فدريكو غارثيا لوركا "نصفُ رغيفٍ وكتابٌ"

مايو 31, 2019 اضف تعليق



عن الإسبانية ترجمة: حسين نهابة

(نص الخطاب الكامل الذي ألقاه الشاعر الإسباني "فدريكو غارثيا لوركا" في أيلول 1931 أثناء افتتاح المكتبة العامة للقرية التي وُلد فيها "فوينته باكيروز- غرناطة")

أعزائي أبناء قريتي وأصدقائي
قبل كل شيء، أود أن أقول لكم إني لا أتكلم بل اقرأ. أنا لا أتكلم، لأن الشيء ذاته حدث مع "كالدوس" ومع جميع الشعراء والكتّاب الذين مرّوا بنا، لأننا اعتدنا قول الأشياء بسرعة وبطريقة دقيقة، ويبدو أن الخطابة هي أسلوب تذوب فيه الأفكار، ولا تبقى منه سوى الموسيقى اللطيفة فيما تحمل الريح باقي الأشياء.
اعتدت أن تكون كل محاضراتي مقروءة، أي إنها عملية أكثر مما هي نظرية، لكن التعبير في نهاية الأمر يظل أكثر رسوخًا لأنه مكتوب وثابت، ويمكن أن ينفع في تعليم الناس الذين لا يسمعون أو غير الحاضرين هنا.
لا بد أن أعبّر عن امتناني لهذه القرية التي وُلدتُ وقضيتُ طفولتي السعيدة فيها، للتكريم الذي لا استحقه، من خلال تسمية الجادة القديمة للكنيسة، باسمي. مُخلصًا أقدّم لكم شكري من الأعماق. حين أكون في مدريد أو أي مكان آخر، يسألني الصحافيون أو أية جهة أخرى عن ولادتي، فأقول لهم إني وُلدتُ في "فوينته باكيروز" القرية الناضرة الحرة التي تحمل بمجدها وشهرتها لطافةً وحداثة. جميعكم تعرفون بأن المدح الذي أكيله لها كشاعر وابن لها، نابع من عدم وجود قرية أخرى أكثر جمالًا وغنى وقدرة عاطفية من هذه القرية الصغيرة في عموم ريف غرناطة. لا أريد أن أقلل من شأن أيّ من القرى الجميلة في ريف غرناطة، لكن لديّ عينين في وجهي وبعض الفطنة لأُثني على قريتي الغافية على هذا الغدير. من كل الجهات تصدح السواقي، وتنمو أشجار الحور العالية حيت يتردد صدى الريح بموسيقاها العذبة صيفًا. في قلبها يجري نبع لا ينقطع، وتعلو سقوفها القرميدية جبال الريف الزرقاء بعيدة ونائية وكأنها لا تريد لصخورها أن تصل إلى هنا، أرض نابضة غاية في الترف تنمو فيها كافة أنواع الفواكه. 
طبيعة سكانها مميزة عن باقي القرى المُتاخمة، فصبي "فوينته باكيروز" يُعرف من بين ألف، بظرافته، وقبعته المائلة إلى الخلف، وحركات يده أثناء الحوار، وأناقته. وعادة ما يكون سبّاقًا بين جموع الأجانب في تقبل فكرة معاصرة، ومد جسر العون بمبادرة نبيلة. ستعرفون فتى "فوينته" بين ألف من خلال رشاقته، وحيويته، واجتهاده في التفوق. 
إن سكان هذه القرية لديهم إحساس فني بالفطرة يمكن لمسه بوضوح بالأشخاص الذين وُلدوا فيها. إحساس فني بالسعادة التي تحملها الحياة. 
في مناسبات عديدة لاحظت، أثناء دخولي للقرية، جلبة وحركة نابعين من قلبها. ضجيج، ونغمة لحماس اجتماعي، وإدراك بشري. لقد زرت آلاف القرى الصغيرة مثل هذه، وتمكنت من شم الحزن الدفين الذي يُولد مع الفرد ليس فقط جرّاء الفقر، بل عن الإحباطات وعن الجهل. إن القرى التي تعيش مُلتصقة بالأرض فقط، يتكوّن لديها انطباع مُرعب عن الموت، ما لم تنهض بها أيام ملونة ناثرةً سلامها الاجتماعي عليها. 
هنا، في قرية "فوينته باكيروز"، ثمة توقٌ للتقدم والتمتع برغيد للحياة انطلاقًا من الحماس الفني وحب الجمال والثقافة. 
لقد رأيت الكثير من الرجال المُتعَبين عائدين من حقولهم إلى المنازل، يجلسون هادئين كأنهم تماثيل، بانتظار يوم آخر وآخر وآخر، بالوتيرة ذاتها من دون أن تثور في أرواحهم رغبة في التعلم. رجال عبيد للموت، لا يطال أرواحهم البشرية أي بصيص للنور أو للجمال، فهذا العالم، حسب رؤيتهم، لا يوجد فيه سوى الحياة والموت، وهناك ملايين البشر الذين يتحدثون، ويعيشون، وينظرون، ويأكلون، لكنهم موتى، أكثر موتًا من الصخور، وأكثر موتًا من الأموات الحقيقيين الذين ينامون تحت التراب، لأن أرواحهم ميتة. ميتة مثل طاحونة لا تطحن، ميتة لأنها لم تجرب الحب، ولا بذرة التفكير، ولا الإيمان، ولا التطلع للحرية التي لا غنى عنها عند الإنسان لكي يتمكن من أن يكون جديرًا بهذا الاسم. هذا هو واحد من البرامج التي تُؤرقني كثيرًا في الوقت الراهن، أصدقائي الأعزاء. 
حين يذهب أحد إلى المسرح أو إلى حفلة موسيقية أو احتفال من أي نوع، فإنه يتأسف، إن أعجبته الفعالية، على الأشخاص الذين يحبهم، والذين غير موجودين معه هنا، ويقول مع نفسه: "سيروق هذا لأختي، لأبي"، ولا يستمتع بالمشهد سوى من طريق حسرة خفيفة. هذه الحسرة التي أشعر بها، ليست لأجل أفراد عائلتي فحسب، بل لأجل جميع المخلوقات التي، بسبب نقص الوسائل ولسوء حظها، لا تتلذذ جيدًا بجمال الحياة، والطيبة، والهدوء، والعاطفة. 
لهذا السبب لا أمتلك أي كتاب، لأني أهديه حالما اشتريه وانتهيت من قراءته، ولهذا السبب أنا هنا مُتشرّف بكم وسعيد باعتلاء منصة مكتبة القرية هذه، الأولى على محافظات غرناطة كلها بالطبع. "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. وإن شعرت بالجوع والعوز في الشارع، فلن أطلب رغيفًا، بل سأطلب نصف رغيف وكتابًا. وأحمّل المسؤولية منذ الآن وبقوة أولئك الذين يطالبون بتحسين المستوى الاقتصادي من دون أن يتحدثوا عن المستوى الفكري الذي تطالب به الشعوب بعنف".
البشر جميعهم يأكلون، لكن ليسوا جميعهم يعرفون. أتمنى أن يتمتعوا بكل فواكه الروح الإنسانية، وإلّا أصبحوا آلات في خدمة بعض الطبقات، وعبيدًا للمنظمات الاجتماعية المُرعبة. 
أشعر بالأسف الشديد على إنسان يريد أن يتعلم ولا يستطيع، أكثر من أن أتأسف على إنسان جائع، لأن الجائع يمكن أن يهدّأ جوعه بسهولة بكسرة رغيف أو فواكه، لكن الإنسان الذي يتطلع للمعرفة ولا يمتلك الوسائل، سيعاني من احتضار مُريع لأنه يحتاج إلى كتب، إلى الكثير من الكتب، فأين هذه الكتب؟ "كتب، المزيد من الكتب! لا بد أن اذكر هنا كلمة تستحق أن تُقال: "حب، حب"، ولا بد للشعوب أن تطالب بها مثل مطالبتها بالخبز، ومثل اشتياقهم للمطر لأجل مزروعاتهم". 
حين كان الكاتب الشهير "فيودور ديستوفكسي"، أب الثورة الروسية أكثر من "لينين"، مسجونًا في "سيبيريا"، مُبعدًا عن العالم بين أربعة جدران قريبًا من سهول الثلج الشاسعة المقفرة، كان يطلب إغاثة من خلال رسائل يبعثها إلى عائلته البعيدة قائلًا: "ابعثوا لي بكتب، كتب، الكثير من الكتب لكي لا تهلك روحي". كان يشعر بالبرد فلم يطلب النار. كان يشعر بظمأ ولم يطلب الماء، بل كان يطلب كتبًا، أي آفاق، أي سلالم ليعتلي قمة الروح والقلب، لأن الألم الجسدي المُبرح والبايولوجي والطبيعي للجسم بسبب الجوع، العطش أو البرد، يدوم قليلًا، لكن احتضار الروح الظمأى يستمر طول الحياة. 
يقول الكبير "مينيندزبيدال" أحد علماء أوربا الحقيقيين، إن شعار الجمهورية يجب أن يكون: "ثقافة". فقط من خلالها يمكن أن تُحل المشاكل التي يعاني منها في الوقت الحالي الشعب المليء بالإيمان، غير المتشبع بالنور. ولا تنسوا أن النور هو أساس كل شيء، وأنه استوطن بعض الأفراد فخلقوا المعرفة، وأشاعوا الأمم التي تعيش وتكبر من خلال الأفكار التي وُلدت في عدد من الرؤوس المتميزة. 
وعليه، لا تتصوروا مقدار الفرحة التي انبثقت فيّ حال وصولي إلى المكتبة العامة لـ"فوينته باكيروز". مكتبة تزخر بكتب مُنتقاة، صوت ضد الجهل ونور عامر ضد الظلام.
لا أحد تنبّه، حين يكون بين يديه كتاب، إلى الجهد، والألم، وسهر الليالي، والدم الذي صُرف. الكتاب من دون منازع، عمل إنساني جبّار. كثيرًا ما ينام شعب ما، مثل مياه بركة راكدة في يوم لا ريح فيه، وليس هناك أدنى حركة تعكر هدوء هذا الماء. الضفادع تنام في العمق، والعصافير واقفة على أغصان الأشجار المحيطة بها. وفجأة تسقط حجارة. سترون انفجارًا من الدوارات المتمركزة التي تحيق بها، وأمواجًا كرويّة تتزاحم مع بعضها تتحطم على الحواف. ستشهدون هياجًا غير متوقع للمياه، فيما تتحرك الضفادع في كل الاتجاهات، مُحدثة اضطرابًا في الأمواج، وحتى العصافير التي كانت نائمة على الأغصان الوارفة، تقفز مُتهيئة أسرابًا للتحليق في السماء الزرقاء. كثيرًا ما ينام شعب ما، مثل مياه بركة راكدة في يوم لا ريح فيه، وكتاب واحد أو كتب، يمكن أن تحرّكه، وتحدث فيه هياجًا، وتفتح له آفاقًا من الرقي والتفوق.
كم من الجهد يتطلب من الإنسان لإنتاج كتاب! وأية تأثيرات كبيرة يُحْدِثها وأحدثها وسيُحْدِثها! وقد قالها العبقري "فولتير" إن العالم المتحضر بأجمعه يُحكم بعدد من الكتب: الإنجيل، والقرآن، وكتب كونفوشيوس وزرادشت. إن الروح، والجسد، والصحة، والحرية، والمال، تخضع وتعتمد على تلك الكتب العظيمة. وأضيف أنا: إن كل شيء ينتج من طريق الكتب، فالثورة الفرنسية خرجت من الانسكلوبيديا وكتب "روسو"، وكل الحركات العمالية والشيوعية الحالية انبثقت من كتاب "رأس المال" العظيم لكارلوس ماركس.
