728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    السبت، 20 أبريل 2019

    كيف نظر الأدب إلى كاتدرائية نوتردام؟



    نجيب مبارك  


    ضفة ثالثة في أعقاب الحريق المأساوي الذي ضرب يوم 15 أبريل الحالي أشهر كاتدرائية في باريس وفي العالم، كاتدرائية "نوتردام دو باري"، ارتفعت مبيعات رواية "أحدب نوتردام" لفيكتور هيغو بشكلٍ مفاجئ وسريع فاق كل التوقّعات. بل إن النسخة الورقية من الرواية تربعت على عرش مبيعات شركة "أمازون" بعد يوم واحد فقط من هذا الحريق المروع، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس لساعات طوال، لأنّه نال من أحد الرموز الكبرى لمدينة باريس وأحد معالمها التاريخية البارزة، والتي إلى وقت قريب كان يظنّ الجميع أنها خالدة. 
    فيما يلي، نقترح زيارة لبعض النصوص والمقاطع الأدبية التي كُتبت عن هذه الكاتدرائية الشهيرة عبر التاريخ:
    رواية "أحدب نوتردام"
    نُشرت رواية "أحدب نوتردام" لفيكتور هيغو عام 1831 (وعام 1832 بالنسبة لصيغتها النهائية). سُحب منها 1500 نسخة لأوّل مرّة، وهي رواية اشتغل عليها هيغو قرابة ثلاث سنوات، وعرفت نجاحاً كبيراً فور صدورها. ويعود سبب نجاحها آنذاك إلى كونها استجابت لاهتمام معاصري هيغو بالقرون الوسطى، فأحداث البطلين إسمرلدا وكاسيميرو تقع في باريس عام 1482، وتثير الانتباه إلى الحالة السيئة لمبنى كاتدرائية "نوتردام". لكنّ الكاتب سوف يدمج في عام 1835 الإشارة إلى لجنة الآثار ويدفع المسؤولين إلى الإسراع بإنشائها، خصوصا أن رواية "أحدب نوتردام"  استلهمت بعض المقاطع من حريق طال الواجهة

    "يعود سبب نجاح رواية (أحدب نوتردام) إلى كونها استجابت لاهتمام معاصري هيغو بالقرون الوسطى، فأحداث البطلين إسمرلدا وكاسيميرو تقع في باريس عام 1482، وتثير الانتباه إلى الحالة السيئة لمبنى كاتدرائية نوتردام"
    الجنوبية للكاتدرائية قبل عام من نشر الرواية. وهذا المقطع منها يصف بشكلٍ مدهش ما شاهده العالم مباشرة يوم الاثنين الماضي: "كلُّ العيون ارتفعت نحو قمّة الكنيسة. ما شاهدوه لم يكن عادياً. على رأس الرّواق العلوي، الأعلى من النافذة المركزية، تصاعد لهيبٌ هائل بين البرجين مثيراً زوبعة من الشّرر، لهيبٌ هائل مضطرب وغاضب، تحمل منه الريح أحياناً خيوطاً من الدّخان...".

    جول ميشليه وسانت - بوف
    ما كتبه النقاد المعاصرون لهيغو حول هذه الرواية كان إيجابياً بشكل عام، برغم أنّ معظمهم كان يحدس بأنّها ستشكّل سَبقاً أدبيّاً عن هذه المعلمة. هكذا، كتب جول ميشليه (1798-1874) في كتابه "تاريخ فرنسا" عام 1833: "أردتُ الحديث عن رواية "نوتردام". لكنّ شخصاً ما ترك علامةَ مخلبِ الأسد فوق هذه المعلمة، بحيث لن يجرؤ أحد على لمسها. إنّها ملكه الآن، مَعقله، مركز قيادة كاسيميدو. لقد بنى، بجوار الكاتدرائية القديمة، كاتدرائية من الشّعر، شديدة المتانة وعالية الأبراج مثل سابقتها".
    من جهة أخرى، رأى الناقد سانت- بوف (1804- 1869)، الّذي كان صديقاً لهيغو قبل أن تعرف علاقتهما بروداً في مطلع ثلاثينيات القرن 19، أنّ النص يميل إلى التشدّق والمغالاة: "لم تكن "نوتردام" حتّى مجيء هيغو بهذه البذاءة والتشوّه، بحيث من يراها عن كثب يفترض وجود سَهم مفقود كان يجب أن يكون هناك، إنّ له كثيراً من الأناقة والخفّة لم يلاحظها الكاتب".

    جيرار دي نيرفال
    في الفترة نفسها الّتي نُشرت رواية هيغو، قدّم الشاعر جيرار دي نيرفال (1808-1855) وصفاً مماثلاً عن تدهور أحوال كنيسة "نوتردام". لقد أهداها قصيدة عام 1832، تحمل اسمها بالذات، نشرت في ديوان "أنشودات" عام 1853. وكانت معانيها أقرب إلى التنبّؤ:
    "نوتردام قديمة جدّاً: ربما سوف نشهد
    دفنَ باريس الّتي وُلدت فيها،
    لكن، بعد ألف عام، سيجفل الزمن،
    كما يفعل الذّئب بالثور، هذا الهيكل الثّقيل،
    سوف يعضُّ على أعصابه الحديدية، ثمّ بأنيابه الخرساء
    سيحطّم للأسف عظامه الصّخرية القديمة!
    سوف يأتي كثير من الرّجال من جميع بلدان الأرض
    ليتأمّلوا هذه الأنقاض العابسة،

    وهم يقرأون كتاب "هيغو" حالمين:
    - حين يظنّون أنّهم يشاهدون البناية القديمة،
    مثلما كانت متينة ورائعة فيما مضى،
    سوف تنهض أمامهم مثل ظلِّ شخصٍ ميّت!"

