الايطالي جياشينتو سشيلسي: قصائد

أغسطس 31, 2019 اضف تعليق

ترجمة حسونة المصباحي


كان الكونت جياشينتو  ماريا شسيلسي (1905-1988) شاعرا وموسيقيا. في طفولته وشبابه تلقى تربية كلاسيكية صلبه، وانجذب إلى القرون الوسطى. وقد تعلم الموسيقى في روما، ثم في فيينا حيث كان تلميذا للموسيقار الكبير شونبارغ. وكان يتقن لغات عدة من بينها الفرنسية التي كتب بها قصائد كثيرة. وخلال الحرب الكونية الثانية، فارا من النازية، لجأ إلى سويسرا ليواصل العزف على البيانو، وكتابة الشعر. وبعد الحرب، سافر إلى الشرق بحثا عن آثار الروحانيات والفلسفات القديمة. هنا أربع  قصائد له:

-1:

البحيرات الشاطئية الشاسعة للسماء

التي لازلت أتذكرها، وسأتذكرها لأمد طويل

بمذاق الدموع

تَغْمُرُ نومي

مُنْزلقة تحت قناع من ذهب

خطوط كبيرة هادئة

ظلال مُتَجَهّمَة

لقرون في السفر



الواحدة بعد الأخرى تبتعد

في مناطق الزمن

غريبة عن الجسد البشري

مسارات مديدة للفكر

حتى الأطراف القصيّة

لذاك الصدى الصامت

الذي يَسْتَند كله إليّ


-2:

الزمن يَتَمَدّد

بين عالمين منذ الأبد

من الفضاء من دون عدد

يَنْفُخُ وحش

في قلب ظله

ذاكرة ثقيلة

لها قوام هائل

لا تدهش سوى العشب والأطفال


-3:

بعيدة عني

الأشجار الدائرية

والسّْوْسَنُ   الكبير

والظل الأخضر

الذي ليس سوى أكذوبة


بعيد عني صخب الشمس

البَرَدُ والعاصفة المطرية


يعيد عني البحر الهائج

والنجوم التي في عمق الصمت


بعيدون عني

الرجال ذوي الفكوك الشبيهة بفكوك الضفادع

والشباب والدم.


بعيد عني الطفل المجيد

للمستقبل


بعيد عني صوت النفير

والأمل والفضاء


-4:

أمضي إلى بلاد

بلا اسم وبلا أرقام

وبلا كلمات

وبلا جمل وبلا فخاخ

عليها يهيمن الضحك الجنوني

لأحلم بموت الأحلام

29 أب \ أغسطس 32 عاماً على إغتيال ناجي العلي

أغسطس 29, 2019 اضف تعليق
نصري حجاج


ناجي العلي قصة موت معلن

حافظ ناجي العلي على خجله، وقلة كلامه في المجالس العامة، أو مع من جمعته بهم جلسات خاصة، حتى ليظنّ الجالس معه الظنون، حين يشاهد رسومه الكاريكاتورية، ويرى كل ذلك الصخب والصراخ الذي يهدف منه الإيقاظ. إيقاظ الناس وضمائرهم، وتحفيز عقولهم، ليروا ما يدور حولهم من ألمٍ وجوع وفقر، وإحباط ويأس أحياناً، وهم يعيشون بين قوىً كالوحوش، تلتهم كل شيء، الأوطان والقضايا الكبرى والنفوذ، ولا تكترث لكل المآسي التي تُرك الناس يتخبّطون في دروبها، فمن أين يخرج كل هذا الغضب الذي عاشه ناجي العلي، الخجول قليل الكلام، طوال سنوات إبداعه.
كان ناجي العلي غاضباً ضد الظلم والتشرد والفساد والكذب على الناس، وخداعهم بالشعارات وامتهان كرامة الإنسان، وسرقة الأوطان والمتاجرة في مصائرها. كان ابناً باراً للمخيم، بما يشكله من حيّز للألم واليأس. ومن مخيم عين الحلوة، بدأ ناجي العلي يطلق سهامه ضد كل ما هو معادٍ لحرية الإنسان، فقد كان هو نفسه مظلوماً حين خرج من قريته "الشجرة"، طفلاً يعي مكانة بلاده في نفسه، ويعي عمق هاوية التشرّد في المنفى.
لم يستثن أحداً من نقده الصارخ في رسوماته الحادة كالسهام، ولم يترك أحداً لم تطله عيناه الناقدتان النافذتان إلى عمق الوجع، ومنتهى التماهي مع الناس الذين عاش معهم، ومن أجلهم أبدع، ودفاعاً عنهم قُتل غيلةً في بلاد اعتقد أن بإمكانها توفير ساتر له من رصاص القتل.
في السنوات القليلة التي سبقت اغتياله، فتح ناجي العلي صدره، وأخرج كل ما يغلي فيه من نقد، ومن رؤىً آمن بأنها يجب أن تُحكى للناس الذين كانوا يهرعون إلى الصحف، ليقرأوا رؤاهم كما رآها. انتقد جميع الزعماء العرب، وسخر منهم سخرية لاذعة، وانتقد الجبهات والحركات والأحزاب في العالم العربي الواسع، وانتقد ياسر عرفات بشخصه وسياسته، وانتقد محمود درويش بما آلم درويش الذي أحبّه، وكتب عنه أجمل الكلام، وانتقد اتحاد الكتاب الفلسطينيين مؤسسةً وأعضاءً. وفي الشهور الأخيرة من حياته، وصل نقده إلى الرجل الذي كان أثيراً لديه وقريباً إلى قلبه، جورج حبش، وكأن ناجي كان يحسّ أنه مقبل على الموت، فأراد أن يُخرج من كيانه كل كلام ابن المخيم البسيط والصادق، والشفّاف شفافية الوجع الأصيل.
غضب كثيرون منه وعليه، وكان كثيرون يخشون رؤاه للواقع، وهم في مواقع لا يحبها ناجي. وكان كثيرون يكتبون، أو يصرّحون، أو يحكون، في مجالس خاصة، عن خوفهم من ريشة ناجي العلي، لأنه الفاضح والكاشف لكل العفن والنفاق والغلط والفساد والاعوجاج في قيادة الطريق.
في الأيام الأخيرة من حياته، غضب عرفات منه، وغضب محمود درويش منه، وغضبت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منه، وغضب كتاب فلسطينيون، وكانت مخابرات الدول العربية التي لم يوفرها ناجي بنقده الجارح قد غضبت منه.
وفي تلك الأيام، وصلت إلى ناجي تهديداتٌ أو تحذيراتٌ أو تنبيهاتٌ كي يخفف من سهامه المنطلقة، بسرعةٍ وجموحٍ، ضد الجميع الذين رآهم مخطئين أو متآمرين أو منحرفين أو فاسدين. وفي تلك الأيام، كانت اللحظة، القفزة الدرامية الكبرى، في شخصية ناجي العلي الذي بدا كأنه ذاهبٌ إلى حتفه مثل أي بطلٍ من أبطال الأساطير الذين يعرفون مصيرهم المحتوم، لكن صفاءهم ونقاء سريرتهم يدفعانهم إلى النهاية التي لا مفر منها أمام هذا الحشد الهائل من رفض ما يرسم واستنكاره، فلم يسلم أحدٌ من يده ولسانه. تلك هي اللحظة التي التقطتها إسرائيل بذكاء العدو المثابر على التخلص من جبهة أعدائها السياسيين والمثقفين، لتقتل ناجي العلي.

قصيدة: (أحبك)/ للشاعر الفرنسيّ: بول إيلوار

أغسطس 26, 2019 اضف تعليق


ترجمة: محمد عيد إبراهيم
..................................

أحبكِ عِوَضاً عن نساءٍ لا أعرفهنّ 
أحبكِ عِوَضاً عن كلّ زمانٍ لم أَعِشهُ 
عن ريحِ بحرٍ مفتوحٍ عن رائحةِ خبزٍ ساخنٍ 
عن ثلجٍ يسيلُ عن أولى الأزهارِ 
عن حيواناتٍ عُذريّةٍ لا يخيفُها الإنسانُ 
أحبكِ عِوَضاً عن الحبِّ 
أحبكِ عِوَضاً عن نساءٍ لا أحبهنّ. 
.
فمَن سيُبَصّرُني غيرَكِ أرى نفسي صغيراً 
من دونكِ لا أرى غيرَ فلاةٍ منبَسطةٍ 
بينَ الماضي البعيدِ واليومِ 
هنالكَ مِيتاتٌ عَبرتُها على القشِّ 
لا أستطيعُ ثَقْبَ جدارِ مرآتي 
عليّ أن أتعلّمَ الحياةَ كلمةً كلمةً 
كمَن ينسَى. 
.
أحبكِ عِوَضاً عن تعقّلكِ الذي لا أملكهُ 
عن العافيةِ 
أحبكِ ضدّ ما ليسَ غيرَ الخداعِ 
عِوَضاً عن القلبِ السَرمديِّ الذي لا أملكهُ 
تؤمنين أنكِ ترتابين من أنكِ المنطقُ الوحيدُ 
أنتِ الشمسُ العُظمى التي تُسكِرُني 
حينما أَثقُ بنفسي. 
.............................
(*) اللوحة، للفنان الإسباني: سلفادور دالي

