محمد خضير... الزيطة


استُخدِمت الطيور كثيراً في تصانيف الأقدمين سفراء للحبّ والشوق والعودة إلى موطن الطفولة. ويذكر ابن حزم أخباراً عن عشاق يتراسلون بوساطة حمامة تُعقد الرسائل في جُنحيها ثم تعود محمّلة بمثل ما أرسِلَت به من دعوة الوصل واللقاء. وفيما صارت حمامةُ نُوح علامة على استمرار الحياة بعد الطوفان، فإنّ حمام الزاجل ظلَّ ينقل أخباراً من مناطق تقع خلف البحار والمحيطات، والمعاقل والجِنان المفقودة، وهو مستمر على ذلك حتى وقتنا هذا. فإذا أراد أديب معاصر ابتعاثَ هذه الأدوار في قصة أو قصيدة (متناصاً مع رسالة العطار وابن سينا أو مع قصيدة الإمام الشافعي وأبي فراس الحمداني) فغالباً ما يهدف وراء ذلك إلى تقديم مغزى الحكمة والتصوف الروحي على دلالة العشق والعاطفة الجسدية. 
هل تعني هذه المقابسة بحقّ قومنا الذين نعيش بين ظهرانيهم؛ وأغلبهم يربّي الحَمام والعنادل و طيورَ الكناري أو الدجاج وحتى الطواويس في بيته؛ أنّهم حكماء؟ لا بالطبع. إنهم يبدون من مستوى أعلى؛ من عين طائر كما يستخدم السُرّاد هذه الوسيلة لوصفهم؛ مثل نملٍ منتشر، أو تماثيل تحمل طيورَها في أعناقها، بانتظار رسالةٍ تبعثهم للحياة مرة ثانية. (وتخايلني دوما مدينة الشاعر البريكان الحجرية)
قد يعني هذا؛ من وجهة نظر أدنى؛ إنهم يعيشون على ذكرى طائر مرّ مرور الزمن الخاطف في حياتهم، كطائر "الزيطة"، لكن مع هذا، فالزمن يبدو لكثير منهم أبطأ من سلحفاة ضائعة بين أقدامهم، لا يجدي نفخُ الرماد في مواقد أشواقهم لأجل الالتفات إلى رسائل الطير والاعتبار بفحواها مهما كانت دلالتها ومغزاها. إنهم تماثيلُ في مدينة حجرية، تتناقل الزيطةُ الوقوفَ على أكتافهم تحت لهب الشمس.
(التخطيط للفنان وصفي الفضلي)

ليست هناك تعليقات