مارتن هايدغر.. فيلسوف كبير أم عقائدي صغير؟




أنطوان جوكي

لم يستطع هايدغر النأي بنفسه عن النازية

ثمة متعة ظاهرة في سعي بعض النقّاد والباحثين إلى التعرّض كيفما اتفق لِقامات فكرية كبرى. متعة غالباً ما يعرف الناشرون كيف يستفيدون منها، كما يشهد على ذلك المجلدان اللذان أصدرتهما دار «غاليمار» الباريسية حديثاً، ويتضمنان الترجمة الفرنسية التي وضعها فرنسوا فدلير وباسكال دافيد للأجزاء العشرة الأولى من «الدفاتر السوداء» للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر. مجلدان ضمّنتهما هذه الدار كلّ ما يلزم من أجل إغراء القارئ بهذه الدفاتر التي من المفترض أنها تتضمن أقوالاً ومواقف معادية للسامية. ولا شكّ في أن كثيرين سيتهافتون على شرائهما، أما قراءتهما فهي مسألة أخرى نظراً إلى وقوعهما في أكثر من 1100 صفحة، علماً أنهما يستحقان حتماً القراءة.

بعد كل ما قيل سلباً عن هذه الدفاتر التي خطّ هايدغر فيها تأمّلات حميمة منذ مطلع الثلاثينات وحتى وفاته، كنا نتوقّع أن نكتشف شطحات عنصرية معيبة كتلك التي تلوّث روايتيّ الكاتب الفرنسي لويس فردينان سيلين «سفرٌ إلى آخر الليل» (1932) و«تفاهات من أجل مذبحة» (1937). بدلاً من ذلك، لم نقع على كلمة سلبية واحدة أو حتى على تلميح لليهود أو اليهودية في الدفاتر الستة الأولى، قبل أن تظهر بضع جُمَلٍ معدودة لا مجال لمقارنتها في تلك العنيفة التي ينتقد الفيلسوف فيها المسيحية، والكاثوليكية تحديداً. وبالتالي، بدلاً من سيلين، تتوجّب مقارنة كاتب هذه الجُمَل بمواطنه نيتشه الذي، بعد تعرّضه خلال سنوات طويلة للتهمة نفسها، بات النقّاد اليوم يفضّلون حفظ انتقاده العنيف للمعادين للسامية في وطنه، مهملين تلك الجُمَل القليلة الإشكالية التي كتبها واستخدمها النازيون في الثلاثينات لمنح مصداقية لعقيدتهم القاتلة.

غطرسة
طبعاً، لا يمكن إنكار أن ثمة صفات منفّرة في شخصية هايدغر، مثل كبريائه المفرطة التي جعلته يصرّح مراراً بأنه أكبر مفكّر في عصره، ويقارن كتابه «كينونة وزمن» (1927) بكتاب هيغل «فينومينولوجيا الفكر» (1807) أو كتاب ماركس «الرأسمال» (1867). وإذ يحقّ لبعضنا اعتباره فعلاً أكبر فيلسوف في القرن الماضي، يحق لبعضٍ آخر عدم الاقتناع بذلك والامتعاض من غطرسته، لكن حتى في هذه الحال، لا يمكن الذهاب إلى حد عدم رؤية فيه سوى منظِّر نازي صغير.
من المؤسف أن مَن أراد أن يكون أكبر مفكّر في عصره لم يتمكن من النأي بنفسه عن العقيدة التي عانقها المجتمع الألماني برمّته في الثلاثينات. بعض المفكّرين الألمان الذين لم يغادروا وطنهم نجحوا في ذلك. أما هايدغر فاتّسم سلوكه بالالتباس، مهما حاول المدافعون عنه إغلاق أعينهم عن ذلك، مسلّحين بالانتقادات النادرة التي وجّهها للنظام النازي، انتقادات نابعة من احتقار وليس من عداء. لكن إن تأمّلنا ملياً بالجُمَل القليلة المعادية لليهود التي كتبها لتبيّن لنا أنها ليست أخطر أو أسوأ من تلك التي كتبها نيتشه، وإن ثمة فارقا كبيرا بينهما يتمثّل في كون نيتشه كتب ما كتبه في ألمانيا معادية للسامية، لكنها لم تكن قد وضعت بعد مشروع إبادة اليهود.
في الواقع، بشاعة جُمَل هايدغر هذه لا تكمن في ما تقوله في العمق بقدر ما تكمن في ظهورها كتوكيد لمعاداته المفترضة للسامية التي لا أثر لها في جميع الكتب التي أصدرها، وشكّلت في نظر بعض الباحثين هاجساً لديه. وفعلاً، في سلوكه، هنالك أسوأ من قبوله المؤسف منصب عميد الجامعة الألمانية خلال الحقبة النازية ومن الخطابات الرسمية التي ألقاها من هذا المنصب عام 1933، كعدم اكتراثه لطرد أستاذه، الفيلسوف إدمون هوسيرل، من منصبه الجامعي لكونه يهودياً، وموقفه منه لدى وفاته عام 1938، أو رفضه محاورة تلميذه السابق كارل لوويث حين التقاه في روما عام 1936، وكان الشعار النازي يزيّن قميصه، أو تباكيه بعد عام 1946 على مصيره الذي لم يكن مأساوياً. كل هذه الأمور تساهم في منح ثقلٍ كبير لتلك الجُمَل التي تشكّل صدى للأجواء العنصرية التي كانت طاغية في ألمانيا خلال الثلاثينات، علماً أن هايدغر انتقد عبور النازيين من المعاداة للسامية المسيحية القديمة إلى إرادة إبادة اليهود من منطلق بيولوجي.

