روايات عشقها خامنئي... لكن ممنوع على غيره قراءتها

يونيو 30, 2019 اضف تعليق






روايات عشقها خامنئي... لكن ممنوع على غيره قراءتها



جميعها على قائمة كتب محظورة أصدرها خاتمي عام 1999
الاثنين - 29 شهر رمضان 1440 هـ - 03 يونيو 2019 مـ رقم العدد [ 14797]
صورة نشرها موقع المرشد الإيراني علي خامنئي أثناء جولة في معرض طهران للكتاب الدولي يقرأ في مجموعة شعرية لأحمد شاملو الشاعر الذي منعت أغلب كتبه بعد ثورة 1979 في إيران
أمير طاهري
«قُلْ لي ماذا تقرأ، أقلْ لكَ مَن أنت!»، هكذا اعتاد الناقد الأدبي الراحل محيط طبطبائي ممازحة مجتمع الصفوة والمشاهير في إيران في «أيام الزمن الجميل». بالتأكيد لم يكن هذا الادعاء من جانبه قائماً على أي دراسة علمية، ومع هذا كشفت أدلة تجريبية أن هذه المقولة ليست بعيدة عن الواقع. الحقيقة أن الكتب بالفعل تسلط الضوء على روح القارئ، بافتراض أنه لديه روح.

وعليه، فإن المهتمين بالشأن الإيراني، خصوصاً في الأوقات المثيرة الحالية، لن يرضوا بالتأكيد أن تفوتهم فرصة مطالعة كتاب جديد حول «المرشد الأعلى» لـ«الجمهورية الإسلامية»، آية الله علي خامنئي، خصوصاً أنه يخصص فصلاً كاملاً لعرض الكتب التي عشق خامنئي قراءتها عندما كان شاباً.

يبدو الكتاب الجديد قريباً من كونه سيرة ذاتية، وكُتب في الأصل باللغة العربية بعنوان «إن مع الصبر فوزاً»، لكنه صدر للتوّ في نسخة مترجمة إلى الفارسية بعنوان أدبي: «قطرة دم تحولت إلى ياقوتة». وفي الكتاب، يتذكر «المرشد الأعلى»، «شغفه بقراءة روايات فارسية وعالمية»، ويصر على «التأثير العميق» الذي تركته قراءة الروايات عليه.

والآن، ما الروايات التي أسرت لبّ «المرشد الأعلى» في شبابه؟

على رأس القائمة التي طرحها خامنئي 10 روايات تدور حول السرية والتجسس والمؤامرات للروائي مايكل زيفاكو، كاتب كورسيكي - فرنسي ساعد في إضفاء شعبية واسعة على ما يصفه الإنجليز بالروايات الرومانسية المبتذلة داخل فرنسا. ويبدو الخط العام لزيفاكو بسيطاً: استقطاع شخصية أو حدث تاريخي وتحويله إلى عمل أدبي خيالي مع إضافة جرعة كبيرة من المواقف المثيرة للأسى والشجن. ويدور العالم الذي صوّره زيفاكو حول الجنس والعنف والتآمر والخيانة. في أشهر أعمال زيفاكو، «بورجيا»، فإن كبير آل بورجيا الذين هيمنوا على المشهد السياسي في فلورنسا خلال فترة العصور الوسطى، يقْدم على اغتصاب شقيقته الشقراء، لوكريس. أما رواية «نوستراداموس»، فإنها سيرة ذاتية خيالية لمحتال ادّعى قدرته على قراءة المستقبل سعياً للفوز بالمال والنفوذ والجنس والشهرة.

وقد صدرت أشهر روايات زيفاكو في سلسلة أُطلق عليها «لي باراديلون»، لم تُترجَم منها سوى اثنتين فقط إلى الفارسية.

انتمى زيفاكو إلى حركة «الأناركية» أو اللاسلطوية، وبالتالي سعى لتسليط الضوء على فساد الطبقات الأوروبية الحاكمة. وأبدى زيفاكو رفضاً قوياً للدين واعتبره «سُمّ الجماهير». ويدور بعض أفضل كتاباته حول مذبحة سانت بارتيليمي بحق المسيحيين البروتستانت على يد الملك شارل التاسع بإيعاز من والدته الشريرة كاثرين دي ميدتشي.

أما ثاني أكثر روائي مفضل لدى خامنئي فهو ألكسندر دوما، كاتب مغامرات آخر من القرن الـ19، ومن بين أبرز أعماله «الفرسان الثلاثة» و«الكونت دي مونت كريستو» و«اثنتان وعشرين عاماً لاحقة»، بجانب رواية «كاليوسترو» الأخاذة التي تتناول مغامرات جوزيف بالسامو، محتال آخر يبحث عن الجنس والمال والنفوذ. بوجه عام، تحوي أعمال دوما قدراً أقل من الجنس والانتقام والعنف عن زيفاكو، ومع هذا يتشارك الكاتبان الفرنسيان في الكثير من التشابهات، خصوصاً فيما يتعلق بالمغامرات ذات الوتيرة السريعة والتحولات غير المتوقعة من جانب القدر.

ومن الكتاب المفضلين لدى خامنئي أيضاً روائي فرنسي آخر ينتمي إلى القرن الـ19، هو موريس لوبلان الذي تتمثل أفضل أعماله في سلسلة روايات «أرسين لوبين» عن رجل نبيل يسرق النبلاء من أبناء جلدته.

وتشترك أعمال لوبلان مع روايات زيفاكو ودوما في ملمحين: أولاً، بناء عالم موازٍ كبديل خيالي للعالم الواقعي. ثانياً، شعور البطل بالازدراء تجاه أعراف وتقاليد الطبقة البرجوازية.

ويقول خامنئي إنه قرأ أيضاً «تقريباً جميع الروايات الإيرانية» التي صدرت خلال فترة شبابه.

في شباب خامنئي، نادراً ما تحركت الروايات الإيرانية لما وراء حدود الروايات الفرنسية الصادرة أواخر القرن الـ19، خصوصاً إميل زولا وهيكتور مالو وأناتول فرانس. ونظراً لأن المفكرين الإيرانيين كانوا يمقتون البريطانيين، فإن أحداً لم يعبأ بترجمة روايات إنجليزية كبرى حتى خمسينات القرن الماضي، وكذلك الأدب الأميركي حتى عقد لاحق. وبالنسبة إلى القارئ الإيراني العادي من الشباب مثل خامنئي، كانت فرنسا «القوة الأدبية العظمى» عالمياً. أيضاً، كانوا على معرفة بسيطة بالأدب الروسي، الأمر الذي يعود في جزء منه إلى كراهية الصفوة الإيرانية روسيا باعتبارها عدو فارس على امتداد قرنين.

المثير أن جميع الروائيين الإيرانيين في الفترة التي يتحدث عنها خامنئي اختاروا نساءً كشخصيات رئيسية في وقت كانت المرأة الإيرانية لا تزال تعامَل كمواطن من الدرجة الثانية.

على سبيل المثال، تدور واحدة من روايات علي داشتي حول بطلة تُدعى «فتنة» تقرر استغلال مفاتنها في الصعود أعلى سلم عالم يهيمن عليه الرجال. وتتميز بطلة إحدى روايات محمد حجازي، وتدعى «زيبا»، بذات القدر من السحر والقسوة في السعي وراء إيجاد مكان لها داخل عالم يحاول إبقاء النساء على الهامش. وهناك أيضاً «شهراشوب» (وتعني حرفياً هادمة السلام)، البطلة التي ابتكرها الروائي حسين قولي مستعان والتي تتسم بشهوة جنسية قوية لا تقل عن رغبة البطل الذكر الأساسي للرواية أقا بالا خان. وهناك رواية أخرى مشهورة لمستعان تدعى «ربيعي» بطلتها امرأة، لكنها تدور في زمن العصور الوسطى.

وهناك رواية جواد فضل، «ياغنه»، وهي تنتمي إلى نمط مختلف من الأعمال الأدبية، فهي رواية رومانسية تدور حول قصة حب بلا أمل. وحتى في هذه الرواية يبقى الدور القيادي للبطلة «ياغنه». أيضاً، تتمثل الشخصية المحورية في الرواية الثانية لفضل، «شعلة»، في امرأة، لكن العمل برمته يبدو أكثر طموحاً من الناحية الأدبية.

أما العمل الأدبي الأبرز في تلك الفترة فكانت رواية «ياكوليا» للكاتب تاغي مودريسي، وتتميز بأنها تدور في حقبة توراتية.

أما أفضل الروايات مبيعاً في ذلك الوقت فكانت رواية محمد علي أفغاني، «زوج أبو خانوم» التي أثارت جدلاً واسع النطاق في البلاد حول وضع المرأة، وجرى تحويلها إلى فيلم ومسلسل تلفزيوني.

من جهته، يقول خامنئي إنه عشق جميع هذه الكتب، لكن المفارقة أن جميع الروايات التي التهمها بشغف في شبابه على قائمة الكتب الممنوعة «التي تفسد الأخلاق العامة وتنتهك القيم الدينية» التي أصدرها الرئيس محمد خاتمي عام 1999. وبالتالي، فإن الإيرانيين اليوم الذين في مثل عمر خامنئي عندما قرأ تلك الروايات، لن يتمكنوا من قراءة الكتب التي عشقها.

