محمود الحجيري... رحلة الحمام البركاني في البادية السورية والشفاء(2)


كانت امي مرهقة من الرحلة، شعرت بالدوار اكثر من مرة اثنائها، جربت النوم في الخيمة قليلا حتى ترتاح وتستعيد توازنها، اما انا فقد جلت في المكان واستطلعه. أول ما شدني بقايا قصر قديم بقي منه جدار تتجاوز سماكته المتر، مبني بحجارة صغيرة يضم في طوله على بضعة قناطر، ويدل عن فقر من فكر في بنائه، وقلة خبرته الهندسية. هذا هو المعلم الانساني الوحيد الموجود في المكان بالإضافة الى القبو المبني فوق الحمام، وجلت فوق الربوة البركانية اتأمل معالمها، وانطلق نظري وخيالي في ربوع البادية بلونها الرملي الموحد وكأنني امام بحر، وعدت الى الخيمة لأجد امي تنتظرني، طلبت منى التعري والدخول الى الحمام فلبست "شورط" ونزلت واقفلت الباب خلفي، وجلست بالقرب من فوهة الحمام وبعد دقائق قليلة تبلل جسدي وبدأت نقاط الماء تتدحرج الى الاسفل وشعرت بصعوبة التنفس، دخلت امي وطلبت منها ان تترك الباب مفتوحا، وبدأت بتدليك ركبي وظهري واستمرت اول جلسة ساعات لخلو المكان والحمام من اي مزاحم. 

بنات نعش
في النهاية، شعرت بالتعب والارهاق، وكنت قد وضعت بالقرب من فوهة الحمام ابريق ماء فاستحممت، وخرجت لالتف في بطانية والتحف السماء المرصعة بالنجوم، وبدأت وامي نجري دراسات فلكية فدلتني على "بنات النعش" وروت لي حكايتهم، ومن يطاردهم في السماء، وحددت بعض النجوم بالأسماء وحذرتني ان لا اعد النجوم لان عدهم اذا حدث سيظهر التلول في يدي، وسرقني ملك النوم من هذه السهرة الفلكية الساحرة على وقع مداعبة نسائم البادية المنعشة للوجه، واستفقنا قبل شروق الشمس لنعد ابريق الشاي من اجل الفطور، قبل بدء النشاط والدخول الى الحمام. وقبل ان ننتهي من فطورنا بدأت الوفود تتقاطر الى الحمام رجالا ونساء، وعندما زاد العدد قسموا الدور بين النساء والرجال، وانا متمركز في خيمتي اراقب الوافدين وحين خرجت ونظرت حوالي فشاهدت عدد من الاشخاص يجلسون بشكل ثابت في التلة المقابلة ومنهم نيام، فتكون لديّ فضول وحب استطلاع ومشيت باتجاههم لمعرفة ماذا يفعلون في جلساتهم، وصلت للأول وحييته وسألته عن سبب جلوسه وحيداً، فأجاب بأنه يجلس على حمام الارجل، وانه يعالج رجليه من ألم وتشنج اصابهما ودلني على اكثر من نافورة بخارية منتشرة في تلك الربوة، وقد اكتسبت الاسم والاختصاص من اهالي المنطقة، سالته عن الرجل النائم ماذا يفعل؟ فأجاب هناك حمام الاذن وذلك الرجل يضع اذنه فوق نافورة بخارية، فخلعت حذائي وجلست قبالة الرجل وانزلت رجلي الى جانب رجليه في الحفرة التي تضم حمام الارجل ودار حديث التعارف مع ذلك العجوز البدوي القادم من احد المناطق البعيدة سيرا، وبعد حوالي الساعة وقفت دون ان أشعر بأي الم وقبل ان اتركه عائدا الى امي، تبادلنا التمنيات بالشفاء، فوجدتها متذمرة من العجقة وكثرة الناس. ولن استطيع الدخول الى الحمام وعندما اخبرتها بحمام الارجل وجلوسي هذه الفترة ووقوفي دون ألم فبرقت عيناها ببصيص امل، وابتسمت وشكرت الله متمنية منه شفائي. 