عنصرية
من جهة أخرى، لا يمكننا إنكار أن هايدغر كان قومياً، ونعرف ما كانت ميول القوميين الألمان آنذاك. لكن توجّهه القومي كان فكرياً يرتكز على قناعة بأن اللغة الألمانية هي الوحيدة القادرة على صياغة فكرٍ جدير بهذه الكلمة. وحين انتقد الفكر اليهودي، قام بذلك من منطلق أن هذا الفكر لا يتحلّى بتلك الفضائل الخاصة باللغة الألمانية وحدها، لأن اليهود، في نظره، غير متجذّرين في أرضٍ، بل تائهين منذ أيام النبي إبراهيم في مختلف أنحاء المعمورة، بخلاف الألمان. وبالتالي، لا يخطئ المدافعون عنه في اعتبارهم أن معاداته للسامية لا تمكن مقارنتها بتلك التي وصمت سلوك النازيين وأنجبت معسكرات الموت، وإن كتب تلك الجُمَل المؤسفة في دفاتر خاصة لم تكن مرصودة أصلاً للنشر.
وعلى هذا الأساس، لا يمكننا الاصطفاف مع أولئك الذين يعوون منذ فترة، مطالبين بإنزال هايدغر من علوه. ففي صراعهم ضد فيلسوف لم يكن أبداً مهمَلاً في فكره، مهما كان كريهاً أحياناً في شخصه وسلوكه، نودّ أن نصدّق أن هؤلاء الشعبويين الذين يحظون اليوم بانقشاع واهتمام بالغَين لا يتهجّمون على واحد من ممثّلي النخبة بحجة أنها ستخون حتماً ودائماً. نودّ أن نسأل أولئك المصدومين بتلك الجُمَل القليلة التي كتبها الفيلسوف لماذا لم تصدمهم بالقدر نفسه الجُمَل العنصرية التي خطّها كتّاب غربيون آخرون؟ لماذا لم يستعينوا بذلك الحسّ الأخلاقي العالي الذي يريدون إقناعنا بأنهم يتحلّون به لمهاجمة هؤلاء الكتّاب، بل ذهب بعضهم إلى حد الدعوة إلى إعادة نشر كتاب سيلين الخطير «تفاهات من أجل مذبحة» بحجّة أنه يتحدّث بشكلٍ رائع عن الشعب في «سفر إلى آخر الليل»؟
يمكن أن لا نتفق مع هايدغر في ما يتعلّق بالطريقة التي تصوّر فيها ممارسة الفكر، وخصوصاً بطريقة استخدامه اللغة، ونقصد ميله إلى «تقشير» الكلمات والعودة بها إلى أصول مشكوك بها أو فانتيزية وإهماله الجُمَل التي تتشكّل منها، أو بقوميته اللغوية التي دفعته إلى احتقار كل مَن لا يعبّر عن فكره باللغة الألمانية لأنها وحدها، برأيه، وريثة اليونانية، وهو ما لا يمكن لأي لغوي يتقن هاتين اللغتين أن يأخذ هذا الرأي بمحمل الجدّ. لكن مع ذلك، يبقى مفكّراً أصيلاً. ويمكننا أن نقول «مع الأسف!»، لكنها حقيقة، والاختلاف معه في العمق لا يكفي لتبرير عدم رؤيتنا فيه سوى مروَّج للنازية. لكن منذ فترة، ومن هذا المنطلق المشبوه، تتنافس دور النشر الفرنسية سنوياً على إصدار ترجمات جديدة لكتبه التي تعدّ أكثر من مئة مؤلَّف. وقد يكون ذلك جيداً للمتخصصين في فكره، لكنه يؤدي في الواقع إلى إغراق قرّاء هذه الكتب المحتملين داخل كمٍّ من النصوص التي يختلط داخلها الجوهري وغير المهم، كي لا نقول بصراحة السيئ. هذا هو حال المجلّدات الكثيرة التي صدرت خلال السنوات العشرين الأخيرة وتقدّم على شكل كتب ما لم يكن سوى دروس ألقاها أستاذ فلسفة لم يكن يومياً أكبر مفكّر في عصره، وهذه مسألة طبيعية لا يمكن تجنّبها لمَن علّم على مدى عقود، وبالتالي لا يجوز لوم هايدغر عليها، بل نلوم ناشري هذه المجلدات الذين سعوا من خلالها إلى تشويه صورته.