ألبيرتو مورافيا... شاعراً

يونيو 29, 2019 اضف تعليق


رومــا: موسى الخميسي
تميزت أعمال الروائي الإيطالي ألبيرتو مورافيا (1907 - 1990)، الذي يعد من أشهر كتاب إيطاليا في القرن العشرين، الأدبية بالبراعة والواقعية لنفاذه إلى أعماق النفس البشرية، فقد هاجم مورافيا الفساد الأخلاقي في إيطاليا. وترجمت معظم أعماله إلى عدة لغات عالمية، كما تم تحويل كثير من رواياته إلى أفلام سينمائية. ويتسم أدب مورافيا بتبسطه في سرد مشاعر الجنس لدى أبطال رواياته، والتداخلات في الأحداث التي تنشأ عبر تلبية تلك المشاعر والرغبات، حيث إنه يتسم بالتركيز على التحليل النفسي لنوع العلاقة بين الجنسين أو الزوجين، وهذا واضح في روايته «الاحتقار». وكان مورافيا متعدد الشخصيات وجوانب الإبداع، كلما قرأته اكتشفت أكثر من زاوية جديدة لديه تستحق التوقف والدخول في أدق التفاصيل. وقبل أيام، أصدرت دار نشر «بومبياني» الإيطالية كتاباً يقع في 207 صفحات، ويحمل عشرات القصائد التي كتبها في سنوات السبعينات من القرن الماضي. وكتب الروائي مورافيا نصوصاً باللجوء إلى قصائد شعرية قصيرة جداً، كان يجمعها في ملف واحد، مما يجعلنا نقول إنه كان يفترض نشرها. والآن، ظهرت طبعة «الديوان الشعري»، وقد تولت هذا الأمر الأديبة الشابة ألساندرا أغراندليس.
الانطباع الذي مؤداه أن في كل راوٍ يكمن شاعر غالباً ما يجد إثباتاً وتأكيداً له. ومن دون شك، فإن هذا يقع أكثر مما يقع عكسه، أي القول إن في كل شاعر يتخفى راوٍ. وربما هذا يجعلنا نعتقد أن الشعر يجلب معه علاقة جذرية مع الكلمة، ومع الواقع، ويضع نفسه كجزء بسيط أو خلية أولى للإبداع. إلا أن قولنا هذا يجعلنا نغمط حق ضروب التعبير الأخرى الممكنة، أو سائر أجناس الأدب، وكأننا نجعلها شيئاً لاحقاً أو متفرعاً عن الشعر، وهو أمر غير صحيح.
أيا كانت الحال، فألبيرتو مورافيا كتب أيضاً شعراً من منتصف السبعينات، ولمدة عقد تقريباً، وتحديداً كتب 83 قصيدة، جمعها في مكتوب مرقوم، وهو ما يجعلنا نعتقد أنه كان ينوي نشرها. وقد اتسمت تلك السنين بفاجعتين إنسانيتين: الأولى جريمة قتل الشاعر المخرج السينمائي الشهير بيير باولو بازوليني (نجد أن هذا الديوان قد اختتم بقصيدة خصصها مورافيا لموت بازوليني)، ثم جريمة قتل رئيس وزراء إيطاليا الديمقراطي المسيحي آلدو مورو، وكان مورافيا مشغولاً بالتحرير الطويل المضني لروايته «الحياة الباطنة» التي ظهرت سنة 1978.
وبعد 50 عاماً من تمارين الشباب الأولى على الكتابة الأدبية، نجده يستعيد أدوات الشعر، والأحرى أسلحته، ليوجهها أولاً وقبل كل شيء ضد نفسه.
إذن، الوصل بين مورافيا والشعر لم يغب أبداً، كما تقول معدة الكتاب في الدراسة المقدمة لهذا الديوان، إذ نجدها تعيد بدقة بناء عناصر ومراحل علاقة مورافيا بالشعر: قراءات، ومعارف، ومداخلات، وترجمات، وإحالات في داخل العمل الروائي، وبالخصوص نجد أيضاً تصوراً للشعر وللشعراء.
وبالفعل، ومنذ 1931 مثلاً، نجد أن مورافيا قد نجح في الاتصال وفي التعرف شخصياً على الشاعر بول فاليري، والشاعر سان جون بارس في باريس، ثم الشاعر الإنجليزي ييتس، وبعده الشاعر ت. س. إليوت بلندن. وعند هذا الأخير، تعرف مورافيا على نجمه الهادي، بالإضافة إلى الشاعر الإيطالي الحاصل على جائزة نوبل، إيجنيو مونتالى. وهذا مفهوم؛ ذلك أن شاعر قصيدة «الأرض اليباب»، وشاعر قصيدة «شر العيش»، كانا يمثلان بالنسبة إلى قصاص روائي بحجم ألبيرتو مورافيا صنوين كبيرين أصيلين، وهو الذي يمكن أن نعده أحد الآباء المؤسسين للوجودية الأوروبية، الذي ركز في معظم أعماله الروائية على مقاومة الانسحاق الإنساني تحت أقدام الحضارة الرأسمالية، تلك المقاومة التي أدت في منتجه الروائي والشعري إلى الانسحاب إلى البدائية، الذي يعتبره ضرباً من إيجاد الصلات بينه وبين الأدب عن طريق رموز جديدة.
من شعره
«في جنازتي»
لقد تابعت جنازتي
مشياً
الأحصنة المزينة بريش الأجنحة
اللاهثة بقوة
من الملل
تجر عربة الجنازة المذهبة ذات الزينة العربية
في الزوايا الأربعة
ملائكة الفضة الأربعة
للشعر
يبكون
دموعاً
من جبس
مصبوغ
ومن سواد النعش
تدلى تاج واحد
من أقحوان أصفر
وعلى الشريط
البنفسجي
كتب اسمي ولقبي
وفي الصندوق
مسجاة
جثة أدبي
وقد كانت فيما مضى حية أيما حياة
لم أتبع الجنازة
إلى المقبرة
إذ انعطفت في شارع ما
وذهبت.
«الصوت»
يجيء إليّ وكأنه جمال الزمن نفسه
هو المباراة السهلة التي تتصادم في أسلاك الهاتف
إذ يأتي الاسم «كارمن» عرضاً
منقاداً وكأنه نسمة أو نفحة
هو مثل ائتمان الغضب القادم
إنه سرقة الأسرار
في الجانب الآخر... في لحظات الهياج المترامية بعيداً
يكون هذا الصوت بطبقات أكثر حدة حتى من طرق المعادن
بفضول كبير يتغير هذا الصوت ليمتلك حقيقته حين تتحدث «كارمن»
بلغتها الإسبانية
ما يحكيه الصوت هو الخفة والرشاقة في تعبير يشبه «الفينيسياني»*
دائماً ينطلق متصالحاً مع فضول آخر
هذا الصوت الذي كان من أصول تحمل الدهشة
حيرت الرومان
الجسد
هكذا إذن... هي النهاية
هي المحط الأخير الذي اسمه الجسد
ذلك المتخفي دائماً تحت الهندام
وما أدرانا عن ظاهر هذه الحالة ذات الخصوصيات الكثيرة...
هذا التآلف المتجاذب الذي نبحر فيه تنقيباً... هو الجسد
هو التعلق الخصب المثمر الواثق، الأكيد، الذي يعرف نفسه
كل الأشياء التي فيه لا يمكن استبعاد تلك الفرص الرائعة التي يحويها
حيث تتكاشف مع نفسها وهي تعوم في ماء البحر
- فينيسياني: نسبة
إلى مدينة فينسيا (البندقية)

الشرق الاوسط

الاثنين - 20 شوال 1440 هـ - 24 يونيو 2019 مـ رقم العدد [ 14818]

أحمد صادق سعد (1919-1988)

يونيو 28, 2019 اضف تعليق

بشير السباعي
ولد أحمد صادق سعد في يناير 1919 في شبرا باسم إيزيدور سلفادور لأب حرفي يهودي كان قد نزح إلى مصر من تركيا، هو رافاييل سيمون سالتييل، الذي كان أجداده قد نزحوا إلى الامبراطورية العثمانية أثناء طرد اليهود الجماعي من إسبانيا في عام 1492، ولأم بورجوازية صغيرة يهودية ولدت في أوديسا، الميناء الأوكراني الواقع على البحر الأسود، هي صوفي بيرليافسكي، التي عاصرت المذابح المعادية لليهود في أوكرانيا خلال العهد القيصري.


وقد حصل أحمد صادق سعد على تعليمه قبل الجامعي في مدارس فرنسية في مصر ثم تخرج من كلية الهندسة في أوائل الأربعينيات.


وكانت اللغة الفرنسية – حتى تخرجه – هي اللغة الرئيسية التي يتحدث ويقرأ بها. إلا أنه سرعان ما تمكن - في وقت قياسي – من تعلم اللغة العربية والكتابة بها، خلافاً لكثيرين من أقرانه من المثقفين اليهود ذوي الأصول الأجنبية. وهو ما يدل على أن أحمد صادق سعد كان قد قرر – منذ وقت مبكر – البقاء في مصر وربط مصيره بمصير البلد الذي ولد ونشأ فيه.


وقد ارتبط أحمد صادق سعد في صدر شبابه – خاصة عشية الإبادة الهتلرية لليهود في ألمانيا – بعدد من الحركات الشبابية اليهودية المناهضة لمعاداة السامية، مؤكداً بذلك تحرره التام من مؤثرات الصهيونية التي اعتبرت مناهضة معاداة السامية عملاً عبثياً ورأت حل المسألة اليهودية في تجميع يهود الشتات في فلسطين. ويبدو أنه كان يدرك إدراكاً جيداً أن الصهيونية لا تبدأ إلا مع الكف عن النضال ضد معاداة السامية واليأس من إمكانية تطبيع الحياة اليهودية داخل المجتمعات التي يحيا اليهود فيها.


وعندما قرر عدد من المثقفين اليهود الأجانب الرحيل عن مصر إلى فلسطين – ولو مؤقتاً – إثر اقتراب قوات المحور من مصر في عام 1942، قرر أحمد صادق سعد البقاء في مصر. وكان قادراً على إدراك أنه إذا ما قدر لهذه القوات احتلال مصر، فلن يكون هناك ما يحول دون اجتياحها فلسطين. وتنظيم مذبحة جماعية لليهود هناك. ولذا فقد رأى أن الخيار الوحيد المناسب هو الصمود والمقاومة لا الفرار.


وقد ارتبط أحمد صادق سعد في أواخر الثلاثينيات بـ "الرابطة السلمية" التي كان الشيوعي السويسري المعروف بول جاكو ديكومب قد أسسها في مصر إثر مؤتمر أمستردام, إلا أن الرابطة سرعان ما حلت نفسها إثر نشوب الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939.


وغداة حل "الرابطة السلمية"، شارك أحمد صادق سعد في تكوين "جماعة البحوث"، والتي ركزت على إعداد دراسات عن الواقع الاجتماعي المصري المعاصر وعن تاريخ الحركة القومية المصرية.


وفي عام 1941، شارك أحمد صادق سعد في تأسيس "لجنة نشر الثقافة الحديثة" التي ترأسها سعيد خيال، والتي نظمت عدداً من الندوات التي كان يتردد عليها مثقفون يساريون من مختلف الميول.


وفي عام 1942، شارك في تأسيس "جماعة الشباب للثقافة الشعبية" التي مارست النشاط – حتى عام 1945 – بين صفوف العمال في منطقة السبتية بالقاهرة وبين صفوف الفلاحين في منطقة ميت عقبة بالجيزة. وقد حلت هذه الجماعة نفسها في عام 1945 لتحل محلها "لجنة العمال للتحرر القومي – الهيئة التأسيسية للطبقة العاملة" والتي تولت إصدار مجلة "الضمير".


وفي عام 1945، نشر أحمد صادق سعد كراس "مشكلة الفلاح". وقد دعا هذا الكراس إلى تحديد حد أقصى لملكية الأرض الزراعية لا يزيد عن خمسين فداناً، وإلى مصادرة الأراضي التي تزيد عن هذا الحد وتوزيعها على الفلاحين المعدمين وإلى إنشاء تعاونيات زراعية إنتاجية. وقد ربط الكراس إجراء هذه التحولات بتحول جذري في الهيكل الاجتماعي – الاقتصادي للبلاد.


وترى الباحثة السوفييتية إيفانوفا أن كراس "مشكلة الفلاح" هو أول معالجة ماركسية للمسألة الزراعية في مصر. وفي عام 1945، شارك أحمد صادق سعد في إصدار مجلة "الفجر الجديد" وأسهم بالكتابة فيها – بتوقيع "أحمد سعيد" أو "نهاد" – حتى إغلاقها في يوليو 1946 ضمن إطار الحملة المعادية للشيوعية التي شنها إسماعيل صدقي.


وفي عام 1976، أعاد أحمد صادق سعد نشر هذه الإسهامات الصحفية تحت عنوان "صفحات من اليسار المصري" صدَّرَها بتناول انتقادي لتجربة الحركة الشيوعية المصرية.


وفي عام 1946، شارك أحمد صادق سعد في تأسيس منظمة "الطليعة الشعبية للتحرر"، وتولى قيادة هذه المنظمة حتى منتصف عام 1948. وقد غيرت هذه المنظمة اسمها في عام 1951 إلى "طليعة العمال" ثم في عام 1957 إلى "حزب العمال والفلاحين الشيوعي المصري". وعند توحيد الحركة الشيوعية المصرية في عام 1958، جرى استبعاد أحمد صادق سعد من الأجهزة القيادية للحزب الجديد، كجزء من سياسة "تمصيرية" عامة لهذه الأجهزة.


وفي عام 1946، نشر أحمد صادق سعد كتاب "فلسطين بين مخالب الاستعمار"، وهو ثاني كتاب يساري يصدر باللغة العربية في مصر عن الصهيونية، حيث كان أنور كامل قد نشر قبل ذلك بعامين كتاب "الصهيونية". وقد استفاد أحمد صادق سعد في فهم المسألة اليهودية ومضاعفاتها من كتاب أوتو هيلر: "اضمحلال اليهودية"، الذي كان قد صدر بالألمانية في فيينا في عام 1931 والذي اطلع عليه أحمد صادق في ترجمته الفرنسية الصادرة في باريس في عام 1939. وقد تعرض أحمد صادق للاعتقال في عام 1946 ثم في عام 1948.


