"كافكا عربياً"... قديس وشيطان وما بينهما

محمد حجيري
 بعد أيام على تسلمي نسخة من كتاب "كافكا عربياً/ احتراق ايقونة" (منشورات المتوسط) لعاطف بطرس العطار، أستاذ الأدب المقارن في جامعة ماربورغ الألمانية، قرأت أن السلطات الألمانية تخلت عن 5 آلاف وثيقة ومستند تخص كافكا وصديقه ماكس برود، وسلمتها إلى إسرائيل، التي تزعم أنها الأحق بتراث أي أديب أو عالم يهودي بغض النظر عن بلاده الأصلية.

وتضم محتويات الوثائق بطاقة بريدية لكافكا تعود لعام 1910، ووثائق شخصية ظلت محفوظة لدى صديقه ماكس برود وتضاف المجموعة الجديدة إلى نحو 40 ألف وثيقة في المكتبة الوطنية الإسرائيلية في القدس، وذلك بعد رحلة دامت لسنوات، حيث انتقلت مخطوطات الروايات والمراسلات وكتابات أخرى تخص ماكس برود، ما بين ألمانيا وتل أبيب وسويسرا وعادت إلى تل أبيب في نهاية المطاف بعد أن تمكنت السلطات الألمانية من ضبطها ضمن أعمال ولوحات فنية روسية مزورة. لا نريد العودة إلى مسار مخطوطات كافكا وسعي اسرائيل الحثيث للاستيلاء عليها، و"أسرلة" ملكية ارث كافكا قبل كل شيء، وقد كتب الكثير عن الموضوع في العقد الماضي. وما ينبغي قوله ان استيلاء اسرائيل على المخطوطات بمساعدة ألمانيا، يزيد من الالتباس والصراع حول هويات كافكا، وهي القضية التي يناقش عاطف العطار وغيره من الكتاب، جوانب منها في كتبهم.


فكافكا الروائي التشيكي المولد، الألماني اللغة، اليهودي الديانة، الذي لم يحظ في حياته بأي شهرة تذكر ولم يطبع أعماله المهمة أيضاً، فهو لم يُعش إلا 41 عاماً، أكل السلّ رئته، ومات سنة 1924 في مصحٍ خارج فيينا... أخذ النقاد يعدون كتاباته سمة من سمات القرن العشرين وتعبيراً جوهرياً له. تفرّد كافكا نابع الى حد كبير من "تقاطع الكتابة والتجربة المعاشة" بحسب المؤلف جون ليشته (خمسون مفكرا أساسيا معاصرا من البنيونة إلى ما بعد الحداثة/ المنظمة العالمية للترجمة)، وهو لا يعيش لأجل كتابته فحسب، بل في كتابته أيضاً. ثمة "كافكالوجيون" في الكتابة أغدق كونديرا الكثير من الكلام حولها، وكافكا بالنسبة إلى بعضهم أصبح استعارة رمزية اذ لا يزال الكتّاب يفتشون عن ألغازه واساطيره الغرائبية الواقعية، وأدلى الناقد الفرنسي رولان بارت في سبعينيات القرن بدلوه في مقاله "‬جواب كافكا" ففرق بين كافكا والكافكوية قائلا: "‬كافكا ليس الكافكوية. منذ عشرين سنة والكافكوية تغذي الأعمال الأدبية الأكثر اختلافاً من كامو إلي يونسكو(...). ولما كانت آثار كافكا واقعية وذاتية في الآن نفسه، فإنها تسعف كل الناس ولا تستجيب لأحد. والحق أنه قلما وضعت أعمال كافكا موضع السؤال والنقاش، لأنه لم يكن المطروح مساءلة كافكا بقدر ما انصب السعي دائما إلي الكتابة في ظل مواضيعه". لقد اصبحت كلمة كافكوي سائرة مثل كلمة "شكسبيري" و"دانتيّ" و"دون كيشوتي" و"بروستي". بمعنى آخر، صار كافكا رمزاً والرمز مصطلحاً يجدر التعامل معه بحذر كبير، "حتى انا بالفعل، لم أعد اعرف ما الذي يكون رمزاً"، يقول الايطالي امبرتو ايكو. كافكا رمز في كل شيء. في علاقته بمدينة براغ وفي تنظيراته عن الكتابة، عن اصوله اليهودية وسلطة والده وأمه وعمله والقانون الذي حوله والأنظمة البيروقراطية التي كرهها، ورمزية مسخه وصولا الى علاقته بالفتيات والمومسات والجنس وتأثيره على معظم الكتاب الكبار في العالم، اذ بات هناك موجة اسمها "أبناء كافكا"، من أندريه جيد ويونسكو وكامو، إلى رولان بارت وموريس بلانشو ومارت روبير وفيليب روث، فبرنار بينغو وغريزلدا لايرنر وهاروكي موراكامي وأورهان باموق وصادق هدايت وايمري كيرتس بورخيس ورولفو وكالفينو وبول أوستر وكونديرا وايفان كليما.

