عيسى الحجيري... "بدها فرخ دبكة"



كنا إثنان في سيارة الفولفو الخضراء الخاصة بي، تلك العربة النشيطة، طيّب الله ثراها ويسّر عاقبتها في في مثواها الأخير الذي يمكن ان يكون في واحد من أماكن إعادة صهر رفات السيارات في الصين أو الهند، والتي لا أستبعد أن تكون تعيش حياة ثانية أو ثالثة في الأدوات المنزلية التي أشتريها من محلات الـ(وان دولار) العامرة.
كان معي في تلك الرحلة من الرحلات المتكررة شبه يومياً، بين مدينة الشمس بعلبك وبلدة سعدنايل، الرفيق المناضل خالد شلحة ( أبو شعبان)، أطال الله بعمره، وكنا نعد ونحسب حواجز قوات الردع العربية التي عمادها الجيش (العربي!) السوري، رحم الله قائدها اللواء سامي الخطيب الذي شيع إلى مثواه الأخير منذ مدة وجيزة، وكان عددها يتراوح بين ثلاثة وثلاثين وسبعة وثلاثين حاجزاً مسلحاً، وكنا نتوقف عند كل دولاب عتيق مرمي على قارعة الطريق وأمام كل برميل او كيس من الرمل خشية أن يكون هنالك حاجز عسكري غير مرئي، أو حاجز طيّار، فنطير نحن إلى عالم الفناء إذا لم نتوخ الحذر ونتوقف عند كل مظهر عسكري، وكان طريق سيرنا يمر عبر رياق إلى ديرزنون إنعطافاً نحو برالياس وطريق الشام، نظراً لأن طرقات زحلة كانت مقطوعة ومحظورة عسكرياً بطوق محكم؛ وفي وصولنا إلى مفرق مباني العسكريين عند مفترق رياق علي النهري، وبعد اجتياز مسافة قليلة شاهدنا صفوف السيارات متوقفة على بعد مئات الأمتار منا في طابور طويل لا يظهر لنا آخره، وقد تبادر إلى ظننا أن هنالك أمراً طارئاً يحول دون مرور السيارات، وبعدما اقتربنا بحذر شاهدنا الجنود المسلحين يصوبون أسلحتهم على السيارات يوقفونها وينزلون ركابها أرضاً ويوجهونهم سيراً إلى الأمام، كان من الحماقة أن نحاول الإستدارة إلى الخلف والرجوع على أعقابنا، لأننا سنتعرض حتماً إلى إطلاق النار كمحاولين الفرار مما يحصل. وعند وصولنا إلى طرف الصف كانت أمامنا سيارة تقل نساءً وبعضهن عجائز وإحداهن عاجزة عن المشي وهي تتوسل الجندي الذي ينهرها ويأمرها بالتوجه نحو الساحة عند مدخل رياق على الدوار الذي فيه مفارق علي النهري ومنطقة رعيت وشرقي زحلة. وعندما وصل الجنود إلينا وجهوا سلاحهم نحونا وطلبوا منا النزول وترك السيارة في مكانها والتوجه بسرعة نحو ساحة دوار المفارق؛ ولم تشفع لنا محاولات التعريف بأنفسنا كـ "قيادات مركزية"

لم يكن ممكناً، مع حالة التوتر والانفعال التي تسيطر على العسكريين، السؤال عما يجري على تلك الساحة هناك، وقدّرنا ان يكون هنالك أمر جلل يحصل في ذلك المكان حتى تُساق الناس إليه تحت قوة السلاح، وحالما خرجنا من السيارة وتركناها في منتصف الطريق البالية والضيقة، وسرنا وسط الموكب المجتمع من الناس، المؤلف من الكبار والصغار والنسوة العجائز والصبايا والأولاد في حين بدأت تتناهى إلى أسماعنا أصوات الطبول والزمور والرشقات النارية والأهازيج الغير الواضحة من على بعد مئات الأمتار، كنا نتلكأ في السير كغيرنا من الناس إلا ان العسكريين المتوترين والمتصببين عرقاً وانفعالاً يحسوننا على تسريع الخطى تحت فوهات البنادق الكلاشنكوف الروسية، ومن النسوة من كانت ترجو العسكريين الرأفة بحالها:
- دخلك يا إبني أنا مريضة ودايخة، رايحة لعند الحكيم عندي وجع بظهري ما فيني إمشي، فينهرهن: ما بعرف يالله عجلوا. 

وكلما اقتربنا كانت تسمع الصرخات العالية الغير المفهومة بوضوح: باليرو بيلدن نفكيك يا حافي!

ووصلنا أخيراً إلى ساحة الإحتفال وعندها اتضحت لنا الهتافات: "بالروح بالدم نفديك يا حافظ" كما اتضح مدى ضعف وضحالة أفكارنا القومية وجهلنا بالتواريخ المجيدة،  إنها ذكرى "الحركة التصحيحية المباركة" كما تقول اليافطات المرفوعة فوق المكان.
- يالله يالله امسكوا بالدبكة؛ أمرنا العسكري بانفعال ظاهر.
- ولكننا لا نعرف أن ندبك يارفيق؛ حاولنا التوضيح؛ لكن عذرنا لم يُجدنا نفعاً.
- يالله امسكوا بتصيروا تعرفوا؛ نهرنا المجند المرهق تعباً.

كانت سلسلة حلقة الدبكة طويلة جداً، وفيها من كل الأعمار من الجنسين، وكل يحرك يديه ورجليه كيفما اتفق، على وقع الطبول والمزامير التي يقوم بها رجال يرتدون شراويل سوداء تعلوها سترات واسعة الأكمام مطرزة بالخيطان المقصبة وموشاة بالخطوط الذهبية البالية الألوان، ويعصبون رؤوسهم بكوفيات ذات ألوان سوداء، تطغى على الأصوات بين الحين والآخر زخات الرصاص والهتافات العشوائية، وكل ذلك تحت فوهات الرشاشات الثقيلة والمتوسطة المصوبة نحو الإحتفال، والمركبة فوق عربات مدرعة ومجنزرات تطوق ساحة حلقة الدبكة.

أذكر أني همست لصاحبي: أنا أفهم أن تجبر الناس على الحزن والكآبة بالقوة، لكن أن تجبرهم على الفرح بالقوة فهذا شيء غريب وجديد!! 

لم يطل الأمر لأكثر من نصف ساعة، حيث انتهى الإحتفال بتوزيع القهوة العربية المرة على المحتفين؛ فتنفسنا الصعداء أخيراً لأن الأمور مرت بسلام وعاد كل إلى عربته ليستأنف طريق سيره. 

وكان من نتائج ذلك أن تأخرنا عن موعد اللقاء مع "ممثلي الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية وفصائل الثورة الفلسطينية في البقاع" الذي كان منعقداً في أحد المقرات في سعدنايل، وعندما عرضنا ما حصل معنا امام نائب رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي الرفيق المحامي دريد ياغي، أطال الله بعمره، إنفجر ضاحكاً وقال متهكماً: يبدو أنكم تدربتم على الدبكة، قوموا نعمل فرخ دبكة؛ وحتى اليوم كلما التقيت به يبادر إلى القول: شو رأيك نعمل شي فرخ دبكة؟ بدها فرخ دبكة.


ليست هناك تعليقات