فيليب روث: الروائي مثل سنجاب يراقب أشياء مجهولة


محمود عبد الغني

"فيليب روث يشرح". هكذا عنون ملحق الكتب بجريدة "لوموند" الفرنسية، العدد الماضي، مقالته الرئيسية حول كتاب "لماذا نكتب؟" (ترجمة: لازار بيتون، ميشيل وفيليب جاوورسكي، وجوزي كمون، 680 صفحة). والجواب عن السؤال "لماذا نكتب؟" استدعى العودة إلى النصوص الكبرى التي تركها وراءه هذا الروائي الأميركي الذي توفي منذ سنة (22 ماي، 2018)، ودُفن في المقبرة الجميلة بـ"بارد كوليج" بنيويورك، قرب قبر حنة أرندت، وصديقه نورمان ماينا، وهكذا يمكنه حسب صحيفة "لوموند": "تبادل نكات يهودية". ليس هذا كل شيء، فهو الذي لم ينشر شيئاً منذ سنة 2012، ترك وراءه وصية أدبية أطلق عليها عنواناً، هو نفسه عنوان كتاب "لماذا نكتب؟". وقد كرس كل النصوص لقضايا أدبية كثيرة ومتنوعة، وأغلبها غير مترجم إلى الفرنسية.

لماذا يستعيد الفرنسيون مثل هذه الأسئلة، التي يظهر كل يوم أنها في حاجة إلى أجوبة جديدة؟. الفرنسيون مغرمون بتفاصيل الكتابة، بكواليسها البعيدة عن نظر القراء. ولا يتعلّق الأمر بكواليس الرواية، بل بتأليف الكتب بصفة عامّة. إن تأليف كتاب، حسب النظرة الفرنسية، هو جمع قطع بازل ضخم. هنا، حين يجلس الكاتب من أجل التأليف، يساعده حلمه على امتلاك صوت. يبدأ في التوثيق. جميع أشكال حبّه للكتابة والقراءة تجتمع في قوة واحدة. تعود الأفكار الكبرى، وتنبعث الوجوه الوصية، تلك الوجوه التي أعطت للكُتّاب دروساً عظيمة مليئة بالحكمة.

ظهر كتاب "لماذا نكتب؟" في الولايات المتحدة سنة 2017، جمع فيه ف. روث نصين قديمين: "من جانب بورتنوي" (1978) و"لنتحدث عن العمل" (2004)، لكنه أضاف إليهما 150 صفحة لم يسبق أن نُشرت تحت عنوان "توضيحات". والكلّ شكّل كتاباً آسِراً، جمع فيه خطابات، مقالات صحافية، دراسات عن مهنة الكاتب وتعليقات عن رواياته. كما 
"ظهر كتاب "لماذا نكتب؟" في الولايات المتحدة سنة 2017، جمع فيه ف. روث نصين قديمين: "من جانب بورتنوي" (1978) و"لنتحدث عن العمل" (2004)، لكنه أضاف إليهما 150 صفحة لم يسبق أن نُشرت تحت عنوان "توضيحات"" تطرّق إلى طفولته في نيوجيرزي، موت الرئيس روزفلت وكتاباته الأولى التي نشرها تحت اسم مستعار "إيريك دانكان". ووسط هذه الذكريات دسَّ رسالة "عزيزتي ويكيبيديا، أنا فيليب روث"، طلب فيها تصحيح بعض الأخطاء المتعلّقة بروايته "المهمّة" (غاليمار، 2002)، ويؤكّد فيها أنه هو، فيليب روث، المصدر الموثوق به الذي ينبغي الرجوع إليه.
من هذه الكتابات المختلطة يظهر تصور روث للكتابة: "تقديم صورة للإنسانية في كل تنوعها". هكذا يرى نزعة الرواية. وهذا يذهب بالتوازي مع الشغف بـ"التنويم المغناطيسي المادي للعالم" الذي جعل من الولايات المتحدة ما هي عليه. شغف يقع، كما يؤكّد، في قلب انشغالات الرواية الأميركية "منذ ميلفيل وحوته الضخم أو مارك توين ونهره".

هذه المادية العالمية يعود إليها روث بين حين وآخر في المحادثات التي أجراها مع معاصريه بين سنوات 1980-1990: صول بيللو، معلمه المطلق، بيرنار ملامود، إسحاق باشفيس سينجر، أهرون أبلفيلد... عندما زار مشغل الرسم للفنان بريمو ليفي في تورينو، سنة 1986، أبدى إعجابه بـ"موزاييك الأنابيب والبراميل، والخزّانات والساعات القديمة. التعدّد الفاتن للتفاصيل: هذا ما ترتكز عليه أصالة كل روائي عظيم، ذلك الذي يقف أمام العالم مثل سنجاب يراقب شيئاً مجهولاً من حفرة بين الأحجار".
إنها غرابة الشيء التي يمكن أن تعمل الفكرة على إظهارها، كما تعبر عن ذلك الحكاية التي رواها من كتابه "سرٌّ لم يفشَ أبداً لأي أحد": ذات يوم، وأنا في سن الثالثة والعشرين، عثر في أحد المطاعم بشيكاغو على ورقة نسيها أحد الزبائن. كانت تضم تسع عشرة جملة لا معنى لها. هل كانت عبارة عن قنّ سرّي؟ خدعة دادائية؟. "لا تسألوني كيف"، كتب يقول، "لكن ما توصلت إليه هو أن الأمر يتعلّق بالأسطر الأولى من كتب ألّفتها فيما بعد". لكن روث تساءل: ماذا لو سبقه الشاب الخادم الذي ينظف موائد المطعم؟ وبقي هو في بيته، ذلك المساء، "من أجل أكل الفاصوليا"؟ لن يتوصّل أبداً إلى التفكير في أن مهمّته هي "إكمال عمل حياة كاملة انطلاقاً من تلك الجمل الغامضة على قطعة من الورق". وأي "كتب كان سيكتب؟".
ربما لن نخطئ إذا ما تساءلنا إلى أي حدّ سيكون روث مصدراً شرعياً عن روث نفسه؟. لا شكّ في أن هذا الارتياب سينتج حكاية مشوّقة.
في نهاية الكتاب يلاحظ الكاتب أن "هناك علامة بالحبر الأحمر أمام كل جملة". وها قد انتابه الخوف. من يعرف؟ ربما انطلاقاً من تلك اللحظة بدأ في زيارة المقابر؟
ضفة ثالثة

ليست هناك تعليقات