لكن قبل أن يتمكن الإنسان من إنشاء الكتب ونشرها، لا بد أن نفكر في المأساة والصراع المرير الذي خاضه من أجل هذا الهدف. كان الإنسان البدائي يعمل كتبه من الحجر، أي إنه كان يكتب رموز أديانه فوق الجبال. لم يكن لديه وسيلة أخرى، فكان ينقش في الحجر حنينه واشتياقه للخلود والبقاء على قيد الحياة، والذي يميز الإنسان عن الحيوان. ثم بدأ يستخدم المعادن. هارون، كاهن العبرانيين، شقيق موسى، كان يحمل الألواح المنقوشة في الذهب على صدره، وكذلك أعمال الشاعر اليوناني "هيسيودو" الذي كان أول من رأى آلهة الشعر ترقص فوق قمم جبال "هليكون"، كانت تُكتب على صفائح من الرصاص. ثم بدأ الكلدان والأشوريون يكتبون مخطوطاتهم وتاريخهم على الآجر، فكان لديهم مكتبات عظيمة من الألواح الفخارية لأنهم كانوا شعبًا مُتحضرًا ومُتفوقًا في علم الفلك، وهم أول من بنى الأبراج العالية وخصّصوها لدراسة قباب السماء. 
كان المصريون يكتبون على بوابات معابدهم المُدهشة، وفوق قطع نباتية مستطيلة قابلة للطي، تُدعى "بردي". وهنا يبدأ الكتاب الفعلي. ولأن المصري كان يمنع تصدير هذه المادية النباتية، ولأن شعب "بيركامو" كان يرغب بامتلاك مكتبة وكتبًا، بدأ يستخدم الجلود الجافة للحيوانات للكتابة، فوُلد "الرّق" الذي انتصر فيما بعد على "البردي"، واُستعمل كمادة متفردة لصناعة الكتب، حتى اُكتشف الورق.
إنني إذ أتحدث لكم باختصار عن هذا التاريخ، لا تنسوا بأن بين حدث وآخر قرون عديدة، لكن الإنسان لا يزال يكافح بأظافره وعيونه ودمه من أجل خلود، إشاعة وترسيخ الفكر والجمال.
حين يحدث لمصري أن لا يبيع "بردي" لأنه بحاجة إليه أو لأنه لا يريد، مَن مِن "بيركامو" سهر ليالٍ، وقضى أيامًا وسنوات بأكملها مكافحًا من أجل التوصل للكتابة على جلود الحيوانات الجافة؟ أي رجل أو اي رجال، أولئك الذين يبحثون وسط أوجاعهم عن مادة ينقشون فيها أفكار حكمائهم وشعرائهم العظام؟ لم يكن رجلًا واحدًا ولا مائة رجل. إنها الإنسانية بأجمعها، دفعت بعجلتهم إلى الأمام على نحو خفي.
وبالـ"الرق" الذي اُعتبر بؤرة نور حقيقة للثقافة الكلاسيكية، تم إنشاء مكتبة "بيركامو" العريقة، وفيها كُتبت مخطوطات عظيمة. يقول "ديودورو دي سيسيليا" إن الكتب الفارسية المقدسة كانت تأخذ حيزًا في "الرق" لا تقل شأنًا عن الألف ومائتي جلد من جلود الثيران.
كانت "روما" بأجمعها تكتب بـ"الرق". كل أعمال الشعراء اللاتينيين العظام، والتي تعتبر قدوة خالدة من حيث الإتقان والجمال، كانت تُكتب على "الرق"، ومنه "الفردوس المفقود" لفيرجيل. وعلى الجلد الأصفر ذاته كانت تلمع الأنوار الكثيفة للكلمات الزاهرة للإسباني "سينيكا".
ووصلنا إلى الورق. عُرف الورق منذ قديم الزمان عند الصينيين أولًا. كان يُصنع من الأرز. واُعتبرت هذه الصناعة قفزة جبّارة في تاريخ العالم، وتحوّل نوعي في الحضارة، بدخول الورق الصيني إلى الغرب. إنه اليوم المجيد 7 تموز لعام 751 ميلادية. ويتفق المؤرخون العرب والصينيون على هذا الشأن.
وحدث أن العرب بصراعهم مع الصين في كوريا، تمكنوا من عبور حدود "الإمبراطورية السماوية"، وأسر الكثيرين منهم، والذي كان مهنة بعضهم صناعة الورق، ومنحوا العرب سرّها. حُمل هؤلاء الأسرى إلى "سمرقند" حيث مارسوا مهنهم تحت حكم الخليفة هارون الرشيد، الشخصية الغريبة التي غرست قصص "ألف ليلة وليلة".
كان الورق يُصنع من القطن، لكن بسبب قلة المنتج هناك، شرع العرب صناعته من الخرق القديمة، وهكذا ساعدوا على ظهور الورق الحالي. لكن الكتب لا بد أن تكون على هيئة مخطوطات. كان يكتبها ناسخون، رجال صابرون كانوا ينسخون صفحة تلو أخرى بإتقان ورقي، لكن كانوا نادرين هؤلاء الأشخاص الذين يمتلكون هذه المَلَكة.
كانت مخطوطات الورق أكثر شيوعًا حتى وإن كانت بين الطبقات العليا، من مجموعات البردي المطوية أو الرق الذي ينتسب إلى المعابد. وبهذه الطريقة أُنشئت الكثير من الكتب من دون أن يختفي الرق، وظلت مادةً تُرسم عليها بعض الفنون الراقية بألوان حية غاية في الجمال، ولا تزال بعض المكتبات تحتفظ بالكثير من هذه الكتب التي تُعتبر مثل جواهر حقيقية أكثر قيمة من الذهب ومن الأحجار الكريمة. وقد قرأت بفرح غامر العديد من هذه الكتب التي وقعت بين يديّ، منها بعض المخطوطات العربية في مكتبة "الاسكوريال"، وكتاب "التاريخ الطبيعي" لـ"البرتو ماغنو"، وهو مخطوطة منذ القرن الثالث عشر موجودة في جامعة غرناطة، والتي قضيت معها ساعات بأكملها من دون أن أتمكن من أُبعد عيوني عن صور الحيوانات المرسومة بفرشاة أكثر نعومة من الهواء، حيث الألوان الزرقاء، والوردية، والخضراء، والصفراء، تشكل لوحات كأنها أرغفة من ذهب. 
لكن الإنسان كان يطلب المزيد. كانت البشرية تدفع بعض الرجال لكي يفتحوا بفؤوس نورهم، الغابة الغبية جدًّا للجهل. كانت الكتب، التي من المفترض أن تكون للجميع وفي مقدمة الاحتياجات، مقتصرة على الأثرياء. ففي الجبال، والسهول، والمدن، وضفاف الأنهر، كان يموت ملايين البشر الذين لم يتذوقوا مطلقًا نكهة الحرف. إن الثقافة الكبرى للأقدمين كانت منسية، والخرافات المُريعة كانت تخيم على سرائر المجتمع.
يُقال إن وجع المعرفة يفتح الأبواب المُقفلة، وهذه حقيقة. هذا القلق الغامض للإنسان، دفع اثنين أو ثلاثة لإجراء دراساتهم وأبحاثهم، وهكذا ظهر في القرن الخامس عشر في مدينة "ماكونثيا" الألمانية، أول مطبعة في العالم. وتنافس العديد من الأشخاص على الاختراع، لكن "كوتنبرغ" يُعد أول من نال براءة اختراعها، وقام بتأسيس الحروف العمودية وختمها، وبهذا تمكن من إعادة أنتاج النماذج النهائية للكتاب. ما أجمله من شيء بسيط! ما أجمله من شيء صعب! قرون وقرون انقضت قبل أن يتمخض العقل البشري عن هذه الفكرة. وأصبحت مغاليق الأسرار جميعها تحت أيدينا وتحيط بنا بثبات، لكن كم من الصعوبات وُوجهت لفتح الفجج الصغيرة التي كانت تعيش مُتخفية!
أحداث قليلة في تاريخ العالم تُعد أكثر أهمية من اختراع المطبعة، ومنها الحدثان الكبيران، اختراع البارود واكتشاف أمريكا. فإذا كان البارود قد عمل على إنهاء الاقطاعية ووحّد الجيوش الكبيرة والقوات الدولية بعد أن كانت متفرقة بين النبلاء، ومهّدت ولادة أمريكا لحياة جديدة لحمولات التاريخ وأنهت السر الجغرافي الألفي، فإن الطباعة سوف تتسبب بثورة في الأرواح أكبر من التي قامت بها بعض المجتمعات. يا لها من ولادة صامتة وخجولة! بينما كان البارود يفرقع نيرانه الوردية على الحقول، والمحيط الأطلسي يمتلئ بالمراكب المترعة تتأرجح مع الريح ذهابًا وإيابًا مُحمّلة بالذهب والمواد الثمينة، كان "كريستو بالبلانتيونو"، من مدينة "آمبرز"، يعمل بصمت لوضع قاعدة متينة للمطبعة ولأكثر المكتبات أهمية في العالم، فكانت في نهاية الأمر الكتب الرخيصة.
إذن، الكتب القديمة التي تبقى نسخة أو نسختين أو ثلاثة من كل واحد منها، تتراكم على أبواب المطابع وعلى أبواب بيوت الحكماء تطلب النجدة لتُطبع وتُترجم وتُنشر على وجه الأرض. تلك هي اللحظة العظيمة للعالم. إنها (النهضة). إنه الفجر المجيد للثقافات الحديثة التي تعيش بها.
قبل قرون عديدة من هذا الحدث، وبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية والتوسعات البربرية، وانتصار المسيحية، أصبح الكتاب في خطر كبير. كانوا يقومون بهدم المكتبات وبعثرة الكتب، فكان علم الفلسفة وقصائد الأقدمين على وشك الاندثار، بما فيها القصائد الهوميرية، أعمال أفلاطون الفكر الإغريقي، نور أوربا، القصيدة اللاتينية، قانون روما، وكل شيء. وبفضل حرص واهتمام الرهبان، لم ينقطع الخيط، وعملت الأديرة القديمة على إنقاذ الإنسانية. والتجأت الثقافة والمعرفة بأجمعها إلى أروقة الأديرة حيث حفظ ودرس الرجال الحكماء والبسطاء من دون خيال ولا تصلب، الأعمال العظيمة التي لا يستغني عنها الإنسان. لم يقوموا بهذا فحسب، بل درسوا اللغات القديمة لاستيعابها، وبهذا منحوا الفرصة لفيلسوف وثني مثل أرسطو أن يتأثر بالفلسفة الكاثوليكية. وخلال العصور الوسطى، جمع وحفظ رهبان "آثوس" عددًا لا يحصى من الكتب، ولهم يرجع الفضل فيما وصلنا من أجمل الأعمال القديمة.