رحت اتجول بين المتواجدين حول الحمام، أراقب اعمالهم وتصرفاتهم لتمرير الوقت والتسلية، وكان الدور للنساء في الحمام، فوجدت الاغلب قدم الى المكان للسياحة والتنزه فمنهم من يشعل النار واخرون يلعبون طاولة الزهر والبعض الاخر يدخنون النارجيلة، ووجدت احدهم قدم بهدف التجارة حيث يحمل على موتوسيكل صندوقين من المشروبات الغازية والخبز والبيض المسلوق وبعض الحاجيات، فناديت امي لاسألها ان كانت بحاجة لشيء مما يحمل، فاشترت منه واوصته على ما ينقصها لليوم التالي، وفي نهاية جولتي سمعت مناديا يدعو من الرجال من يريد الدخول الى الحمام فطلبت امي ان ادخل مع الرجال فخلعت ثيابي ودخلت وجلست بالقرب من رجلين يلهوان بطاولة الزهر فراقبت وتعلمت مبادئ اللعبة من تلك الجلسة، وبدأت اصوات النسوة تصل من الفوهة في سقف الحمام، يطالبن بحقوقهن باستخدام دورهن بالاستحمام فرضخ الرجال لأصوات النواعم، وخرجوا مفسحين لهن المجال. وعند المغيب بعد ان غادر الحمام كل الرواد، شاهدت رجلا عجوزا بقي ويحاول ايجاد مكان ينام فيه واخيرا استقر بالقرب من خيمتنا، اما نحن فقد اشعلنا بابور الكاز بهديره المزعج في صفاء غروب البادية، لاعداد بعض من قوتنا، واشعلنا الفانوس لنحجب الظلام في كواليس خيمتنا لفترة وجيزة قبل ان ننطلق في غياهب النوم، واثناء نومنا اتى ذلك العجوز المقيم بالقرب مننا يبحث عن ماء يشربه في محيط خيمتنا، لكن لسوء حظه فقد وجد ابريق كاز فوضعه على فمه وشرب منه، قبل ان يتذوق طعمه، ونستيقظ على اصوات سعاله وكحه الذي استمر طوال الليل. 
وفي وصل الى خيمتنا الرجل "التاجر" وناولني ما اوصته عليه امي امس، واعطيته ثمنه فابتعد قليلا وجلس قبالة دكانه المتحرك، لحظات واقترب العجوز يعاتبني وقال: كيف تضعون الكاز امام الناس، لقد شربت منه في الليل وكدت ان اموت! ضحكت وقلت له: زيادة على ما شربت تعاتبني وتحملني المسؤولية انا اريد ثمن ما شربت من كاز!

بدون تردد مد يده الى جيبه واخرج نصف ليرة سورية ليعطيني ثمن الكاز وقال: تفضل يا ابني خذ ما تريد، فضحكت وقلت له: اول مرة ضيافة ولكن في المرة الثانية اذا تكررت سأخذ الثمن، فاعاد النصف ليرة الى مكانها، ولكن البائع المتجول انفجر بغضب وهجم عليي يشتمني ويشتم اللبنانيين قائلا: انتم تسخرون من السورين بشكل دائم ان كنتم في لبنان وحتى في سوريا تسخرون من السوريين، فلم اجاوبه بكلمة لكن العجوز وقف بوجهه وهدأ من غضبه وبرر موقفي فدعوته لشرب الشاي وجلسنا على حجرين بالقرب من الخيمة قبل ان تقدم لنا امي الضيافة .