محمد خضير... حرائق المخيلة

أغسطس 26, 2019 اضف تعليق





أقام الفنان المغترب سلمان الشهد معرضاً لتخطيطاته ومائياته التي نجَت من "حرائق المخيلة" وأنجزها في فترات مختلفة، منها فترات الغربة في أميركا. 
تستولي الرموز على ذاكرة الفنان وتغرّبها في بيئتها الأصلية فتعاني الخطوط بذلك غربتين، غربة الماء والنخل وغربة الغيتو العراقي المجرد من غضارة الأجساد الموشومة ونظرات العيون الدعج.
حمل "الشهد" هذه الذاكرة وتجرع مرارةَ الاغتراب، فجنحت ظلالها نحو رؤية سريالية تتكدس فيها الآثار الأولى في قاربٍ ينوء بحملها، وتضطرب الخطوط لمرأى وحوش النهر تلاحقها عن قرب. وكانت المرأة محورَ هذه الرحلة في موج متلاطم، تلوذ بما خزنته من فتنتها ومهر عرسها.
أحدَّت المسافة، وشدةُ المرض، وتبريحاتُ الحب (وهي أعراض سيابية شائعة عند الفنانين البصريين) وأرهفتْ نظرةَ الفنان الكليلة. وكان "القارب" الأهواريّ يتهادى تحت هذه النظرة التائهة بين أوشام وفالاتٍ وبقايا عرس ريفيّ (أشبعنا ماهود أحمد من أمثالها) رسخ في نقطة لا تتزحزح من أفق التشرد والضياع وفقدان السلام. ولعل سلمان الشهد ممرور بفقدان الاتجاه ونأي البقاع، فهو شاعر آخر من شعراء الزمن الصعلوكيّ القديم. وأيّ سلام يطلبه مطرودٌ من جنة عدن العراقية، كما استقر قاربها في ذاكرته الناضبة؟
سيرسو القارب يوماً عند غابة العيون الوسيعة والأجساد الباذخة والمهور الثمينة، وسيجد "الشهد" بقية خطوطٍ فريدة لم تشتبك بعدُ في صراع مع الغيلان المترصّدة فناني الرؤى المائية عند عطفة من انسياب النهر. القارب ينحدر في حلم طويل تعترضه الجلطات الدماغية والأنفاس الشحيحة والفالات المنتقمة. فيحملها في قاربه، عائداً بها الى ضفة قريبة. الخطوط تتنفس هواء رطباً وتتجعد رقاعها . النهر الضيق ينفتح على ضفافه الحجرية. الفنان يطلّ من إطارات كارتونية متساوية المساحات. النظرة تتساءل وتتلفّت حولها. رواد القاعة مسحورون بالكتل المحروقة (بالحبر).
اكتسب "الشهد" مهارته التخطيطية من عمله الصحفي الطويل في تزيين نصوص الجرائد، وإخضاع الزمن المدينيّ الصاخب الى تمثيلاته الكروكية الطرية. ولما ضجّ الزمن بدقّات الأجراس المنذِرة بالحروب، حمل الفنان هذه الرسوم التوضيحية ليصنع منها عالماً مستقلاً برموزه ومراجعه التخيلية. حملها في قاربه وصارع المفاجآت كما يصارعها حالمٌ حوصر في زاويته الصحفية المستقرّة. خاض رحلة صعبة لكنه لم يفرّط بجزء من فردوسه المفقود. كنز تخطيطي صغير لكنه تعويذة لمسافرٍ زادُه الخيالُ، وعيونٌ مفتوحة على الواقع البعيد.

أسعد قطّان: حين يظهر الله... أو يحتجب!

أغسطس 26, 2019 اضف تعليق



ليس صحيحاً أنّ الكنيسة عاشت حقبةً من الزمن من دون كتب مقدّسة (scripture). فما يُعرف اليوم بالعهد القديم كان كتاب الكنيسة منذ البدء. يسوع الناصريّ استعار من هذا الكتاب مصطلحاته معتبراً أنّ حكايته هو تنتسب إلى قصّة الله مع شعبه إسرائيل، التي يسرد العهد القديم خطوطها الكبرى. بنوّة المسيح لإله إبرهيم وإسحق ويعقوب، التي تكاد تشهد عليها كلّ صفحة من صفحات العهد الجديد، لا تترك أيّ مجال للفصل بين إله للعهد القديم عنفيّ ودمويّ وإله للعهد الجديد محبّ ورحيم. هذا الرأي تبلور في الأوساط اللاهوتيّة في القرنين الميلاديّين الثاني والثالث وما زال ملزماً للمسيحيّين إلى اليوم. أنت لا تقدر أن تكون مسيحيّاً إذا قبلت العهد الجديد بلا العهد القديم، لأنّك لا تستطيع الانتساب إلى خاتمة الحكاية من دون اعتناق بدايتها.

ولكنّ عدم الفصل بين العهدين لا يعني عدم التمييز. وهذا التمييز له طابع تفسيريّ بالدرجة الأولى. ماذا يعني هذا الكلام؟ لقد شهد القرنان الثاني والثالث ظاهرةً لعلّها الأهمّ في تاريخ الكنيسة تتلخّص بارتقاء عدد من الكتب التي ترتبط مباشرةً بيسوع الناصريّ إلى مصافّ الكتب القديمة من حيث الأهمّيّة. هذه الكتب، التي عُرفت بالعهد الجديد، وذلك في مقابل الكتب القديمة التي أشار إليها المسيحيّون بلفظ «العهد القديم»، صارت تشكّل معها «الكتاب المقدّس» المسيحيّ. ولكنّ هذا الالتحام في كتاب مقدّس واحد لم يقتصر على الشكل، بل تعدّاه إلى قرار تفسيريّ ذي دلالات بالغة الأثر، وهنا بيت القصيد. لقد أدرك مفكّرو الكنائس الأولى، التي تناثرت حول المتوسّط، أنّ حكاية يسوع، ولا سيّما موته وقيامته، تضطلع بدور معياريّ بالنسبة إلى فهم العهد القديم. نصوص التوراة ملهَمة طبعاً، ولكنّها تعكس صورة الله بمقادير مختلفة لا تؤلّف بالضرورة خطّاً تصاعديّاً من النصّ الأقدم إلى النصّ الأحدث كما يحلو لبعضهم أن يصوّر. بكلمات أخرى، الله يظهر أو يحتجب في نصوص العهد القديم تبعاً للسياق. هو يحتجب مثلاً في النصوص العنفيّة. ولكنّه يظهر بكثافة في النصوص التي تعكس محبّته اللامتناهية ورحمته وحنانه.


ما هو المنطق الذي يسوس هذه المقاربة؟ إنّه، بكلّ بساطة، صليب يسوع. فحادثة موت يسوع على الصليب هي أدقّ تعبير عن حقيقة الله. بالصليب كشف الله أنّ المحبّة والرحمة والغفران واللاعنف هي الأصل في طبيعته. ومن ثمّ، فإنّ نصوص الكتاب المقدّس التي تنسب إلى الله القتل والانتقام والعنف الدمويّ يجب عزوها إلى إسقاطات بشريّة. كيف ذلك وكتّاب الأسفار الإلهيّة ملهمون؟ الإلهام في المقترب المسيحيّ لا يستتبع أنّ المؤلّفين باتوا خارج التاريخ وتجرّدوا كلّيّاً من العناصر الثقافيّة والذهنيّة السائدة في زمنهم. والحقّ أنّ الإلهام لا يمحو المعطى الإنسانيّ، بل يلوح من خلاله، كما أنّ الإلهيّ في يسوع لا يعطّل الإنسانيّ، بل يعزّزه ويرسّخه ويتبدّى بواسطته.


حدث صلب يسوع وقيامته يمتلك، إذاً، قيمةً مرجعيّةً بالنسبة إلى نصوص الكتاب المقدّس برمّتها، ولا سيّما نصوص العهد القديم، إذ بواسطة هذا الحدث يتقرّر مدى ظهور الله أو احتجابه في النصوص المقدّسة. هذا الفهم الذي تبلور في فجر المسيحيّة لم يفقد شيئاً من رونقه. وهو ما زال يشكّل إلى اليوم قاعدةً ذهبيّةً حين نطرح السؤال عن العلاقة بين العهدين القديم والجديد.


(الصورة: المصلوب، غاليريا باربيريني، روما)
البحث فوتوغرافياً في «أنثروبولوجيا» القبائل: تجربة رائد البنيوية كلود ليفي ستروس نموذجا

البحث فوتوغرافياً في «أنثروبولوجيا» القبائل: تجربة رائد البنيوية كلود ليفي ستروس نموذجا

