خورخي لويس بورخيس: نصوص عن المكان



ترجمة حسونة المصباحي

-1:أثينا:
في فجر يومي الأول في أثينا، أتيح لي أن أعيش الحلم التالي: أمامي، على رفّ طويل، كان هناك صفّ من المجلّدات. ولم تكن تلك المجلدات غير "الموسوعة البريطانية"، وهي واحدة من جنّاتي الضائعات*. تناولت مجلدا بالصدفة. بحثت عن اسم كولريدج. كان للمقال المخصص له، نهاية، ولم تكن له بداية. بعدها بحثت عن مقال عن كريت(يقصد الجزيرة اليونانية-المترجم). هوأيضا ينتهي من دون أن تكون له بداية. عندئذ بحثت عن مقال عن Chess**. في هذه اللحظة تغيّر حلمي. على ركح عال لمدرّج امتلأ حتى الفيض بأناس يصغون بانتباه، كنت ألعب الشطرنج مع والدي الذي كان النسخة المزيّفة Artaxerès الذي قطعت أذنيه، وواحدة من نسائه الكثيرات خانته، في حين كان هو نائما، ممرّرة يدها على قمة رأسه، بهدوء لكي لا توقظه، ثم قتل في ما بعد. حرّكت قطعة شطرنج. منافسي لم يحرّك ولو واحدة. لكن بحركة سحرية، أزاح واحدة من قطعي. تكرّر هذا مرات عدة.
استيقظت وقلت لنفسي: "أنا في اليونان، حيث بدا كلّ شيء، حتى أنه لا بدّ أن تكون لكلّ الأشياء، خلافا لمقالات الموسوعة التي حلمت بها، بداية".

*فقدان البصر يمنع بورخيس من قراءة الموسوعة البريطانية التي اكتشفها في المكتبة الوطنية بيونس ايرس لما كان مديرا لها. وقد اشترى الطبعة الحادية عشر منها بعد حصوله على إحدى الجوائز الأدبية.

** لعبة شطرنج

-2: البداية:

يونانيان يتجدلان: ربما سقراط، وبارمينيدس.
الأفضل ألاّ نعرف أبدا اسميهما: التاريخ سيكون عندئذ أكثر صفاء وأشد غرابة.
موضوع جدلهما غامض وملتبس. أحيانا يتحدثان عن أساطير لا يؤمن بها كل واحد منهما.
التبريرات التي يقترحانها يمكن أن تكون أحيانا مضلّلة ولا تؤدي بهما إلى أيّ شيء.
هما لا ينخرطان في حرب كلاميّة، ولا يسعيان أن يُقنعا أو يقتنعا، ولايفكران في أن ينتصرا أو يخفقا.
وهما ليس على وفاق إلاّ حول أمر واحد: هما يعلمان أن الحوار هو الطريق المحتمل الوحيد للوصول إلى الحقيقة.
متحرين من الأسطورة ومن الإستعارة، هما يفكران أو هما يسعيان إلى التفكير.
أبدا لن نتمكن من معرفة إسميهما.
هذا الجدل بين مجهوليّن في مكان ما من بلاد الإغريق هو الحد ث الجوهري لتاريخنا.
هما نسيا الصلاة والسحر.

-3: إيرلندا
أشباح قديمة سخيّة لا تريد أن أستوفي إيرلندا أو أن أستوفيها بمتعة بطريقة تاريخية. هذه الأشباح تسمى Eurigène * الذي كان كل تاريخنا بالنسبة له حلم طويل لله ينتهي بأن يعود إلى الله، فكرة نعثر عليها مجددا في المسرحية الدراميةBacke to Methuseland ، وفي قصيدة فيكتور هوغو:”ماذا يقول فم الظل". وهي تسمى أيضا جورج بركلي**، الذي كان يعتقد أننا حلم دقيق للغاية لله ، وأنه إذا ما استيقظ هذا الأخير من حلمه، فإن السماء والأرض تمحيان من الوجود. وتسمى هذه الأشباح أيضا أوسكار وايلد الذي إنطلاقا من مصير لم يكن يخلو من العار ومن الحظ العاثر، ترك أعمالا مفعمة بالغبطة والبراءة مثل الصباح والماء. وأنا أفكر في Wellington الذي في مساء "واترلو"(المعركة التاريخية الشهيرة-المترجم)، أدرك أن النصر هو أيضا أشدّ فظاعة من الهزيمة. أفكر في إثنين من كبار الشعراء الباروكيين، ييتس وجويس اللذين استعملا الشعر والنثر لنفس الهدف: الجمال. أفكر في جورج مور الذي ابتكر في Ave ataque vale*** نمطا أدبيّا جديدا لم يكن مفيدا، إلاّ أنه فعل ذلك بكثير من السحر ، وكان ذلك أساسيا. هذه الظلال الواسعة تعترض بين غزارة ذكرياتي وبين القليل الذي تمكنت من أن أستوفيه في هذه الأيام الثلاثة المليئة كما هوة الحال دائما، بالعديد من الظروف.
من بين هذه الأيام يوم"الحصن الدائري" الذي لم أتمكن من رؤيته لكنني لمسته، فيه أنقذ رهبان مُحْسنون ، في أوقات عسيرة، اليونانية واللاتينية، أي الثقافة. بالنسبة لي، إيرلندا بلاد مأهولة بأناس في غاية الطيبة ، ومسيحيين بطريقة طبيعية، منتشين بالحب الغريب بأنهم إيرلندوين في كل لحظة. وقد سرت في الشوارع التي سار فيها والتي يواصل السير فيها كلّ سكان "أوليسيس" (يقصد رواية جيمس جويس-المترجم)

*هو جون سكوت ايروجين فيلسوف وعالم لاهوت من القرن التاسع . وقد يكون من إيرلندا أو من اسكتلندا. وهو يعتقد أن الكائنات المخلوقة أشكال من الماهية الالهية . والأنسان هو نموذج الفعل الالهي المتواصل على المادة.