وعند صدور قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947، عارض أحمد صادق سعد القرار على صفحات نشرة "الهدف" الشيوعية السرية، إلا أنه اضطر إلى التراجع عن هذه المعارضة إثر انتهاء حرب فلسطين، مسايراً بذلك الخط السوفييتي الرسمي تجاه المسألة الفلسطينية.


وعندما بلغت الحملة المعادية للشيوعية ذروتها في عام 1959، تعرض أحمد صادق سعد للاعتقال وظل معتقلاً حتى عام 1964 (1).


وبعد حل المنظمات الشيوعية لنفسها، انصرف أحمد صادق سعد إلى البحث والكتابة وإلى إعادة النظر في تجربة الحركة التي كان أحد مؤسسيها. وتولى في الوقت نفسه مسؤولية إدارة المشروعات بشركات الدلتا الصناعية (إيديال).


وفي عام 1979، نشر أحمد صادق سعد كتابه الرئيسي: "تاريخ مصر الاجتماعي – الاقتصادي"، الذي حاول أن يقدم فيه رؤية جديدة للتاريخ المصري تستند إلى أطروحة ماركس المعروفة عن "النمط الآسيوي للإنتاج"، والتي كانت قد لقيت رواجاً بين صفوف عدد من الباحثين الماركسيين الفرنسيين خلال الستينيات.


وتعتبر محاولة أحمد صادق سعد المحاولة الثانية بعد محاولة إبراهيم عامر في كتابه "الأرض والفلاح" (1957) لتناول تاريخ مصر الاجتماعي – الاقتصادي تناولاً غير تقليدي.


وقد دلت هذه المحاولة من جانب أحمد صادق سعد على نفورة المتزايد من الأطروحة الستالينية عن "مراحل التطور الخمس الضرورية" والتي كان هو نفسه قد ساعد على ترويجها من قبل.


وقد اتبع أحمد صادق سعد هذا الكتاب الرئيسي بعدد من الكتب والدراسات والمقالات التي تشهد كلها على التوتر الذي أخذ يتزايد احتداداً في تفكيره بين العقائد الستالينية الجامدة ونتائج البحث الماركسي الجديد في تاريخ وحاضر العالم الثالث، خاصة مصر والعالم الإسلامي.


* * *


لقد مات أحمد صادق سعد وهو في غمار البحث الدؤوب عن إجابات عن الأسئلة التي تؤرق بال الكثيرين من المثقفين اليساريين المصريين على عتبات القرن الحادي والعشرين بعد أن تكشف لهم أن الجمود الفكري لا يمكن أن يكون مدخلاً إلى تحقيق مجتمع يكون فيه "التطور الحر لكل فرد هو شرط التطور الحر للجميع"، حسب كلمات "البيان الشيوعي". ولا عزاء للمتخشيبين!


مجلة "أدب ونقد"، القاهرة، فبراير 1989

عمر الشريف لم يكن يهودياً ولا زحلاوياً

يونيو 28, 2019 اضف تعليق

  


فارس يواكيم  
لم يكن عمر الشريف يهودياً، قبل أن يشهر إسلامه، على رغم تواتر هذه المعلومة الخاطئة في شبكات الإنترنت، وتداولها - كالعادة - من دون تدقيق. والصحيح أنه ولد في عائلة مسيحية تنتمي إلى طائفة الروم الكاثوليك. وهي طائفة مسيحية مشرقية جذورها في بلاد الشام، وتكونت منها جالية في مصر من أبناء المهاجرين الشوام. واشتهر منها عدد ملحوظ من الأسماء المعروفة جيداً في مصر والعالم العربي، بينها في مجالي الثقافة والإعلام: خليل مطران، إبراهيم اليازجي، شبلي الشميل، آل تقلا (جريدة «الأهرام»)، يوسف شاهين، هنري بركات، فتوح نشاطي، بشارة واكيم، نجيب متري (مؤسس دار «المعارف» للنشر)، الشاعر عادل الغضبان (المحرر المسؤول في دار المعارف)، رفيق جبور (المناضل اليساري الرائد) والأديب العالم نقولا الحداد. ولهذه الطائفة مؤسساتها التعليمية: المدرسة البطركية في القاهرة والإسكندرية، المدرسة اليوسفية (القاهرة) ومستشفاها «دار الشفاء»، وجمعياتها الخيرية، ومن أبنائها لمع كثيرون في مجالات الطب والمحاماة والاقتصاد، وآخر هؤلاء رامي لكح (عضو مجلس النواب سابقاً).

في عائلة شلهوب ولد ميشال بن ديمتري بن جورج بن حبيب الذي صار مشهوراً باسم «عمر الشريف». وهو الاسم الفني الذي رافق مسيرته منذ فيلمه الأول «صراع في الوادي». وقد أشهر عمر الشريف إسلامه لدى زواجه بسيدة الشاشة فاتن حمامة. وظل مسلماً حتى وفاته، وكانت جنازته في المسجد ووفق الشريعة الإسلامية.

وعائلة شلهوب التي منها عمر الشريف، من الأسر الدمشقية العريقة. وهي وإن لم تكن كثيرة الأفراد، أنجبت بعض الذين اشتهروا في الحياة العامة، ومنهم جورج شلهوب (جد عمر) وكان طبيباً مرموقاً. ومنهم ديمتري شلهوب (جد الجد) الذي اشترى خان الجمرك عام 1864 وهو صاحب القصر الذي ما زال قائماً في حارة بولاد بدمشق. ومن هذه العائلة أيضاً: السياسي جورج شلهوب، وزير الأشغال العامة في حكومة ناظم القدسي (1950)، وابنه غسان شلهوب وزير السياحة في سبعينات القرن الماضي.

لكن الشائع المتداول هو أن عمر الشريف، من عائلة شلهوب اللبنانية، في مدينة زحلة. والصحيح أنه ينتمي إلى عائلة شلهوب الدمشقية. وأمه كلير سعادة، من مدينة اللاذقية التي منها عالم الآثار والمؤرخ الموسيقي غابي سعادة.



أمير الكمان أيضاً

عمر الشريف ليس الوحيد الذي ألصق به النسب اليهودي. وإذا كان ورود اسم ميشال أو جورج أو جوزف لدى البعض يجعل الذين يكتبون بخفة يتوهمون أن أصحاب هذه الأسماء من اليهود، من دون التفكير في احتمال أن يكون ميشال مسيحياً، فالغريب أن سامي الشوا - وليس في الاسم ما يثير الظن - اعتبر في نظر البعض يهودياً! (هكذا ورد في كتاب «اليهود في الغناء المغاربي والعربي» لمحمد الصقلي، مراكش 2008). والصحيح أيضاً أن سامي الشوا من عائلة مسيحية، هاجر أبوه من حلب إلى القاهرة. وكان أبوه أنطون الشوا عازف كمان هو الآخر، وجده الياس الشوا عازف قانون. أما سامي فكان أبرز عازفي الكمان في عصره واشتهر بلقب «أمير الكمان».

وعندما اندلعت أحداث القاهرة في كانون الثاني (يناير) 1952، وأقدمت عناصر من جماعة «الإخوان المسلمين» على حرق المتاجر الخاصة باليهود مثل شيكوريل، شملا، أوروزدي باك، بنزيون (بن صهيون). شملت الحرائق أيضا محال «صيدناوي» لصاحبيها سليم وسمعان صيدناوي، وهما من المسيحيين الروم الكاثوليك من أصول سورية، وكما يدل الاسم فهما يتحدّران من بلدة صيدنايا.



هؤلاء هم اليهود

لمع كثيرون من اليهود المصريين في مجالات عدة، منهم من كان وزيراً مثل يوسف قطاوي باشا، ومنهم رجال الأعمال والأطباء والعاملون في مختلف الاختصاصات. وفي مجال الثقافة والإعلام برز منهم في الموسيقى: الملحن داود حسني (مكتشف أسمهان) والمطرب زكي مراد، وابنته الشهيرة ليلى، وابنه الملحن منير (موريس) مراد. (زكي مراد مات يهودياً، بينما اعتنقت ليلى ومنير الإسلام)، ويعقوب صنوع (أبو نظارة) أحد رواد المسرح والصحافة. وتوغو مزراحي من أوائل المخرجين السينمائيين. والممثل السينمائي الياس مؤدب، والممثلات: راقية إبراهيم، نجمة إبراهيم، نجوى سالم. راقية (راشيل أبراهام ليفي) هاجرت من مصر إلى الولايات المتحدة ولاحقاً أصبحت سفيرة للنوايا الحسنة لمصلحة إسرائيل. أما نجمة ونجوى فظلتا في القاهرة وتحولتا إلى الإسلام.

ومن المحامين، والشيوعيين البارزين: شحاته هارون ويوسف درويش، وقد رفضا الانتقال إلى إسرائيل، كما الشيوعي الآخر ألبير آرييه (ما زال حياً في السابعة والثمانين من العمر، مقيماً في القاهرة). والمحامي والشاعر والأديب مراد فرج. وكان المحامي ليون كاسترو (مولود في إزمير - تركيا، وانتقل إلى مصر وهو شاب وظل فيها حتى وفاته) صديقاً للزعيم سعد زغلول ومترجماً لديه وعضواً في حزب الوفد ورئيساً لتحرير «لا ليبرتيه» الصادرة باللغة الفرنسية. والوفدي الآخر هارون زكي حداد (وكان مدير تحرير «النداء»). ومن الصحافيين اليهود البارزين: أحمد صادق سعد (أيزدور سلفاتور).

ومن اليهود المصريين الذين لمعوا في المهجر: الصحافي والسفير إريك رولو، والشاعر الأديب أدمون جابيس، والشاعرة جويس منصور، والروائي أندريه آسيمان.
الحياة

| منذ 19 يوليو 2015 / 18:46

وديع سعادة

يونيو 24, 2019 اضف تعليق
أول مقالة كُتبت عن شعري. كتبها عصام محفوظ في صحيفة "النهار" اللبنانية عن كتابي الأول "ليس للمساء إخوة" الذي خططتُه بيدي وبعته بيدي في شارع الحمراء وأمام كلية الآداب في بيروت بداية عام ١٩٧٣.


نيتشه – كارولين فان كيكن

يونيو 24, 2019 اضف تعليق

ترجمة محمد رشو
أ 
نحن مستلقيان في السرير. والسماء تمطر. ليس لأنها تمطر دائماً في مثل هذه القصص، ولكن ببساطة، لأنها كانت على وشك أن تظلّ تمطر طوال اليوم. تقولُ أنك تحب ذلك، تجد الأمر منتهى الحميمية، هكذا معاً. في الخارج هذا المطر، وثم في الداخل، هنا، نحنُ. وهذا هو ما أنت تريده، بعينه. وأنا أيضاً، أليس كذلك؟
أهوو، أقولُ أنا.

أنتَ تقرأُ سيرةَ نيتشه. منذُ فترةٍ طويلة وأنتَ تقرأ. بالتأكيد، منذُ بضعةِ أسابيع. يبدو الأمرُ كما لو أنك لا تريد أن تنتهي.

أضعُ أنا، كتابي جانباً، وثمّ أتقلّبُ على جنبي.
«ماذا تقرأ؟» أسأل.
«إنه عن نيتشه،» تقول.
أزغللُ عينيّ كلتيهما، لكنك لا ترى، لأنك تقرأ. لأكثر من ساعةٍ وأنت تقرأ.
تُنزلُ كتابكَ.
«ماذا؟» تقول.
«لا شيء.»

أدنو منكَ قليلاً، أحطُّ يدي على ساقكَ، أقبّلك برفقٍ في رقبتكَ.

«أهو مثيرٌ؟» أسأل.

