عن غربة يوسف بربر كعوي إلى البرازيل مستعادةً بمدوّناته (1)









من السهل تصوّر كم كان حجم مفاجأة أسرة سمعان كعوي عندما طرق المغترب علي الجباعي، إبن الجنوب، الآتي لتفقّد الأهل في لبنان، باب بيتهم في زغرتا المجاور لكنيسة السيدة، عام 2008، وأبلغهم أن إبنة عمّهم يوسف: تيريزينا، وهي كاتبة قصص أطفال باللّغة البرتغاليّة، التي ستصبح حماته عّما قريب، أوفدته كي يحمل سلامها إليهم، ويستطلع أحوالهم.كما أنه من السهل تخيّل كيف أفلتت منهم صبحات الفرح، وتأجّجت كياناتهم كلّها إنفعالاً.
وما إن إنحسرت الدهشة الأولى حتى فهموا أنه يحمل إليهم أيضاً دعوة صريحة لزيارة البرازيل لإعادة وصل ما إنقطع مع أقربائهم فيها، إثر وفاة عمّهم يوسف،وعمّين آخرين من قبل. فلم تتأخّر الآنستان أورور وبهيجة في حزم حقائب سفرهما على متن أوّل طائرة مسافرة إلى سانباولو. كان ذلك في يوم من أيّام تشرين الأوّل، عامئذ. وقد وجدا على أرض المطار من يلاقيهما بحفاوة متلّهفة، ويُقلّهما منه إلى مدينة أوبيرابا، في ولاية ميناس جيرايس وهي المدينة التي سيحلّ فيها الآباء منذ عهدهم الأوّل بالهجرة، وسيلازمها أبناؤهم وأحفادهم من بعدهم، إلى يومنا هذا.
وهناك ستُستقبلان بالفرح الصادق الذي إمتاز به أناس الزمن القديم. وستكونان موضع ترحيب طوال الشهر الذي ستمضيانه بين أقربائهما الكثر. وستجدان في الفرصة التي سنحت لهما لإعادة مدّ جسر التواصل، بعد مضيّ 30 عاماً وفاة عّمهما يوسف، مع من بقيّ حيّاً من الأبناء والبنات والأحفاد، وبعد مرور 110 سنوات على هجرته، نعمه إلهيّة لا يزالان إلى الآن يتذكرانها برضىً نفسيّ. ويتذكّران لمعان الفرح على وجه تيريزينا لقبولهما دعوتها، ومقدار الغبطة التي كانت تغمر الجميع. إلى حين حدوث إختلاف عابر في الرأي، حين دنا موعد الفراق، بين جميلة شقيقتها الكبرى التي بقيت عازبة، وبين تيريزينا، عكّر تلك الغبطة. تتبعه إحتدام في النقاش.

فجميلة كانت ترى أنه من المنطقي التخلّي عن كتب وأوراق أبيها كونها باللغة العربيّة التي ليس هناك في البيت من يُجيدها، ووضعها في تصّرف الجزء الآخر من العائلة التي شطرتها الهجرة، المتشبّث بالبقاء في الوطن الأم. أما تيريزينا فكانت تتمّسك بالإحتفاظ بقسم مّما تفوح منه رائحة والدها، ولو بلغة غير مفهومة منها، ومن جميع المتحدّرين من صلبه، كأنّما لتحتفظ برائحته داخل روحها.
وستنشطر أغراضه الشخصيّة إنشطار العائلة. وسيساور أورور وبهيجة، وهما في سبيلهما إلى العودة، شعور بأن العائلة لم تفكّكها الهجرة منذ قرن ونيّف فحسب، على غرار ما فعلته بما لا يُحصى من العائلات اللبنانيّة، بل منذ بدء التاريخ. وقد تركتهما تيريزينا يشعران، رغم حاجز اللغة الذي سيلعب علي الجباعي دوراً في تخطّيه، برغبتها الحارة، والعارمة، في المجيء إلى لبنان، لزيارة الأرض التي وهبت أبيها الحياة، والكنيسة التي تعّمد فيها، والأماكن التي عاش فيها سنواته الأولى. وهما سيوضّبان، مع أمتعتهما في الحقائب، ما يلي:
- عدد ممتاز من مجلّة "المراحل" السانباولية الصدور. لصاحبتها مريانا دعبول فاخوري.

- عدد ممتاز من "جريدة صدى الشمال" سيأتي الحديث عنه لاحقاً
- قصيدة بالمحكيّة اللبنانية من نظم الشاعر بربر منّاع (من داريّا الزاوية ) تروي حادثة إلياس القرطباني وولده يوسف في موقعه عدوي، في جبل تربل، عام 1907، نَقَلَها، على ما هو مذكور يوسف بربر كعوي الإهدني اللبناني في 28 نيسان سنة 1914.
- قصيدة من نظم الشاعر ريمون مخائيل زاده يرثي فيه "فقيد الشباب والوطنيّة، 12 آذار سنة 1939.
- ندبة قّرادي للشاعر عينه، في المناسبة إيّاها.
- أسماء الزغرتاويين الذين وجدهم أحياء عند وصوله الى أوبيرابا في ولاية ميناس جيرايس في شهر أيلول 1909
- أسماء الذين توفوا فيها 
- كتاب تاريخ إهدن الديني والمدني للمؤرّخ سمعان خازن زاخر بالمدّونات التي تتيح تتبّع مسار حياة يوسف كعوي في غربته المديدة، ومحطّات أساسيّة في تاريخ العائلة.
محسن أ. يمّين

ليست هناك تعليقات