رفيق نجم

عرفته صوتاً كسواي من الشباب الكثر الذين يحفظون مسرحيّات "زياد" أكثر من درس في "تاريخ لبنان الحديث"، "نجيب"!
عرفته صورة من خلف شاشة، في أفلام لبنانية، كانت تعدّ على أصابع اليد آنذاك قبل الثورة الجديدة في صناعة الأفلام السينمائيّة بعد "تاريخ لبنان الحديث"، ما بعد الحرب! 
إلى أن رأيته وجهاً لوجه في مكانٍ، كان له فضلاً كبيراً في معرفتي به كصوت، "صوت الشعب" الإذاعة التي كانت وما زالت وفيّة لهذه المسرحيّات، جمعتني أروقتها بـ " نجيب" و"تريللا". يمسك بسيجارته التي تكاد لا تفارق إصبعيه، يلتحف سترة من الجلد الأسود، ولحيته الكثيفة تهتزّ عندما يضحك، "ونادراً ما يحدث"، تتخلّلها شعيرات بيضاء تشهد على "الوجع الصامت". 
- "رفيق نجم، أخي، نجيب في مسرحية بالنسبة لبكره شو". مقدّمة سارعت شقيقته "هند" لتكسر حاجز اللّقاء الأوّل. 
- مددت يدي، صافحت بعد أن نقلت من اليمنى إلى اليسرى الوريقات السمراء لأحد مواجيز الأخبار، مع ابتسامة عريضة. 
- "رنا خضر".
صافحني بسؤال، 
- رنا خضر من وين، بعقلين؟! 
- نعم ..
- هل تعلمين بأننا أقارب، فجذورعائلة نجم تعود في الأصل إلى آل خضر.
ارتسمت علامة تعجّب على ملامحي، لأنّني عرفت ما كان يخفيني، فهذا التاريخ لا نقرأه في دروس التاريخ. 
جلست وارتشفت فنجاناً من القهوة بصحبة عائلة، أثبت الغياب أنّ صداقة أفرادها جميعهم لا تسمح له بأن يقلّل من وتيرتها. 
عيناه في كلّ مرّة مررت به في الرواق بين مكتب التحرير والاستديو، تبادران إلى الابتسام قبل شفتيه، كنت أعلم أنّ لي في قلبه مودّة، لمستها بعد حزمت حقائبي ورحلت إلى دبي. 
سنوات تجاوزت أصابع اليدين الاثنتين، لكن رفيق لم يتوانَ عن السلام، المشاركة والتعليق في "الفضاء الأزرق"، حتى هذا الأخير الذي عادة ما تكون فيه الكلمات باهتة، لم يتمكّن من أن ينقل عدواه إلى محبّة رفيق.

رفيق نجم، الغائب منذ زمن " لقلّة وفاء هذا الزمن" أو لمن جرفهم هذا الزمن بطوفان " الوفاء القليل" أو المنعدم، اختبر الغياب "في" الحياة و "عن" الحياة، الرجل الذي يعرف ولا يدّعي المعرفة، مثّقف ولا يتبجّح بثقافته، ممثّل مبدع " معلّم"، علّم بأدواره القليلة، فالكثير لا يعرف أنّ هذا " النجم الرفيق" هو "نجيب" أو "تريللا"، لكنّ الجميع يعلم أنّ غياب رفيق نجم حضور، وصمت رفيق نجم ناطق، فالصوت أخرس، لأنّه عاجز عمّا كان يقوله رفيق في لمعة عينيه، حتى قلبه اختلّت وظائفه من زحمة المحبّة التي يكنّها للكثير. 
رفيق نجم الذي رحلتَ مرّتين، هذه الحياة ليست لأمثالكَ، ففي مكانكَ الآن، الحياة أنقى، أوفى، أصدق، هناك الحياة تليق بكَ....

رنـــا خضر.

ليست هناك تعليقات