هذا النيتشه، أليس كذلك؟ إنها قصةٌ مأساوية. لم يكن يريد أكثر من أن يتزوج لو سالومي. لكنها لم تكن تريد أن تتزوجه. ولم يكن قد سبق له على الإطلاق أن جرّب شيئاً كهذا.
«يا حرام! مثيرٌ للشفقة، أجل.» أقول.
أستلقي قبالتكَ، ألفُّ ساقيّ حول ساقيكَ، أزلقُ يدي من على فخذكَ ونحو صدركَ، وأظلُّ أقبّلكَ في رقبتكَ.
«ثمَّ كان أن تخلّى عن الحبِّ تماماً. لو كنتَ لوحدك، لأستطعتَ أن تبلغَ قعر أكثر الأفكار عمقاً، قرّر هو في نفسه.»
«أوه، نعم،» أقول.

أعضُّ، بلطفٍ، شحمةَ أذنكَ، ألعقها قليلاً. أمسّدُ صدركَ، بطنكَ، باطنَ ساقيكَ.

«وكتابكِ؟» تسأل.
«لقد أنهيته،» أقول.

أفرّكُ فوق النتوء الذي يبرز من كلسونكَ، برفقٍ، أولاً، وثم بشدّة، أكثر وأكثر. تتنهدُ بعمق، لكن، قد يكون مردُّ هذا، أيضاً، نقطةٌ عميقةٌ في حياة نيتشه. أزلقُ يدي تحت مطاط كلسونكَ، وأمسك به، بكَ. التنهيدةُ لا تخرج منك، إذن، لنقطةٍ عميقة في حياة نيتشه. ولذلك أظلّ فيما أنا فيه. قدماً أمضي. ببطءٍ، أحرّك يدي، جيئةً وذهاباً، أُسرعُ حين تتنهدُ أنت، أعمق وأعمق، حين يصبح هو أشد صلابةً، حين تنظرُ، أنت، جانباً. «لا، لا،» أقولُ، «أكملْ ما تقرأ وحسب.»

نحو الأسفل أهبطُ أنا، أندّسُ تحت البطانية، أقبّلُ باطنَ فخذيكَ. أقبّلكَ، ألعقكَ. أتركُ لساني ينزلقُ، رويداً رويداً، فوقك. تتنهدُ أنتَ، تئنُ عندما آخذه في فمي، بينما أتركك أنت. أسرعُ قليلاً، أُسرعُ أكثر، أكثر قوةً، وأكثر عمقاً. أسمعُ كيف يسقطُ نيتشه على الأرض، أسمعُ أنفاسكَ وكيف أنك تشدُّ يديك متشبثاً بلحاف السرير.

«حبّي،» تقولُ. وتنطقُ، كذلك، شيئاً آخر مبهماً. أحسُّ بكَ، كيف ينشدّ كل شيء فيكَ، كيف تئنُ، كيف تلهثُ، وكيف أنك، فجأةً، لم تعد للحظةٍ تصدر صوتاً. ترتعشُ، تتقلص، تسترخي، وتقذف. أبقى راقدةً قليلاً قبل أن أعود لأتمددَ، مرة أخرى، فوقك. أُلقي برأسي في التجويفِ الكامنِ بين كتفكَ ورقبتك.

«هيه، أخبرني أكثر عن نيتشه.»
«حبي؟»

أركّز كلّي عليكُ، أنظرُ إليكَ، لكنك لا تنظرُ إلي، لأنك كنت تنام. ألتقطُ نيتشه عن الأرض، أدفعُ بابُ غرفة النوم، بقوة، على أمل أن تستيقظ، وثم أخطو نحو غرفة المعيشة.

وهناك أنتظرُ. على الأريكةِ. مع كتابكَ. ليس أنني أقرأ. أنا أنتظر. أن تستيقظَ. أن تظهرَ لتبحث عني، أنك تشعرُ بالذنب، و –

….



«هيه،» تقولُ. «هل تقرأين؟» تضحك. «لم تظني أنني قد نمت؟»

تأتي لتجلس بجانبي، تدفعني للخلف، تفكُّ زرّ شلحتي. أشعرُ بشفتيك، بلسانكَ، بأصابعكَ، التي تردُّ شعري إلى الخلف، تنزلق على صدري، تعثرُ على حلمتَي، تقرصهما بما أوتيت من نعومة.

«أهذا،» تقول، «ما كنت تريدينه؟»

تكزّ على حلمتيّ، تجدُ طريقك إلى الأسفل، تقبّلُ كل ما يصادفك، تعضني في فخذيّ، تنزلقُ بلسانكَ على جلدي، في إثرِ أصابعكَ، التي تمضي قدماً وقدماً. أفتحُ ساقيّ لكَ، أشعرُ بدفء نفاسك، بلسانكَ وبأصابعكَ في داخلي.

تلعقني، وتلعقني، وتلعقني. أئنُ، لا أريد أن ينتهي الأمر، أريدُ أن أشعرُ بكَ، عميقاً في داخلي. أسحبكَ للأعلى، وأقبّلكَ في فمكَ وتقبّلني في فمي. وفي حينها، أشبكُ حولك، بذراعيّ، بيدي، حيث تتحرك للأعلى والأسفل، تتحرك حتى لا يعود بإمكانك أن تمسك بي.

«أريدكِ،» تقولُ قبل أن تلجني وتلكزني. «إلى هذا الحدّ،» تقول، «مبتلّةٌ أنتِ.» تمسّد لي بأصابعكَ وأنت تدفعه في داخلي، تمسّدُ وتمسّدُ حتى أقذف، وثم أنت أيضاً.

وهكذا الآن، نرقد هنا. بعض الوقت. «هيا،» أقولُ، «هل تأتي معي؟ لننام.»

«أجل،» تقول، «أنا آتٍ. فصلٌ آخر وسآتي..»



كارولين فان كيكن (1988) كاتبة وصحفية هولندية، أصدرت في عام 2015 مجموعتها القصصية الأولى نحن لن نصبح هكذا. مطلع أيار هذا العام فازت قصتها هذه بجائزة مسابقة الأذن الحمراء التي تمنح لأفضل قصة إيروتيكية.

الرجل الذي كان يفضّل أن يكون مساحةً فارغة – روب فان إيسّين

يونيو 24, 2019 اضف تعليق



ترجمة محمد رشو

لم أكن قد رأيته منذ خمسة وعشرين عاماً، وفجأة قابلته عند مدير مهمات في شركة. «ينبغي أن تأتي ذات مرة،» قال يوهانس «وحينها سنتكلم.» أعطاني عنوانه وخرج من الغرفة، مصفّراً بهدوء، مرتباً، كأي إمرء قضى يوماً طيباً.

بعدها بستة أيام، كنت أجلس بجانبه على الشرفة الأمامية الصغيرة لشقته، في الطابق الثاني، في أحد شوارع أمستردام الضيقة التي تعود إلى القرن التاسع عشر. كانت أمسية صيفية هادئة، شربنا الشاي الذي كان قد أعده في إبريق شاي ياباني مصنوعٍ من حديد الزهر المصبوب.

«لقد تخلصتُ مؤخراً من كلّ شيء تقريباً.» قال وهو يلقي نظرةً حوله، على غرفة معيشته التي كانت خالية، سوى من بعض وسائد الجلوس. كانت الجدران محض سطوحٍ بيضاء بدون أية دوكرة هنا أوهناك. «ستتذكر أنه كان لديّ فيما مضى الكثير من الأغراض.»

«أجل،» قلت، رغم أنني لم أعد أستطيع أن أتذكر وضعه المعيشي السابق. آنذاك كنا نعيش في غرف الطلبة التي كانت صغيرةً للغاية إلى درجة أن الأمر كان يبدو كما لو أنه كان لدينا الكثير من الأغراض. ولكن لم يكن من الممكن أيضاً، إنكار حقيقة أن مسكنه الحالي كان مفروشاً بشكل مقتصد للغاية وعلى نحوٍ لا يوصف.

«هل استلهمت هذا من معلمة الترتيب اليابانية؟» قلت.

«لا!» صرخ يوهانس، كما لو أن سؤالي كان يتضمن افتراضاً شريراً ينبغي حله في أسرع وقت ممكن. لقد صدمت من ضراوته المفاجئة، وعلى الفور أدركتُ مرة أخرى أنه فيما مضى أيضاً، كان فيه شيءٌ من غرابة الأطوار، وكيف أنني كنت دائماً على حذرٍ ما حين حضوره.

«لأجل هذا الأمر، لست بحاجة إلى معلم روحي أبداً.» قال يوهانس.

قررت ألا أسأله فيما كان يحتاج هو إذن، إلى معلم روحي، مَنْ يعرف، ربما قد يثور مرة أخرى. حتى وقبل أن يكون في مقدوري أن أسأله أي شيءٍ آخر، رفع يوهانس يده. «أتسمع هذه الموسيقى؟»

كنتُ قد سمعت الموسيقى لبعض الوقت. البانك روك الصاخب، كانت تنبعث من الجانب الآخر من الشارع، من الطابق الثالث، حيث كانت النوافذ مفتوحة على مصاريعها. جار الطابق العلوي كان من قد رفع الصوت عالياً.

«فرقة دمى نيويورك،» قلت «كان ذلك منذ زمن طويل.»

«هذه موسيقاي أنا،» قال يوهانس.

«نعم؟ هل ما زلت تستمع إلى ذلك؟» سألتُ متفاجئاً.

«لا، إنها حقاً موسيقاي أنا،» قال بابتسامة صغيرة تكاد أن تكون اعتذاراً. «عندما قمتُ بتنفيض البيت، وضعتُ تسعة صناديق ممتلئة بأشرطة الكاسيت على الرصيف. أنت تتذكر أنني كنتُ فيما مضى أقتني كل شيء؟ لا أحد كان بحوذته موسيقى مثلي. في المساء نفسه رأيتُ أن كل تلك الصناديق قد اختفت. أخذها الطلاب الذين يسكنون في الطرف الآخر مقابلنا، سرعان ما أصبح ذلك واضحاً.»

ابتسم مرة أخرى. ومع هذه الابتسامة بدا مسترخياً، مرتاحاً، مبتهجاً طائشاً كما الصبيان، بدا شخصاً يحيا هكذا بلا قواعد صارمة للحياة. «أقضي الصيف بأكمله هنا على شرفتي أستمع إلى موسيقاي الخاصة. أنا لن أسير بعد الآن فقط وفق ما هو مسلسلٌ لنا. غريب، أليس كذلك؟ أنت تريد أن تفقد ما تمتلكه، وإذ تنالُ ما كنت تمتلكه على الفور مرتداً إليك مرة أخرى. تماماً كالرجل الذي في حكاية الخاتم والسمكة. على الرغم من أن الأمر يبدو مدروساً بعناية، فليس ما كنت تمتلكه قد ارتد إليك مرة أخرى، إذ الموسيقى بحد ذاتها شيءٌ غير مادي، ما كنتُ أملكه كان على شكل كاسيتات، وهذا ما كنت قد فقدته.»

يجب أن أعترف أنه، هنا، فقدني أنا أيضاً قليلاً. فيما مضى كان قادراً على أن يفكّر ويُفلسف كل الذين كانوا يخرجون حينها من الحانة ويدخلونها، هذا ما تذكرته فجأة.

في الطرف الآخر، كان صوت الموسيقى قد رفع أكثر وأكثر. نظرتُ لأرى فيما إذا كان أحدٌ ما يتجول هناك، لكنني لم أرَ سوى ستائر زرقاء ومصباح طاولة مرفوعاً للأعلى. كنت أعرف ذلك المصباح، وكان لدي واحداً مثله أيضاً، كان مصباح إيكيا ويسمى كارلسباد.