أغسطس 23, 2019 اضف تعليق


27 - يناير - 2017
محمد حنون

 3
 حجم الخط

للتاريخ الإنساني حكاياته، وفي وجوه البشر بوحها الكامن في سكون الصورة الفوتوغرافية؛ ذلك الفن الإنساني الذي يلتقط اللحظات العابرة ويجعلها ساكنة بكل ما تحمله من تفاصيل، وبكل ما تحمله من انفعالات في تعابير الوجوه، وحتى في النظرات التي هي انعكاس لروح الإنسان؛ والتي غالبا ما تحمل خصائصه الثقافية والنفسية، وحتما خصائصه الإثنوغرافية. فالفوتوغراف هو الفن الذي قدم الصورة الفوتوغرافية واللحظة الملتقطة والعابرة فيها بوصفها الحقيقة الأدق لهوية الإنسان وتركيبته الثقافية والعرقية في مناخاته الأصيلة. 
لقد تمكنت الكاميرا من دخول العديد من الحقول العلمية كأداة علمية توثيقية، وساهمت برفع دقة التوثيق وحفظ المعلومات البصرية للمادة البحثية الميدانية والمختبرية، وبسبب استخدام الكاميرا تم تقنين كلفة البحث نتيجة لتخفيف ساعات العمل، وهو ما نجده في دخول الكاميرا البحوث الميدانية لعلم الإنثروبولوجيا، بوصفها المعادل الموضوعي للكراسة التي اعتاد العلماء على قضاء الوقت الطويل في رسم أفراد القبائل على صفحاتها، ولتوثيق ما يميزهم ثقافيا وما يميز صفاتهم الجينية، وأماكن عيشهم وطرق عيشهم من صيد وزراعة، وأدواتهم الحضارية وسلوكياتهم الاجتماعية والحُلي، ناهيك عن رسم الرفات المكتشفة وأماكن الدفن، بكل ما يرافقها من أدوات طقوس الدفن وأدوات الطقوس العقائدية.
في هذا النوع من التوثيق الفوتوغرافي، وتوظيف الكاميرا في الهوية الثقافية، التي تحمل خصائصه البنيوية في علاقتها مع محيطه ومناخاته الطبيعية والمجتمعية والعقائدية، يعمل على منح الصورة عمقا معرفيا إنسانيا، بالإضافة للعمق الجمالي للصورة، وهو ما نجده جليا في الصور التي التقطها عالم الإنثروبولوجيا ورائد البنيوية الفرنسي كلود ليفي ستروس، حيث قام بالتركيز في بعض صوره التي التقطها على الوجوه وما يميزها ويعكس هويتها الإثنية والثقافية الإنثروبولوجية، وهو ما جعل الصور تحمل كذلك جانبا فنيا توثيقيا بالضرورة في سياق بحثه الإنثروبولوجي حول شعوب القبائل في أكثر من بقعة في العالم. 
لقد قام ستروس بتصوير أفراد هذه القبائل صورا مختلفة، منها ما كان بمثابة توثيق عام لأفراد القبائل في قراهم وبيوتهم، وكذلك قام بتصويرهم بطريقة الـ»كلوس أب»، مركزا على الوجوه فقط، حين دعت الحاجة والغايات لذلك، وذلك لتوثيق بعض الحُلي القَبَلية والأوشام التي تميز مكانة الفرد في القبيلة، ناهيك عن البناء «الجينومي» لوجوه أفراد القبيلة.
على الرغم من النتائج العالية والأكثر دقة في توثيق الإنسان في سياق الدراسات البنيوية الإثنروبولوجية التي برزت في دراسات ستروس الميدانية للقبائل النائية، خصوصا في مشروعه الإثنروبولوجي في مناطق ماتو جروسو وجنوب الأمازون في البرازيل، وهو المشروع الذي أفضى لإصدار كتاب فوتوغرافي بعنوان «الحنين للبرازيل، السيرة الفوتوغرافية»، إلا أن ستروس كان له رأي واضح ومفاجئ تجاه الكاميرا كأداة بحث علمي، حيث أنه قال في واحدة من مقالاته العلمية: «مع كل ذلك التطور التقني الرفيع، تبقى الكاميرا أداة جافة وغليظة مقارنة بعقل ويد الإنسان»، وهو الرأي الذي يمكن اعتباره مدهشا ومجافيا للمنطق، حين يصدر من عالم تضاعفت منجزاته البحثية الميدانية بسبب استخدامه للتصوير الفوتوغرافي في بحوثه، وكذلك حين يكون رأيا صادرا من عالم تمكن من زمام كاميرته بشكل حساس وراق، منتجا صورا تاريخية بسوية علمية توثيقية عالية، لقبائل ظلت مجهولة بكل عاداتها وبنيويتها الإنثروبولوجية التاريخية، مثل قبائل «الكادويفو» و»البورورو» و«النامبيكوارا» بالإضافة لقبائل أخرى، وهي الصور التي يمكن كذلك اعتبارها منجزا فنيا فوتوغرافيا إذا ما تم تقييمها فنيا وبعيدا عن الغايات العلمية التي التقطت من أجلها.
في مقولته الشهيرة، وصف الفوتوغرافي الفرنسي جاك لارتيغ الفوتوغراف قائلا: «الفوتوغراف بالنسبة لي هو التقاط اللحظة العابرة، التي تمثل الحقيقة»، وهي المقولة البسيطة في ظاهرها إلا أنها يمكن أن تكون التعريف الأمثل لاستخدامات وأهمية الفوتوغراف، سواء كانت في الحقول الفنية أو في الحقول العلمية. في ضوء المقولة هذه، يمكن نقد رأي ستروس النقدي حول أهمية الكاميرا في البحث الإنثروبولوجي الميداني، ولكن من المنصف كذلك التأكيد على أهمية جانب من رأي ستروس الذي يبدو محمولا على دوافع ينتصر من خلالها للمهارات البشرية الحسية والعقلية، رافضا تأثير الآلة والاعتماد عليها، وهو ما يمكن أن يكون مرتبطا كليا بذهنية ستروس وانتصاره لبنيوية عقل الإنسان ومهاراته الحسية، بوصفها العناصر الأهم في البحوث العلمية واعتبارها متفوقة على التطور التقني والمدني للعالم. 
ومع تطور التقنيات تراجعت المهارات البشرية الحسية والعقلية، التي تراوح ما بين قوة الذاكرة وآليات التفكير، بالإضافة لمهارات يدوية وحسية أخرى، وهو ما نجده جليا في بعض الدراسات التي تخلص في نتائجها بأن تراجع المهارات البشرية الحسابية، على سبيل المثال وليس الحصر، مرتبطا ارتباطا جذريا باختراع الآلة الحاسبة، حيـــــث اعتمد الإنســـــان على الآلة للقيام بتخــزين المعلومات الحسابية وتحلــــيل علاقاتها الرياضية وصولا لتقديم الحلول، ما تسبب بتراجع المهارات والمقدرة البشرية على فعل ذلك، وهو ما يمكن تطبيقه على مهن وصناعات ومهارات بشرية كثيرة. 
هل تندرج دوافع ستروس التي بنى عليها رأيه، وموقفه من الكاميرا في العمل البحثي الميداني، تحت هذه التأثيرات للتطور التقني، لتخوفه من تراجع المهارات البشرية الحسية والعقلية في العمل البحثي الإنثروبولوجي؟ ربما كانت الدوافع كذلك، وهي من حيث الأساس لها مبرراتها، إلا أن التخوفات التي شكلت رافعة لمقولته النقدية التفضيلية، يمكن جدا اعتبارها تخوفات مبالغ بها إلى حد ما.
في مقالته المعنونة بـ«صور ليفي ستروس: إنثروبولوجيا الجسد المحسوس»، التي فند فيها علاقة ستروس الجدلية مع الصور الفوتوغرافية في بحوثه العلمية للقبائل، قدم مارسيلو فيوريني وهو بروفيسور أمريكي في الإنثروبولوجيا من جامعة «هوفسترا» الأمريكية، الذي اعتنى بشكل جاد بأهمية الكاميرا في الدراسات الإنثربولوجية الميدانية، فند فيوريني بمنهجية نقدية مقولات وآراء ستروس حول صوره الفوتوغرافية وأهميتها كأداة من أدوات البحث الإنثروبولوجي، يقول فيوريني: «لقد كان ستروس متحفظا حول صوره الفوتوغرافية، نادرا ما يكتب عنها، ويقدمها أحيانا كوثائق إثنوغرافية ليس أكثر، ليتم استخدامها كمادة دعم ثانوية للتحليل الثقافي». ذهب فيوريني في تفنيده حول الصور التي التقطها ستروس إلى أن عملية التوثيق للإنسان القبلي في بيئته، من خلال التصوير الفوتوغرافي، شكلت، ودون قصد من ستروس، العصب الرئيسي لبحوثه حول طقوس الحياة والموت والجنائز عند مجموعات قبائل الأمازون في البرازيل، وهو ما لم يكن يحاول فعله أبو الإنثروبولوجيا الحديثة كلود ليفي ستروس، فلقد اتخذت الصورة مكانة رفيعة وحساسة في سياق بحوثه، على الرغم من محاولات ستروس الحثيثة لتهميشها، سواء بتجاهل الكتابة عنها أو التقليل من شأنها مقارنة بعقل ويد الإنسان كأداتين بحثيتين أكثر أهمية من الكاميرا. 
أيا كانت الدوافع والأسباب التي جعلت عالما في مكانة كلود ليفي ستروس يرى الكاميرا بهذه الطريقة، وهي التي شكلت حجر الزاوية في بحوثه وإرثه العلمي، فما يهمنا أن الأرشيف الفوتوغرافي الذي تركه ستروس للعالمين الفني والأكاديمي، والذي يعد بعشرات الآلاف من الصور المدهشة، هو أرشيف إنساني ثمين، وقد ساهم في تمهيد الطريق لعلماء الإنثروبولوجيا لاستكمال ما بدأه ستروس من بحوث ميدانية، التي ستظل الصورة الفوتوغرافيه فيها بمثابة حجر الزاوية وأداة علمية توثيقية بحثية مدهشة؛ جنبا إلى جنب مع عقل ويد الإنسان.
٭ فوتوغرافي فلسطيني ـ أردني / بودابست

” في البدء كانت الكلمة ..

أغسطس 20, 2019 اضف تعليق
“ذكرى وفاة الشاعر الروسي  ماندلشتام  

– إعداد و ترجمة: إبراهيم إستنبولي

الشاعر الروسي أوسيب أميليافيتش ماندلشتام 1891 – 1938

كان الشاعر الروسي باراتينسكي يعتبر النحّات والموسيقي والفنان التشكيليّ من بين السعداء :

صاحب الأزميل، والأرغن والريشة !

سعيد كل من لا يتجاوز هذه الحدود،

وستكون له نشوة في الاحتفال الدنيوي …

أما الشعر، وأسفاه، فلم يرد ذكره في تلك القائمة . إلا أننا لن ندع ذلك يكدّرنا … لأنّ الشعر بالتحديد هو الذي مُنِح القدرة على الغوص في أعماق الروح البشرية، أن يدرك مأساة العالم وأن يحمل على كتفيه كل الثقل وكل الألم وكل الحزن



وذلك دون أن ييأس أو يتراجع أو يستسلم. بل أكثر من ذلك، لقد استطاع الشعر في مقارعته مع القدر التاريخي والاجتماعي والشخصي أن يكتسب ( خصوصاً الشعر الروسي في القرن العشرين ) المقدرة على الفرح والحبّ والسعادة



ومن اللافت أن سمة اليأس والأسى والخيبة لم تتسرب إلى الشعر الروسي في ثلاثينات القرن العشرين – حقبة القهر المرعب للسلطة بحق الإنسان، وإنما في الأوقات الأخفّ وطأة – في سبعينات القرن الفائت : ” العالم بمجمله – حثالة ” – هذا هو الشعار السهل الذي اقترحه شعر الحقبة البريجنيفية للإنسان.