إشكاليات
لكن هذا ليس حال «الدفاتر السوداء» التي تكمن قيمتها في منحنا فرصة رؤية فكر صاحبها وهو يتبلور ويتطوّر كل يوم بيومه، بعيداً عن التبسيط والسطحية اللذين وقع أحياناً فيهما داخل دروسه الجامعية. فكرٌ في حالة صفاء ينبثق من تردّداته وتلمُّس طريقه، ومن ذلك العلو الذي لا مكان فيه للانفعالات والحالات النفسية العارضة. ويحدث أيضاً أن نقع فيها على نقدٍ فاتر للنظام النازي، كما خلال السنة التي قبل فيها منصب عميد الجامعة الألمانية، فكتب في «الدفتر الثالث»: «ها أنا أتصرّف للمرة الأولى في حياتي في الاتجاه المعاكس لما يقوله لي الصوت الأكثر حميمية داخلي»، أو حين انقضّ على مفهوم «السياسة الثقافية» أثناء احتلال النازي غوبيلز بالذات منصب وزير الثقافة. وإذ لا يمكننا أن نرتكز على ذلك كي نرى فيه معارضاً للنظام المذكور، لا يمكننا أيضاً أن نتحدّث في شأنه عن التزام صريح ونضالي لصالح هذا النظام، بل عن توجّه لا سياسي احتقاري.
وهذا ما يقودنا إلى سؤال جوهري يفرض نفسه: ما الذي جعل هايدغر في نهاية حياته يطلب في وصيته أن يُنظَر إلى هذه الدفاتر بوصفها مآل أعماله المنشورة الكاملة، مانحاً بذلك إياها قيمة معادلة لكتبه؟ فبما أنه كان يعلم أن بعضها يتضمن جُمَلاً معادية للسامية ستسيء حتماً إلى صورته، كان بإمكانه تعديلها أو التقليل من قيمتها عبر منحها صفة الكتابات الشخصية. هل في هذا السلوك رعونةً؟ تحريضاً؟ أم أنه أراد أن تبقى منه صورة مشابهة بصورة نيتشه الذي، بإصدار ناشريه شذراته غير المنشورة تحت عنوان «إرادة القوة»، بعد وفاته، برّزوا ما أعجب كثيراً الألمان في العشرينات والثلاثينات في فكره، أي مفهوم «الرجل المتفوّق» (بمعناه المنقوص) وبعض الصفحات التي تظهر فيها معاداته للسامية؟
مهما يكن وهنا المفارقة! لا يسعنا إلا أن ننصح بقراءة هذه الدفاتر، ليس باسم التسامح المبدئي الذي يجب أن يحظى به كل فيلسوف كبير، بل لأن القارئ سيجد فيها آثار فكرٍ أصيل وحيوي. فالاسترجاعات الكثيرة الملاحظة فيها ليست مجرّد بلاغة مرصودة للإقناع، بل فكر يتلمّس طريقه، يعود إلى نفسه كي يتقدّم بشكلٍ أفضل، وبالتالي لأن هايدغر سعى في هذه الدفاتر، بجميع الوسائل، إلى بلوغ تلك الوضعية الضرورية لانبثاق فكرٍ حقيقي.
لكن مع الأسف، أدّت الجُمَل الإشكالية القليلة فيها إلى استقبال كارثي لهذه الدفاتر، خصوصاً أن هايدغر تصرّف وكأنه فخور بها، وهو ما قاد إلى تلويث آلاف الصفحات المذهلة فلسفياً بها، وبالتالي إلى عدم قراءة هذه الدفاتر إلا للبحث عن تلك الجُمَل المعدودة والاستنكار، من دون أن يقال أي شيء بالباقي، في حين أنه يشكّل شهادة نادرة لما يمكن أن تكون عليه التجربة الفكرية لفيلسوف عبقري. وبالتالي، فإن أولئك الذين يتمسّكون بالمعادلة التالية: «هايدغر = نازية» لا يفوّتون على أنفسهم فرصة اكتشاف مفكّر من الطراز الأول فحسب، بل يمنعون أنفسهم أيضاً من فهم لماذا تمكّن فكر مَن ينعتونه بالعقائدي الصغير من فتن مفكّرين كبار يتعذّر اتّهامهم بالمعاداة للسامية أو بالتساهل مع العقيدة النازية.
الاتحاد

ليست هناك تعليقات