وهكذا بدأت تباشير الهواء النقي للنهضة الإيطالية، وبدأت المكتبات تنتشر في كل مكان. وأُخرجت إلى النور تماثيل الآلهة القديمة، تتصدر المعابد الجميلة جدًّا برفعتها المرمرية، وفُتحت أكاديميات مثل "كوزمي دي مديثيس" التي تأسست في "فلورنسا" لدراسة أعمال الفيلسوف أفلاطون، ولن يتورع البابا الكبير "نيقولاس الخامس" إلى إرسال وسطاء إلى كافة أنحاء العالم لاقتناء الكتب ودفع مبالغ كبيرة إلى مترجميه. 
مع هذا الثراء المعرفي، كانت الخطوة الأعظم للمؤلف "كريستو بالبلانتينو" في" آمبرز". كان من تلك البيوتات التي تكسوها أشجار اللبلاب نوافذ من الرصاص التي أخرجت إلى النور كتبًا رخيصة تضطرم رغبة في الانتصار على الجهل الذي كان متفشيًا بوجوه عديدة، ولا يغرب عن بالنا بأنه حيث يوجد الجهل، فمن السهل جدًّا أن يختلط الشر مع الخير والحقيقة مع الكذب.
ومن الطبيعي أن أصحاب النفوذ ممن كانوا يمتلكون مخطوطات وكتبًا من الرق، كان يهزؤون من الكتب المطبوعة بورق على أنها أشياء قابلة للتلف، ويمكن أن ينالها الجميع. كانت كتبهم مرسومة بثراء بزخارف من ذهب، بينما كانت الأخرى مكتوبة بحروف على ورق بسيط. لكن في أواسط القرن الخامس عشر، وبفضل الرسامين الأندلسيين الرائعين، إخوان فان كوخ، الذين كانوا السباقين في الرسم بالزيت، ظهرت النقوش على الكتب التي امتلأت بالصور، والتي ساعدت القارئ على نحو ملحوظ. وفي القرن السادس عشر، استطاع العبقري "البرتو دوريرو" من تطويرها، فمكّن الكتب من أن تُصاغ مع مناظر طبيعية، هيئات مُصوّرة، ورسومات، وتواصلت عملية إتقانها وتطويرها خلال القرن السابع عشر، لنصل إلى القرن الثامن عشر حيث معجزة اللوحات وقمة جمال الكتب المصنوعة من ورق. 
وتُوج القرن الثامن عشر بمطبوعات جميلة. كانت الكتب المليئة بالنقوش والصور، تُطبع باهتمام وشغف كبيرين. وعلى الرغم من التقدم الهائل الذي تلاها ولغاية القرن العشرين، إلا أن طباعة الكتب لم تتطور كثيرًا. ولم يعد الكتاب منفذًا للثقافة عند القليلين، إنما أصبح عنصرًا اجتماعيًّا فعّالًا، إذ انبجست "الثورة الفرنسية" التي تُعد أول عمل اجتماعي للكتاب، على الرغم من الاضطهادات والظروف السيئة التي تعرضت لها. 
لم يستطع الاضطهاد أن يقف بمواجهة الكتاب، ولا حتى الجيوش، ولا الذهب، ولا الظروف البائسة، لأنكم ربما تستطيعون إخفاء كتاب، لكنكم غير قادرين على قطع آلاف الرؤوس التي أنتجته.
لقد قُمعت الكتب من قبل الكثير من الفئات والأديان، لكن هذا لا يعني شيئًا بالمقارنة مع محبيها. إذا كان أمير شرقي متعصب قد أحرق مكتبة الإسكندرية، فإن إسكندراني مقدونيا أرسل لبناء صندوق ثمين جدًّا من المينا والأحجار الكريمة ليحتفظ بـ"إلياذة هوميروس"، وصنع العرب في قرطبة تحفة "مراحب" لمسجدهم لأجل أن يحتفظوا في أعماقها بـ"القرآن" الذي ينتسب إلى الخليفة عمر. وانتشرت المكتبات في جميع أرجاء العالم رغمًا على كل مخرّب، ونراها اليوم حتى في الشوارع وعلى الهواء الطلق لحدائق المدن.
الكثير من دور الطباعة والنشر، تعمل جاهدةً كل يوم على تخفيض الأسعار ليكون المطبوع في متناول يد الجميع سواء الكتب اليومية العظيمة (الصحف) أو الكتاب المفتوح المتكون من صفحتين أو ثلاثة الذي يصل فوّاحًا وبمداد أخضر، هذه الوسيلة التي تسمع من خلالها أحداث العالم من دون انحياز على الإطلاق، من خلال آلاف الجرائد التي تُعد نبضات صادقة لقلب العالم بأجمعه.
للمرة الأولى في تاريخها القصير، يكون لهذه القرية بداية مكتبة. المهم في الأمر أن نضع حجر الأساس لأنني والجميع سنتعاون لكي ينهض المبنى. إنه فعل مهم أن يمتلئ قلبي فرحًا، وأن أتشرف، أي يرتفع صوتي في يوم الافتتاح، هذا لأن عائلتي تعاونت بصورة غير اعتيادية لدفع عجلة الثقافة هنا. والدتي، مثلما تعرفون كلكم، علّمت الكثير من سكان هذه القرية لأنها جاءت إلى هنا لكي تُعلّم، وأتذكر جيدًّا بأني كنتُ في صغري اسمعها تقرأ بصوتٍ عالٍ ليكون مسموعًا من الجميع. وأجدادي خدموا هذه القرية بروح حقيقية حتى أن الكثير من الموسيقى والأغاني التي لا تزال تُنشد، كانت من تأليف شاعر قديم من عائلتي. لهذا أشعر بسعادة غامرة في هذه اللحظة، وأتوجه للأثرياء طالبًا منهم يد المساعدة بمنح المال لشراء الكتب، وان يضعوا هذا العمل في مقدمة أولوياتهم كواجب. أمّا الذين لا يملكون المال الكافي، فأطالبهم بالحضور للقراءة، أن يحضروا لبذر الأفكار الذكية كوسيلة متفردة للتحرر الاقتصادي والاجتماعي. من الواضح أن المكتبة تُغذّى بكتب جديدة وقرّاء جدد، وأن الأساتذة لم يعودوا يجتهدون في تعليم الأطفال بطريقة نمطية، مثلما لا يزال يفعل البعض للأسف الشديد، بل عملوا على إضفاء روح ونكهة للقراءة. 
ما أحلى الكتاب! من المُفرح أن الكتب بدأت تتوافد على مكتبة "فوينته". كتبتُ إلى دار الطباعة والنشر التابعة لـ"السكن الطلابي في مدريد" حيث درست فيها سنوات عديدة، وإلى دار نشر "أوليسيس"، حول إمكانية إرسال مجاميعهم الكاملة إلى هنا، وسأقوم أنا بالطبع بإرسال الإصدارات التي كتبتها وإصدارات أصدقائي.
المكتبة بحاجة إلى كتب من جميع الأصناف والتوجهات: الكتب السماوية، والمتنورة، والصوفية، وكتب القديسين والثوريين والرجال الفاعلين والمتميزين. وأتمنى أن تكون فيها "الأنشودة الروحية" لـ"سان خوان دي لا كروز" التي تُعد من قمم الشعر الإسباني، وكذلك أعمال "تولستوي" التي توازي في أهميتها كتاب "مدينة الله" لـ"سان أوغسطين"، إضافة إلى "زرادشت" لـ"نيتشه" أو "رأس المال" لـ"ماركس"، لأن كل هذه الأعمال، يا أصدقائي الأعزاء، تتماشى مع نسمة العشق البشرية والسمو بالروح، وبالتالي فهي تتلاقح وتحتضن المثل العليا.
مرحى للقرّاء، للكثير من القرّاء! أنا أعرف أن فرص النبوغ لا تتشابه عند الجميع، مثل الوجوه، فالبعض يمتلك ذكاءً خارقًا والبعض أقل منه درجةً، مثلما توجد وجوه وسيمة ووجوه قبيحة، لكن كل واحد سيستخرج من الكتاب ما يمكنه، وعادة ما يكون نافعًا فيما سيكون مُنقذًا للبعض. هذه المكتبة يجب أن يكون لها هدف اجتماعي، وأنا على ثقة تامة بأن عدد القرّاء سيزداد مثل زيادة الكتب فيها، وفي غضون سنوات سينهض المستوى الثقافي للقرية. وأرجو أن يستثمر هذا الجيل الذي يسمعني الآن كل ما أمكنهم من تحضيرات وكتب، خدمةً لأبنائكم. لأن من الضروري أن يعرف الجميع بأننا لا نعمل لأنفسنا بل للقادمين بعدنا، وهذه هي الروح الأخلاقية لكل الثورات، والروح الحقيقة للحياة. 
الآباء يناضلون من أجل أبنائهم وأحفادهم، والأنانية تؤدي إلى العقم. والإنسانية اليوم تحاول أن تُجهز على التمايز الطبقي، من خلال التعلم وروح التضحية ونكران الذات في مختلف القطاعات، لتعزيز الثقافة، المُنقذ الوحيد للشعوب.
أنا على يقين بأن "فوينته باكيروز" التي كانت دائمًا قرية خيال حي وروح شفافة وباسمة مثل المياه التي تجري في ينابيعها، ستخرج بالكثير من هذه المكتبة مما سيحمل في ضميرها كل السعادة والشوق للمعرفة. لقد شرحتُ لكم الجهود التي كلفت الإنسان حتى تمكّن من إنتاج الكتب حتى يطالها الجميع. أتمنى أن يخدم هذا الدرس الصغير والمتواضع، كل الذين أحبّوا الكتب وبحثوا عنها مثل بحثهم عن صديق، لأن الإنسان والأشجار تموت بينما تبقى الكتب حية، خضراء متجددة أبدًا، تفتحها في أية دقيقة وفي أية ساعة بحثًا عن إجابة لسؤال أو تسلية.
أنتم تعرفون بالطبع بأن التقدم الاجتماعي والثورات التي قامت بمساعدة الكتاب، والرجال الذين يوجهونها ويموتون مرات كثيرة مثل "لينين"، كانوا على درجة عالية من التعلم والرغبة في التبحر بالمعرفة. السلاح والدم ليسا بذات قيمة إذا لم تكن الأفكار مُوجّهة بصورة جيدة. ومن المفيد أن أقول إن الشعوب تقرأ لكي تتعلم، لا رغبة في التحرر فحسب، بل في إدراك الاستيعاب المتبادل للحياة.
أتقدم بالشكر للجميع وللقرية، وأخص بالشكر الجمعيات الاجتماعية التي كان ترافقني دائمًا بمختلف قطاعاتها، والشكر موصول لرئيس بلديتكم سيد "رافائيل ستنجيثرولدان" الرجل الحقيقي الفاضل والابن البار لهذه القرية الذي حصل على شهرة ومعرفة عصره، بجهوده المتواصلة، بما فيها هذه المكتبة العامة.
تحياتي للجميع أحياءً وأمواتًا لأنهم جميعًا ساهموا في بناء البلد. أتمنى السعادة للأحياء، ولأرواح الأموات السكينة، لأنهم جزء من ميراث القرية ولأننا لولاهم ما كنا هنا. أتمنى لهذه المكتبة أن تنفع في توقد السلام والهدوء الروحي والسرور لهذه القرية الثمينة، حيث أتشرف بولادتي فيها، ولا تنسوا المقولة الأبدية التي كتبها ناقد فرنسي في القرن التاسع عشر: "قل لي ماذا تقرأ، أقول لك مَن أنت".