منجل ومطرقة وكانت اعداد من البشر قد وصلت الى الحمام ومحيطه، لكن اقل من اليوم السابق وكانوا يتداورون على الدخول والاستحمام بتفاهم تام دون مواربة والبعض منهم استخدم النوافير الفرعية، وعند الغروب اختفى ذلك العجوز، ربما عاد إلى بيته، واخذت مكانه مجموعة من النسوة. ومع بداية الليل أتوا لزيارتنا والتعارف والسهر، فمدت لهم امي البطانية بالقرب من الخيمة والفانوس وُضع في الوسط، وبدا تبادل الاسئلة مع امي عن سبب تواجدهم في الحمام، وكل واحدة حكت عن معاناتها مع المرض ووصلت احاديثهن لجغرافية المنشأ فقالوا انهن من مهجري الجولان، وبما ان امي فلاحة وتهتم بالارض والزراعة فامطرتهم بوابل من الاسئلة عن الجولان وعن الزراعة فيه وعن نوعية الاشجار الموجودة، فانفجرت احداهن وهي عجوز بالبكاء وكشفت عن صدرها تتضرع لله ان ينتقم ممن باعوا الجولان وهجروهم ليسكنوا في المخيمات وقالت: والله والله وان الله شاهد على كلامي بقينا في بيوتنا خمسة عشر يوما بعد اعلان الهزيمة حتى شاهدنا اول جندي اسرائيلي يدخل الى قريتنا ومن ثم طردونا.. وبعد لحظات هدأت وقالت: هذا الكلام ممنوع نحكيه، لكن هذه هي الحقيقة وتكلمت امامكم لانكم من لبنان ولن يصل الى المخابرات.

وفي صباح اليوم التالي، بدأت بتدوين اثري في المكان على سطح الحمام حيث حفرت المطرقة والمنجل رمز الشيوعية بسكين وقطعة حديد ووجدتها في محيط الحمام، وقد استغرق معي العمل ساعات وانا انحت على إيقاع صوت أمي، المحذرة من ضرر الشمس، وبعد ظهر ذلك اليوم فرغ الحمام من رواده فدخلته وحيداً لبعض الوقت قبل ان تلحق بي امي، وعندما دخلت نمت على بطني بالقرب من فوهة الحمام، وبدأت بتدليكي وبعد دقائق اقتحمت الحمام مجموعة بدويات وطلبن بخروجي ليأخذن دورهن، فحاولت امي الاستمرار فقالت: انتن تستحمون بثيابكن وهذا ولد بعمر اولادكن، ولن ينظر اليكن وحتى تطمئنوا أكثر سأغطي رأسه بهذه المنشفة. فرفضت الكلام احداهن وقالت: حرام علينا ان نرى جسده حتى لو لم يرنا... ورضخنا لطلب البدويات وافسحنا، لهن المجال لاستخدام الحمام بحريتهن .

نساء من الجولان واستفقنا نهار الأحد لنجد طوفانا بشرياً قد حل في الحمام ومحيطه، مئات الاشخاص ومن جنسيات مختلفة وصلوا منذ الصباح الباكر، واستمر وصولهم حتى المساء وكانوا يستحمون وقوفا بسبب ضيق المكان، وطوال ذلك النهار الحاشد لم استطيع الدخول حتى حلول الظلام حيث امضيت ساعات. 

وبعد أسبوع من الاستحمام والاستجمام، تركت الحمام بلا آلام، وكانت أمي في غاية الفرح والسرور لإنجازها في شفائي. وعدت الى بلدتي نشيطاً معافى، بعد ان اغتسلت في ذلك الحمام البركاني القابع في حضن البادية السورية، وبعد اشهر من رحلة الحمام التقيت أحد الاطباء ورويت له ما جرى معي بالتفصيل، فحاول تفسير حالتي بطريقة عقلانية ومنطقية اذ قال إن المرحلة العمرية التي كنت امر بها، هي مرحلة نمو سريعة. وبما أنني أعاني خللا في شبكة الاعصاب، وينعكس ذلك على نمو العضلات، فقد حدث نمو غير متناسق بينها وبين العظام أدى إلى حدوث تشنج عضلي ونتج عنه الالم.
الحلقة الأولى هنا

ليست هناك تعليقات