«يان ڤ‍يليم سخووف،» قلتُ بصوت مرتفع قليلاً، ليعلو على صوت الموسيقى. «هل ما زلت تتذكره؟»

«نعم؟» نظر إلي بشكلٍ غريبٍ، مثيرٍ للريبة.

«كان الوحيد من بيننا الذي ترك غرفته دون أن تكتظ بالأغراض. كانت لديه فقط خمسة أشرطة كاسيت، هل ما زلت تتذكر؟ عندما كان يقتني موسيقى جديدة، كان يقوم بتسجيلها على موسيقى أخرى. لقد كان يرى في هذه الفرق الخمسة امتيازاً، كما أعتقد، كان يفضل أن يكون لديه واحدٍ من كل شيء، كما لو كان الأمر متعلقاً بالجوارب أو الأحذية، زوج واحدٌ، لا غير.»

«نعم، نعم،» قال يوهانس كما لو أنه كان غائباً في مكانٍ آخر، كمن لم يثر فيه الماضي سوى ذكرى غامضة للغاية. ربما لم يكن يحب أن يتذكر بأنه كان يعرف شخصاً قبل خمسة وعشرين عاماً وكان حينها يقوم بالأشياء التي اكتشفها هو الآن للتو. لا أعرف فيما إذا كان الأمر كذلك حقّاً، لكنه ما لبث أن غيّر الموضوع على الفور.

«هل تعرف ماذا أودّ أن أكون؟» قال.

«ستارة زهور.» لقد كانت تنبعث من مقابلنا قبل أن أدرك ذلك. لم يكن لدي أي فكرة عمن كان يغنيها. (لقد بحثت عنه لاحقاً، كان فيم كيرستين). «أنا آسف،» قلت، لأنني رأيت أن يوهانس كان جاداً، وأنه كان قد عانى المشقّة ليطرح هذا السؤال. قررتُ أن أعطي إجابة جدية رصينة. «شخصاً لديه أقل عدد ممكن من الممتلكات؟»

كانت الموسيقى تصدح الآن في الشارع بأكمله.

«لا،» قال يوهانس، حزيناً بعض الشيء وعلى نحوٍ فجائي. «لا. نعم، هذا أيضاً، لكن لا. أنا أفضّل أن أكون المساحة الفارغة بحد ذاتها.»

قد ينفجر بعض الناس في الضحك إذا سمعوا شيئاً كهذا، بل ويلومونه أيضاً، لكنني لم أكن أرى ذلك تصريحاً غريباً. إنها ليست رغبة سيئة في أن تتمنى أن تكون شيئاً آخر. منذ وقت ليس ببعيد ظننت أنني أفضل أن أتجسد مثل شارعٍ من شوارع آود-زاويد. ليس واحداً في الطرق الرئيسية، ولكن شارعاً جانبياً، لطيفاَ، متواضعاً، مبنياً على طراز مدرسة أمستردام في العمارة.
كنت أتمشى وبانتظام عبر زاويد لأبحث عن شارعٍ ما، لكنني لم أكن قد اخترت بعد أيّ شارعٍ هو. اعتقدتُ لحظتها أنني أستطيع أن أقول هذا ليوهانس، على الرغم من الحيطة التي كنتُ أشعر بها تجاهه، وكنتُ أظن حينها أن هذا كان يمكن أن يساعده، وأن يساعدني أنا أيضاً، وأننا، حينها، سيكون بإمكاننا أن نقترب من بعضنا البعض بسبب هذا، لكن الموسيقى كانت الآن تصم الآذان بشدة، يوهانس بنفسه حاول أن يقول شيئاً، وعلاوة على ذلك، كنت أنا مشتتاً من الحركات التي كنتُ ألحظها في الطرف الآخر مقابلنا.

في غرفة المعيشة في الطابق الثاني، أسفل الطابق الذي كانت الموسيقى تصدر منه، كان قد ظهر هنالك رجلٌ وامرأة. كان الرجل يحمل بيده عصا طويلة، كان يدفعها مراراً وتكراراً للأعلى وبحركاتٍ سريعةٍ ومحكمة. الشيء الغريب الآن كان أن العصا لم تسقط عندما تركها الرجل، لكنها بقيت، بلا حراك، عالقةً في مكانها. استغرق الأمر بعض الوقت قبل أن أدرك أن الرجل كان يدقّ العصا بعنفٍ وقوة إلى درجة أنها علقت في السقف.

ثم رأيتُ – بجانبي كان يوهانس لا يزال يتكلم، ولم أتبين منه كلمة واحدة – كيف أمسك الرجل بالعصا مرة أخرى. رأيتُ من حركات المرأة انها كانت تشجب بشدة هذا الفعل، ولكن الرجل ظل مثابراً ووجّه ضربة قوية أخرى. في اللحظة التالية اختفى الرجل والمرأة تحت حطامٍ من لوح السقف، وبعد ذلك غابا عن الأنظار في غمامة غبارٍ رمادية. في الوقت نفسه رأيت طابقاً فوق كارلسباد يهبط للأسفل مختفياً على نحوٍ مستقيم. لكن كان هناك هدوءٌ على الفور، كما لو أن المصباح كانت له علاقةٌ بتلك الموسيقى. كذلك كانت الستائر الزرقاء في الطابق الثالث قد هبطت بدرجةٍ ما للأسفل وعلقت هناك فجأة، حيث بقي عمود الستارة معلقاً في مستوى منتصف النافذة المفتوحة.

هذا الأخير لم أستوعبه – كيف يمكن أن يؤثر هبوط الأرضية على وضع الستائر؟ لم أستطع أن أفترض وأن أقبل أن الجار في الطابق العلوي قد قام بتثبيت الجزء السفلي من ستائره بأرضية شقته. ومع ذلك، بدا ذلك التفسير المنطقي الوحيد للوضع الحالي الذي كانت تقف فيه الستائر، وبينما كان يوهانس بجانبي قد هدأ أخيراً لينظر باستغرابٍ وحسب، إلى جيرانه في الطابق الثاني المقابل له، ملفحين بالأبيض، معلّقين في النافذة يسعلون ويعطسون، بقيتُ أنا معلقاً في السؤال الذي حيرني ما الذي سيجعل أحداً ما يقوم بتثبيت حواف ستائره إلى أرضية بيته.

المعلمة اليابانية: ماري كوندو صاحبة كتاب سحر الترتيب والتي تقدم دورات وندوات وبرامج في رمي الأشياء وتنظيمها.

فيم كيرستين(1924-2001) ملحن ومغني وكاتب أغاني هولندي
آود-زاويد: أحد أحياء أمستردام.
روب فان إيسّين (1963) كاتب ومترجم وناقد هولندي، من أعماله الروائية: صياد السمك (2008)، الشتاء في أمريكا (2017)، والابنُ الصالح (2018) التي توجت بجائزة ليبريس للآداب عام 2019. القصة من مجموعته القصصية هنا أيضاً يعيش بشر (2014) والتي نالت في العام الذي بعده جائزة ي. إم. أ. بيسهيوفيل التي تمنح لأفضل مجموعة قصصية.

جائزةٌ بمذاقٍ مُرّ لمارخا مينكو

يونيو 24, 2019 اضف تعليق

ترجمة محمد رشو

صدفة مؤلمة: رئيس مجلس إدارة جائزة پ. س. هووفت التي منحت لمارخا مينكو هو حفيد للزوجين الذين استوليا على ممتلكات عائلة مينكو اليهودية في فترة ما بعد الحرب

نادراً ما اصطدم الحاضر مع الماضي بقسوةٍ كما هو الحال هنا. «إنها صدفةٌ غريبة»، تقول جيسيكا فوتين، الابنة الصغرى والمتحدثة باسم الكاتبة مارخا مينكو. «لو أنك تخيّلتَ شيئاً كهذا، لوجد فيه الآخرون أمراً يفتقد إلى المصداقية.»

في كانون الأول، علمت مارخا مينكو (98 عاماً) من خلال ابنتها أنها ستنال جائزة پ. س. هووفت. رئيس مجلس الإدارة خيليس دورلاين، أستاذ الأدب الحديث في خرونينغن، كان يودّ أن يبلّغها الخبر عبر الهاتف بنفسه. لكنها بدت فكرةً غير جيدة للكاتبة، «حتى بالنسبة له هو أيضاً».

دون أن يكون الرجل على دراية بالأمر، تبين أن دورلاين حفيدٌ لزوجٍ من أمرسفورت كانا قد قاما خلال الحرب العالمية الثانية بأخذ مجموعة من الأدوات المنزلية من عائلة مينكو اليهودية وثم استوليا عليها. مارخا مينكو، الناجية الوحيدة، طالبت بالممتلكات في ما بعد الحرب، لكن دون جدوى. فنظراً لأن والديها كانا معتقلين وأنهما قد قتلا، فإن كل شيء كان يخصهما لا بد وأن يعود تلقائياً، حسب الزوجين دورلاين، إلى من كان حارساً لها، وصيّاً عليها.

كتبتْ مينكو بشجاعة حول هذه القضية في قصتها الشهيرة «العنوان» في عام 1957. لكنها غيّرت الكنية من دورلاين إلى دورلينغ، لذا لم يشكُّ حتّى الحفيد – المولود في عام 1951 – بأي شيء. وذلك حتى تاريخه في كانون الأول الماضي.

أبقت ابنة مينكو الأمر في البداية طيّ الكتمان. «وإلا لكانت الصحافة تناولت هذا وحسب»، كما أوضحت عبر الهاتف. «لما كانت كل تلك المقالات البديعة قد كتبت عن أعمال أمي.» كانت الكاتبة تعيش في طمأنينةٍ مع الصمت. «ليس بوسعه هو أن يقوم بأي شيء» كان ردّ فعلها عندما سمعت اسم رئيس مجلس الإدارة.

ومع ذلك، بقي الأمر مزعجاً، على الأخصّ بعد أن درست الإبنة مراسلات ما بعد الحرب بين والدتها والسلطات الرسمية وآل دورلاين. مارخا مينكو وزوجها بيرت فوتين كانا قد تُركا هكذا ببساطة لقدرهما في ذلك الوقت، ومن قبل الحكومة أيضاً. كانا «فقيرين للغاية، معدمين كفئران الكنائس»، تقول الإبنة، لكنهما، رغم ذلك، لم يتلقيا أية مساعدة في سبيل استعادة ممتلكاتهما. «لطالما اختبرنا في عائلتنا مثل هذه القصص. الكثير من اليهود اختبروا شيئاً شبيهاً. لكن الوعي التاريخي بهذا الأمر محدودٌ في هولندا، في ما بين غير اليهود. ولهذا السبب أردت أن أخرج للعلن وأروي القصة للجميع».

عندما بدأت مؤسسة پ. س. هووفت بعد حفل توزيع الجائزة بتصميم الكتيب الذي يطبع عادةً كتقليد من تقاليد الجائزة، مع تقرير اللجنة، بدت لي أنها فرصةٌ طيبة. الإبنة فوتين، التي تعمل كصحفية، تستفتح الكتيب المنشور هذا الأسبوع بنصٍّ تشرح فيه الخلاف حول ملكية العائلة وبالتفصيل. وثم بعد تقرير اللجنة، تحلّ القصة الأصلية العنوان، وبحثُ الواقع والتداعيات الأدبية، معاً في الكتيب، بجوار بعضهما البعض.

يتيح الكتيب أيضاً مساحةً لردٍّ قصير من خيليس دورلاين. وكما الأحفاد الآخرين، فإنه «يشعر بالخجل» و«الحنق بشكل خاص»، كما يكتب. «لقد حدث التاريخ البغيض قبل أن يولد أيُّ واحد منا، لكنه وبعد ثلاثة أرباع قرن من الزمن ظهر ليسبب لنا الأذى وبألم، وليتركنا عاجزين عن الكلام». لقد كتب رسالةً أيضاً إلى مينكو، لكن أكثر من ذلك، لا يريد أن يعلّق بأي شيء. الكاتبة ترى هذا جيدأً. لا تتصرف على نحوٍ درامي وترى أن أيّ حديث مع دورلاين لا مغزى له ولا طائل منه.

