ملكتنا الأولى الصِبا والجَمال ملك يديكِ أيُّ تاجٍ أعزّ من تاجَيْكِ



محسن أ. يمّين
مطلع قصيدة خصّ بها الأخطل الصغير جميلة الخليل، أوّل سيّدة أنتخبت ملكة جمال لبنان. وصار هذا البيت بالذات على كلّ فَم يجدُ صاحبه نفسه في حضرة الجمال الطاغي الذي يدفعه الى تسبيح الخالق، عزّ وجلّ.
والجمال الآسر لا يسعك الاّ أن تُكبر دَوْرَ الصورة، جامدةً ومتحرّكةً، في حفظه من عَبَث الزمن، والإبقاء عليه، كما هو، دون ان تمسّه التجاعيد التي يحفرها العمر على الملامح، أو يُهال عليه، بعد ذبوله التراب. تراب الفناء الذي هو مصير كل كائن حيّ.
راودتني هذه الأفكار وأنا أتطلّع الى أوّل ملصق لأول مهرجانات قد تكون نُظّمت في إهدن، من 7 تموز الى 28 تموز 1932. وهو تاريخ مبكر، لا بل سبّاق جداً في قائمة المهرجانات اللبنانيّة ككلّ. ملصق زُيّن بصورة لآنسةٍ إهدنية، باهرة الجمال، تظهر وهي ترتدي قبعة يتدلّى منها منديل يلتفّ حول بياض عنقها، وهي تحمل باقة ورد. وعن يسارها، في الأسفل، عصفور يهمّ بالتغريد. ملصق نميل الى الظن بأنه قد يكون طبع في مطبعة "صدى الشمال" التي كان صاحبها المحامي فريد أنطون وراء اطلاق عدد واسع من الجمعيات، وما لا يحصى من الأنشطة، في زمانه. وعرفت، بعد التحرّي عن الأمر، ان صاحبة هذا الوجه البهيّ هي المرحومة دميا فرنجيّة، إبنة سليم بريص فرنجيّة التي ستصبح، في وقت لاحق، زوجة طنّوس غالب فرنجيّة. وعرفت أن صورة دميا على الملصق لم تكن سوى خطوة أولى على طريق اشتهارها، وذيوع صيتها. وإن شهرتها ستتضاعف، بعد سنتين، حين ستنتخب هذه الغادة الحسناء أول ملكة جمال لإهدن وتَمثُل، بتاجها ووشاحها وفستانها الأبيض، أمام عدسة المصوّر جورج حنا يمّين. فتخلّدت اللحظة بلقطة استقرّت نسخها في الألبومات القديمة. وربّما جابت المهاجر، وسطعت على صدر صفحات غير مجلّة وجريدة.
فظهور دميا فرنجيّة في المُلصق لا بدّ أن يكون اعطاها دفعاً معنوياً سيقودها الى الإشتراك في أول مباراة جرت لإنتخاب ملكة جمال. وسيكون نصيبها الفوز في تلك الليلة التي تقول جريدة صدى الشمال في عددها 800 الصادر في 29 آب 1934 أن "أوتيل بالاس" كان خلالها مشعشعاً بأنوار الكهرباء التي كانت اهدن في أول عهدها بها. وقد تمّ انتخابها ليلذاك "وسط عواصف التصفيق، وعزف الموسيقى، وعبارات التهنئة"، كما أضافت الجريدة تقول، من قِبَل لجنة تَحكيم تألّفت من السيّدات عقيلات سليمان فرنجية (الرئيس)، المهندس الياس البواري، جميل حنا الضاهر، ومن فريد جعجع، يوسف بك كرم (النائب)، والدكتور شاكر فرنجية (رئيس البلدية)، الشاعر هكتور خلاط، والمحامي فريد أنطون. فكانت أول ملكة جمال في اهدن، وملكة الصيف.
يومها، كانت "الجمعية الخيرية الإهدنية" التي كانت تضمّ، فيمن تضمّ، فريد أنطون والصحافية إلفيرا لطوف، وسواهما، وراء الفكرة، ووراء إقامة هذا الحفل الذي "تخاصر فيه الجنسان" حتى ساعة متأخرة من الليل.
كان ذاك يوم كان الجمال الطبيعي هو السيّد. جمال لم يكن يحتاج الى النفخ، والشدّ، والعمليات الجراحية التجميلية المضيّعة لحقيقة الشكل، ولأصل الملامح.
قليل من المستحضرات كان يكفي. ويتولّى الحسن الفتّان الباقي.

شكر خاص للصديق سليم بريص فرنجية (السلطان) على تعاونه.

ليست هناك تعليقات