سعيد خطيبي...معركة مالك بن نبي الخاسرة



حاول مالك بن نبي أن يجعل من معركته مع أحمد طالب الإبراهيمي قضيّة رأي عام، وكي يكسب الرّهان أوهم من حوله أنه يمتلك علاقات طيّبة مع قياديي جبهة التّحرير، فبعدما عارض انقلاب هواري بومدين عام 1965، بصوت خافت، تحوّل بن نبي إلى نصير للعسكر، لكن معركته خسرت، وأُصيب بما يشبه الشيزوفرينيا، نجدها في يومياته، التي صدرت بعنوان "دفاتر"، لكنها لم تلق رواجاً، فهي تكشف الوجه المُعتم لصاحب "مشكلة الثّقافة". 
يُعلّق مالك بن نبي المشاكل التي عرفها في الجزائر على مشجب المؤامرة والغيرة والحسد، ويتّهم أحمد طالب الإبراهيمي بكل ما حصل له، ويحمّله سبب البيروقراطية التي واجهها، فقد قام هذا الأخير بتجريده من منصب مدير الدّراسات العليا، وجعل منه مفتشا تقنيًا لا أكثر، ويصل حقده على الإبراهيمي إلى درجة عدم تسميته باسمه، والإشارة إليه بعبارة "السّيد Ⅹ".
كما سعى، في يومياته، أن يمنح القارئ انطباعًا بأنه كان يتمتّع بعلاقات جيّدة مع قيادة الحزب الواحد، بشكل يتناقض مع فكره الظّاهري الذي كان يُرافع من أجل اِستقلالية المُثقف عن السّياسة، حيث يحكي بن نبي عن زيارة له إلى مكتب شريف بلقاسم، بتاريخ 16 مارس 1966، والذي أطلعه عن نية الرّئيس هواري بومدين تعيينه سفيرًا للجزائر في الفاتيكان، ثم يتحدّث بن نبي، مرّة أخرى، عن "النوايا"، ولقاء له مع قيادي حزب جبهة التّحرير الوطني قايد أحمد، الذي تحدّث معه قليلا حول أداء الصّحافة، وهو حديث فسّره بن نبي على أنه نيّة من القيادي ذاته في تعيينه مديرًا لصحيفة «Révolution Africaine». وفي الوقت الذي تحدّث فيه عن نيّة السّلطة في تقديم هذا العرض عليه، كانت الصّحيفة نفسها ترفض نشر بعض مقالاته، وصار يعتقد بأن مقالاته التي مُنعت من النّشر إنما هي مقالات كانت ستحدث قلقا أعلى هرم السّلطة، ويُبالغ في تخيّلاته لما يعتقد أن النّظام كان يمنع عنه وصول بعض الرّسائل عبر البريد، قبل أن يذكر في صفحات لاحقة من اليوميات بريدًا وكتبا كانت تصله بشكل طبيعي إلى بيته وإلى مكان عمله.
يبدو أن مالك بن نبي كان يعيش اضطرابًا داخليًا، عدم ثقة في الذّات وتوجسًا من الآخر، يؤسّس قناعات على أحاديث عابرة مع "مسؤولين سياسيين"، يختلق خصومات وخصومًا، ويعتقد أن كتابات له تشكّل خامات تهدّد نظامًا حاكمًا، فالعودة إلى "دفاتر" مالك بن نبي تشرّع الباب واسعًا لفهم العلاقة التي ربطت بين مُفكر، نال نصيبًا وافرًا من الاهتمام في البلد وفي المشرق العربي، وامتهانه التّملق لقادة نظام عسكري، وصفه بالانقلابي.

ليست هناك تعليقات