لذلك لم تكن صدفة أن الشاعر الروسي أوسيب ماندلشتام كان أكثر ما يروق له عند يسينين ذلك الشطر المعبّر جداً:
… لم أرم بالرصاص أولئك التعساء في الزنزانات .

للتوّ فقط، وبمناسبة مرور سبعين عاماً على وفاة الشاعر ماندلشتام في معسكر الاعتقال في الشرق الأقصى، تمّ تشييد تمثال للشاعر في موسكو، قرب الشقة التي كانت تعود لأخيه وحيث عاش الشاعر زمناً ما. وفي الفترة نفسها تم تشييد تمثال آخر له في مدينة فَرونيجْ حيث أمضى الشاعر فترة نفيه عام 1934 ..

جاء في انطولوجيا الشعر الروسي التي أصدرها الشاعر الروسي المعاصر ليفغيني يفتوشينكو بخصوص وجود ماندلشتام في مدينة فَرونيج التي أمضى فيها الشاعر فترة نفيه الأولى 1934 ما يلي : ” … رحت أصعد ببطء على السلّم المتخلخل والممتلئ بأعقاب السجائر – ذات السلّم الذي صعدته آنّا أخماتوفا في منتصف الثلاثينات إلى ” غرفة الشاعر المنقوم عليه ” عندما جاءت لتتفقده . كما رحتُ أقرأ على الجدران المتسخة رسائل مؤثّرة كتبت بالفحم أو بواسطة مسمار كان قد تركها زوار الغرفة من مدن مختلفة .. وهنا في فرونيج أيضاً قصوا عليّ حكاية مدهشة. كانت المقبرة قبل الثورة تقع على طرف المدينة. ثم كبرت المدينة وتوسعت فصارت المقبرة بصلبانها وشواهد قبورها تقع في وسط المدينة، مشكلة بذلك مصدر حزن وأسى للمدنية الاشتراكية … فقرر ” آباء المدينة “، بعد أن أبقوا على بعض القبور الهامة، أن يحوّلوا ما تبقّى من المقبرة إلى حديقة وأن يشيدوا فوقها مبنى لسيرك. ولكن الحيوانات كانت أكثر حساسية من البشر .. إذ كانت كما لو تفقد عقلها تخرج عن السيطرة وهي تشعر بنَفَس الموت من تحت الحَلَبَة … ”

كان ماندلشتام ينتمي إلى ذلك الصنف العظيم من الشعراء في روسيا، الذي لم يحاول قط أن يكون ” أكثر من شاعر ” . لكن خصوصية روسيا دفعته لأن يكون. لم ينجح في تحاشي ذلك. لأنه كان يؤمن أكثر من أي شيء بحرية الشاعر … إذ لم يكن داخله خالياً من أي معنى سياسي، بعيداً عن أي مضمون اجتماعي أو يحلّق فوق السحاب .

ولد الشاعر المقبل أوسيب ماندلشتام في عائلة تاجر من الفئة الأولى كان قد تلقى في فتوته تعليماً في مدرسة تلمودية. وكانت أمه عازفة. لقد حصل الولد على تعليم غير منظم وغير مكتمل لكنه كريم … لكن الثورة حظيت باهتمامه أكثر مما هي الدراسة والتجارة والدين اليهودي بل وحتى أكثر من الموسيقى . وقد تشبع بالأدبيات الماركسية بقدر ما قرأ من الشعر . لقد انخرط في الثورة لدرجة أنه لم يكن يفترض حتى في أسخف أحلامه أن تدعوه نفس تلك الثورة ” عدواً للشعب ” . وأكبر شاهد على ذلك قصيدته المؤثرة للغاية والصادقة حتى النخاع ” رَوَاهٌ قرب التابوت ” التي يصف فيها بعينين باكيتين مراسم دفن لينين … التي ما زالت تبعث القشعريرة حتى الآن ولكن لسبب آخر – ألا وهو أنه بات معروفاً اليوم كيف كانت تتمّ وفاة أمثال ماندلشتام الذين آمنوا وصدقوا يوماً ما ذلك الشخص وتلك الثورة، تلك الوفاة التي أقل ما يمكن القول أنها كانت جنازة ” كلبية ” بامتياز، من دون أية مراسم دفن أو وداع .

لقد كان ماندلشتام، وربما بفضل أوهامه الاشتراكية المهدورة، وعلى الأرجح بصورة غير متوقعة من قبله هو نفسه، كان أول شاعر وصم ستالين بما لا يمُحى منذ عام 1933 حين راحوا يلقبونه جهاراً ” القائد العظيم “. لم يكتب ماندلشتام هجاءً وحسب، بل وراح يقرأه على مسامع المحيطين به .. لدرجة أن شينغيلي قال له مباشرة : ” أنا لم أسمع شيئاً … “، أما باسترناك فطلب منه الحيطة والحذر؟ …

كم هي صعبة قراءة رسائله التي كتبها قبل اعتقاله الأخير: ” إنني غير موجود. لم يبق لي سوى حقّ واحد – أن أموت. إنهم يدفعونني وزوجتى للانتحار … لن أنصاع لقرار النفي الجديد هذه المرة. لستُ قادراً “. وبالفعل لم يكن مندلشتام قادراً على تنفيذ قرار النفي .

لقد تنبأ الشاعر بما يخبئ له المستقبل : ” ها قد أمضيت ربع قرن وأنا أخلط ما هو هام مع الأشياء التافهة، لا أكترث البتة بالشعر الروسي، و لكن قريباً ستنصهر أشعاري معه و ستتّحد به، مبدّلة في بنائه وتكوينه ” . وهذا ما حصل .

هنا نورد قصيدة الهجاء التي كانت السبب في نفي ماندلشتام:

نحن نعيش، دون أن نشعر بالوطن من تحتنا،

أحاديثنا لا تُسمع لأبعد من عشر خطوات .

وحيث يوجد ما يكفي لنصف حديث،

فإننا نتذكر الجبليَّ في الكرملين.

أصابعه الثخينة الدهنية كما الديدان،

وكلماته صحيحة كما الأوزان الثقيلة،

وشارباه ” الصرصوريان ” يضحكان،

وتتلألأ رقبة حذائه.

ومن حوله أوباش من القادة بأعناق نحيلة،

وهو يلعب بخدمات أنصاف البشر .

هذا يصفّر، وهذا يموء وذاك يئن،

بينما هو وحده يقصف وينمّ .

كما الحدوة يصدر المرسوم تلو المرسوم –

يصيب هذا في الإرب، ويصيب ذاك في الجبين،

يصيب هذا في الحاجب وذاك في العين.

وكل إعدام عنده – توت عليق

وصدر منتفخ للأوسيتيني1 .

تشرين الثاني 1933

*****

ألطف من اللطف – وجهك،

وأكثر بياضاً من الأبيض – يدك،

وأنت بعيدة عن مجمل العالم،

وكل ما فيك – مما هو لا مفر منه.

ومما هو لا مفر منه –

حزنك،

وأصابع يديك الملتهبتين

والصوت الناعم لأحاديثك غير الشجية،

والبُعْدُ في مقلتيك.

كانون الأول 1909

*****

أوه، أيتها السماء، أيتها السماء،

سوف تأتينني في الحلم !

فمن المستحيل أن تكوني قد عميتِ

وأن يحترق النهار كورقة بيضاء :

قليل من الدخان وبعض الرماد!

24 تشرين الثاني 1911

*****

آخماتوفا

بنصف استدارة، آه أيها الحزن،

رحت تنظرين إلى غير المبالين .

والشال شبه الكلاسيكي جَمَد

وقد راح ينزاح عن الكتفين .

وصوت كله شؤم – يا للنشوة المريرة –

راح يزيل القيود عن أعماق الروح :

هكذا – يا فيدرا الساخطة –

وقفت يوماً ما راشيل .

9 كانون الثاني 1914

*****

وقد حرمتموني من البحار ومن

الجري المتأهب ومن الإقلاع،

وبعد أن منحتم قدمي

الأرضَ القسرية استناداً،

ماذا حققتم ؟ فالحساب الباهر :

لم تتمكنوا من نزع الشفاه الهامسة .

أيار 1935

*****

لم تمت أنت بعد، ما زلت غير وحيد،

طالما أنك تستمتع بعَظَمة السهول.

وبالعتمة ، وبالبرد وبالعاصفة الثلجية .

ولتحيا بصبر في الفقر الباذخ

وفي الشقاء العظيم .

مجيدة هي تلك الأيام والليالي،

وغير آثم العمل العذب .

إنه لتعس ذاك، الذي يخيفه النباح،

كما ظله، وترميه الرياح،

وبائس مَن ذاته يقف نصف حيّ

قرب الظلّ ويطلب الصدقة.

كانون الثاني 1937

وأخيراً لم يبق سوى أن نشير إلى أنه تنبهت مؤخراً السلطات في كلّ من موسكو و فورونيج .. فتم تشييد تمثال برونزي للشاعر ماندلشتام عشية الذكرى السبعين لرحيله. والجميل في التمثال هي وضعية الرأس المرفوع بالضبط كما كان الشاعر إبّان حياته.