أيلول 1931
"ديوان الآن - مجلة الأدب الحديث" - العدد الثالث، 2019

ليلة القدر

مايو 31, 2019 اضف تعليق
عدي الزعبي

في المخيال الشعبي، تحتل ليلة القدر مكانة خاصة، عزيزة على قلوب المستضعفين وصغار الكسبة. يؤمن المصلون بأن أبواب السماء تُفتح على مصراعيها، لتصل تضرعاتهم إلى العلي القدير مباشرة. يوحي ذلك بان أبواب السماء مغلقة طيلة العام، ويذكّر باساطير سكن الله في الأعالي، وحيداً، خلف كرة النجوم الثابتة: في مكان غير محدود ولا محدد، يقع خلف الكون كله. كأننا في ليلة القدر نفتح ثقوباً في كرات الأفلاك التي آمن بها فلاسفة المسلمين بجدية، واستعملها المؤمنون منهم بالفيض الأفلاطوني لتشرف على عالمنا، بعقول الملائكة التي تملكها، كي يحفظوا لله خاصية لطالما نسبها الفقهاء له: الثبات، وعدم التغير. التغير يكون فقط للكائنات الدنيا، وليس لله الكامل. 
تمتلئ مساجد الشام بالمصلين، ليلة 27 رمضان، ليتحول ليل المدينة إلى نهار هادئ يفيض بسكينة دينية صادقة لا مثيل لها: يصلي الناس آملين، ولو مرة، بأن تصل صلواتهم إلى الله: يصلون كلهم: من أغنى الأغنياء إلى أفقر الفقراء. يطلبون الصحة، اولاً، والأمن، ثانياً. ثم يطلبون كل شيء: مساعدات مادية واوراق يانصيب رابحة وتوفيق في امتحانات الدراسة ورضا الحبيب والحبيبية والزوج والزوجة، وزحمة أقل ومطر اكثر وصيف أرحم وشتاء أنعم ونسيم دائم، يتضرعون أن يشفى مرضاهم ويعود مغتربوهم. يبكي وينوح كثيرون منهم. لا يعرفون لماذا. طالما أبواب السماء مشرعة لهم، يلمسون العناية الإلهية بشكل حسي، كأنهم يتكلمون مع الله وجهاً لوجه. يخرجون من مساجدهم، تملؤهم طيبة لا تدوم طويلاً. 
لا أعرف كيف تطورت ليلة القدر حتى أصبحت ما هي عليه اليوم: سحر خالص يتلبس الناس، كأن كل ما تمنوه يعيش بينهم في ليلة واحدة. ولا يعرف أحدهم بالضبط متى تكون ليلة القدر. لا يعرفون، ولكنهم يخمنون. يتركهم الشك مرتاحين: قد تكون ليلة أخرى، لم يسمعنا الله هذه المرة. ولكن، ربما ليلة أخرى. ربما غداً، أو بعد غد. ربما رمضان القادم، او الذي يليه، او بعد عشرين سنة. يبقى الأمل. لا يعرفون بالضبط، أيضاً، كيف تُفتح أبواب الجنة في الليل، او من يفتحها، او لماذا. لا يهتمون بهذه الامور العملية. يكادون يدركون أن الأمر كله اسطورة، كما يؤكد أولئك السنة الذين يكرهون البدع، ويحافظون على إسلام متقشف بسيط، ممل جدا وغير شعبي. يهرب الناس من البساطة، ويفتحون قلوبهم ليلة القدر، لكل ما يختبئ فيها: أساطير وخرافات وخزعبلات، ونور ينبع من الداخل، من الروح التي لا تفنى ولا تموت، ومحبة لا يحدها شيء، كالكون الواسع اللانهائي نفسه. 
غداً ليلة القدر، وفيها سيقول الناس لانفسهم كل ما لا يقال في العلن، عل قلوبهم تتخفف قليلاً من أسى لا تتحمله، ولا يداويه شيء، ولا حتى الصلوات الصادقة!

محمود الحجيري... رأيت الحرب من نافذة دار الأيتام(1)

مايو 31, 2019 اضف تعليق



تفتحت براعمي على أزيز الرصاص، وأول مشهد ميليشياوي شاهدته في حياتي، كان في ربيع 1975، اي بعد حادثة بوسطة عين الرمانة بأسابيع، حيث كنت أراقب محيط دار الايتام الاسلامية في بيروت من خلال شباك في أحد الاقسام، الذي كنت أقيم فيه، وقد شاهدت سيارة تقل بضعة مسلحين تجول في المنطقة، وأحدهم كان يعتلي سقف السيارة، واول مأتم من انتاج الحرب شاركت فيه وان كان مصغرا أيضا، كان في هذه المؤسسة، اذ كان يوجد فيها بعض الاطفال من عرسال وفي احدى الزيارات، وصل اقرباء طلاب من بلدتي من عرسال ومن بيروت، وصلوا تباعا الى مكان جلوسنا في الملعب، حيث اجتمعنا مع ثلاث سيدات، وبعد السلام والمصافحة، بات اسئلة الاطمئنان والاستفسار...

- مبسوطين؟

 - كيفكم بالمدرسة؟

 - اين تنامون؟ 

- ماذا كان غدائكم اليوم؟

 ولم تمض دقائق حتى اكتمل نصابهم، بوصول العم ابو عبدو، فوضع الكيس الذي يحمله جانبا وصافح الجميع كبارا وصغارا، وجلس الى شقيقته فاستذكرت احداهن خبر استشهاد محمود الافندي بلوعة وحسرة، فهاجت العواطف وانهمرت الدموع، ولكن ما معنى كلمة استشهاد لا اعرف، ومن هو محمود الافندي، لا اعرف في ذلك الوقت... كل ما عرفته، أن العم ابو عبدو بكى وبكت معه قريباته لدقائق امامنا، وقد تسمرت الدمعة في عيوننا، نحن أطفال الميتم، ومنا من اضربت اللقمة في حلقه، لا تريد النزول طوال هذه الدقائق، فانتبهت لنا احدى السيدات فمسحت دموعها بغطاء راسها، وقالت: - كلوا يا عيوني يلعن ابو الموت.



 واستدعتنا لتقبلنا وتداعب شعرنا وتقدم لنا مما تحمله من حلوى وطعام.


اما المأتم الثاني الذي حضرته بل فرض عليّ حضوره في مؤسسة دار الايتام الاسلامية، وهو من انتاج الحرب فكان للاستاذ عدنان من معلمي المؤسسة وقد قتل على احد الحواجز الكتائبية، وهو ذاهب الى بلاد الجبل لتفقد عائلته، فقد اعلنوا الحداد عليه واخرجونا من صفوفنا ونجلس بصمت في الملعب، نستمع الى آيات قرانية من مكبرات الصوت على روح استاذنا، وفي اليوم التالي دخلت المعلمات الى الصفوف متشحات بالسواد، وخصصت الحصة الاولى للحديث عن مناقبية الاستاذ عدنان واخلاقه وعطائه وقتله الغير مبرر من قبل عصابات الكتائب، لكن نحن اطفال لم نعرف من هم الكتائب؟! ولماذا قتلوا الاستاذ حتى بعد شرح وتفسير المعلمة كوثر مربية الصف...

 وكنت في ذلك العام في الصف الرابع ابتدائي، متفوق دراسيا حيث كان فرق شاسع بالعلامات بيني ومن يتبعني في الترتيب داخل الصف، وقد وعدتني معلمتي في حينه ان تسعى في العام القادم لتسجيلي في الصف السادس دون المرور في الخامس، تقديرا لتفوقي وحسن استيعابي لكن رغم تفوقي المدرسي، كانت ثقافتي العامة وخزان معلوماتي شبه فارغ، وقد سألتنا المعلمة سؤال لنفكر فيه دقائق قبل الاجابة وهو " لماذا لا يستطيع العربي الذهاب الى القدس؟" وبدأت بأخذ الإجابة من عندي فكان جوابي لا اعرف... ومن بين عشرين تلميذا جاوب مصطفى إجابة صحيحة وقال: لأنها تحت الاحتلال الاسرائيلي، فاطرت على معلوماته ومدحته وطلبت منا ان نصفق له، ففعلنا، ولكن انا حقدت عليه ضمنا، واعتبرت اجابته الصحيحة تطاول علي.


وانتهى العام الدراسي على وقع طبول الحرب، ووصل احد اخوتي لاصطحابي الى بلدتنا، وخرجنا من المؤسسة ومشينا الى ما بعد جسر البربير، اوقف اخي سيارة اجرة وسمعته يقول للسائق: البلد. حيث كان موقف بوسطة ضيعتنا، فاشار لنا بان نركب وركبنا وانطلقت السيارة بهدوء في الشارع ورحت انظر الى جانبي الشارع نظرة المستكشف، الباحث عن المشهد الغريب والمثير، ولكني لم أجد ما يشد انتباهي ويشبع فضولي ولكن ما لفتني حركة السير الخفيفة وقلة العجقة قياسا بالمرات السابقة التي سلكت فيها هذا الطريق ذهابا وايابا وبعد دقائق كنا في ساحة البرج او البلد مثلما كان يطلق عليها، ولكن اي بلد؟


البلد الذي بهرني بانواره واضوائه منذ اشهر قليلة يوم جلت فيه وشدتني كل واجهة محل بمفردها ووقفت متاملا دون معرفة ماذا يبيع هذا او ذاك، ادهشتني الساعة في الحديقة الصغيرة وعقاربها الخشبية التي تدور وتحتك بنباتات المرج ومن حولها بعض الورود الجميلة، واعتبرتها ضرب من المعجزات وفكرت فيها اياما وليالي لاني لم اكن املك تفسيرا لها، درت حول نصب الشهداء متأملا شموخه بإعجاب ولكني لم اعد اذكر ما شدني إليه هل هي هذه الكتلة المعدنية ام عظمة ما يرمز له... راقبت ناس هذه الساحة بذهول لحركتهم الصامتة بكل الاتجاهات ولاناقتهم وحسن هندامهم وخاصة النساء منهم لاني رأيت مشاهد كثيرة، لم تكن مألوفة لدي ولم ارها في ضيعتنا، ولكني افتقدت في هذه الساحة رواد ساحاتنا وطرقاتنا من تجمعات صغيرة على جوانب الطرقات وابواب المتاجر ولاعبي "المنقلة" وخلافاتهم.


وعندما نزلت من السيارة صعقت ولم اصدق ما شاهدت النفايات منتشرة هنا وهناك  وزجاج مكسر يغطي عدد من الارصفة يوحي بان احداث عنيفة حصلت هنا، عدة سواتر من الكياس الرملية يقف خلفها عناصر قوى الامن الداخلي بخوزاتهم المعدنية والتعب والارهاق ظاهر عليهم، عدد من المحلات والمؤسسات مقفل، وحركة الناس في الساحة خفيفة، ومن فيها يحاول الخروج او الهروب منها بسرعة، وعندما اقتربت لألقي نظرة على ساعتي المعجزة، وجدتها مدمرة وعقاربها اشلاء وملامحها توحي بان الزمن توقف، ولم تطل مشاهداتي بسبب مناداة معاون سائق البوسطة للاسراع في الصعود، والانطلاق خوفا من طارئ في الحسبان وكان الوقت قبل الموعد المتعارف عليه للانطلاق، انطلقت البوسطة ونظري لا يريد مغادرة ساحة تلبس رداء الموت عنوة، ودعتها بنظرة شاملة وحزينة وبقيت انظر اليها حتى اختفى النصب بشموخه اخر ما شاهدت، ولم اكن اعلم بان هذه المرة الاخيرة التي ارى فيها هذه الساحة المميزة. وخلال عودتنا كان حديث الركاب الاحداث التي تعصف في لبنان وفلان صرح وفلان، قال واكتر الكلام لا أفهم معناه او المقصود منه. اما انا فقد كنت مستمتعا بمراقبة جوانب الطريق الغنية بمشاهدها الرائعة في بداية فصل الصيف خاصة، وقد كانت بلدتنا تفتقد الى بعض الاخضرار بسبب ندرة المياه فيها لعدم وجود الينابيع، ولم يكن اهلها قد تعرفوا على الابار الارتوازية حيث كانوا يعتمدون على مياه الشتاء والجمع في الصهاريج، وعند الضرورة كان يجلبون المياه من نبع اللبوة بواسطة الجرارت الزراعية بكلفة مرتفعة، وقد مررنا على عدة حواجز لقوى الامن الداخلى وكان البعض منها يوقفنا ويفتش ويدقق في الهويات.