تظهر وثيقةٌ تاريخية أن مجموعة الممتلكات المنزلية لمينكو كان يتألف من من بضع أوانٍ فخارية كاملة، ستائر، مفرش مائدة، سكاكين لا صدأ فيها، ملاعق فضية، ملابس، والكثير من الكؤوس والأواني الزجاجية. كانت هناك أيضاً لوحة رسمتها شقيقة مارخا مينكو. «الكثير من اليهود كانوا يستأمنون مثل هذه الأغراض كإجراءٍ احترازي عند جارٍ طيب، في حالة تلقيهم استدعاء للذهاب في «رحلة»، كما كان يقال حينها،» تقول فوتين. «تبين بعد الحرب، أن هذا الجار الطيب لم يعد طيباً كما كان. هذا أمرٌ يحدث في الكون كله، ولا يزال بإمكانك أن تراه في أماكن أخرى من العالم حيث يسود الكثير من البؤس: يستغل البشر مصائب بعضهم البعض».

في البيت، نادراً ما كانت الكاتبة تتحدث عن الأغراض المفقودة. في الحقيقة، ألمّ بها حزنٌ على تلك المفقودات أقل بكثير من حزنها على الأشخاص الذين فقدتهم. ومع ذلك، كان هناك غرضٌ واحدٌ، كانت تذكره بانتظام، من حينٍ لآخر: ملاعق الشاي الفضية. الملاعق التي غدت في أذهاننا خيالاً، مفهوماً يحلّق حولنا بأجنحة. في إحدى زيارتيها لـ «العائلة الحارسة» في أمرسفورت، اختلست مينكو منهم لحظةٍ وألقتْ نظرةً وحسب على الدرج الذي كانت فيه أدوات المائدة. تضيف فوتين التي استعادت عدداً من ملاعق الشاي التي كانت تخصّ عائلتها: «عندما كان الناس يترددون علينا لنتناول الشاي معنا، غالباً ما كانوا يسألون وهم يبتسمون: هل هذه ملاعق أمرسفورت؟»

في العنوان، لم تأتِ مارخا مينكو على ذكر السرقة. ومع ذلك، تغادر بطلة القصّة منزل امرسفورت، فجأةً، عندما يهمّ أحدٌ ما بفتح درج أدوات المائدة. يدرك القارئ الآن ما كان وراء ذلك. انتقامٌ لذيذ، خُلّدَ أدباً.

ساندر بيكر
جريدة تراو 6 حزيران 2019

والدا مارخا، سالومون وخريتجيه مينكو، 55 و53 عاماً قتلا في سوبيبور في 7 أيار 1943، توفي ديفيد، الابن، 28 عاماً، في وارسو في 31 يناير 1944 ، وقُتلت زوجته شارلوت في أوشفيتز في 3 سبتمبر 1943. بيتي، الشقيقة الكبرى لمارخا قتلت في أوشفيتز في 30 سبتمبر 1942.
مارخا مينكو (1920) الاسم المستعار لسارة مينكو، كاتبة هولندية، كتابها العشب المرّ (1957) يعتبر من كلاسيكيات الأدب الأوربي عن الحرب العالمية الثانية. نالت في عام 2005 جائزة كونستانتين هيوخينس عن مجمل أعمالها، وفي عام 2019 توجت بجائزة پ. س. هووفت التي تعتبر جائزة الإنجاز مدى الحياة وتمنح بالتناوب بين الشعر والنثر المكتوب باللغة الهولندية. تحظى مارخا بإعجاب النقاد على لغتها النقية والرصينة، وعلى نثرها الحيّ الواضح المليء بالفكاهة والملاحظات العميقة

ساراماغو والفاصلة باباً على الرواية

يونيو 24, 2019 اضف تعليق

 كانت الفاصلة، علامة الوقف، ذريعة جوزيه ساراماغو الى ارتقاء مكانة عالية في عالم الكتابة الروائية. ففي أوائل الثمانينات المنصرمة، والكاتب تخطى الخمسين، كان يكتب رواية تتناول فلاحي ألانتييو، حيث ولد، وقع في أثناء الكتابة على أسلوبه. وشرح الأمر الى «لوموند دي ليفر»، في 17/3/2000، فقال: «كنت أكتب رواية مثل غيرها من الروايات. وفجأة، من غير انتباه أو قصد، بينما انا في الصفحة 24 أو 25 من الرواية بدأتُ أكتب على النحو الذي صار نحوي الخاص في القص وطريقتي، وهو يقوم على مزج الأسلوب المباشر بالأسلوب غير المباشر، وعلى قصر التنقيط على النقطة والفاصلة. وأحسب أن الطريقة هذه لم تكن تتبلور لو لم أستند الى شيء سمعته. كان عليّ أن أقع على نبرة، على نحوٍ ينقل إيقاع القول المحكي وموسيقاه، وهو غير الكلام المكتوب. وبعدها، أعدت كتابة الصفحات العشرين السابقة».

وانتهت محاولة اولى، في نهاية أربعينات القرن العشرين، الى الإخفاق. وكذلك محاولة ثانية في منتصف السبعينات. وكانت المحاولة الثالثة، «ليفينتادو دو شاوو» (مرفوع من الأرض)، فاتحة الطريق. ومفتاح أسلوب صانع الأقفال السابق هو محاورات ذائبة في كتلة نثرية متماسكة ومرصوصة. ومطلع المحاورات فاصلة يتبعها حرف مكتوب بجسم كبير، قرينة على تغير المتكلم. ووَلَد هذا روايات كثيرة وجوه العبارة ومصادرها، على شاكلة المتاهات، مثل «المعبود الأقطع». ففي هذه الأعمال تختلط الأصوات، وتشبه الرواية أعمال الأوبرا، ويعلو الكلامُ الكلامَ ويتخللهما كلام الراوي العالِم بالشاردة والواردة والساخر غالباً. وفي «الإنجيل برواية يسوع المسيح» يتخلل كلام الخالق القص.

وكتب ساراماغو في «العبّارة الحجرية» (1990): «في الفنون المتفرقة، وعلى الأخص في فن الكتابة، خير طريق بين موضعين قريبين لم يكن يوماً، ولن يكون خطاً مستقيماً». واقتضاء صوغ كتابته وقتاً طويلاً حمله على فنّ حكاية يتوسل بالجمل الملتفة، ويستند الى فكرة روائية يتعقب الكناية عنها الى آخر مطاف الكناية، وما وسعه التعقب. وشرح هذا بالقول: «أحتاج الى سماع صوت يقول ما أنا في صدد كتابته ويعلنه، وإذ ذاك يبدأ المحرك العمل، وإلا بركت حيث أنا ولم أبرح مكاني. وأحتاج كذلك الى فكرة راجحة ونافذة. وقد أنتظر ثلاثة أشهر أو أربعة. فالتصورات تروح وتجيء. وحين ألقى الفكرة التي أنتظرها لا يخالجني شك في الأمر».

وعلى هذا، يغير مصحح (طباعي) مجرى حصار لشبونة («تاريخ حصار لشبونة»)، وتصرم شبه الجزيرة الأيبرية رابطتها بأوروبا وتنكفئ على حال الجزيرة («العبّارة الحجرية»)، وينتحر يوسف تحت وطأة مقتل الأبرياء («الإنجيل برواية يسوع المسيح»)، ويفيق الناس كلهم صباح يوم من الأيام عمياً أو قريبين من العمى («العمى»). فأفكار ساراماغو، على رغم إلحاحها في بعض الأحيان، تلابس مخيلة غنية تستحوذ عليها.

* ناقد أدبي، عن «لوموند» الفرنسية، 21/6/2010، إعداد وضاح شرارة. 
29 يونيو 2010 / 17:57

. يوسف حبشي الاشقر : حضارة القرية تحل القلق الوجودي

يونيو 23, 2019 اضف تعليق
محمد ابي سمرا

ورث الكتابة والبيت عن ابيه وجده وعاد سئماً الى مسقط رأسه 
  
عند مدخل بلدة بيت شباب المتن - لبنان سألنا شاباً كان يقف امام بيت قديم يرفرف فوق مدخله علم احد الاحزاب اللبنانية ان يدلّنا على منزل يوسف حبشي الاشقر، فابدى جهله صاحب هذا الاسم فعرفنا ان الاحزاب ما تزال تستقدم شباناً غرباء عن المنطقة تكلفهم بحراسة مراكزها فيها. اما الرجل الستيني الكهل الذي سألناه عن منزل الاشقر في ساحة البلدة، فأرشدنا بعدما استفسر ان كنا نقصد يوسف حبشي الاشقر المحامي، فأدركنا ان صفة المحاماة، التي قال الاشقر انه لم يتخذها في يوم من الايام مهنة له، تغلب، في البلدة، على صفته الادبية التي قال انه نذر لها حياته وجعلها غاية وجوده.

ما تزال اللهجة الجبلية البلدية تطغى على كلام يوسف حبشي الاشقر الذي يبدو ان اقامته في بيروت ما بين العام 1944 والعام 1975 لم تقو على تبديلها الا تبديلاً طفيفاً مقداره مقدار ما ادخله من تحسينات جديدة على منزل العائلة القديم الذي يقيم فيه وأقام فيه من قبله جداه ووالداه. فالقرية و"حضارتها" ما يزالان مبعث طمأنينة صاحب "لا تنبت جذور في السماء" الذي قال ان العيش في المدينة لم يورثه الا الشك والقلق والخيبة، بينما تذهب جذوره عميقاً وتمتد في القرية مسقط رأسه وموطن اهله وأجداده.

في الجلستين الطويلتين اللتين استغرقهما تسجيل هذه المقتطفات من سيرة حياة وذكريات يوسف حبشي الاشقر كان يرتدي "الدشداشة" نفسها التي خيل لي انه يبقى لأيام يرتديها لاستنكافه عن الخروج من المنزل الا مرتين في الاسبوع ينزل فيهما الى مركز عمله في الضمان الاجتماعي في بيروت، ليعود سريعا الى مطمأنه في مسقط رأسه. لكن هذا المطمأن لا يبدو قادراً على دفع حالة السأم التي لا يحتاج من يتعرف على يوسف حبشي الاشقر الى كبير جهد كي يستقرئ علاماتها في كلامه وجسمه.

أهو سأم الذهاب في العمر ام سأم الانقطاع الطويل الى الكتابة والقراءة اللتين يعتبرهما الاشقر خلاصه الوحيد؟ لكن ربما يكون عزاء صاحبنا في ان هذا العمر لم يذهب سدىً، اذ خلف وراءه كتباً عشرة… وربما هي حرفة الكتابة لا تخلف في نفوس محترفيها غير السأم!