عن ستالين، للشاعر أوسيب ماندلشتام

أغسطس 20, 2019 اضف تعليق

(تعريب عبد القادر الجنابي، وتقديمه)
------ 
في مطلع 1934، قرأ الشاعر الروسي الكبير أوسيب ماندلشتام - اللاعب الأساسي في تأسيس الحركة الشعرية الطليعية الروسية، ما بعد الرمزية، المعروفة باسم quot، أو الذُّرْوِية (من ذروة) - قصيدة تهكمية بستالين، أمام جمع من الأصدقاء. وفق زوجته، ناتاليا، في مذكراتها، ليست هناك مخطوطة على الإطلاق لهذه القصيدة، وإنما فقط تمَّ إلقاؤها. ويبدو أن البعض حفظها عن ظهر قلب، وعن هذا الطريق وصلت الى أسماع رجال الأمن السري، فاعتقلوا الشاعر يوم 13 ايار/مايو 1934، ثم اقتحموا بيته بحثاً عن المخطوطة، فلم يعثروا على شيء من هذا القبيل. حاول بعض الشعراء التدخل لدى ستالين للعفو عنه، ومن بين هؤلاء كان الروائي والشاعر الكبير، بوريس باسترناك، الذي حاول قدر الإمكان إقناع ستالين. وبالفعل، تم تخفيف العقوبة عليه من الإعدام الى النفي، فنفي الى إحدى مدن روسيا الأوروبية، وبقي هناك سنوات عديدة يعاني المرض والفقر والعزلة. وفي آب 1938، تم اعتقاله، مجدداً، وهذه المرة، تم إرساله الى معسكر اعتقال في سيبيريا، فاشتد عليه المرض، ومات في 27 كانون الاول/ ديسمبر، من العام 1938.
.........................  

نعيشُ، صُمّاً، فلا نسمع ما تحت أقدامِنا
بل كلامُنا لا يُسمع، على بعد عشر خطوات
في حين جَبليُّ الكرملين يُذكَرْ
في أيّ حديثٍ، مهما ابتُسِرْ.

غليظةٌ كالديدان أصابعُه الزفِرة
ومن شفتيه تتساقط كلماتٌ فصيحَه
ثقيلةٌ كعيار الميزان
له شواربُ صُرصاريةٌ هزّاءه
وجزمةٌ طويلةُ الساق من جلدٍ لمّاع.

حواليه قادةٌ أعناقُهم أعناقُ الدجاج؛
أنصافُ رجالٍ يَلعبُ بهم ويُداهنُهم
فيصهلون، ويتأوّهون، ويموؤن

ولا يعربدُ أحدٌ سواه، قاذفاً بوجوههم أوامره
يفبرك مرسوماً إثر مرسوم
كنعالِ الخيل يرمي بها الرأسَ،
الأربةَ، الصدغَ، أو حاجبَ العين.

كلُّ إعدامٍ وليمةُ توتٍ أحمر
تملأ صدرَه بالانشراح والغرور
وصدرُ الجورجيِّ أوسعُ الصدور!

غرافيتي الفنانين أقنعة الثورة والاحتجاج

أغسطس 19, 2019 اضف تعليق


للفنانين والفنانات نصيب من الغرافيتي أو فن الشارع، منه الغرافيتي الفني الذي يبين احتراف من أحبه، ومنه الذي يتضمن موقفاً من قضية شائكة ومعقدة أو موقفاً سياسياً ضد أحد الفنانين، في الجوهر والمضمون يحمل غرافيتي الفنانين رسالة متعددة الاتجاهات والألوان والمعاني، تتراوح بين السخرية والنقد والتحدي والصرخة والكليشيه الرائج.

واللافت، بعد التأمل، أن رواد الغرافيتي لا يختارون الشخصيات الفنية التي يرسمونها لمجرد الاختيار، فهم ينتقونها بحسب وظيفة صورتها ومعناها، بل بحسب رمزيتها وقوميتها ووطنيتها وحتى مركزها، سواء كانت رمزاً قومياً لمصر مثل  أم كلثوم أو حتى راقصة من الدرجة الثالثة، مثل صافيناز، وصولاً  إلى فنانين كوميديين لهم مواقفهم السياسية الملتبسة، مثل دريد لحام وعادل إمام وزياد الرحباني. ضمن مجموعة {غرافيتي من بلدي - اسبوع الحيطان العربي} على صفحات الفايسبوك، يتصدر واجهة الصفحة غرافيتي (زينكو) لشخصيات ثقافية وفنية وميليشياوية (فدائية)، أبرزها أم كلثوم مع عنوان أغنيتها {إنتو فين}، زياد الرحباني مع عنوان برنامجه الإذاعي {العقل زينة}، ليلى... تحمل البندقية، وهي، على ما أظن، المقاتلة الفلسطينية ليلى خالد، السوري دريد لحام ومسرحيته {كاسك يا وطن} التي كتبها الشاعر محمد الماغوط، والشاعر توفيق زياد مع {أناديكم}، تلك القصيدة- الأغنية التي قدمها الفنان أحمد قعبور بصوته.

إنها خلطة غرافيتية جدرانية تجمع بين الفكاهة المسرحية وأصالة الغناء، بين العنف الثوري وشعر الالتزام أو النضال، كأن من أحدثها يناجي أمراً غائباً عن هذه المدينة (بيروت ربما). الراجح أن هذا الغرافيتي محاولة لإظهار مهارة في انتقاء العناوين العريضة ورسمها، لم يأت رسمها في سياق حدث سياسي، هي مثل أعمال غرافيتية كثيرة (الزينكو) انتشرت في منطقة رأس بيروت على غرار ميكي ماوس بعدما تعرض لفتوى تحرمه، مع العلم أن بعض تلك الرسوم كان له وقعه وحمل موقفا من قضايا اجتماعية سائدة.

نون النسوة

 ثمة أعمال غرافيتية تكريمية للفنانين منها: غرافيتي وديع الصافي بعنوان {ذهب صافي} في منطقة التباريس بتوقيع فريق {اشكمان} المؤلف من عمر ومحمد قباني، وغرافيتي أسمهان بتوقيع  يزن حلواني.

وفي مصر اختيرت شخصيات فنية معروفة لترسم غرافيتي في بعض الأحياء، وتكون في واجهة الدفاع عن قضايا المرأة، في هذا السياق برزت مجموعة {نون النسوة} في خضمّ {الثورة المصرية}، وحملت راية الدفاع عن المرأة وقضاياها، من خلال استخدام أدوات فنية ومرئية مثل الغرافيتي.

صاغت المجموعة أهدافها في نشاط أطلقت عليه {غرافيتي حريمي}، في محاولة لاستبدال الصور السلبية النمطية عن المرأة بصور أكثر إيجابية. واختارت مجموعة {نون النسوة} ستة تصميمات أساسية استنسل (رينكو) تتضمن أشهر الجمل الحوارية في الدراما التي تتعلق بالمرأة للوصول إلى أكبر شريحة من المجتمع، من خلال الاعتماد على المخزون الثقافي المشترك وعلى فنانات مصريات لديهن جمهورهن، مثل سعاد حسني، تحية كاريوكا، أم كلثوم، فاتن حمامة وناديا لطفي، وكتبوا بالغرافيتي عبارات مستوحاة من التراث الفني، مثل: {البنت زي الولد} و{أقطاي هو أبيك بس من غير قناع يا مجلس}، و{أعطني حريتي أطلق يديّ} و{مافيش حاجة للرجال فقط}، و{عاشت مصر حرة}.

الفن مش حرام

في موازاة ذلك استعملت أسماء فنية {قومية} في الغرافيتي للدفاع عن الفن والسينما والأفلام القديمة في  مواجهة جماعة الاخوان المسلمين قبل اسقاط حكمهم وحلهم، كتب على الجدران باللهجة المصرية {ينفع ماتسمعش أم كلثوم وعبدالحليم؟.. ينفع ماتتفرجش على فاتن حمامة وعمر الشريف؟ طب ينفع تتخلى عن تراثك الفني عشان فئة بتقول إن الفن حرام؟}، أسئلة كثيرة أطلقها رسامو الغرافيتي والإجابة كانت لا، ومن هنا بدأت حملة غرافيتية على الجدران في المدن المصرية تحت عنوان {الفن مش حرام}.

استخدام كلمة {حرام} ملفت للنظر، فهذا العنصر الديني يشير، في هذا الصدد، إلى تقييد الفن باللجوء إلى حجج دينية. وفي الوقت نفسه يوضح للمشاهد أن حرية الفن ضرورية لارتقاء مثل هذه الرموز التي يفتخر بها كل مصري، على غرار أم كلثوم. ونرى من خلال الأمثلة أن الفنانين المصريين يلجأون إلى استخدام نزعات قومية كرموز إيجابية، في أغلب الأحيان، لتعزيز رسالتهم الخاصة وتأكيدها.

لم تقتصر الحملة على طبع صور عمالقة الفن الجميل فحسب، بل طُبعت لقطات من أفلام قديمة لكبار الفنانين، تحمل رسالة مفادها أن {تلك الأفلام أثرت في مجتمعنا، وهي جزء من ثقافتنا ولن يتم التخلي عنها مقابل تبني أفكار ليست من الدين}.

  استعملت أم كلثوم في رسم للسخرية من {الفن الهابط} أو {الجسدي} في لبنان. فعلى جدران منطقة رأس بيروت، في شارع الحمرا تحديداً، انتشر رسم غرافيتي لأم كلثوم ترتدي نظارات سوداء وهي تغنّي {بوس الواوا} لهيفا وهبي، هذا الرسم اشتهر في وسائل الإعلام المكتوبة والإلكترونية، وفي مصر أيضا رسمت صورة غرافيتي مرفقة بعبارة {تواشيح فيروز} في حملة ضد النشاز في الطرب العربي. حتى في مجال الألبسة، حضرت الأيقونة الفيروزية  وطبعت على {تي شيرتات} شبابية في بعض البلدان العربية وهي تباع على الإنترنت.

حظيت فيروز بأعمال كثيرة منها على درج الحميزة ليزن حلواني، ونشر {فريق أشكمان} على {فيسبوك}، غرافيتي فيروز، أيقونة الصوت على جدران أيقونة المكان. يتضمن الغرافيتي الأشكماني في بيروت صورة تقليدية لفيروز مع كلمة {لبيروت} بالخط العريض والأنيق.  