ووصلت البوسطة الى ساحة بلدتنا بعد ساعات، نزلت منها منهيا رحلة التغرب عن اهلي، استمرت عاما دراسيا ودخلت البيت لأعود الى موقعي الطبيعي داخل الاسرة انهل حاجتي من عطف الاخوة ورعايتهم وحنان الام...

قضية عيتاني، رسم كاريكاتوري للنظام اللبنانيّ: هكذا رقصنا على مذبح المحاكمة العادلة

مايو 30, 2019 اضف تعليق





نخرج من مسرحية "وما طلت كوليت[1]" بمزيج من المشاعر: مشاعر غضب ضد نظام ما يزال قاصرا عن ضمان عدالة المحاكمة العادلة، وفي الآن نفسه مشاعر إعجاب بمبادرة إحدى أبرز ضحايا هذا النظام إلى تحويل معاناتها إلى عمل فني متميز بأناقته، عمل يؤمل أن يعزز الوعي بأهمية المحاكمة العادلة. وكان بطل المسرحية زياد عيتاني قد تعرّض لملاحقة بتهمة العمالة لإسرائيل، مما أدى إلى توقيفه لأكثر من ثلاثة أشهر (قضى قسما كبيرا منها من دون أي اتصال بالخارج) وتعذيبه وتسريب التحقيقات السرية معه بما فيها من معطيات مسيئة إلى وسائل الإعلام، ليتبيّن من ثم أن المعلومات التي شكلت سنداً لملاحقته قد تم تلفيقها، من باب الانتقام الشخصي من قبل ضابطة رفيعة المستوى في قوى الأمن الداخلي.
وقد شكّلت هذه القضية في تفاصيلها من دون ريب مثالاً فاضحاً لانهيار المهنية في الإعلام والأمن والقضاء. ويأتي هذا التقرير الذي أردناه شاملا[2]، ليوثق المخالفات التي شابت ملاحقة الممثل زياد عيتاني على اختلافها: ويُراد منه ليس فقط أن يوثّق المخالفات الحاصلة في قضية واحدة، إنما أيضا أن يظهّر من خلال هذه المخالفات جوانب الخلل العميقة (وبعضها متأصلة) في المنظومة اللبنانية والتي ليس من الممكن أن نفهم ما وصلت إليه قضية عيتاني من دونها. ويرتدي استنباط هذه الجوانب وتظهيرها أهمية أساسية لاستشراف الخطوات الإصلاحية الضرورية لمنع تكرار ما حصل.
ونسارع هنا إلى القول بأن فجاجة قضية عيتاني لا تجعل منها قضية معزولة، إنما على الأصح رسما كاريكاتوريا لنظام ما لبث بفعل عيوبه، يسبب مظالم كثيرة مشابهة في هذا الجانب أو ذاك للمظالم المرتكبة بحق عيتاني، مظالم يعجز ضحاياها في الغالب عن مقاومتها أو حتى الكشف عنها على غرار ما تسنى لهذا الأخير أن يفعله.

1- البداية: محاكمة شعبية واسعة... غيابيا
الرواية بلسان عيتاني
إذ أنهى عيتاني التمرين على مسرحية جديدة، فوجئ بشابين هجما عليه وسحباه بالقوة إلى داخل سيارة رباعية الدفع "رانج أسود فيميه" وفق ما أخبرنا إياه عيتاني في مقابلة خاصة معه. قال عيتاني أن أحدهما "ضربه على وجهه وصدره وعصب عينيه". اقتيد عيتاني إلى ما وصفه بـ "غرفة مجهزة للتعذيب"، مدهونة بكاملها بالأسود وتتدلى من جدرانها خطّافات معدنية. وسيثبت خلال محاكمة تلفيق التهمة له لاحقا وجود هذه الغرفة التي تمت تسميتها بالغرفة السوداء[3]. كما قال عيتاني أن 6 رجال بملابس مدنية كانوا موجودين، اتهمه أحدهم "بالتعامل مع إسرائيل" ولكمه على وجهه.
يعتبر عيتاني أن الدقائق الخمس الأولى بعد وصوله إلى المبنى كانت كفيلة بإثارة الرعب في نفسه. "دغري قالولي يا عميل يا أخو الش.... حطوني بأوضة ما عرفت شو هيي..." هددوه بإلحاق الأذية بإبنته وزوجته. ونقلت منظمة "هيومن رايتس ووتش" عن عيتاني بأن المحققين قالوا له "عليك أن تتكلم لأنه يجب أن تفهم أن التعذيب موجود في جميع البلدان[4]".
وكانوا قد طبعوا على أوراق A4 محادثاته عبر الإنبوكس على "فايسبوك" مع "نيلي جايمسيون" التي أصبحت لاحقاً "كوليت فيانفي". وكان هناك سرير وملف وضع تحته، كتب عليه "أمن الدولة". حينها أدرك عيتاني أن الجهاز الذي "خطفه" كان أمن الدولة. "ثم وضعوني على كرسي ثابت وفي يداي الكلبشة. عندها أيقنت أنني في ورطة كبيرة".
قال عيتاني أن الرجال، الذين كان معهم ملف مكتوب عليه "أمن الدولة"، حققوا معه نحو ساعتين أو ثلاث حول علاقته مع إسرائيل. ثم قال له أحدهم أن يتصل بزوجته ليخبرها بأنه سيغيب لمدة 10 أيام. وانهالوا عليه بعدها بالأسئلة. سألوه عن محمد بركات، مستشار وزير الداخلية محمد المشنوق ثم عن حسن مراد، إبن النائب عبد الرحيم مراد، بصفتهم أقرب أصدقائه. وقد قرر عيتاني حماية لنفسه أن يدلي بمعطيات لا تصدق، على نحو يجنبه التعذيب ويمكنه في الوقت نفسه من إثبات عدم صدقية هذه المعطيات. وعليه، اخترع قصة الفيديوهات الجنسية، وأعطى المحققين عنوان سفارة لبنان في إسطنبول كعنوان التقى فيه المدعوة كوليت.
"يوم الجمعة استعانوا بورقة ضغط جديدة. أرادوا أن يظهروا لي أن الجميع تخلّى عني بعدما علموا بالتهمة الموجهة إلي. أروني الستايتس الذي كان كتبه صديقي يحيى جابر وهو يعبر عن سخطه ضدي (تفو)، ثم ما كتبه بعض الأصدقاء والناشطين على "فايسبوك". وقد أرادوا من خلال ذلك إحباطي وإعلامي بأنه لن يدافع عني أحد. كما أنهم حاولوا ابتزازي. قالوا لي "إذا ما بتمشي معنا، رح توّرط ماجدولين (زوجته السابقة)". حتى أن أحد المحققين هدده بحرق منزل أهله.
قابل عيتاني مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس يوم السبت 25 تشرين الثاني في مكتب الملازم أول فراس عويدات في السوديكو، حيث كان محتجزاً. لم يعرّف جرمانوس عن نفسه ولم يعلم عيتاني من يكون. كان الضابط يمسك بكتفه طوال وقت المقابلة ولم يطلب القاضي منه تركه. طلب منه إعادة إفادته. فقرر عيتاني إعطاءه رواية مختلفة عن الأولى. "قلت له أن ما دفعني "للتعامل" مع كوليت هو "غروري كمثقف". كما أنه لم يوقع على محضر بعد انتهاء التحقيق مع جرمانوس.
وبعد عودته إلى غرفة التحقيق، قرر المحقق الثاني جبران ميسي (المعروف بـ "غابي") أن يثير موضوع السكرين شوت. وكان عيتاني أخذ في 2017 سكرين شوت عن علامة لايك (إعجاب) أبدتها المقدّمة الحاج على تعليق للمخرج شربل خليل اعتبر مسيئا للمرأة السعودية. وفيما عادت الحاج وحذفت علامة الإعجاب هذه، أعاد موقع "أيوب نيوز" الإخباري نشرها، مما أدى إلى إقالة الحاج من منصبها كرئيسة لمكتب مكافحة جرائم المعلوماتية. ويخبرنا عيتاني أن المحقق "غابي" طلب منه أن يعترف "بأن كوليت طلبت منه القضاء على سوزان الحاج لأنها نجحت بمكافحة الشبكات الإسرائيلية".
"الأحد كان نهارا جهنميا". دخل صحافيون غرفة التحقيق وتابعوا الجلسة، "هذا طبعاً قبل أن يبدأوا بتعذيبي". بعد خروجهم، حصلت مشادة بين عيتاني والمحقق الثاني وقال له أنه يرفض التوقيع على محضر التحقيق. "عندها قرروا الانتقال إلى التعذيب. "استمروا في تعذيبي حوالي 22 ساعة؛ "تعليق، كرباج، ربطوني بجنازير ما عدا راسي وصاروا يلبطوني. كسرولي 3 أضراس". الملازم أول توّلى المهمة بشكل رئيسي. "فرجاني صور عيد لين (إبنته) وقللي "مبسوط عم تعيّد بلاك الش...". بكيت وصرخت وفقدت وعيي لبعض الوقت. "حتى أنهم حاولوا اغتصابي من خلال إدخال عصا في مؤخرتي". وأضاف عيتاني لبرنامج "أنا هيك" على قناة "الجديد": "بعد الضرب تم تقييدي من قدماي إلى رقبتي. بالتالي إذا ما أردت أن أسير أفقد توازني لأنه بات هنالك ثقل على جسدي، وكلما أقع يضربني أحدهم كي أعود وأقف[5]".
أراد المحققون إجبار عيتاني على التوقيع على المحضر وأن يقرّ بأنه تلقى الأموال من كوليت. وقع يوم الإثنين فتوقفوا عن تعذيبه. وأُبقي عيتاني قيد الاحتجاز في مركز مديرية أمن الدولة 6 أيام.

