أعالجُ الموتَ على هواي


إلياس فركوح 22 مايو 2019
لم تَشْغلني فكرةُ الموتِ كما انشغلَت بها أعدادٌ لا تُحصى من الناس، ولا تزال، بمن فيهم كُتّاب وفنانون بالطبع. كما لم تحتلّ أسئلةُ الفَناء البشريّ، الفرديّ، حيّزاً في حواراتي مع نفسي ومع سِواي. إنَّ مجموعة ما نعرفه من اجتهادات/ إجابات حول: وماذا بعد، ولماذا كانَ القبْل، والمُستقاة في معظمها إما من الأديان أو من العِلْم أو الفلسفة، والدائرة حول نفسها في احتدام النقاشات المألوفة، العاجزة عن الخروج بما يغلق أبوابَ الحيرة؛ ذلك كلّه أكدَّ لي أن لا جدوى من طرح أسئلةٍ محددة لم ولن تتوفر إجاباتٌ حاسمة عليها تُرضي الجميع. فـ"الجميع" ليست كتلة متجانسة واحدة، "الجميع" أشتاتٌ متفرقة بقدر تعدد إيماناتهم الدينية، وأنسابهم الحضارية، ومكنوزاتهم الثقافية، ومرجعياتهم الكامنة في "كتبهم المقدّسة"!
غير أنَّ عدم انشغالي بتلك الأسئلة "الوجودية" في حياتي اليومية، لا يعني تجنبي للموت برفض كتابته و"تسجيله" داخل نصوصي؛ إذ لا مهربَ من مواجهته حين يواجهنا بحدوثه الحتمي، منهياً حياةَ كُلِّ واحدٍ منا.
يواجهنا.. فنواجهه! يواجهنا بملامحَ مختلفة، فنتلقاه كما نحنُ وفق حالاتنا في تلك اللحظات. وإني، عندما أقولُ "وفق حالاتنا في تلك اللحظات"، إنما أقصدُ اللحظات التي أكون خلالها راصداً للتفاصيل المتأتية عنه: التفاصيل المواكبة له والمحيطة به، والطالعة من أعماقي ومخيلتي معاً، بينما اللغةُ تنسجُ "لوحة" الحدوثِ في كتابةٍ تنحو باتجاه النقيض! أكتبُ الموتَ في مشاهدَ تؤكده وتنفيه في الوقت نفسه. أُفْصِحُ عن إقراري بحقيقته من جهة، لكنني، من جهة مقابلة مضادة، أخلعُ رهبته عنه بتحويله من "حَدَثٍ قاتل" إلى "حالةٍ تَشِفُّ وتَسْمو"، إلى قصيدةٍ، أو أغنيةٍ، أو مَغْناة، أو نَشيد يرتفعُ بـ"الموتى" إلى ما فوقَ الموت نفسه، حين يكونون 
"لا أدّعي اللامبالاة وعدم الاكتراث والجرأة المطلقة، لكنني أراني أعيشُ "سلاماً ما، وطمأنينة ما" حيال الموت الذي لا رادَّ له"
"ضحايا" بأثمانٍ نفيسة ذات معنى! كأني أستعيرُ، بوعيٍ أو بالقليلِ منه، التوصيفَ العائدَ للسيّد المسيح في قيامته: "وداسَ الموتَ بالموتِ"!
لم أكن على دراية مسبقة، أو بالأحرى أكتبُ بتصميمٍ مرسوم، في جميع النصوص التي "واجهتُ" فيها الموت. ولستُ أغالطُ في تصريحي بأنَّ تلك النصوص فاجأتني بذلك، لمّا أجريتُ مراجعة لها، بعد سنوات وسنوات. كأنها كانت "مرحلة" عشتها تزامنَ فيها الموتُ وتراصفَ مع الكتابة "المتشَعْرِنة"، متمثلةً في أربع قصص من مجموعة "إحدى وعشرون طلقة للنبيّ" (1980-1981). "مروان" القتيلُ الصغيرُ قَنْصاً، و"الرجل الذي رأى" المحكومُ بالإعدام فجراً، و"إحدى وعشرون طلقة للنبي" المِثاليُّ في زمن إدارة الظُّهور، و"آفـو" الأرمني النَّكِرَةُ المنسيّ.