راقصات

للراقصات حضور في الغرافيتي خصوصاً الغرافيتي المصري، فإذا كانت الراقصة الشهيرة سامية جمال حظيت بغرافيتي ملون وتكريمي، فثمة أعمال غرافيتية عن الراقصات، كان الهدف منها السخرية من الوضعين: السياسي والاجتماعي، فنشر نشطاء على {فيسبوك} و{تويتر} غرافيتي من مدينة المنصورة للراقصة سما المصري وفيها عبارة {توقفوا عن جعل الأغبياء مشاهير}. وردّت سما في حوار تلفزيوني: {سعيدة بالغرافيتي الثوري اللي اترسملي، مع أني مابعرفش إنكليزي}.

ورسم نشطاء غرافيتي ساخر على جدران بمنطقة وسط البلد وكتبوا عليه تعليقاً: {على رمش عيونها... يا داخلية... {تعليقاً على الضجة التي أحدثها خبر إلقاء القبض على الراقصة صافيناز في أحد الفنادق الكبرى بمصر الجديدة، أثناء إحيائها إحدى حفلات الزفاف، لتنطلق على {فيسبوك} و{تويتر} صفحات ساخرة وتغريدات تطالب بالحرية لصافيناز، رافعة شعارات منها:  {صافيناز مش إخوان.. صافيناز مش إرهابية يا داخلية... هي دي محاربة الإرهاب يا داخلية تقبضي على صافي.. الحرية للعصفورة صافيناز}،  والاستعداد لجمعة {الصاروخ خط أحمر} .  

ثمة أعمال غرافيتي انتقدت المواقف السياسية لبعض الفنانين، وكان الغرافيتي الأبرز في هذا المجال لعادل إمام بسبب مواقفه المنحازة لنظام الرئيس حسني مبارك، وكُتِبَ تحتها {راحت عليك يا زعيم}، كذلك رُسِمَ وجه لوزير الداخلية السابق حبيب العادلي مكتوب تحته {العدل النهاردة يا عادلي}، وآخر لوزير الآثار السابق زاهي حواس مرفق بعبارة  {يا خاين الفراعنة}.

محمد الحجيري

ألا تزال أم كلثوم تؤثّر على الثقافة بعد أربعة وأربعين عاماً على وفاتها؟

أغسطس 15, 2019 اضف تعليق





 ترجمة نائل الطوخي
الأحد 3 فبراير 201908:53 م
لمناسبة مرور أربعين عاماً على موت أم كلثوم، نشرت صحيفة هاآرتس مقالاً مطولاً عن أم كلثوم للصحفي والباحث الإسرائيلي الشاب- من أصول مصرية- Eyal Sagui Bizawe. يبحث Bizawe في مسيرة كوكب الشرق، يتساءل عن شعبيتها الكبيرة، كيف بنتها خطوة خطوة وكيف حافظت عليها، ويقدم تصوّراً لصعودها مرتبطاً بالظرفين الاجتماعي والسياسي في مصر، ولتساؤلات المصريين عن هويتهم وكيف أسهمت أم كلثوم نفسها في بلورة هذه الهوية بغنائها. في ما يلي ترجمة كاملة للمقال.

في عام 1989 طولب الرسام المصري صلاح عناني بأن يرسم من أجل وزارة الثقافة المصرية لوحة موضوعها "مائة عام من التنوير في مصر". رسم عناني كبار المثقفين المصريين من نهاية القرن التاسع عشر فصاعداً، وجميعهم تقريباً كانوا رجالاً.

شخصيّتان نسائيّتان فقط عُرضتا في اللوحة: الأولى، الفلاحة، ابنة القرية، وهي ليست امرأة بعينها، معروفة ومشهورة، وإنما رمز وطني. في مقابلها، شخصيّة المرأة الثانية في اللوحة، أم كلثوم. تظهر في قلب اللوحة، تقف على منصة، أعلى من جميع الرجال.

مثلما في لوحات الأرابيسك التي تركز النظر على نقطة واحدة وتعبّر بهذا عن فكرة فرادة الإله، كان الأمر هنا: المرأة التي في المركز هي من تجذب إليها الأنظار، كأنها إلهة. من تحتها يتكدّس جميع الرجال، يجلسون متلاصقين هذا بجانب ذاك. حتى محمد عبد الوهاب، كبير الموسيقيين المصريين في القرن العشرين والعدو اللدود لأم كلثوم، يبدو في اللوحة كأنه يركع تحت رجليها. أما حولها فينفرج حيز صغير مفتوح، يتيح لنا أن نرى صورتها كاملة. والأنظار متجهة إليها.

أم كلثوم بلا شك هي ملكة الثقافة المصرية، ليس في عيني الرسام عناني فحسب، وإنما يراها الملايين في أنحاء العالم رمزاً للثقافتين المصرية والعربية الحديثتين، "صوت الأمة"، كما سمتها الباحثة الأميركية فرجينيا دنيالسون. توّجها محبوها بألقاب مثل "كوكب الشرق"، و"الست"، و"الهرم الرابع"، وسمّى الأباء بناتهم على اسمها، وفي عدادهم الأديب نجيب محفوظ وزوجته.

وفي رحلاتها إلى العالم العربي استقبلها رؤساء وملوك في المطارات، وكان التقدير الذي حظيت به تقديراً لزعيمة، وصورتها، التي أصبحت أيقونة ثقافية، طبعت على طوابع رسمية للدولة وعلى تي-شيرتات، وملفات، وأقراط، وأكسسوارات أخرى.

كيف حدث أن امرأة بالتحديد هي من وصلت لمنزلة كمنزلة أم كلثوم في مجتمع أبوي مثل المجتمع المصري؟ ليست امرأة فقط، وإنما مغنية أيضاً، بينما الغناء يُعدّ مهنة محتقرة في المجتمع التقليدي. بشكل خاص عندما يكون الكلام عن النساء، وصوتهن بالطبع عورة.

أكثر من هذا، لماذا هي تحديداً؟ كيف أنه من بين جميع المغنيات اللاتي عشن في عصرها، ولم يكن سيئات البتة، حصلت أم كلثوم بالتحديد على منزلتها الخاصة في مصر وفي العالم العربي كله؟



ولدت أم كلثوم، واسمها الشخصي فاطمة إبراهيم البلتاجي، في قرية طماي الزهايرة في دلتا النيل، في وقت يراوح بين 1898-1904 (لم يكن هناك وقتذاك تسجيل دقيق للمواليد). كانت عائلتها فقيرة وأبوها كان إمام المسجد المحلي.

وهي تبلغ خمس سنوات أرسلت مع أخيها خالد لتعلم القرآن في الكُتّاب ثم في المدرسة بالقرية المجاورة. لم يكن لدى الأب ما يكفي من المال للإنفاق على استمرار تعليم الطفلين، وبعد سنوات معدودة أخرج البنت من المدرسة وأبقى على الابن، ولكن كان هناك ما يكفي في هذه السنوات كي تحوز أم كلثوم الموهبة التي ستستخدمها على مدى أكثر من خمسة عقود من المسيرة الموسيقية.

في التقاليد الموسيقية العربية معروف أن من يريد إتقان نطق اللغة، نطق الكلمات ومعانيها والغناء بالصورة الفضلى، عليه تعلم القرآن، وبدقة أكبر "تجويد القرآن"، أي القراءة المنغمة. فالكتاب المقدس تنبغي قراءته بصوت عال، والقراءة يجب أن تكون دقيقة، من خلال الاهتمام بالنطق الصحيح للحركات والأصوات المحددة، وببناء الجملة، بوقفاته وبالمواضع التي ينبغي أخذ نَفَس فيها بدون الإضرار بمعنى النص. بعد ذاك ستحكي أم كلثوم في حوار أنها في السنوات الأولى قلدت أباها وأخاها "كالببغاء"، بدون فهم معنى الكلام الذي كانت تقرأه.

ولكن، منذ طفولتها لاحظ أبوها موهبتين حبيت بهما: الأولى هي القدرة على الحفظ والاستظهار شفوياً، فقد كانت تبهر الجميع أكثر مما كان يفعل أخوها خالد، والثاني، والأهم، صوتها الجميل والخاص.

كدخل إضافي، اعتاد الأب الظهور مع ابنه وأقرباء آخرين في قرى الدلتا منشدين قصائد دينية في مناسبات عائلية وفي الأعياد. في إحدى هذه المناسبات، بينما كان عليهم الظهور في بيت عمدة القرية، مرض أخو أم كلثوم، وقرر الأب إشراك ابنته في الحفل وهي تلبس ملابس صبي.

صحيح أنه في هذه السنوات كانت هناك نساء في مصر يعرضن ويغنين أغاني دينية، ولكنهن اعتدن الظهور أمام النساء فقط، أو أمام الرجال وهن منقبات أو جالسات خلف ستار.

الحفل الأول الذي أحيته أم كلثوم في بيت عمدة القرية، وهي لم تبلغ بعد العشر سنوات، حاز نجاحاً كبيراً. كانت الطفلة محط اهتمام قرى المنطقة ومدينة السنبلاوين، والمزيد من الناس أرادوا من أبيها دعوتها للعروض، ومن بينهم أيضاً كان أبناء النخبة المدينية.

في بداية العشرينيات، بعد أن تعرفت في إحدى حفلاتها إلى المغني المحبوب لديها، محمد أبو العلا، والملحن الشهير زكريا أحمد، بدأت أم كلثوم إحياء عروض في القاهرة أيضاً. علّمها أبو العلا الغناء العربي الكلاسيكي القديم، من خلال التأكيد على معاني النص، ثم علمها أيضاً العزف على العود. بعدها دعا زكريا أحمد أم كلثوم وعائلتها للانتقال والسكنى في القاهرة، بهدف تعريفها إلى خيرة المبدعين في ذاك الوقت ولربطها بصناعة الترفيه التجارية. الأب الذي خاف على السمعة الطيبة لابنته لم يسارع إلى الموافقة، ولكن في عام 1923 رضي وانتقلت العائلة كلها للقاهرة.