رواج التسريبات الاعلامية
طوال هذه التحقيقات الأولية ومنذ اليوم الذي تلا توقيف عيتاني، كان تسريب الأخبار لوسائل إعلام متفرقة ونشرها قائما على قدم وساق. وبتاريخ 24 تشرين الثاني، صدر البيان الأول[6] للمديرية العامة لأمن الدولة حول القضية، بعد ساعات من نشر الصحافي رضوان مرتضى أول مقال له عن القضية في جريدة "الأخبار". وصف البيان العملية "الإنجاز" بأنها "نوعية إستباقية في مجال التجسس المضاد" وبأنها أتت نتيجة "الرصد والمتابعة والاستقصاءات على مدار شهور" وأنها استطاعت "تثبيت الجرم فعلياً على المشتبه به زياد عيتاني". حسم إذاً البيان الأول أن عيتاني عميل وأن التحقيقات هدفها فقط كشف المؤامرة التي كان يتمّ التحضير لها من خلال تزويده "معلومات موسعة عن شخصيتين سياستين بارزتين" تنوي المخابرات الإسرائيلية اغتيالهما. وسرعان ما تبيّن أن هاتين الشخصيتين هما وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق والنائب عبد الرحيم مراد. أكد هذان الشخصان الخبر وتلقيا اتصالات مهنئة بسلامتهما من الرؤساء الثلاثة الذين هنأوا اللبنانيين أيضاً بنجاتهم من مخطط خطير كان يستهدف البلاد. وإلى جانب التلميح إلى تحضير عيتاني لمحاولات اغتيال، أشار البيان إلى أن هذا الأخير كان يعمل "على تأسيس نواة لبنانية تمهّد لتمرير مبدأ التطبيع مع إسرائيل، والترويج للفكر الصهيوني بين المثقفين".
وأعدّ تلفزيون "المستقبل" تقريرا عن "محاولة اغتيال المشنوق" فهنأه على نجاته واعتبر أنها كانت "تحضر في أروقة العدو الإسرائيلي لإشعال فتنة لبنانية داخلية، كلف بها الفنان المسرحي زياد عيتاني[7]".
عندها بدأ السباق بين التلفزيونات المحلية، خاصة بين ما يسمّى بـ "برامج الإثنين" في 27 تشرين الثاني 2017. خصصت الإعلامية ريما كركي جزءاً من حلقة برنامجها "للنشر[8]" على قناة "الجديد" للكشف عن تفاصيل التحقيق في قضية عيتاني. وبموازاة عرض "للنشر"، كان الإعلامي جو معلوف عبر "هوا الحرية[9]" على شاشة "ال.بي.سي" يقرأ مباشرة على الهواء ولحوالي 20 دقيقة محاضر التحقيق مع عيتاني. وضع تسلسلا زمنيا واضحا للعلاقة التي جمعت عيتاني بالضابطة الإسرائيلية كوليت فيانفي منذ العام 2015 وكانت هذه الأخيرة قد حظيت أيضاً برسم تشبيهي عرضته كل من "ال.بي.سي." و"الجديد".
ويشير عيتاني في مقابلته مع "المفكرة" إلى أن جو معلوف وريما كركي قرأوا المحاضر مباشرة على الهواء، فيما كان التحقيق مستمرا معه، وهو لم يوقع على المحضر إلا في اليوم التالي. "كان المحققون يقومون بتحضير حلقتي البرنامج أثناء التحقيق معي".
اعتبر جميع الذين نقلوا المعلومات المسرّبة أن هذا واجبهم أو على الأقل بأن الأمر طبيعي. المحامي جوزيف أبو فاضل رأى في مقابلته مع برنامج "العين بالعين[10]" عبر "الجديد" أن من حقه نقل ما ورده من معلومات بحجة أن الملف أصبح في عهدة القضاء، علما أنه كان ما يزال عالقا أمام قاضي التحقيق العسكري، الذي تخضع أعماله للسرية.
تفاعل الرأي العام بشكل كبير مع المعلومات الهائلة التي كانت ترده من كل حدب وصوب. وقد اضطر أمن الدولة تبعا لذلك إلى إصدار بيانا ثانيا[11] لاسيما أن عيتاني كان قد غيّر كلّ ما أدلى به في إفادته الأولى. صدر البيان في 28 تشرين الثاني 2017، في اليوم الذي تمّ تحويل عيتاني فيه إلى القضاء العسكري. كشف أن الجهاز داهم منزل عيتاني و"ضبط في غرفة نومه كميّة من المخدّرات، بالإضافة إلى أربعة حواسيب إلكترونيّة، وخمسة أجهزة خلويّة، تبيّن في التحقيقات أنّه يخزّن فيها الداتا السرّية. وتمنى البيان في الختام على وسائل الإعلام أن تحصل على معلوماتها "مباشرة من قسم الاعلام والتوجيه في المديرية العامة، حفاظاً على الدقة والصدقية، وحرصاً على عدم استباق نتائج التحقيقات وعلى سمعة جميع الذين وردت أسماؤهم في التحقيق".
ختاما، نشير في هذا الصدد إلى أنه لم يصدر أي موقف عن النيابة العامة التمييزية أو مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس حول القضية.
لكن وعلى الرغم من تبني معظم المعنيين ومعهم الرأي العام للرواية التي نقلها الإعلام، إلا أن السلوك التطبيعي لهذا الأخير مع التسريبات الأمنية لم يسلم من الإنتقادات، وإن بقيت هذه الإنتقادات محدودة. ومن أبرز هذه الانتقادات، مقالين للصحافي منير الربيع في جريدة "المدن"[12]"والخبير القانوني عمر نشابة في جريدة الأخبار[13] فضلا عن  برنامج "بلا طول سيرة" على شاشة "المستقبل"[14].
وعليه، وإذا وضعنا جانبا هذه الانتقادات التي بقيت محدودة، لا نبالغ إذا قلنا أن الرجل تعرض لمحاكمة شعبية واسعة غيابيا in abstentia.

2- كيف انتهى قاضي التحقيق إلى منع محاكمة عيتاني؟
وبالعودة إلى مجريات القضية، تمّ نقل عيتاني بتاريخ 28 تشرين الثاني إلى المحكمة العسكرية تمهيدا لمثوله أمام قاضي التحقيق العسكري. إلا أنه تعين عليه أن ينتظر ثلاثة أيام للمثول للمرة الأولى أمام هذا الأخير، قضاها في الحبس الانفرادي.
مثل عيتاني للمرة الأولى أمام قاضي التحقيق يوم الجمعة الواقع في 1 كانون الأول، أي بعد ثلاثة أيام من نقله إلى المحكمة العسكرية. "فور دخولي إلى مكتبه، بدأت بالصراخ وقلت له "كيف بتعذبوني هيك؟" وأريته يداي لأن آثار التعذيب كانت لا تزال واضحة عليهما. قلت له: "أنا بريء، مظلوم وقد ضربوني". سجّل القاضي الادعاءات وطلب وفق عيتاني فحصا طبيا له، لكن الطبيب لم يحقق في إدعاء التعذيب إنما فحصه فقط من الناحية الصحية. خلال هذه الجلسة، حضر محامي عيتاني معه، وقد استمهل للاطلاع على الملف ومقابلة موكله. فلم يحصل أي تحقيق في خصوص القضية بحد ذاتها.
بعد الجلسة، يروي عيتاني أنه بقي في زنزانة المحكمة العسكرية 27 يوما لم يتمكن خلالها من لقاء أيا من معارفه أو محاميه، ولم يحصل ذلك إلا بعد انتهاء جلسة استجوابه أمام قاضي التحقيق (وهي الجلسة الثانية) والتي حصلت بتاريخ 18 كانون الأول.
خلال الجلسة الثانية التي استمرت حوالي 3 ساعات بحضور محاميه صليبا الحاج، يروي عيتاني أنه أخبر القاضي أنه "اخترع شخصية كوليت وأنها ليست موجودة تحت وطأة التهديد والتعذيب". عندها طلب مني القاضي سرد ما حصل معي منذ لحظة "خطفي". "أخبرته بكل شيء بما فيه التعذيب. منعني من التعرض لجهاز أمن الدولة عندما وصفته بـ"Beau Rivage 2".
بعد هذه الجلسة، سمح لعيتاني بمقابلة شقيقته وزوجته للمرة الأولى في 25 كانون الأول، أي بعد شهر ويومين على توقيفه. قال لهما أن سوزان الحاج هي التي لفقت القضية وطلب منهم التواصل مع أحد الاعلاميين (فداء عيتاني). "تمّ ذلك فقط عبر فتحة في الباب وبحضور عسكريين وقال إنه لم يتمكن ولا مرة من مقابلة محاميه أو أسرته على انفراد[15]"، حسب ما صرّح عيتاني لمنظمة "هيومن رايتس ووتش". بعدئذ، نقل عيتاني إلى سجن روميه وبقي هناك حوالي 31 يوما. وضع في مبنى "المحكومين" الذي يضم جميع المتهمين والمحكومين بالجرائم الخطرة. ويكشف عيتاني أنه بقي خائفا طوال مدة وجوده في روميه من أي محاولة اعتداء قد تكون مدبرة.
وفيما نسي الإعلام عموما[16] عيتاني بعدما كانوا صنفوه ضمن العملاء، نشر الصحافي ف. عيتاني في 3 مقالات (حلقات) متتالية على مدونته في كانون الثاني وشباط 2018 ما كان حصل عليه من معطيات من زوجة عيتاني ومفادها أنه أدلى باعترافاته تحت وطأة التعذيب، وأن التهمة لفقت له من قبل المقدمة الحاج انتقاما منه. وعلى الرغم من خطورة تلك المعلومات التي نشرها ف. عيتاني، لم يتفاعل الرأي العام معها بداية. فالقضية سريالية في كل جوانبها والضخ الإعلامي الذي رافقها ساهم في إضعاف فرضية عيتاني.
بتاريخ 6 شباط 2018، مثل عيتاني للمرة الثالثة أمام قاضي التحقيق العسكري، الذي قرر التوسيع في التحقيق وإحالة الملف إلى فرع المعلومات.
وقد نقل عيتاني فعليا إلى مقر شعبة المعلومات في 26 شباط وبقي هناك حوالي أسبوعين. وتأكد هؤلاء من صحة أقواله بعدما اكتشفوا حصول قرصنة على حسابه من قبل المدعو إيلي غبش، بناء على طلب المقدمة سوزان الحاج. تم توقيف هذين الأخيرين ليتم الادعاء عليهما لاحقا بتهمة تلفيق العمالة. بالمقابل، أطلق سراح عيتاني في 13 آذار 2018 وأقفل أبو غيدا القضية ضده في 29 أيار 2018 بعدما أصدر قرارا بمنع المحاكمة عنه واتهم غبش والحاج بتلفيق التهمة له.

3- قضية تلفيق التهمة في الفضاء العام
بقدر ما أثار اتهام عيتاني بالعمالة ضجيجا كبيرا في الفضاء العام، كذلك حصل عند ظهور الرواية المناقضة. وفيما سعت بعض الجهات إلى استثمار القضية سياسيا وبخاصة انتخابيا، خرجت أصوات قليلة في الإعلام ولكن كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي تؤكد وجود مؤامرة (أو على الأقل شبهة على وجود مؤامرة) أدت إلى تبرئة عيتاني لاستمالة أبناء هذه العائلة الذين يشكلون نسبة هامة من ناخبي الدائرة الثانية في بيروت. وقد أدى هذا البازار إلى التشويش على الجوانب الحقوقية من القضية بشكل كبير.

الاستثمار السياسي
استهلّ الاستثمار السياسي الشخص المركزي في هذا الخصوص وزير الداخلية نهاد المشنوق، الذي غرّد على صفحته على "تويتر" مهنئاً عيتاني ببراءته مستبقاً بالتالي نتائج التحقيقات لدى فرع المعلومات. لا بل أن المشنوق ذهب على سبيل المزايدة إلى حدّ مطالبة اللبنانيين بالإعتذار من عيتاني. "كل اللبنانيين يعتذرون من زياد عيتاني. البراءة ليست كافية، الفخر به وبوطنيته هو الحقيقة الثابتة الوحيدة". ووصف عيتاني بأنه "البيروتي الأصيل العربي الذي لم يتخلّ عن عروبته وبيروتيته يوماً واحداً[17]".
وقد بدا الابتذال واضحا في كلا التغريدتين. وهذا ما أشارت إليه العديد من التعليقات عليهما، أبرزها التعليقات التي ذكرت بأن المشنوق كان أول من تبنى رواية أمن الدولة وتقبل التهاني لنجاته من محاولة الإغتيال.
وقد بلغ هذا الاستثمار أوجّه في يوم الإفراج عن عيتاني. نقلت التلفزيونات مباشرة لحظة ظهور عيتاني لأول مرة خارج مقر فرع المعلومات ولحقته إلى السرايا الحكومي حيث قام بزيارة رئيس الحكومة سعد الحريري قبل التوجه إلى منزله في طريق الجديدة الذي غصّ بالسياسيين الذين سعوا لاستثمار القضية لتحقيق مكاسب إنتخابية. وكما كان الوزير المشنوق أول الوافدين إلى منزله.