**جروج بركلي فيلسوف ايرلندي(1685-1753)
***عنوان السيرة الذاتية للكاتب الإيرلندي جورج مور(1852-1933)


-4: اسطمبول
قرطاج هي المثال الواضح لثقافة مّفْترى عليها. وليس بإمكاننا أن نعرف عنها، وفلوبير لم يعرف عنها سوى ما كان قد قاله أعداؤها، الذين كانوا قساة وشرسين. وقد يكون من المحتمل أن يحدث هذا لتركيا. نحن نفكر في بلد موسوم بالقسوة. وهذه الفكرة تعود إلى الحروب الصليبية التي كانت من أفظع الأعمال التي سجلها التاريخ، والتي لم تدان بقدر كاف. نحن نفكر في الكراهية المسيحية التي كانت من دون شك تتساوى في عنفها مع الكراهية المتزمتة للأسلام. وقد غاب عن الغرب إسم تركي عثماني كبير. والوحيد الذي وصل إلينا هم اسم سليمان القانوني(e solo in parte vide il Saladino)*.
وأنا ماذا بإمكاني أن أعرف عن تركيا خلال أيام ثلاث؟ لقد رأيت مدينة رائعة، والبوسفور، والقرن الذهبي، ومدخل البحر الأسود، على ضفته اكتشفت أحجار رونوية (متعلق بالروني وهوالحرف الأول من الألفباء في اللغات الجرمانية القديمة-المنهل). وسمعت لغة بديعة تذكرني، بأكثر نعومة، باللغة الألمانية. من هنا لا بدّ قد مرت أشباح كثيرة لأمم مختلفة. أفضل أن أفكر في الإسكندنافيين الذين شكّلوا حرس الإمبراطور البيزنطي والذين التحق بهم السكسون الفارون من انكلترا بعد معركة"هاستينغس". ومن دون شك علينا أن نعود إلى تركيا لكي نشرع في اكتشافها.

* استذكار لبيت دانتي في الكوميديا الالهية: منفردا بنفسه، على حدة، صلاح الدين... ودانتي يجمع هنا بين السلطان العثماني سليمان القانوني(1494-1566) وبين السلطان الأيوبي صلاح الدين( 1138-1193)

-5: فينيسيا
الصخور، والجداول التي تولد على قمم الجبال، واختلاط مياهها بمياه البحر الأدرياتيكي، وصدف أو أقدار التاريخ والجغرافيا، ارتداد الأمواج، التشكل التدريجي للجزر، اليونان القريبة، الأسماك، هجرات الشعوب، حروب الأرموريد والبلطيقيين، أكواخ القصب، الأغصان المتشابكة في الطين، شبكة القنوات المعقدة، ذئاب الأزمنة القديمة، غارات القراصنة الدلماسيين، الطين الناضج الهش، السقوف على شكل سطوح، المرمر، كوكبة الفرسان وقاذفات "أتيلاّ"، صيادو الأسماك المحروسون من قبل فقرهم، اللومبارديّون، أن نكون نقطة من نقاط التقاء الغرب بالشرق، أيام وليالي أجيال نُسيت اليوم وكانت صانعة لها. علينا أن نتذكر أيضا الحلقات الذهبية التي يلقي بها كل سنة الدوج(القاضي الأول في جمهوريتي جنوى والبندقية-المنهل) من جؤجؤ Bucentaure* والتي في الظل الخفيف أو في الظلمات تشكل حلقات لامتناهية لشبكة مثالية للزمن. وسيكون من الظلم أن ننسى هنا الباحث المجتهد لوارق"أسبارن"، وأن ننسى "داندولو"، بيتراركه، بايرون، بيبو، روسكين ومارسيل بروست. في ذاكرتي ينتصب قادة البرونز الذين ينظرون إلى بعضهم البعض خفية على طرفي سهل شاسع.
لاحظ Guibbon أن استقلال جمهويرة فينيسيا القديمة تحقق بالسيف، ويمكن أن يُبَرّرَ بالقلم. وكتب باسكال أن الجداول طرقات تمشي. قنوات فينيسيا طرقات منها تمرّ مراكب "الغندول" المجلّلة بالحداد والتي لها شيء من الكمنجات المجللة بالحداد والتي تذكر أيضا بالموسيقى إذأنها شجيّة.
ذات يوم كتبت: "فينيسيا من الكريستال ومن الغسق". الغسق وفينيسيا هما بالنسبة لي كلمتان مُترادفتان لكن غسقنا فقد نوره ويخشى الليل في حين أن غسق فينيسيا غسق هش وأبدي، من دون قبل ومن دون بعد.

*سفينة منحوتة ومذهبة يركبها كل عام في عيد الصعود دوج فينيسيا ل"يجدّد" زواجه مع البحر الأدرياتيكي . وحين يصل إلى قناة "الليدو" يلقي في البحر حلقة مقدّسة قائلا:”أيها البحر، نحن نتزوجك من أجل سيادة إيجابية وأبدية".



ليست هناك تعليقات