ومنذ صدور كتاب الناقدة العراقية بديعة أمين "‬هل ينبغي إحراق كافكا؟" عام 1983، وربما كان أشهر ما يعلق في الذاكرة من الكتب التي خاضت في النقاش الإيديولوجي حول كافكا، وقدمت أبحاثاً كثيرة عنه، تعود أول التقسيمات بين القائلين بصهيونية كافكا وتأييده لها والمدافعين عنه والرافضين لأية علاقة له بهذه الحركة إلى بداية السبعينات من القرن الماضي وتحديدا بعد أن ترجمت رواية "أميركا" إلى العربية. والجدل حول كافكا سمح بصدور بعض الكتب في العالم العربي أبرزها "كافكا والكافكوية والرواية العربية والبحث عن الخلاص" لنجم عبدالله كاظم (المؤسسة العربية للدراسات والنشر). الكتاب في تمهيد وقسمين، تناول التمهيد معرفة العرب للآداب الأجنبية وتأثر روائييهم وقاصّيهم بها، خصوصا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كما تمثّل ذلك بشكل خاص في تيارات ومذاهب الفردية أو الفردانية والذاتية، مثل الوجودية والعبث واللامعقول والفنتازيا، وتعلّق بها تيار الوعي. وتناولت فصول القسم الأول، فرانز كافكا وأدبه، والكافكوية بوصفها تيارا، إذ يتمركز حول كافكا وأعماله، فإنه لا يقتصر عليه. أما القسم الثاني فقد تناول من وجدهم المؤلف أهم وأبرز من نزعوا في رواياتهم نزوعا كافكاويا، تأثروا بكافكا أم لم يتأثروا التأثّر المباشر به، من الروائيين العرب، ومنهم: السوري جورج سالم، والعراقي محي الدين زنكنه، والمصري صنع الله إبراهيم، والفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، والأردني إبراهيم نصرالله، والمصري يحيى الطاهر عبدالله. ويلاحظ صاحب الكتاب أن الناقدة الفرنسية مارت روبير حاولت في كتابها "وحيداً مثل كافكا" أن تقدم تفسيراً مقنعاً لهذه الظاهرة فقالت: "‬الغريب أنّ كافكا الذي لم ينتم طيلة حياته إلي أيّ تيار أدبي، صار بعد وفاته قائد كل أولئك الذين يتوقون إلي حل مشكلات عاجلة فصاروا يبدعون أو يسعون إلي بعث طليعة جديدة". ولكن هذا التفسير يظل محدوداً وجزئياً جداً،. ففيما كان البعض يصفه بأنه واحد من عظام كتّاب الواقعية، اعتبره فريق آخر الإرهاصة الأولى التي دشنت العبث الوجودي وتهيأ لآخرين انه اول من وضع أسس الأدب السوريالي، فيما اعتبره فريق آخر من كبار كتّاب الرمزية. وتتابعت التشخيصات متنافرة: فهو اشتراكي، ملحد، مؤمن، متشائم، متفائل، سوداوي، يهودي، انساني، عابث، باحث عن الحقيقة. وثمة جانب في حياته يتعلق بموقفه من اسرائيل ومن العرب.