استغلال الاستثمار السياسي لحجب المسؤوليات والجوانب الحقوقية من قضية عيتاني
بمراجعة الخطاب العام، نتبين أن وقاحة هذا الاستثمار السياسي شكلت مادة خصبة للتشكيك بما وصل إليه التحقيق، بحيث صورت تبرئة عيتاني على أنها عمل سياسي يراد منه تحقيق مكاسب انتخابية. وفيما أدى هذا الخطاب عموما إلى التخفيف من تعاطف الرأي العام مع عيتاني، فإن البعض ذهبوا إلى حد التأكيد على وجود مؤامرة قوامها اختلاق رواية التلفيق بهدف تبييض ملف عيتاني. وقد تماهى هذا الخطاب عموما مع المساعي إلى الحفاظ على هيبة جهاز أمن الدولة بشكل خاص.
ولعل أبرز المواقف في هذا الخصوص، موقف النائب زياد أسود في سياق رده على وزير الداخلية: "رح نعتذر منك لأنك عميل بغطاء وحماية … يا سلام على العملاء الكلاس… دخلكم العميل بلا حماية شو منقلو sorry بدك تاكلها…بلا حماية بس هك[18]". لكن ما لبث أن محا أسود تغريدته ليعود مجددا إلى هذه النغمة الاتهامية لعيتاني حين تهيأ هذا الأخير لإطلاق عمله المسرحي في تشرين الثاني 2018.  
وبتاريخ 3 آذار، حلّ جوزيف أبو فاضل مجدداً كضيف على الإعلامية نانسي السبع في برنامج "الحدث اليوم". حاول أبو فاضل تسخيف خطورة القضية بحيث وضعها في إطار الصراع الطائفي والسياسي. رأى أن وزير الداخلية، مدعي عام التمييز، مدير عام قوى الأمن الداخلي ورئيس فرع المعلومات أرادوا استلام التحقيق لأنهم من الطائفة السنية والمتهم سني ولأنهم أرادوا استباق الانتخابات النيابية. وأصرّ أبو فاضل على أنه على الرغم من اتهام الحاج بفبركة الملف، فإن هناك معلومات ودلائل لدى أمن الدولة تؤكد تورط عيتاني. "الأساس هناك تعامل، هناك اتصال، هناك كل شيء...لا أدري كيف فجأة أصبح بريئا. لو كان بريئا، كان اتصل الرئيس الحريري برياض أبو غيدا وخرج. لا تحتاج إلى كل هذه "البرمة[19]".
وقد اكتسب هذا التشكيك منحًى جديدا من خلال إلقاء ضباب كثيف حول أعمال قاضي التحقيق العسكري. وقد كان الخطاب الأكثر وضوحا في هذا الخصوص هو خطاب رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب الذي دخل فيما يمكن وصفه بمهاترة شخصية مع القاضي المذكور، وذلك خلال برنامج "الأسبوع في ساعة" في 4 آذار 2018. وقد اعتبر وهاب أنه إذا صح أن الرجل بريء يجب أن يدخل مكانه رياض أبو غيدا[20]".

الخطاب الرسمي: تبرئة عيتاني من دون المسّ بهيبة أمن الدولة
إلى جانب الخطابين السابقين، برز خطاب سياسي ثالث، قوامه الحفاظ على هيبة أمن الدولة، في موازاة التأكيد على براءة عيتاني. وسرعان ما بدا هذا الخطاب بمثابة الخطاب الرسمي، الذي اتفق عليه رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. وهو خطاب يؤدي عمليا إلى حجب اعتبارات المسؤولية، وبالأخص مسؤولية أمن الدولة.
ومن أبرز المواقف في هذا الإطار، الدعوة التي وجهها الحريري في 3 آذار "إلى سحب القضية من التجاذب السياسي والإعلامي، والتوقف عن استغلالها لأغراض تسيئ إلى دور القضاء والأجهزة الأمنية المختصة[21]". كما رفض الحريري تحميل مسؤولية ما جرى لأمن الدولة. ورأى عند استقباله عيتاني ووالدته أنه "بآخر المطاف، القضاء حقق العدالة، ولا شك في أن بعض الأخطاء ارتكبت، ولكن الدولة وأجهزتها قامت بواجباتها وكانت معلومات خاطئة قد وردت إلى جهاز، وهذا الجهاز قام بعمله ولكن تمّ التلاعب بالمعلومات التي وردت إليه[22]"، لاغيا بالتالي أي إمكانية لمحاسبة جهاز أمن الدولة.
فضلا عن ذلك، أصدر المكتب الإعلامي للقصر الجمهوري بياناً انتقد فيه أداء وسائل الإعلام بعدما كان التزم الصمت تجاه التسريبات التي رافقت توقيف عيتاني. وشدد البيان على "ضرورة إبقاء الملفات التي وضع القضاء يده عليها، بعيدة من أي استغلال لأي هدف كان[23]".

الخطاب الإعلامي
من انتظر مراجعة ذاتية من قبل الإعلاميين المشتركين في إدانة عيتاني سرعان ما خاب أمله. على العكس من ذلك، لم يجد هؤلاء أي حرج في الظهور مجددا في وسائل الإعلام، لتحميل سواهم (القضاء بشكل خاص) المسؤولية والتأكيد على أن ما قاموا به بديهي ويندرج في إطار العمل الصحافي المهني، بل أن بعضهم ذهب حتى إلى إبقاء عيتاني في دائرة الاتهام. وحده رئيس تحرير "الأخبار" إبراهيم الأمين اعترف أن القضية شكلت درسا مهما للإعلام داعياً إياه للتخلي عن الهوس بالسبق الصحافي بشكل كليّ. ورأى أنه يجب أن "نتحفّظ كثيراً، وأن ندقق في كل معلومة بمعزل عن مصدرها، ومدى دقته أو صدقه أو حِرَفِيّته. وهو درس، قاسٍ، له تبعاته المهنية وأكثر[24]".

الخطاب الحقوقي
رغم ما تحتمله القضية من أبعاد حقوقية، فإن هذه الأبعاد بقيت هامشية بفعل السياسة الرسمية في حجب مسؤولية الأجهزة الأمنية، فضلا عن التجاذبات السياسية والمجاملات الإعلامية. وما فاقم من ذلك هو لحظة الإفراج نفسها والتي طغا عليها الاستثمار السياسي. وبمعاينة التطور الحاصل، أمكن القول أن تطور هذا الخطاب ارتبط بشكل ما بجهوزية الضحية لمواجهة المظالم التي تعرضت لها وتراجع الاستغلال السياسي ونظرية المؤامرة، بحيث بدا هذا الخطاب وكأنه ينضج بشكل تدريجي، على نحو يؤمل معه أن تصبح عناوينه هي العناوين الأساسية لهذه القضية.
ولعل الخطوة الأهم في هذا الصدد، هي الخطوة التي قام بها عيتاني نفسه وتمثلت بالعرض المسرحي "وما طلت كوليت"، والذي تم إطلاقه تزامنا مع الذكرى السنوية الأولى لتوقيف عيتاني في 23 تشرين الأول 2018. وقد تمكّنت المسرحية من تسليط الضوء على أهمية المحاكمة العادلة من خلال إبراز حجم الانتهاكات الفاضحة التي تعرض لها بطل المسرحية، سواء من القوى الأمنية أو من الإعلام.
واللافت أن الرقيب الأمني على عرض المسرحيات (وهو المديرية العامة للأمن العام) أعطى الترخيص بعرضها من دون أي إشكال، رغم ما تحمله من تشكيك بجهاز أمني آخر هو أمن الدولة واتهامات مباشرة له بارتكاب أعمال تعذيب. وهذا الموقف الذي يتعارض مع العديد من أعمال الرقابة السابقة حيث شكلت هيبة هذه الأجهزة أحد أهم مجالات الحماية[25]، إنما يعكس تعاطفا واضحا مع المعاناة التي تكبدتها الضحية[26] ومساهمة في ترميم هذا الضرر.
"أخيرا، يسجل أن عيتاني تقدّم للنيابة العامة التمييزية في بيروت بتاريخ 20 كانون الأول 2018 بشكوى ضد كلّ من المقدمة الحاج وإيلي غبش والمحققين جبران ميس وإيلي برقاشي وضباط وعناصر ومحققين في جهاز أمن الدولة الذين كانوا موجودين في التحقيق وكلّ من يظهره التحقيق متورطاً. وقد عرض فيها الجرائم التي أدلى بتعرّضه لها وهي تباعا الافتراء الجنائي وتأليف جمعيات الأشرار للنيل من الناس ومخالفة المادة 47 وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعذيب داخل السجن والتعدي على الحرية وجرم التهديد والتحقير وإساءة استعمال السلطة وإفشاء سرية المعلومات والتحقيقات والإهمال المتعمد من الضباط.
وقد شهدت هذه الشكوى تطورين سلبيين:
الأول، أن النائب العام التمييزي اكتفى بإحالتها كما هي إلى مفوض الحكومة العسكري بيتر جرمانوس، من دون أي تحقيق خلافا للمادة 15 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تجعل المحاكم العدلية صاحبة الاختصاص للنظر في مخالفات الضابطة العدلية في سياق التحقيقات الأولية.
الثاني، أن جرمانوس لم يجرِ أي تحقيق إنما اكتفى بإحالة الشكوى إلى المحكمة العسكرية الدائمة، لتضم إلى دعوى تلفيق التهمة المقامة ضد غبش والحاج. وقد أعاد رئيس المحكمة العسكرية الشكوى إليه لاحقا.

4- ماذا تخبرنا قضية زياد عيتاني؟
كما سبق بيانه، تبدو هذه القضية بمثابة كاريكاتور شديد الدلالة عن أوضاع الملاحقات الجزائية. ومن أبرز الدروس التي يجدر تسجيلها، الآتية:

تراجع القيم المهنية في الإعلام والقضاء والأمن
من أهمّ الشواهد على تراجع هذه القيم، الآتية:
أوّلا، أن بعض وسائل الإعلام ارتكبت خطأ مريعا حين سارعت إلى نشر تفاصيل التحقيقات الأولية مع زياد عيتاني، من دون إبداء أي تحفظ لجهة كونها تحقيقات أولية قد تكون بعيدة كل البعد عن الحقيقة، وفي انتهاك جسيم لقرينة البراءة. وما يزيد الأمر جسامة هو غياب أي مصلحة عامة من شأنها أن تبرر هذا النشر بما رافقه من تشهير وفضح للخصوصيات،
ثانيا، أن جهاز أمن الدولة يرجح أن يكون ارتكب أخطاء جسيمة، ابتداء من التعذيب وتسريب التحقيقات والتهديد والاحتجاز لآماد تجاوزت الفترة المسموح بها قانونا (48 ساعة تقبل التمديد مرة واحدة)، هذا فضلا عن الأخطاء الفنية المرتكبة في تقييم الوثائق المسلمة إليه أو في الاستجواب والتحقيق. وما يفاقم من مسؤولية هذا الجهاز هو الإقرار الحاصل أمام المحكمة العسكرية بوجود "الغرفة السوداء". وثمة أدلة قوية على أن هذه الأخطاء لا تشكل أخطاء فردية بل أخطاء جهاز، بدليل أن المديرية العامة لأمن الدولة أصدرت بيانين سميّا العملية بالإنجاز وكشفا العديد من المعلومات، وأن "الغرفة السوداء" التي جرى فيها التعذيب ثبت وجودها في مركز أمن الدولة حسبما أقر به عناصره أمام المحكمة العسكرية. كما أن العديد من الإعلاميين رجحوا أن تكون التسريبات حصلت من قبل أمن الدولة بهدف الترويج لدوره بما أسمته "المفكرة" بـ "الأمن الديماغوجي".
ثالثا، أن القضاء بدوره ارتكب انزلاقات فادحة على صعيد هذه الدعوى. فقد ارتكب مفوض الحكومة العسكري بيتر جرمانوس خطأ مريعا حين لزم الصمت إزاء تسريب التحقيقات الأولية، فلم يتحرك لا لمحاسبة الفاعلين ولا حتى لوقفها، علما أن هذه التسريبات تشكل جرائم واضحة. كما أنه حتى نهاية آذار 2019 (أي بعد مرور سنة على افتضاح الأخطاء) لم يقم بأي تحقيق أو ملاحقة، على الرغم من تقدم عيتاني بشكوى في هذا الخصوص. وبالطبع، تتحمل النيابة العامة التمييزية من موقعها الهرمي، جزءا من المسؤولية في هذا الإطار، ولا سيما أنها عادت وأحالت شكوى عيتاني المقدمة إليها إلى مفوض الحكومة العسكري، خلافا للمادة 15 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تمنح اختصاص النظر في أخطاء الضابطة العدلية في التحقيقات الأولية للمحاكم العدلية وليس للمحاكم العسكرية. فضلا عن ذلك، ثمة أسئلة تحتاج إلى أجوبة دقيقة حول كيفية إدارة الملف من قبل قاضي التحقيق العسكري رياض أبو غيدا، لجهة كيفية تعامله مع ادعاء عيتاني بتعرضه للتعذيب أو مع عزل عيتاني لفترة طويلة مع منع زيارته، من أي كان بما فيهم ذويه ومحاميه.