ثم، بعد ست سنوات، يتجددُ الموتُ في حالةٍ أقربَ إلى "الارتفاع والارتقاء الصوفي" أدهشتني، حين أعددتُ رواية "قامات الزَّبَد" - المنشورة عام 1987- لطبعتها الرابعة قبل شهرين! فالخطّ الموازي للتفاصيل الدموية الوحشية لطعن، وذبح، وسَحْل نذير الحلبي، السوري المسيحي، على أيدي الميليشيا المسيحية في الحرب الأهلية اللبنانية، جاءَ وكأنه الإجابة "الهازئة/ المتحدية" للفعل، وللفاعلين، وللموت في صورته البشعة والقاسية أيضاً! فعند كلّ حركة قَتْل على أرض المقبرة المظلمة المُدماة غايتها السقوط، تتلوها خطوةُ "عُروجٍ وصعود" نحو الفضاءات المُنارة بالعشق المُستعاد وسَكينة الخِتام! عِشقٌ، وإنْ بالمتخيِّل تلك اللحظات، يشكّلُ جواباً مضاداً لسؤال الاحتضار المتدرج! وهكذا.
وأسألُني الآن: أهذا جوابي عن سؤال الموت، الداعي لحيرة الحائرين فيه، والدافع لرعب المفزوعين منه؟
لا أدّعي اللامبالاة وعدم الاكتراث والجرأة المطلقة، لكنني أراني أعيشُ "سلاماً ما، وطمأنينة ما" حيال الموت الذي لا رادَّ له. أعني، الموت القَدَري المحتوم- ولعلّ هذا السلام والطمأنينة أساسهما التسليم (لا الاستسلام، لأنّ كلمة المقاومة لا معنى لها في هذا المقام) بقانون الوجود الأوّل والأخير. ومن هنا، كما يجاريني ظَنّي، لا أخشى الشيخوخةَ بقدر ما أرى فيها هدوءاً وحِكمةً وجَمالاً إنسانياً يقولُ، رغمَ حصته المنقوصة من العَيش: وداعـاً!
أكرهُ الموتَ حين يأتي وحشيّاً، غادراً، وخاطفاً للحمايةِ والغَضَاضَةِ والطفولةِ والبراءةِ في كلّ 
"عدم انشغالي بتلك الأسئلة "الوجودية" في حياتي اليومية، لا يعني تجنبي للموت برفض كتابته و"تسجيله" داخل نصوصي؛ إذ لا مهربَ من مواجهته حين يواجهنا بحدوثه الحتمي، منهياً حياةَ كُلِّ واحدٍ منا"
شيء. وهذا ما رسمته الفنانة الألمانية الأشهر "كاثي كولفيتز" (Kathe Kollwitz 1867-1945) في أبلغ شهادات صادمة وصارخة بالأسى والفجيعة، بالأبيض والأسود المحفور والمطبوع، وتركتها لنا لغاية توثيق الموت كحاصدٍ بَشِع عدواني لحياة ملايين من ضحايا الحربين العالميتين: هيكلاً عظميّاً يعتصر الأجساد الحيّة من الخلف، أطفالاً، وأُمهات، وصبايا. عندها؛ لن أراه نبيلاً أو رحيماً في أداء مَهمته. أما عنه هو، كآخر يَدٍ.. أو آخر حِضن.. أو آخر طيف.. أو حتّى كآخر صديق ورفيق؛ فلسوف أواجهه بما يليق به.. وبي!
* * *
قبل أيامٍ فقط؛ فوجِئتُ بنصِّ شِعريّ مجهول لصديقي الراحل الجميل جمال أبو حمدان، لم يُنشر، أسماه "الزائـر الأخيــر". كتبَ يخاطبُ الموتَ أواخر تسعينيات القرن الماضي:
"ربما تأتي مساءً
وأنا أرنو لنجمٍ ضَلَّ في الأفقِ مساره،
ربما تأتي صباحاً
وأنا أرقبُ زهرةً
خبأت في صدرها
سِرَّ التنامي والذبول،

ربما كنتُ أناغي
طفلتي الصغرى
وأرنو للكبار،
ربما حاولتُ أن أغفو
على صدر حبيبٍ
في انتظارك.
لكَ أن تختارَ صحوي
أو منامي، للزيارة.
لكَ أن تختارَ
لكن، خَفف الوطءَ
ولا تخدش سلامي
قد كفاني
وطءُ أيامي الثقيلة
في انتظارك.
كُنْ لطيفاً حين تأتي
خاشعاً قفْ عند رأسي
دون أن تقرأَ شيئاً
من كتابك".

ليست هناك تعليقات