ولكن بداية طريق أم كلثوم في المدينة لم تكن سهلة إطلاقاً. صحيح أنها كانت معروفة ومشهورة، إلا أن أسلوب نمط عروضها وأغانيها لم يوائم صناعة الترفيه. كانت قاهرة العشرينيات مدينة كوزموبوليتانية. في ملاهيها الليلية تجري عروض لراقصات شرقيات، ولمونولوجيستات، ولمغنين ومغنيات بصحبة الموسيقى. وأغلبية الجمهور من الرجال الذين اعتادوا شرب الكحول وكانوا يستمتعون أحياناً أيضاً بتدخين الحشيش، وأحياناً يغازلون العارضات أو يتحرشون بهن.

في حوار من فيلم توثيقي للمخرجة [الإسرائيلية] Simone Bitton عن أم كلثوم، تحكي المذيعة أمال فهمي، أن في ذاك الوقت كان شائعاً أن يشعل الرجال الأوراق المالية كجزء من سلوكياتهم الفاسدة أمام المغنيات، أو يخلعون أحذيتهن ويصبون بداخلها الويسكي ويشربون منها.

وصلت أم كلثوم لهذه الملاهي في بداية حياتها بالمدينة. في البدء كانت لا تزال تلبس ملابس صبي، على رأسها كوفية وعقال، مصحوبة برجال عائلتها. وبعدها أيضاً، عندما تخلت عن ملابس الصبي، ظهرت في لباس تقليدي ومحتشم، بغطاء للرأس، وتغني أغاني دينية قديمة وأغاني حبّ للنبي. لم يتجاهل النقاد قدراتها الصوتية وموهبتها، ولكنهم ادعوا أيضاً أنها لا تضيف شيئاً وأن ليس فيها روح فنية. في جريدة "روز اليوسف"، على سبيل المثال، كُتب عنها في 1926: "أين إضافاتها؟ هي مغنية دينية، وأسلوب غنائها قائم في مصر منذ سنوات طويلة".

أكثر من هذا، فقد شكا جمهور الرجال في عروضها من كونه لا يتلقى مقابلاً مناسباً للمال الذي دفعه. أكثر من مرة أزعجوها خلال العرض، وكان أقرباؤها أو أصحاب المكان يضطرون للتدخل من أجل إيقاف الشغب المربك. ادعوا أن أسلوبها ثقيل جداً ولا يناسب الملهى الليلي، وأن عرضها كئيب وقديم، وأنها لا تتقن حتى الآن السلوكيات والأساليب المدينية الحديثة (وحكى معارفها أنها كانت تحتاج لتعلم الأكل بالشوكة والسكين) وأن مجموعة الرجال الذين يصاحبونها بالموسيقى يفسدون الأمر. في مسلسل درامي عن أم كلثوم أُنجز في مصر منذ سنوات عدة يتم التعبير عن الأمر أيضاً في مشهد تزعق فيه مجموعة سكارى بين الجميع باتجاه أم كلثوم: "عاوزين شوية فرفشة".

أم كلثوم، خلافاً لرغبة أبناء أسرتها، استجابت لطلب الجمهور. ببطء بدأت في تغيير أسلوب أغانيها، وانتقلت من القصائد الدينية وقصائد الحب للنبي إلى أغان أكثر خفة، أغاني الحب المعروفة بالطقاطيق والمكتوبة بالعامية وليس بالفصحى. في الوقت نفسه، فقد حسّن دخولها لدوائر النخبة أداءها جداً بل أدى لتغيير في طريقة لبسها.

خلعت غطاء الرأس التقليدي، وبدلت ملابسها القروية بفساتين سهرة بطراز أكثر أوروبية، وفي النهاية فصلت أباها وأخاها وسائر الرجال المرافقين واستأجرت لنفسها تختاً (تشكيلة أدوات موسيقية تتضمن غالباً أربعة أو خمسة عازفين للعود، الناي، والقانون، والكمان، والدف) بدلاً من المصاحبة الصوتية. بهذا نصبت نفسها مغنية منفذة تصارع من أجل مكانها في صناعة الترفيه التجارية وتطمح للمزيد من الشعبية.


ظاهرياً، يبدو كما لو أن أم كلثوم قد استجابت للإملاءات الذكورية التي أدارت صناعة الترفيه الرأسمالية. ولكن، في مقابل موهبتها الموسيقية ظهرت أيضاً موهبة المغنية الشابة كسيدة أعمال ذكية، تريد السيطرة على جميع تفاصيل مسيرتها، من الصغير للكبير.

من ناحية، غيرت أسلوب لبسها إلى ما هو أكثر غربية وحداثة، ومن ناحية ثانية، حافظت على ملابس محتشمة تستجيب للشفرات الثقافية والمحلية. لم تظهر البتة بشعر منسدل ولم تلبس ملابس مكشوفة كما اعتادت مغنيات معاصرات أخريات ذلك، مثل فتحية أحمد أو منيرة المهدية.

بعدها سيكون هناك أيضاً من يقولون إنه حتى المنديل الذي اعتادت الإمساك به في عروضها وأصبح رمزها التجاري هو علامة على أنها أزاحت غطاء الرأس، ولكنها لم تتخلّ عنه فعلاً.

أكثر من هذا، فهي فصلت بالفعل أبناء عائلتها الذين دافعوا عنها من الرجال في عروضها، ولكنها استأجرت خدمات مجموعة من الداعمين، الذين رافقوها في جميع العروض، جلسوا بين الجمهور، وعلموا المشاهدين كيفية التصرف: متى يُسمع بالتهليل والثناء على المغنية، ومتى ينبغي الحفاظ على الهدوء،

وبالطبع، أوضحوا أنه ممنوع الوصول إليها، ولا، حاشا لله، محاولة مغازلتها. بهذا، لم تدافع أم كلثوم عن نفسها فقط، إنما بالتدريج أدخلت شفرات مختلفة للسلوكيات في عروض المغنيات، وتمكنت من تغيير علاقة المجتمع بالمغنيات وبدرجة ما بمهنة الغناء عموماً، بل مهدت الطريق لدخول النساء في العروض كقطاع شرعي من الجمهور. في عروضها من الستينيات يمكننا أن نرى بين الجمهور رجالاً ونساء، متدينين وعلمانيين، قرويين ومدينيين.

هذا وأكثر. مع استئجار التخت، تحولت أم كلثوم إلى واحدة من المغنيات المطلوبات، وتعاملت مع نفسها على هذا الأساس. بدأت في طلب مبالغ كبيرة من أجل عروضها، وعندما لم تكن ترغب في العرض بمكان بعينه لم تكن ترفض البتة وإنما ببساطة كانت تطلب مبلغاً كبيراً غير متوقع.

بهذا جعلت من نفسها المغنية الأغلى في العالم العربي، ثم بسرعة المغنية الأكثر تقديراً أيضاً. في بداية الثلاثينيات أصبحت معروفة، ليس في مصر وحدها وإنما خارجها أيضاً وقدمت حفلات في دمشق، وبيروت، وحيفا، ويافا، والقدس.

يبدو أن التوقيت الذي اجتاحت فيه أم كلثوم الوعي كان مثالياً. أسهمت في هذا مسيرتان مرت بهما مصر في هذه السنوات، الأولى تكنولوجية والثانية تاريخية. من الناحية التكنولوجية، فقد بدأت في الظهور من نهاية القرن التاسع عشر وسائل توزيع مريحة لم تكن موجودة من قبل في العالم العربي: بدايةً من الصحف، التي أتاحت نشر الأخبار عن فنان بعينه، ومنشورات بخصوص عروضه وما إلى ذلك، وبعدها بدأت السينما التي مكنت المغنين والمغنيات من التمثيل في الأفلام وجعلتهم أكثر قرباً للجماهير غير القادرة على رؤية عروضهم، وكذلك الجرامافون الذي أتاح تسجيل أغانٍ واسكتشات وإذاعتها في المقاهي، والراديو وما إلى ذلك. كل هذا نشر صيت أم كلثوم في أنحاء العالم العربي.

اعتادت الإذاعة المصرية أيضاً تقوية بثها عندما كانت تذيع عروضها الحية، مما سمح بسماعها من المغرب في الغرب حتى العراق في الشرق، من اليمن في الجنوب وحتى سوريا في الشمال. بعد سنوات معدودة من بدء مسيرتها الموسيقية أصبحت أم كلثوم المغنية الأكثر شهرة والمطلوبة أكثر في الحيز العربي.

بالإضافة لهذا، كانت مصر في العشرينيات في ذروة عملية بلورة هوية وطنية، بعد ثورة 1919 التي طالب فيها المصريون بالاستقلال والتحرر من الاستعمار البريطاني. تعاطى المجتمع المصري في هذه السنوات مع معضلة غير بسيطة: من ناحية كان يطمح للتحديث وللغرب، ومن ناحية ثانية كان يريد الحفاظ على التقاليد والهوية المحلية وعلى التميز عن الاحتلال البريطاني.

أم كلثوم - بوعي أو من غير وعي - صنعت نموذجاً يربط بين التوجهين وعرضت نفسها كمنتج أصيل. هكذا، على سبيل المثال، فقد بدلت ملابسها الغربية مع الوقت بفساتين سهرة تشبه تلك الأوروبية، ولكنها كانت تبدو كجلابيب أو قفاطين غالية، مصنوعة من قماش فاخر، ملامحها غير ملتصقة أو كاشفة. وربطت ببعض فساتينها عناصر محلية، مثل تيجان الأكمام المزهرة المعتادة في فساتين الفلاحة المصرية، والزخارف الهيروغليفية المصرية، والحلي العربية الإسلامية وأشياء أخرى.