أيقونة تحترق
على أن الكتاب الاكثر جدلية "كافكا عربيا/ أيقونة تحترق"(صدر بالألمانية أولا)، وفيه يسلط عاطف بطرس العطار الضوء على كيفية تلقي أعمال كافكا عربيا من خلال تحليل هذه الأعمال والإسقاطات السياسية التي حملتها ودراستها من خلال دلالاتها المجتمعية والفكرية والأدبية. يقترح بطرس قراءةً مختلفةً لموقف كافكا السياسي قائلاً بضرورة الفهم العميق للسياق الذي فَرَضَ آنذاك على الكاتب اليهودي اتخاذ مواقفه في إطاره... ويهتم العمل في المقام الأول بالدراسة والبحث في كيفية تناول كافكا عربيًا منذ العام 1939 وحتى يومنا هذا، كانت البدايات مع الشاعر المصري الفرانكوفوني جورج حنين الذي كتب فيها عددًا كبيراً من المقالات باللغة الفرنسية. كما اشتغل طه حسين من ناحيته بشكلٍ مكثفٍ على دراسة أعمال كافكا وأفكاره لكي يضعها في متناول يد القارئ العربي. هنا يتبين بشكلٍ دقيقٍ كيف أن أفكار كافكا قد انعكست على مشاريع الكاتبين الثقافية، وأعانت طه حسين في طرح أفكاره المتعلقة بالقراءة العلمانية للتقاليد الإسلامية، فطه حسين كتب مقالاً صدر في منتصف الأربعينات، قارن فيه بين أجواء عالم كافكا والمعري معتبراً أن كلا الأديبين عاشا عصراً من الاضطراب والأزمات والفساد، وأن كلاهما عاش متأرجحا بين اليأس والأمل. وبحسب العطار فتح طه حسين الباب على مصراعيه لاستقبال أدب كافكا في المنطقة العربية. بينما وفَّرت للشاعر جورج حنين الحجج في نضاله في إطار الحركة السريالية المناهضة للفاشية وفي سياق حركة الطليعة العلمانية في مصر.


 بعد هذه المرحلة الأولى بدأت مرحلة ستينيات القرن العشرين التي اتسمت بغزارة ترجمة أعمال كافكا إلى اللغة العربية(يسجل الباحث عشرات الترجمات لاعمال كافكا وعشرات الابحاث عنه) التي لم يرافقها اهتمامٌ متزايدٌ في أوساط المثقفين فحسب، بل رافقها أيضًا تنامي القراءة المُنتِجَة ومعالجة المواضيع والقضايا الكافكاوية في الأعمال العربية المعاصرة. كتب يانس هانسن، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تورونتو، "بعد الهزيمة العربية في عام 1967، برز نوع جديد من التفاعل مع كافكا في تشرين الأوّل 1917، نشر مارتن بوبر قصة خرافية قصيرة لفرانز كافكا بعنوان "بنات آوى وعرب" في مجلته الصهيونية النمسوية "اليهودي (دير يودا)". وقد أوصى بالقصة صديقهما المشترك ماكس برود، الذي أكد لبوبر أن عمل كافكا ينتمي الى "الوثائق الأكثر يهودية في زمننا". كتب كافكا "بنات آوى وعرب" فيما نسبة الهجرة اليهودية من أوروبا الشرقية الى فلسطين في انخفاض، وقبل نصف عام فقط من إلزام وعد بلفور حكومة "جلالة الملكة" بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. هذه القصة الخرافية القصيرة المفتوحة على تفسيرات مختلفة وسياقها المتعدد المستويات، يثيران أسئلة حول علاقة كافكا بالصهيونية وفلسطين. والنظر في طبيعة هذه العلاقة ليس من باب الفضول التاريخي والأدبي فحسب، بل يرتبط بمحاولات مصادرة كافكا كمؤيّد وداعم للحركة الصهيونية على أرض فلسطين. عاطف بطرس لا يرى في هذه القصة ما يبرر اتهامه بالصهيونية، وهو يقول: "مَن يقرأ مخطوطات كافكا ويومياته سيتأكد أنه كان متشككاً تجاه المشروع الصهيوني، كما أن كافكا لم تكن له اهتمامات سياسية. قد يكون قد تعاطف مع فكرة الظلم الواقع على اليهود في أوروبا وضرورة أن يجدوا مكاناً آخر، ولكنه كان متشككاً بالنسبة لهذا المشروع".
ولكن هل حجب النقاش حول "صهيونية كافكا" المزعومة، النقاش حول قيمته الأدبية في المنطقة العربية؟ بطرس يرد على السؤال قائلاً: "من اشترك في هذا النقاش لم يكن يهتم بكافكا أدبياً. لقد استخدموا كافكا وسيلة لبعض التحليلات السياسية. وفي ندوة عقدت في الدوحة يسأل عاطف بطرس: ما علاقة كافكا بفلسطين؟ وهل الحكاية الفلسطينية كافكاوية؟ وهل ينام كافكا تحت جلد كل مثقف عربي وفلسطيني؟.هكذا كتب محمود درويش في قصيدته "بيروت" في العام التالي للاجتياح الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية:
"ووجدت كافكا تحت جلدي نائمًا
وملائمًا لعباءة الكابوس، والبوليس فينا"