وفي ما يلي مقتطفات من سيرة حياته وذكرياته كما يرويها بنفسه:

ولدت هنا، في بيت شباب، سنة 1929، وفي هذا البيت الذي اقيم فيه وعائلتي منذ مطلع حرب لبنان، وهو البيت الذي ولد فيه والدي اميل حبشي الاشقر وورثه عن ابيه. فأنا منذ ولادتي وحتى موت والدي سنة 1981 لم انفصل عن اهلي للإقامة في منزل مستقل الا فترة قصيرة من فترات دراستي الجامعية في بيروت، حتى ان زواجي في سنة 1958 لم يفض بي الى حياة مستقلة عن والديّ، فبقينا، انا وزوجتي، التي تربطني بها صلة قرابة بعيدة وأولادي الثلاثة،نقيم وإياهما في منزل واحد، في بيروت وفي بيت شباب. وهذا امر شديد الاهمية في حياتي وحياة اولادي الذين نشأوا في كنف امهم وابيهم كما في كنف جديهم اللذين صارا بمثابة "دخيرة" اي رمز يتضمن قدراً من القداسة في حياتهم. وفي الحقيقة لم اشعر في حياتي كلها بحاجة الى الانفصال عن اهلي للاقامة بعيدا عنهم، فعشت وزوجتي وأولادي في وئام تام مع والديّ، الامر الذي لم يعرضني واولادي لانفصام في الشخصية. هذا فضلا عن ان فارق السن بيني وبين والدي قد الغت مفاعيله نشأته الثقافية والادبية التي كان لها اثر كبير في نشأتي وميلي، فعشنا معاً في جو ادبي وفي تناغم حياتي لم تنفصم عراه القائمة على التفاهم والاحترام المتبادلين. فوالدي وكذلك والدتي كانا يتمتعان بعقل واسع ومتفتح وليبرالي، فلم تعكر صفو حياتنا المشتركة شائبة تذكر.

كان والدي اميل حبشي الاشقر اديبا معروفاً وصرف حياته كلها في الكتابة والتأليف، من دون ان يعمل في غير مجال الادب والكتابة ومن غير ان يسعى الى وظيفة يعتاش منها. فهو سليل عائلة عمل رجالها في التجارة فأثروا قبل ان تسوء احوالهم المادية في غضون الحرب العالمية الاولى، فعاش ابناء هذه العائلة على البقية المتبقية من تلك الثروات التي تضاءلت ولم يبق منها غير ذكريات عز منقض وغير الانصراف عن العمل والوظيفة. فجدي يوسف حبشي الاشقر الذي احمل اسمه، كان وحيد والديه، ولم يعمل الا مدة سنتين او ثلاث من عمره في تربية دود القز المنتج للحرير، لينصرف عن هذا العمل معتمدا على ما ورثه عن ابيه وملبيا ميله الى الفن والكتابة، قبل ان يموت سنة 1909، تاركاً دفتر شعر مطبوع وكتابا في علم الحساب ودفتراً آخر ضمّنه تاريخ آل الاشقر. اما والدي الذي كان ايضا وحيد ابويه، فقد تعلم في مدرسة مطرانية قرنة شهوان التي كانت شهرتها تضاهي شهرة مدرسة عينطورة، قبل ان ينصرف الى الكتابة والتأليف في مجال التأريخ والقصص التاريخي، معتمداً في حياته المادية على بقية من ارث ابيه وعلى ما كان يحصّله من اصداره مجلة وجريدة في بيت شباب التي كانت عاصمة "القاطع" اي المتن حالياً ومن اهم المراكز التجارية والصناعية في جبل لبنان كله. وهذه البلدة، شأنها شأن بلدات المتن وقراه، لم تعرف الحياة الاقطاعية، واكبر ملاك فيها لا يملك اكثر من 1500 متر مربع من الارض التي تحولت الى عقارات مرتفعة الاسعار. اما حياتها الاقتصادية فكان قوامها الصناعات الحرفية والتجارة. وكان حرفيوها ينتجون الفخار والحرير وقماش "الديما" الذي لا يفنى، فضلا عن اجراس الكنائس. لكن هذه الحرف كلها انقرضت من البلدة او هي في طريقها الى الانقراض، ولم يبق منها الا مباني مشاغلها المهجورة الخربة في اطراف البلدة. اما عائلة الاشقر فأكبر عائلة في بيت شباب ولها فروع في كل من برمانا وعين عار ومرجعيون - جنوب لبنان.

والدي كان وجها من وجوه العائلة والبلدة والمنطقة ومن اصدقاء اميل اده وحبيب باشا السعد ومؤيديهما. حمله انكبابه على الكتابة والتأليف على اصدار جريدة اسبوعية باسم "النتيجة" بين العام 1912 والعام 1915 الذي شهد توقفها عن الصدور بسبب نشوب الحرب العالمية الاولى التي خصص لها والدي كتاباً بعنوان "جهاد لبنان واستشهاده"، ضمنه يوميات الحرب طيلة سنواتها الخمس. لكن توقف "النتيجة" عن الصدور لم يكن نهاية مطافه مع العمل الصحافي. ففي العام 1929 اصدر مجلة "الليالي" الفصلية المتسلسلة التي خصصها لنشر كتاباته القصصية التاريخية عن شخصيات من تراث العرب والمسلمين، شأن جرجي زيدان الذي كان والدي اكثر حداثة منه لناحية عدم تصرفه بالشخصيات التاريخية على هواه ومزاجه. لكن "الليالي" ما لبثت ان توقفت عن الصدور في العام 1949، بعد ان كان والدي يعتاش من مردود اشتراكاتها في لبنان وسورية والاردن، حيث كانت توزع وتنتشر. اما صدورها والجريدة الاسبوعية التي سبقتها فكان دائما مركزه بيت شباب التي كانت جريدة "النتيجة" تنقل اخبارها المحلية. لكن الطباعة، اي طباعة الجريدة، والمجلة لم تنتقل الى بيت شباب الا في آخر عهد صدور "الليالي". في البداية كان يطبع "النتيجة" في مطابع جريدة "النصير" البيروتية لصاحبها عبود ابي راشد، والتي عمل فيها محررا فترة من شبابه، ثم لم يلبث ان بدأ يطبع "الليالي" في بلدة بكفيا التي كان يصدر منها عبدالله الحشيمي مجلة "العرائس". كانت الطباعة آنذاك تتم على اليد وبطرق بدائية. لكن ما كان الوالد ألفه من قصص تاريخية ونشره في "الليالي"، أعادت طباعته ونشره لاحقا "دار الاندلس" في بيروت.

المراهقة والشباب

تلقيت دراستي حتى السادسة عشرة في بيت شباب. في البداية دخلت مدرسة الراهبات ثم تعلمت على الكاتب المعروف جورج مصروعة الذي انشأ مدرسة خاصة في البلدة. ووالدتي، وهي من آل الحايك من بيت شباب وتعلمت في مدرسة الراهبات فيها، هي التي كانت تنكب على تعليمنا، أخي وأنا، دروسنا المدرسية في المنزل، بسبب انشغال والدي في التأليف ومتابعة شؤون الجريدة والمجلة.

حتى السادسة عشرة من عمري عشت حياة طبيعية في كنف اهلي في البلدة. وربما كان الحدث الابرز في سنوات صباي تلك هو تعلقي، في سن الثانية عشرة، بفتاة من البلدة كان اهلها اصدقاء اهلي وتقوم بيننا وبينهم زيارات متبادلة. وقد صرفني تعلقي المحموم المراهق ذاك عن دروسي، مما أخاف اهلي علي وحملهم على إيلائي اهتماما خاصا تعرضت بسببه لضغط ناء بثقله على نفسي وعلى الفتاة، لان الزواج وحده - وهو مستحيل في تلك السن - كان مآل ذلك التعلق، بحسب الاعراف الاجتماعية السائدة. لذا كنا نكتفي من ذلك التعلق بلقاءات بيتية عائلية وبأخرى على طريق الكنيسة. وقد حملني ذلك الكبت العاطفي المبكر على كتابة الشعر والانطواء على نفسي، خصوصا بعدما هاجرت الفتاة الى افريقيا حيث كان اهلها يقيمون ويعملون. والشعر الذي صرفت له جل وقتي جعلني كسولا في المدرسة، فتدخل والدي وقرأ بعضا من قصائدي المراهقة ونصحني بأن اوفق بين دروسي وبين انصرافي الى الشعر، انا الذي اذكر ان القلم والورقة كانا لعبتي الاولى والمفضلة، قبل ان تصير الكتابة مأواي وملاذي في سن المراهقة وفي حياتي كلها.

في العام 1944 غادرت وحدي بيت شباب بهدف استكمال تحصيلي الدراسي في كلية الاباء اليسوعيين جامعة القديس يوسف في شارع مونو ببيروت، فأقمت في كنف عمتي وزوجها واولادها، الامر الذي لم يفقدني دفء العائلة وحرارتها. اذكر انني لم استسغ العيش في المدينة في اول عهدي بها. فلا الترومواي ولا البنايات العالية ولا الاختلاط السكاني ولا تعدد اوجه الحياة وتشعبها وتداخلها شكلت مصدرا لادهاشي، على الرغم من انني رأيت وادركت كم يختلف عالم المدينة عن عالم الريف. وفي الحقيقة لم تحملني اقامتي في المدينة آنذاك لا على رفضي لعالمها وقيمها ولا على التآلف مع ذلك العالم وتلك القيم. وربما يكون قد حال بيني وبين هذا الامر تفرغي لمتابعة دراستي وانكبابي عليها الوقت كله الذي كنت اقضيه بين الجامعة وبين منزل عمتي. اما في ايام الاحاد فكنت أذهب الى السينما واتسكع في شوارع المدينة مع رفاق الدراسة. وما اتذكره من بيروت الاربعينات انها كانت احياء كبيرة شبه مقفلة على ساكنيها الذين كانت طفيفة ومحدودة صلات بعضهم بالبعض الآخر. وهذا ما بدأ يرسخ في وجداني نفوري من حضارة المدينة وعالمها وشغفي بحضارة الحياة القروية وبساطتها.

بين العام 1950 و العام 1953، استأجرت، انا وصديق لي يدعى جورج سكاف، غرفة مستقلة في شارع مونو، واقمنا فيها معاً وعشنا حياة عزوبة في كنف المرأة العجوز مالكة الغرفة التابعة لمنزلها. ثم لم يلبث اهلي ان غادروا بيت شباب للاقامة في بيروت، فكان من الطبيعي والبديهي ان اقيم معهم في المنزل الذي استأجروه في محلة الاشرفية وانتقلوا منه للاقامة في منزل آخر في محلة الجميزة القريبة من مرفأ بيروت. وفي اواخر الاربعينات، اي قبل وفادة أهلي الى بيروت، بدأت اعمل موظفا مياوما في وزارة البرق والبريد والهاتف، لأحصل مصروفي اليومي. كان راتبي الشهري آنذاك مئة ليرة لبنانية جعلت استخدمها لبعض من مصاريفي الخاصة، ومنها مصاريف التدخين الذي شرعت به وادمنته، واذكر ان سيجارتي المفضلة آنذاك كانت "اللاكي سترايك" التي كان ثمن العلبة منها 140 قرشاً. وبوجه عام كانت احوالي المادية غير ميسرة في تلك الفترة، شأني شأن غيري من اقراني وزملائي في الجامعة التي ما ان انهيت دراستي فيها حتى انتقلت الى العمل في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ومن ثم الى الضمان الاجتماعي الذي ما ازال اعمل فيه حتى الآن موظفاً برتبة مدير فني.

من كانت احواله المادية ميسرة من الشبان في نهاية الاربعينات ومطالع الخمسينات كان يستطيع السهر في احد ملاهي العاصمة. اما امثالي فكانوا يرتادون المقاهي التي كان اصحابها يحرصون على مراقبة مرتاديها خوفاً من تجاوزهم حدود الحشمة، اذا ما كانوا في صحبة فتيات من زميلات مقاعد الدراسة في الجامعة. وفي غضون سنة 1948 احببت فتاة تعرفت اليها في بيروت ورغبت في الاختلاء بها، فطفنا معاً على كثرة من مقاهي المدينة بحثاً عن مقهى مناسب لا تطاردنا فيه نظرات خدمه. واذكرانني اخيراً دخلت الى مقهى "الريجنس" في باب ادريس، وكان مقهى راقياً وهادئاً، فنبهت المسؤول عن المقهى الى ان غايتنا، انا والفتاة، ليست الا تبادل الاحاديث وتناول فنجانين من القهوة.