    إميل زولا ولويس أراغون
    بعد ذلك بسنوات، سوف يصف إميل زولا (1840-1902)، ضمن روايته "العمل" (1889)، وهي جزء من سلسلته "روغون- ماكار"، نزهةً في باريس تقود كلود لانتيي وكريستين، وهي شابة التقى بها للتوّ، إلى مكان بالقرب من الكاتدرائية. هذه البناية الّتي يرى فيها الكاتب حيواناً ضخماً جاثماً: "في السماء الشاحبة، كانت قباب البناية زرقاء. حين وصلا إلى جسر سان- لويس، كان عليه أن يشير إلى "نوتردام" بالاسم، وهي لم تتعرّف عليها رغم ذلك، كانت البناية تبدو من الجانب كائناً هائلاً مقرفصاً بين الدعامات، مثل قوائم مستريحة على الأرض، يلوح من فوقها رأسا البرجين، فوق عمودها الفقريّ الطويل الأشبه بجسد الوحش". من جهة أخرى، يتوقّف لويس أراغون (1897- 1982) في كتابه "بدويّ باريس"

    "هذه البناية يرى فيها إميل زولا حيواناً ضخماً جاثماً: "في السماء الشاحبة، كانت قباب البناية زرقاء. وحين وصلا إلى جسر سان - لويس، كان عليه أن يشير إلى "نوتردام" بالاسم"
    (1943) عند "نوتردام" وجاذبيتها الّتي لا تقاوم: "من لم يشاهد طلوع النّهار فوق نهر السين، سوف يجهل ما يعنيه هذا التمزّق الّذي، بحسب صورة الواقع، يتلاشى فيه اللّيل كما لو أنّه يدافع عن نفسه ويتخلّص من أثر العيون الحمراء الفاحشة، بينما تخرج "نوتردام" من المياه مثل عاشقة".

    جاك بريفير
    أما بالنسبة للشاعر جاك بريفير (1900-1977)، فهو يفضّل الشكوى بجوار نهر السين، ذلك النهر المتدفّق بحرية، ما يجعل من "نوتردام" كاتدرائية فخمة ومثيرة للحسد:

    نهر السين محظوظ
    وليس لديه مخاوف
    مياهه تنساب بهدوء
    في اللّيل كما في النهار
    يخرج من منبعه
    في صمت، بلا ضجيج...
    من دون أن يخرج من سريره
    ومن دون أن يثير رغوة،
    يتقدم نحو البحر
    مروراً بباريس.

    نهر السين محظوظ
    وليس لديه مخاوف
    وعندما يتنزه
    على طول الرصيف
    مثل فتاة بفستان طويل
    وأضواء ذهبية،
    تنظر إليه نوتردام الغَيور
    الثابتة والصارمة
    نظرة شزراء
    من أعلى أحجارها كلّها
    لكنّ نهر السين لا يفقد التوازن
    ليس لديه مخاوف
    مياهه تنساب بهدوء
    في اللّيل كما في النهار
    ويذهب في اتّجاه "لوهافر"
    ويذهب في اتّجاه البحر
    ويمرّ مثل حلمٍ
    وسط ألغازِ
    بؤسِ مدينةِ باريس.

    فالتر بنيامين
    يستحضر الفيلسوف فالتر بنيامين (1892-1940) في مقطع كُتب عام 1933 حلماً بخصوص نوتردام: "في الحلم، أقف على الضفّة الشمالية من نهر السين، أمام كاتدرائية نوتردام. كنتُ هناك، لكن لا شيء هناك يشبه نوتردام. وحيدة، عبر سلالمها المتدرّجة من كتلتها الضّخمة، كان يرتفع مبنى بارز من الطوب فوق صندوق خشبي كبير. لكني كنتُ هناك مسحوراً، أمام نوتردام بالذات. هل ما كان يدعوني للخضوع هو الحنين؟ حنين حقيقيّ إلى تلك الـ"باريس" الّتي وجدتُها في الحلم. لماذا هذا الحنين؟ ولماذا هذا الشيء الّذي ليس في مكانه، الّذي يصعب التعرّف عليه؟ - لأنّني في الحلم اقتربتُ منها كثيراً. والحنين الّذي لم يتحقّق في قلب الشيء المرغوب لم يكن هو الّذي يستدعي الصّورة من بعيد. لقد كان ذلك هو الحنين المبارك، الّذي اجتاز فعلاً عتبة الصورة والحيازة، الّذي لم يعرف بعد سوى قوّة الاسم، وهذا الاسم الّذي يولد منه الشيء المحبوب، الّذي به سوف يشيخ ويعود شاباً، والّذي بلا صورة، هو منفى لكلّ صورة".

    (المصدر: ليبيراسيون
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: كيف نظر الأدب إلى كاتدرائية نوتردام؟ Rating: 5 Reviewed By: alrumi.com
    Scroll to Top