ويبرز العطار أن كافكا من المنظور العربي لم يبقَ ذاك النبي أو القديس المبجل فحسب، بل تجلى أيضًا في صورة الشيطان. وأشار الباحث إلى أن كافكا فكر في السفر إلى فلسطين، غير أنه لم يفعل؛ وإنما سافرت أوراقه ومخطوطاته التي حملتها حقيبة نازح يهودي غادر براغ قبل أن يجتاحها الجيش النازي بلحظات في عام 1939، وبقيت معظم أوراق أديب براغ في فلسطين. عدّت هذه الأوراق إرثًا ثقافيًا في إسرائيل، وأودعت مكتبة إسرائيل الوطنية. أما النازح اليهودي، فهو صديقه ماكس برود الذي قدم كافكا للعالم في ما بعد على أنه صهيوني.

كافكا الآخر
 ثمة كتاب آخر يتقاطع مع كتاب عاطف العطار وهو "كافكا الآخر: أدب كافكا يدحض اتهامه بموالاة الصهيونية"لعلاء اللامي (صدر عن مؤسسة الانتشار)، ويحتاج مقالة خاصة، وفيه يعتبر أنه لم يتعرض أديب مبدع، أثر بشكل عميق في أجيال من الأدباء الذين جاؤوا بعده، للظلم والتشويه والافتراء وتحريف السيرة والعبث في الإنجازات الأدبية كما تعرض كافكا. والغريب والجدير بالتفكر، أن الذين يبرئون كافكا من تهمة التعاطف او التحمس للحركة الصهيونية مثلاً، هم في الأغلب نقاد وأدباء غربيون أوروبيون منصفون، يعتمدون المنهجيات العلمية، أما الذين انهمكوا في نبش وتحليل الوثائق والمدونات التي حرصت الحركة الصهيونية على إخفائها أو التعتيم عليها لترسيخ ذلك الاتهام، فهم في الأغلب نقاد وأدباء عرب يعتمدون الخطاب البلاغي المسطّح. لقد حاول الصهيوني ماكس برود حبس بحر شاسع يدعى كافكا في علبة سموم صغيرة اسمها "الحركة الصهيونية". يقول المؤلف: تكرر الإنقسام الحاصل في الساحة الأدبية والفكرية الغربية بصدد كافكا وأدبه، ولكن بشكل أكثر تأزماً وحدّة، رغم انه لا يخلو من السطحية والتناول الأيديولوجي نظراً لخصوصية الصراع بين العرب والحركة الصهيونية ودولتها مما أعطى الإنقسام والإختلاف حول كافكا مذاقاً عربياً بامتياز. ففي معسكر المتهمين لكافكا نجد نقاد أو أدباء عديدين من بينهم كاظم سعد الدين وسعدي يوسف وسعيد الحكيم وفيصل دراج وأنور العتاني والدكتور محمد موعد، اما مؤيدو كافكا والساعون لتبرئته من تهمة الصهيونية فنجد نقاداً ومبدعين كثراً من بينهم الدكتورة بديعة الأمين والروائي واسيني الأعرج وصلاح حاتم والدكتور عبدو عبود. 
 

وللحديث صلة...

ليست هناك تعليقات