المنحازة لنظام الرئيس حسني مبارك، وكُتِبَ تحتها {راحت عليك يا زعيم}، كذلك رُسِمَ وجه لوزير الداخلية السابق حبيب العادلي مكتوب تحته {العدل النهاردة يا عادلي}، وآخر لوزير الآثار السابق زاهي حواس مرفق بعبارة  {يا خاين الفراعنة}.

محمد الحجيري

ليست هناك تعليقات