عادل فاخوري في ذكراه الثالثة... متمرد بلا ضجيج

نصري حجاج


هذا مفكر حقيقي وفيلسوفٌ وشاعر صديق يترك رحيله غصةً في القلب، فقد جمعتنا ذكرياتٌ، وكان بيننا مودة، على الرغم من أنني لم ألتق به في السنوات الأخيرة. عرفت عادل فاخوري في نهايات السبعينيات في بيروت، حين كانت بيروت أرضاً لتناقضاتٍ تحمل في منعرجاتها مساحات للحرية، ولكل التيارات السياسية والثقافية المختلفة. كانت منظمة التحرير الفلسطينية في سنواتها الأخيرة في لبنان آنذاك، بكل عثراتها وهشاشتها التي ستقودها إلى الهزيمة الثانية بعد أيلول الأسود، والتي ستكسر ظهرها بالخروج من بيروت في العام 1982، تمثل هوية وملاذاً للباحثين عن هوياتهم وحرياتهم من مثقفين ومناضلين من العالم العربي والعالم. كانت بيتاً في ذلك الزمن الشقي بجماله، والبائس بمآلاته، لشعراء وسياسيين عراقيين وسوريين وأكراداً وأتراكاً ومصريين وتونسيين ومغاربة وسعوديين وبحرينيين ويمنيين وإيطاليين وأيرلنديين ويابانيين وألمان وأميركيين. وكنا نحن، بضعة من الفلسطينيين المليئين بجموح الشباب، والمنشغلين بالشعر والأدب والسينما ومثالية الأحلام، المتمردين على غيتو الفاكهاني، في مغامرة تتجاوز حصار الهوية في هذا الغيتو الذي صار متعباً في تلك النهايات من السنين، نخترق الحصار، لنبحث عمّن يشبهوننا خارج الفاكهاني.
كان لقائي الأول مع عادل فاخوري في "شي أندريه". وكان عبد الأمير عبد الله الملاك الوسيط الذي قدمنا إلى أصدقاء لبنانيين كثيرين، احتلوا حيّزاً عطوفاً في قلوبنا. كان عبد الأمير يسميه الدكاترة عادل فاخوري، فهو حاصل بجدارة على شهادتي دكتوراه في الفلسفة والمنطق الرياضي، وهو ضليع باللغات اللاتينية والإغريقية القديمة، والألمانية لغة الفلاسفة، والفرنسية والإنكليزية، والإيطالية التي أتقنها في حاضرة الفاتيكان، حيث أرسلته عائلته إلى هناك، ليدرس علم اللاهوت، على أمل أن يصبح من رجال الكنيسة الفقهاء في علوم المسيحية والأديان، كما قال لنا. لكنه، بعد فترة وجيزة، أحس بأن الله ألقى به في دروبٍ أخرى، قد توصله إلى نهاياتٍ أمضى عمره في طرق أبوابها وفتح مغاليقها، فآثر دراسة الفلسفة، ثم العلوم المرتبطة بها من المنطق وفلسفة اللغة والرياضيات وفلسفة العلوم، وما إلى ذلك من العلوم والمعارف التي لا تحتملها العقول العادية. كان عبقرياً ومشغولاً بالعقل ومساربه وطرقه في التفكير والتحليل والتفكيك والتركيب والتبصر، وفهم طرق البصر، بما لها من علاقة باللغة وتراكيبها البسيطة والمعقدة. ولهذا، كان عادل فاخوري يأتي إلى حانات شارع الحمراء، ليس رسولاً يحمل كتاباً أو رسالة للسهارى الباحثين عن نفوسهم، بل كان يأتي ليستريح من انشغالات عقله بالدراسة والبحث في علومٍ عصية على الناس، لينة وواضحة أمام بصيرته.
أوصاني عادل فاخوري، في خريف 1979، قبل سفري إلى لندن للدراسة العليا، أن أدرس وأجتهد، وبأن لا ألهو كثيراً، فاللهو يأتينا ولا نقصده، أما المعرفة فلا تأتي إالاّ بالسعي وراءها.
في التسعينيات، وفي كل مرة التقيته، كان يسألني السؤال نفسه، ويكرّره في الجلسة الواحدة مرات: لماذا لم تأخذ الجنسية اللبنانية؟ ويصيح بصوته الودود: شو؟ بعدك فلسطيني؟ وكنت دائماً أجيبه: عندما حصل آلاف الفلسطينيين على الجنسية في العام 1994 تأخرت بالنوم، ولو صحوت باكراً لكنت لبنانياً الآن! ويقهقه عادل فاخوري، وتحملني قهقهته إلى تلك اللحظات التي قرأت له قصائده الإلكترونية في مجلة رصيف 81، مجلة المتمردين في الفاكهاني ضد البيروقراطية الفلسطينية، بعد إصدارهم "المنافيستو الجنائزي". 
كتب فاخوري قصائده تلك في التسعينيات. وكانت "رصيف 81" التي أسسها الفلسطينيان رسمي أبو علي والشاعر الشهيد علي فودة والشعراء العراقيون الراحل آدم حاتم وغيلان وأبو روزا وولف، قد احتفت بتلك القصائد البصرية التي نشرت أول مرة فيها. كان يزورنا في مطعم توليدو في الفاكهاني، ولطالما كان يذكّرني، في كل مرة، بأن جدّته لأبيه كانت فلسطينية من يافا.

ليست هناك تعليقات