المجاملة بدلا عن المحاسبة
الأمر الثاني الذي نتعلمه من قضية عيتاني وهو ملازم لتراجع القيم المهنية، هو سواد المجاملة في التعامل بين مختلف الأجهزة والمؤسسات. فالإعلام ينقل التحقيقات كما وردت من دون تحقيق كأنما وسائل الإعلام مجرد علبة بريد يضع فيها الجهاز الأمني ما يشاء. كما أن القضاء يترك التسريبات جارية على قدم وساق من دون أن يستشعر أي حاجة للتدخل، متناسيا أن هذه التحقيقات تجري قانونا بإشرافه وتحت مسؤوليته.
ولا تتأتى المجاملة عن التخلي عن الدور الرقابي وحسب، بل هي تنسحب على التخلي عن أدوار المحاسبة والمساءلة بدليل غياب أي ملاحقة رغم انقضاء ما يزيد عن السنة على انفضاح التجاوزات الحاصلة في التحقيقات الأولية. وعليه، وبدل أن يضع الإعلام والقضاء يديهما على تجاوزات أمن الدولة، تُبذل على العكس من ذلك جهود كبيرة للتستر على هذه التجاوزات، وفق ما نستشفه من التصريحات المتلاحقة بعد افتضاح حادثة تلفيق تهمة العمالة.
وبالطبع من شأن هذا الواقع أن يمهد لمزيد من الانهيار على صعيد القيم المهنية وأقله لتكرار ما حصل. وبالفعل، في غضون أقل من سنة، عاد الجهاز الأمني نفسه وبعض الإعلاميين أنفسهم ليكرروا الفعل نفسه في ما عرف بقضية صانع الأوشام[27] المتعايش مع فيروس نقص المناعة.

مخالفات جسيمة على صعيد المحاكمة العادلة
تخبرنا القضية علاوة على ذلك عن ارتكاب مخالفات جسيمة على صعيد المحاكمة العادلة وانتهاك قرينة البراءة. ويتحصل ذلك من التجاوزات الحاصلة خلال التحقيقات الأولية وأهمها الآتية:
  • تعذيب معنوي ومادي،
  • تسريب تحقيقات أولية على نحو أضر بسمعة عيتاني ضررا بليغا،
  • منع عيتاني من الاتصال بذويه أو بمحاميه خلافا للمادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية،
  • إبقاء عيتاني موقوفا قيد التحقيق الأولي لدى أمن الدولة طوال 6 أيام بما يتجاوز مدة التحقيقات الأولية المسموح بها وهي 48 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة،
  • إبقاء عيتاني في الانفرادي طوال فترة شهر ومنعه من التواصل مع ذويه ومحاميه،
  • غض قاضي التحقيق العسكري رياض أبو غيدا الطرف عن واقعة التعذيب الظاهرة على جسد عيتاني والتي عبر عنها منذ لقائه الأول به، بما يناقض اتفاقية مناهضة التعذيب وواجبات القاضي في حماية حقوق المشتبه بهم كما سائر المتقاضين،
  • وأخيرا، محاكمة ملفقي تهمة عيتاني أمام المحكمة العسكرية المكونة في غالبيتها من ضباط، من دون أن يكون لعيتاني أن يتمثل في المحاكمة. ومن شأن هذا الأمر أن يمهد لإفلات هؤلاء من العقاب أو للحكم عليهم بعقوبات غير متناسبة مع خطورة الجرم، وأن يهدد حق عيتاني بالحصول على تعويض عن الأضرار الجسيمة التي أصابته.

الفوبيا تمهيدا للمخالفات ونقض قرينة البراءة
بالإضافة إلى ما تقدم، تظهر قضية عيتاني هشاشة مضاعفة للأشخاص المشتبه بهم بارتكاب أفعال تثير فوبيا لدى الرأي العام كما هي أفعال العمالة. الأمر نفسه نتبينه في القضايا التي يكون فيها المشتبه به من الفئات الهشة المعرضة للمواقف المسبقة (الفوبيا) مثل اللاجئين أو المثليين أو متعاطي المخدرات ... إلخ. ففي هذه الحالات، تسهّل الأحكام المسبقة والفوبيا ارتكاب الانتهاكات فيما يشكل الدفاع عن هؤلاء الأشخاص أو الاعتراض على الانتهاكات المرتكبة ضدهم أعمالا غير شعبية إن لم نقل أعمالا مرفوضة اجتماعيا.

قصور اجتماعي عن استثمار المظالم لبناء منظومة حقوقية
بخلاف ما يجري في دول عدة حيث تنتهي فضائح كهذه إلى اضطراب ضميري واسع وإصلاحات بنيوية منعا لتكرارها مستقبلا، سرعان ما تجاوز الرأي العام اللبناني صدمة عيتاني بعدما تم إغراقها في المهاترات السياسوية والطائفية. وقد تمّ ذلك بمساهمة فاعلة من أطراف سياسيين، في مقدمتهم رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية آنذاك المشنوق، الذين سعوا إلى استثمار الإفراج عن عيتاني لتحقيق مكاسب انتخابية. كما تم بفعل الأطراف الذين سعوا إلى التستر على أخطاء جهاز أمن الدولة، وقد استغلّ هؤلاء مساعي الاستثمار السياسي للقضية لادّعاء وجود مؤامرة أدت إلى قلب الحقائق وتصوير عميل على أنه ضحية. ولم يتردد بعض المتحدثين في الإعلام عن التشويش على القضية وإغراقها في لعبة التطييف والتسييس على نحو يبدّد أي اضطراب ضميري حولها. ومن اللافت في هذا الإطار الهجوم الذي شنه سياسيون وإعلاميون ووزير العدل نفسه على القاضي رياض أبو غيدا بعدما تجرأ على توضيح بعض الحقائق في الملف الذي هو في عهدته، فيما أن هؤلاء لم يتفوهوا بكلمة إزاء التسريبات الإعلامية لملف التحقيقات الأولية. بل أن أحدهم كان ممن يسربون هذه التحقيقات. وعليه، وبدل أن يدفعنا انهيار القيم المهنية إلى فتح ورشة إصلاحية واسعة، فإذا بنا نعتبر هذا الانهيار قدرا ونتيجة طبيعية للتطييف على نحو يجعلنا عاجزين عن التسليم ببراءة عيتاني. ولا نبالغ إذا قلنا أن هذا التشويش الحاصل في هذه القضية أدى إلى تفتيت الرأي العام حولها وبالنتيجة إضعاف التعاطف مع عيتاني إلى درجة كبيرة.

لا تعويض للضحية
الأمر الأخير الذي تعلمنا إياه هذه القضية، وهي أيضا ملازمة لكل ما تقدم، هو إعراض الدولة عن منح أي تعويض معنوي أو مادي لعيتاني، رغم تورط العديد من أجهزتها في التسبب بضرره. وهكذا، كان عليه أن يتحمل وحده الضرر الناتج عن توقيفه طوال 109 يوما والاعتداءات الجسيمة المرتكبة ضده والتي رافقت هذا التوقيف. ويبدو تسامح الرقابة (الأمن العام) في منحه إجازة عرض مسرحيته اللفتة الرسمية الوحيدة تجاهه وهي لفتة لا تزيد شيئا عما تجيزه له حرية التعبير المضمونة دستوريا، والتي تفترض حكما الحق بفضح الظلم والاعتراض عليه.

  • نشر هذا المقال في العدد | 59 |  نيسان 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:


[1]  مسرحية مقتبسة عن الحادثة التي تعرّض لها الممثل زياد عيتاني.
[2]  تجدون النسخة الكاملة من التقرير على الموقع الالكتروني للمفكرة.
[3]  إلهام برجس. استجواب لافت في قضية "تلفيق تهمة العمالة لزياد عيتاني": الغرفة السوداء موجودة وجرمانوس لا يحقّق في قضايا التعذيب. المفكرة القانونية، 23 شباط 2019
[4]  لبنان: زياد عيتاني يروي تفاصيل تعذيبه
[5]  أنا هيك. قناة الجديد، 21 تشرين الثاني 2018
[6]  "أمن الدولة": هذه اعترافات المسرحي زياد عيتاني الموقوف بتهمة التواصل مع العدو
[7]  إحباط مخطط اسرائيلي لاغتيال المشنوق. تلفزيون المستقبل، 24 تشرين الثاني 2017
[8]   ريما كركي. برنامج للنشر. قناة الجديد، 27 تشرين الثاني 2017   http://bit.ly/2CTLYwi
[9]  جو معلوف. هوا الحرية. قناة أل.بي.سي.، 27 تشرين الثاني 2017
[10]   العين بالعين: حلقة التعامل والعملاء. قناة الجديد، 30 تشرين الثاني 2017

[11]  امن الدولة يختتم التحقيق مع زياد عيتاني... وهكذا اوضح التسريبات
[12]  منير الربيع. التسريبات في قضية زياد عيتاني.. لتدجين الصحافيين! جريدة المدن، 29 تشرين الثاني 2017
[13]  عمر نشابة. مذكور أعلاه.
[14]  زافين قيومجيان. بلا طول سيرة. قناة المستقبل، 2 كانون الأول 2017
[15]  لبنان: زياد عيتاني يروي تفاصيل تعذيبه، المرجع المذكور أعلاه
[16]  تابعت بعض وسائل الاعلام تطور القضية في القضاء. فعلى سبيل المثال، ذكرت جريدة "المدن" الالكترونية في 5 كانون الأول 2017 أن المحامي صليبا الحاج استأنف "قرار قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا برد الدفع الشكلي المتعلق بإبطال التحقيقات الأولية، التي أجرتها المديرية العامة لأمن الدولة، لمخالفتها أحكام المادتين 42 و47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية ". ونقلت عن الحاج في 18 كانون الأول 2017 أن "التحقيقات (مع عيتاني) جرت وفقاً للأصول القانونية وستستكمل لاحقاً ". "ونقلت عن مصدر أن "وضع عيتاني الصحي إلى تحسن، وأصبحت زيارته مسموحة " دون أي تفاصيل إضافية.
[17]  المشنوق: كل اللبنانيين يعتذرون من زياد عيتاني. جريدة المستقبل، 2 آذار 2018
[18]  راشيل كرم. كيف دخلت الإنتخابات على قضية زياد عيتاني؟ قناة الجديد، 3 آذار 2018
[19]  الحدث اليوم. قناة الجديد، 3 آذار 2018
[20]  الأسبوع في ساعة. قناة الجديد، 4 آذار 2018
[21]  سحب قضية زياد عيتاني من التجاذب السياسي والإعلامي. جريدة المدن، 3 آذار 2018
[22]  حسان الرفاعي. زياد عيتاني يختم مسرحية اعتقاله بالبراءة. قناة الجديد، 13 آذار 2018