اسوق هذه الوقائع لاذكر ان بيروت المدينة الكوسموبوليتية المنفتحة لم تنشأ على نحو فعلي الا في مطلع الستينات، مع ازدهار رأس بيروت وبروز شارع الحمراء فيها كمركز مديني اكثر حداثة من ساحة البرج، مما اشاع مناخاً من الحرية في العلاقات والفكر والقول. لكن هذا كله لم يبدل نظرتي الى حضارة المدينة وقيمها، انا الذي انهيت دراستي الجامعية فيها في العام 1950 وتخرجت حاملاً شهادة دراسات عليا في الحقوق من الجامعة اليسوعية، وشهادة مثلها في الفلسفة من الاكاديمية العليا للفنون الجميلة، من دون ان اسعى الى ممارسة مهنة المحاماة، على الرغم من ان ممارستها كانت ميسرة لي عن طريق علاقات والدي الواسعة بشخصيات مرموقة في عالم المحامين.

الكتابة والتمزق الوجودي

انا الذي نشأت في بيت مهنته الكتابة، لم اقرر احترافها والتفرغ لها، بقدر ما وجدتني منقاداً اليها انقياداً منذ سن الثانية عشرة، فأحسست انها طريقي في هذه الحياة، من دون ان يكون الالهام موجهي ودافعي اليها. وحين صرت جاهزاً للعمل في مهنة المحاماة وجدتني انصرف عنها لئلا تصرفني عن الكتابة. وحتى سنة 1951 ظللت اكتب الشعر، الشعر النثري الحر، وانشر بعضاً من قصائدي في المجلات الادبية، حتى تعرفت بالروائي اللبناني فؤاد كنعان الذي كان رئيس تحرير مجلة "الحكمة"، فأشار علي بان اتجه الى كتابة القصة، فلا اهدر وقتي في كتابة الشعر، وهكذا كان. اما القصة الاولى التي كتبتها آنذاك فاستوحيتها من صميم احوالنا المادية الصعبة، كانت بعنوان "كان اذا جاع" ونشرت في مجلة "الحكمة"، وهذه القصة تتحدث عن رجل كنت اعرفه يشد زناره على وسطه اذا ما عضه الجوع.

في الخمسينات كانت "الحكمة" تجمع حولها عدداً من كتاب القصة التي كانت "موضة" رائجة آنذاك. اذكر منهم موريس كامل الذي كان يسارياً، فأغضبه اسمه فقام بتبديله بان دعا نفسه صلاح بدل موريس. وعلى الرغم من ان صلاح كامل هذا كان مقلاً في الكتابة فانه كان ناقداً ادبياً مهماً. وربما تكون روحه النقدية طغت على كتابته الادبية. اما فؤاد حداد الذي كان ينشر في صحيفة "العمل" مقالات ضد جمال عبدالناصر بتوقيع "ابو الحن"، فكان من اهم الذين كتبوا القصة آنذاك. لكنه في المقابل كان كسولاً، اذ لم يكمل رواية بدأ بكتابتها.

مجموعتي القصصية الاولى نشرتها في العام 1952 بعنوان "طعم الرماد". اما مجموعتي الثانية فكانت بعنوان "ليل الشتاء" وكتبتها تحت الحاح شك عصف بي، فجعلت ارى الصدفة في اصل الوجود واساسه. وربما كان في اصل نظرتي هذه الى الوجود والعيش ما حصل لي مرة في ساحة البرج. اذكر انني كنت خارجاً من محل لمسح الاحذية حين طالعني فجأة عراك بين رجلين في الشارع، فتدخلت بينهما لفض عراكهما. لكن واحداً منهما كان عاجل الآخر بطعنة في بطنه. وحين حضر رجال الشرطة اقتادونا نحن الثلاثة الى المستشفى حيث التقيت، صدفة، الفتاة التي كنت احبها في العام 1948، وكانت قد مضت سنوات اربع على افتراقنا وذهاب كل منا في طريق. اروي هذه الحادثة لابين كم اجتمعت من الصدف في ذلك النهار كي التقي بفتاة كنت احبها ولم اعد اراها منذ سنوات اربع؟

اصراري على اقتفاء اثر الصدف في رسم مصائر البشر وحيواتهم قادني الى حالٍ من التمزق الوجودي الذي كان العيش في المدينة اطاره وعنصراً اساسياً من عناصره. وحين اقول التمزق الوجودي اعني التساؤل عن مصير الكائن الذي يعيش في غربة عن ذاته في عالم المدينة. لذا كان عليه ان ابحث عن خلاص من هذه الحال التي لم الق خلاصاً منها الا في عالم القرية التي كنت انسلخت عنها وباعدت السنوات بيننا. في صيف العام 1957 عدت الى بيت شباب مسقط رأسي ومهد طفولتي وملعب صباي، حاملاً اسئلة تمزقي الوجودي الذي عانيته في المدينة، فكتبت عودتي الى الجذور واستعادتي صلتي المنقطعة بها، فكانت مجموعتي القصصية الثالثة "شق الفجر" التي حاولت فيها الاقتراب من السلام الذي يكتنف الحياة في الريف. لكن ذلك لم يشفني عما انا فيه، لان المدينة كانت بدأت تنتقل الى القرى، وهكذا وجدتني في حال من الضياع لا قرار له.

كان والدي آنذاك بدأ يلح عليّ بأن اجدد تجربتي الكتابية وانميها، ما دمت جعلت الكتابة هدفاً لحياتي. وفي العام 1964 نشرت روايتي الاولى "اربعة افراس حمر" التي شكلت انطلاقة جديدة في عملي الكتابي، فاحدثت ضجة في اوساط بيروت الادبية. روايتي الثانية هي "لا تنبت جذور في السماء" ونشرت مجموعة قصصية بعنوان "المظلة والملك وهاجس الموت" في العام 1982. وهذه المجموعة احب كتبي جميعاً الى قلبي. اما "لا تنبت جذور في السماء" فكنت بدأت في تحضير مادتها منذ العام 1971. ذلك لان رواياتي تبدأ بعمل تقميشي يستغرق سنوات قبل ان ابدأ بكتابتها كتابة اولى. في البداية تحضرني فكرة عامة للرواية فأشرع في جمع مادتها من الصحف ومن وقائع الحياة اليومية فأسجل انطباعاتٍ وملاحظات على غير هدى ومن دون صياغتها في قالب محدد. وحين انتهي من هذا العمل اعود الى ما تجمع لدي اغربله حذفاً وزيادة قبل ان اشرع في الكتابة الاولى التي تتلوها اعادة كتابة، ربما يصل عددها الى اربع. هذا ما فعلته في "لا تنبت جذور في السماء" التي بلغ حجم مسوداتها اربعة امتار من الورق. وهذا ما فعلته ايضاً في روايتي الاخيرة "الظل والصدى" التي كنت شرعت في جمع مادتها منذ العام 1974.

لكل جيل زلزاله

انا قارئ نهم، والكتابة والقراءة لم يكونا مرة مورد رزق لي، بل كانا دائماً وابداً اشبه بخلاص وصلاة. وفي 15 ايلول من العام 1988، حين وضعت النقطة النهاية في كتاب "الظل والصدى"، شعرت انني وصلت الى قول ما اريد قوله وانني افرغت ما عندي كله. لذا يراودني شعور انه آخر كتبي.

الكثير مما ترجم لكتاب الى اللغة الفرنسية قرأته. من الادب الصيني الى الياباني الى الاميركي الى الانكليزي الى الاسباني... فالقراءة متعتي الاساسية في هذه الحياة. في مراهقتي قرأت والدي وجرجي زيدان، ومتأخراً قرأت الادب المهجري من جبران الى نعيمة. وفي شبابي كنت استعير الكتب من مكتبة ابن عمتي فرج الله حايك، وهو روائي معروف باللغة الفرنسية، ونشر رواياته في "دار غاليمار" المعروفة. سارتر وكامو قرأتهما بعد مضي حوالي سنوات ست على شهرتهما، احببت تفكيرهما، فضلاً عن انني في نظرتي الى الدنيا انتمي الى جيلهما. اما دوستويفسكي فقد خضني عندما قرأته واثر بي في الصميم، وانا اعتبره كناية عن بركان، لانه طرح مشكلة الانسان الرئيسية: الايمان والخير والشر ثم انني في انتظام اعيد قراءة شكسبير.

في عمري لم انتسب الى تجمعات ادبية ولم استسغ الالتزام. وقراءتي للتاريخ علمتني ان العقائد والايديولوجيات لا تصمد ولا تستمر، فعزفت عن الافكار الشمولية الكلية، وبقيت مقتنعاً ان العالم لا يكفله الا الله وحده. و في مطلع شبابي كنت مؤمناً، اما الآن فلا ادري، لكن ايماني ذاك لم يكن تديناً. اما اقصى امنياتي فهي ان اعود كما كنت مؤمناً في مطلع شبابي. لكنني في قرارة نفسي مقتنع ان العدل غريب عن هذه الدنيا وان مشوارها عذاب كله، لا يبعده عني غير الكتابة. الشك جعل الارض تهتز تحت قدمي. وانا اعتبر ان لكل جيل زلزاله الخاص. وفقد الايمان هو زلزال جيلي.

القرية والمدينة

ربما اكون في ميلي الى تفضيل الحياة في القرية على الحياة في المدينة مثل اسكندر بطل روايتي "لا تنبت جذور في السماء" فالمدنيّة الحديثة التي ولدت في المدن لم تضف الى حياة الكائن البشري الا التيه والالم والتعب والقلق وعدم الرضى والغربة عن الذات، الامر الذي ولّد فيه شعوراً عميقاً بأن الدنيا تسبقه ولا يستطيع اللحاق بها. اما في القرية، التي اعتبرها حضارة كاملة، فيمكن العيش في امن وسلام ودعة وطمأنينة.

حضارة القرية هي حضارتي، وفي المقابل ارفض الحضارة المادية الحديثة التي انبتتها الحياة في المدن والتي ستوصل العالم الى الخراب، من دون ان تكون العودة الى حضارة الحياة الريفية ممكنة. والذي يمكن الحد منه هو فقط ركض البشر المسعور في طلب السلع الاستهلاكية واقتنائها، وهو ركض رسخته الحضارة المادية الجديدة التي اقامت سوء تفاهم بين الانسان ونفسه.

افضل مكان يحلو لي ان احيا فيه هو قريتي، حيث تمتد جذوري عميقاً. ولكن المأساة تكمن في ان حضارة الريف هي في طريقها الى الزوال. وعلى الرغم من ذلك ما ازال قادراً على العيش في سلام هنا في قريتي، حيث تسود الاخوة والحرارة والدفء بين الناس الذين ما يزالون مؤمنين ويعيشون من دون الضغوط التي يتعرض لها اهل المدينة. هنا في الريف العالم اوسع وارحب واكثر حرية من عالم المدينة. فالقرية تتيح الانفراج والانفراد بالذات، بينما يفضي الانفراد بالمدينة الى وحدة سامة وعزلة كبيرة.

منذ مدة كلفت بإعداد برنامج تلفزيوني عن القرية اللبنانية ما بين 1900 و1975، وحين رحت استطلع بعضاً من وجوه الحياة في بيت شباب، اضناني البحث عن جريمة حصلت فيها، وفي المنطقة كلها. فمنذ 200 سنة لم تحصل جريمة كبرى او سرقة، على الرغم من ان ثلث اهالي بيت شباب ماتوا جوعاً في غضون الحرب العالمية الاولى.

هنا في القرية اشعر انني اعيش ما تبقى لي من عمر بسلام وطمأنينة لا توفرهما الحياة في المدينة. لكن السلام والطمأنينة اللذين اعيش في كنفهما لا يبعدان القلق والشك الوجوديين عني. فإلي اين يسير هذا الكائن التعيس وما هو مصيره؟!

 منذ 13 أبريل 1992 / 00:00
الحياة