من الناحية الموسيقية، وسعت أم كلثوم من التخت وجعلته جوقة كبيرة على الطراز الغربي، ضمت بضع كمنجات، وتشيلو، وكونترباص، وأكورديون... عزف هذه الآلات المقدمات والقطع الانتقالية في أغانيها الطويلة كأي جوقة غربية، ولكن من اللحظة التي تبدأ فيها الغناء، تنسحب كل الآلات للخلف، والآلات التي ترافقها تصبح ميلودية وتتكون من أدوات عزف قليلة، كما هو معتاد في التقاليد الموسيقية العربية.

مغنون آخرون تبنوا هذا أيضاً. كان هذا بمثابة تجديد في الموسيقى العربية التي كانت شائعة حتى وقتذاك، ولكن أم كلثوم عرضته كمنتج عربي أو مصري أصيل، ومع السنوات تحول لما يعدّ اليوم موسيقى عربية كلاسيكية. بعدها، عندما ظهرت في باريس عام 1967، سئلت في حوار للتليفزيون المصري هل تريد أن تتأثر بلدها، مصر، بشيء ما من أوروبا أو من الثقافة في باريس، فأجابت بابتسامة: "لا أحب أن تقلد هذه البلد بلداً أخرى. لدينا تقاليدنا ونحن فخورون بها جداً".

معضلة جوهرية أخرى تعاطى معها المصريون عندئذ وتتصل بطابع الهوية الوطنية التي أرادوا بلورتها. ثلاثة اتجاهات أساسية تطورت في المجتمع المصري: الأول يؤسس الهوية على الأرض، يرى في الفلاح، وبشكل خاص في الفلاحة، رمزاً وطنياً يحيي الماضي الفرعوني القديم لوادي النيل، والثاني، الإثني، يؤسس الهوية على الثقافة واللغة العربية المكتوبة، الأدبية، المشتركة بين جميع البلدان التي تتحدث العربية، والثالث، الديني، الإسلامي، الذي يرى في مصر جزءاً من العالم الإسلامي وفي انتمائه الديني، أساساً للهوية الوطنية.

تقريباً عبرت أم كلثوم عن كل هذه الاتجاهات، سواء لأنها حرصت على لباس محتشم، أو لأنها شكلت صورتها على هيئة تذكر أحياناً بنفرتيتي أو بتمثال فرعوني آخر، أو لأنها غنت أغاني بالعربية المصرية المستحدثة، وبهذا عززت من العنصر المحلي، ومن الناحية المقابلة أعادت غناء القصائد وأدخلتها في البرنامج الثقافي الشعبي، أو لأنها دائماً ما قدمت نفسها كمسلمة مؤمنة وأدخلت في القصائد الدنيوية عناصر مأخوذة من "تجويد القرآن"، أو لأنها ربطت بعروضها تكنيكات موسيقية كانت شائعة في التقاليد العربية السابقة، مثل الحوار مع الجمهور أو الارتجال الصوتي، أو لأنها دائماً، حتى بعد سنوات من سكناها في فيلا راقية في الزمالك بالقاهرة وقضائها أشهر الصيف في أوروبا الباردة، واصلت تقديم نفسها في الحوارات كفلاحة، بنت قرية محلية، جذورها مغروسة عميقاً في أرض مصر.

كل هذا، حتى وإن يكن بشكل واع ومتعمد، خاطب قلوب ملايين المصريين ومئات ملايين العرب في أنحاء العالم، الذين كانوا خاضعين لحكم كولونيالي وسألوا أنفسهم أسئلة عن الهوية. أم كلثوم، بخلاف كونها مغنية فريدة ذات مواهب صوتية خاصة، وضعت أمامهم نموذجاً زاخراً بالفخر، ومرفوع الرأس. وكانت بسببهذا فقط جديرة بإعجاب شديد مثل الذي حصلت عليه.

ليس من المستغرب إذن أنه مع ثورة الضباط الأحرار عام 1952، عندما قرر الضابط الذي كان مسؤولاً عن بث الراديو، وجيه أباظة، منع ترداد أغاني أم كلثوم، خاف جمال عبد الناصر أن يثور الشعب على رجال الثورة. وفي حوار في فيلم Simone Bitton يحكي الصحفي مصطفى أمين، الذي كان رئيس تحرير جريدة "أخبار اليوم"، أن ناصر عندما سمع عن قرار أباظة أسرع إلى الاتصال به والاستفسار منه عن سبب قراره. أجابه الضابط: "لأنها تنتمي للماضي"، أي للعهد الملكي الذي كان قبل الثورة. غضب ناصر ورد عليه: "في هذه الحالة، أقترح أن تهدم الأهرام وتمنع النيل من الجري، لأنه كان يجري أيضاً في العهد الملكي". في هذه الفترة تقريباً تزوجت أم كلثوم، في سن متأخرة نسبياً، ممن كان طبيبها.

أراد ناصر أيضاً وأصر على أن يعمل العدوّان اللدودان، عبد الوهاب وأم كلثوم، معاً. ووفق الأديب نجيب محفوظ في فيلم Bitton، فقد أدرك ناصر أنه فشل في توحيد الأمة العربية ولهذا أراد على الأقل أن يوحدها عبر حب عملاقي الغناء هذين. والنتيجة كانت الأغنية المعروفة "إنت عمري"، 1964، وبعدها جاءت تسع أغان أطلقها العدوّان معاً. إحداها كانت الأغنية التي كتبها الشاعر السوري نزار قباني وموجهة لفلسطين.



وبرزت أيضاً انتقادات لأم كلثوم وعروضها الخاصة. كان هناك من انتقدوها بسبب علاقاتها بالنخب، وبعضهم بخصوص طابعها الجامد، وكان هناك أيضاً من انزعجوا بالانشغال الكبير الذي تبديه الصحافة المصرية بعروضها، وبأغانيها وبغرفة ملابسها. قرب نهاية مسيرتها كان كثير من أبناء الجيل الشاب، برغم أنهم قدروا صوتها جداً وموهبتها الموسيقية، ينزعجون من أغانيها الطويلة ويشكون من سيطرتها على ساعات البث في الراديو ومنعها الفنانين الآخرين من حيازة المجد.

وفق كثيرين فقد أثارت عروضها فخراً وطنياً وثقافياً كان بمثابة إلهاء عن مشاكل وأزمات المجتمع المصري. كان هناك كذلك من علقوا هزيمة مصر في حرب 1967 بكون "صوتها يسكت الناس بدلاً من إيقاظهم".

ولكن بعد الهزيمة في الحرب خرجت أم كلثوم في رحلة عروض في أنحاء العالم العربي، وخارجه أيضاً للمرة الأولى، في قاعة الأولمبياد في باريس. وساهمت بالأرباح الناتجة عن العشرات من عروضها في إعادة بناء الجيش المصري. هكذا لم تسهم فقط إسهاماً مالياً، وإنما عبرت تعبيراً حقيقياً عن فكرة الوحدة العربية، التي فشل ناصر في تحقيقها.

أصاب موت أم كلثوم في عام 1975 مصر والعالم العربي كله بصدمة. التقديرات في موضوع عدد المشاركين في جنازتها تراوح ما بين مليونين أو أربعة ملايين شخص. على أية حال يعتقد الكثيرون أن هذه الجنازة كانت أكبر من جنازة ناصر، وهذا مشكوك فيه، ولكن يبدو أن هذه هي طريقة الجماهير للقول إن أم كلثوم حظيت بشعبية أكبر من شعبية الزعيم القومي، لأنها هي بالتحديد من حققت آمالهم.

كانت أم كلثوم رمزاً وهي لا تزال حية، ولكن لا شك أنها منذ موتها تحولت أيقونة ثقافية، بشكل خاص في مصر ولكن أيضاً في العالم كله. بعد موتها بأربعين سنة، لا تزال أغانيها تتردد يومياً وفي أوقات محددة في محطات إذاعية مختلفة في العالم العربي وفي إسرائيل أيضاً.

مغنون ومغنيات يجددون أغانيها، سواء في العالم العربي أو في خارجه، من بينهم مغنية الفلامنكو من ثنائي [المغنيين الأسبانيين] Lole & Manuel، المغنية الفرنسية المغربية Sapho، المغنية الإسرائلية Zehava Ben، وآخرون كثيرون. حتى المغنية التونسية البلجيكية غالية بن علي أصدرت في 2010 ألبوماً تضمّن أغاني مجددة لأم كلثوم. في جميع برامج الواقع تقريباً هناك من يقدم أغنية لها.

الفنانون التشكيليون يواصلون رسمها، أو صنع أعمال بإلهام منها، وصورتها أيقونة يمكن العثور عليها ليس فقط في المتاحف وإنما أيضاً على الأكواب، والقمصان، والأقراط وما إلى ذلك.



يوم الثلاثاء هذا، 3 فبراير، سيشير العالم العربي لاكتمال أربعين عاماً على موت أم كلثوم. في مصر سيشار إلى اليوم عبر سلسلة من العروض، بعضها في بيت الأوبرا المصرية، وهو المكان الذي لا يسمح بالدخول إليه إلا بارتداء ملابس السهرة، وأخرى في بيت السناري في الحي الشعبي القاهري، السيدة زينب. في هذه الأربعين سنة، لم تنقص شعبية أم كلثوم، إنما زادت وحظيت بالاعتراف بين جماهير مختلفة في أنحاء العالم. من حين لآخر تحظى مغنية شابة جديدة بلقب "أم كلثوم الجديدة"، ولكن اللقب لا يصمد إلا فترة قصيرة وفي الغالب يقضي على مسيرة هذه المغنية. لأربعين عاماً يبحثون عمن تشبهها، ولم يجدوا.