هدى حمد... جوخة الحارثي.. جعلتنا نُرى



لطالما قُلنا بأننا ككتاب عمانيين لا نُرى، والأمر ليس نتاج عُقد متأصلة أو بارانويا ، وإنّما محاولة لفهم ذلك الأذى المستمر بالتجاهل والاختزال في أسماء مُحددة سلفا، وكأننا - ورغم انفتاح العالم من حولنا في تحوله السريع إلى قرية كونية- مازلنا داخل أسوار القلعة العُمانية القديمة التي تُغلقُ أبوابها بحلول الليل، وكأننا -من وجهة نظر الآخر ومن وجهة نظر أنفسنا - في تلك الجغرافيا المعزولة المُتحصنة بجبالها، والتي أقصى ما تأمله أن تكون على الحياد في كل شيء. أن لا تثير ضجيجا وأن لا تقدم سوى صور تمّ تنميطنا فيها منذ عقود طويلة. بينما الأدب يقوم بمهمة متناقضة تماما مع الصور الجاهزة والتنميط.. الأدب يحفر عميقا في الحياة، ليعطي الأشياء معنىً وقيمة، وهو يجرد الشخصيات والأحداث من مثاليتها المتعالية لترتطم بلحظة صدقها الخاصة. 
وكما فعلت جوخة الحارثي في "سيدات القمر" كانت تنسج حكايتها في بعدين متوازيين متضاديين، بين ما نهفو إليه وما نصير إليه، والأكثر جدراة بالزهو أن جوخة خرجت من تفاصيل محليتها البعيدة، بأبعادها التاريخية والاجتماعية لتحوز اهتمام العالم ولم تضطر لأن تنسلخ أو تنسج حكايتها من الخارج .
ولذا أقول إنّ ما فعلته الحارثية حقا.. هو أنها جعلتنا نُرى من قبل الآخر. دفعت العالم قبل الوطن العربي والخليج لالتفاتات جديدة للنتاج العُماني. رغم أن بعضها جاء متعجلا ومُشككا ومُعلبا في أفكار جاهزة إلا أنه لا ينفي أيضا انفتاح الأفق في قادم الأيام. 
ورغم أني أجد الأدب أكثر تجاوزا من أن يتم التعامل معه كما نتعامل مع فِرق كرة القدم ومعايير التشجيع والجماهير. إلا أن ما حدث حقا هو أنه تمّ - عبر عقود- هضم حق التجربة العمانية واختزالها، لأن الأغلبية عن قصد أو غير قصد كانوا يتجاهلونها. فلم تكن لها حصة كافية في التناول النقدي العربي أو حتى في الإيمان بها لترشيحها لجوائز عربية.. بل إن سؤال من قبيل: "من أنتم وماذا تكتبون"، كان يقفز من الدول المجاورة لنا فما بالك بالوطن العربي.. في أغلب مشاركاتنا العربية. ففي مشاركة قريبة لي عربيا قال لي أحدهم وهو كاتب معروف: "سمي لي كتاب عُمان، فلم أقرأ لهم ولا أعرفهم".
لطالما كان يتكثف لدينا الحياء إزاء نتاجنا الأدبي الذي لا يراه النقد ولا الجمهور العربي ولا الخليجي إلا بعين الريبة والشك أو التجاهل في أفضل الأحوال. لطالما كنا نفكر لو كان السبب راجع لسبب عميق متجذر في الشخصية العمانية، أو لأننا لا نجيد التسويق لأنفسنا في زمن القرية الكونية أو لأن ما نكتبه لا يرقى لما يُقدم عربيا. وأذكر في ندوة الرواية العمانية التي أعدتها ونشرتها مجلة نزوى.. كان هنالك الكاتب العماني حسين العبري الذي طرح سؤالا مؤلما من قبيل : "نحن حتى اللحظة لا نعرف إن كنا نكتب رواية بشكل جيد أو روايات رديئة".
ولا أدري إن كان ينبغي علينا أن نلوم أنفسنا أو نلوم الآخر أو نلوم المؤسسة التي لم تستطع حتى اللحظة استيعاب تطلعاتنا التي نصبو إليها..؟؟؟ 
يبقى أن نتأكد أن الكتابة هي حالة فردية خالصة. مليئة بالفروقات والتناقضات. فلا يمكن الجزم الان أن ما تقدمه دول المركز أكثر متانة من الأعمال التي تصدر من دول الهامش أو العكس.. 
ما أرغب أن أقوله الآن على وجه الدقة .. جوخة الحارثي جعلتنا بطريقة أو أخرى نُرى.
عن الفايسبوك

ليست هناك تعليقات