سحر القمامة ولعنتها!


16-05-2013 | 00:02
  محمد الحجيري

يكتب الروائي التشيكي إيفان كليما في روايته {حبّ وقمامة} (ترجمة الحارث النبهان، دار التنوير، 2012) عن صراع المرء ضدّ ذاته وقواه الداخليّة. الراوي غير المسمّى يقرّر العودة إلى موطنه بعد سنوات المنفى، ويختار كناسة الشوارع. وكثير من الفنانين اليوم يختارون القمامة عنصراً لافتاً وأساسياً في أعمالهم الفنية!

يختار الراوي في رواية «حب وقمامة» كناسة الشوارع في بلاده، على أن يكون منفياً في أميركا في زمن الشيوعية والحرب الباردة والأدباء والشعراء المنشقين. وتراه حين يُسأل من أميركيّين عن سبب رغبته في ترك بلدهم الغنيّ الحرّ والعودة إلى موطنه الفقير الذي لا ينعم بالحرّيّة، حيث من المحتمل أن يسجَن أو ينفى إلى سيبيريا، يخبرهم أنّ الناس في بلاده يعرفونه، فحتّى لو اضطرّ إلى جمع القمامة من الشوارع فسيكون في نظرهم كما هو، وسيكون كاتباً. أمّا في منفاه فسيظلّ واحداً من أولئك المهاجرين الذين أشفق عليهم ذاك البلد.

يختار الراوي العمل في كنس القمامة، كأنّ عمله يتقاطع مع كنس قمامة الذاكرة، بنشرها والتوغّل فيها، بحيث إنّ ثمة مَن يتأفّف منها لأنّه يصدم بما تختزنه من مآسٍ وفجائع الحرب والمعسكر.

رمزية القمامة لا تحضر فحسب في الرواية التي تنحو إلى أن تكون سياسية، بل باتت مصدراً لاستلهام كثير من الكتابات العلمية والأدبية والتاريخية والسياسية. في هذا السياق، أشار البروفيسور استيورات بيغوت إلى علم الآثار بوصفه «علم القمامة»، وكان يلمح الى أن علم الآثار هو دراسة أي مادة نبذت وتركت، دراسة الأنصاب التي خلفها الزمان الذي يتفنن في دراسة عظام الموتى «الذين رقدوا تحت ضجيج طبول الغزاة ووطأتهم»، ببقايا التاريخ هذه، بالقمامة التي أفلتت من حطام الزمن. ومن هنا تأتي أهمية علم الآثار، إذ هو العلم الوحيد الذي يستطيع أن يمدنا بالحقائق حول البدايات الأولى للحضارات الإنسانية، عبر تقنياته الناجحة، لا سيما فحص الكاربون... ويرجع التطور المهم في علم الآثار إلى الاكتشاف الكبير الذي قدمه البروفيسور ولاردف. لبي حين اكتشف أن من الممكن تحديد تاريخ على نحو مطلق لأشياء الماضي العضوية، مثل العظام والمتقحمات.

لغات وتعابير

 وظف التشيكي إيفان كليما رمزية القمامة في روايته {حب وقمامة}، وخرج بنص أدبي متين ومميز يدين الأنظمة الطغيانية وحتى الأنظمة الانتهازية. كذلك وجد الكثير من العلماء في القمامة التاريخية مفتاحاً لاكتشاف الحقائق والحكايات وهذا ليس بالأمر السهل. لكن في مجال الفنون البصرية كانت للقمامة لغات وتعابير وهبل وخرافات وادعاءات من كل حدب وصوب.

أصبح شبح القمامة حاضراً بقوة في الفنون البصرية، سواء في الغرب الذي عاش صدمة النفايات منذ عقود أو في العالم العربي الذي بدأت تظهر فيه هذه الفنون وبشكل متواتر ومنظم، خصوصاً في المهرجانات أو التظاهرات الفنية التي تعرض أعمالا يدعي أصحابها الانضواء ضمن توجهات وضع الفن البصري المعاصر، في خدمة البيئة وتخليصها من النفايات المتعددة المصادر والمواد والخامات.

المتابع لهذه الأعمال التي تعرضها صالات العرض، أو تنشر صوراً لها المجلات والكتب المتخصصة والفيسبوك، يجد أن بعضها يجمع بين الطرافة والنهفة والابتكار المقنع، وبعضها الآخر لا يتعدى الشطحات العبثيّة المبالغ فيها، أو جنون من دون عظمة. وتصل أحياناً إلى درجة التشبيح الفني. وثمة فئة لا بأس بها من الفنون تستند في أعمالها إلى التطفل على أعمال الآخرين، ذلك من دون أن ننسى موجة المال الثقافي التي تدعم الكثير من المهرجانات التي تحتضن بعض الأعمال الفنية من هذا القبيل.

يُقال إن الموسيقى تنحو إلى أن تصبح ضجيجاً، وهذا نتاج التحولات في المدن، والأمر نفسه في الفنون التشكيلية التي نزلت من برجها العاجي لتتحول إلى فن العرض السريع والغامض، وفي أحسن الأحوال الفن الشارعي.

كفة واحدة

كان مارسيل دو شامب سباقاً في السخرية من الفن أو تقديم الفن ضد الفن، فحوّل الأدوات العاديّة المستعملة في مرافق الحياة اليوميّة المختلفة {بما فيها المبولة} إلى أعمال فنيّة، إذ كان يكتفي بوضع توقيعه على السلعة المسبقة الصنع والتالفة، لتتحول فوراً إلى عمل فني، معتقداً أن للفنان المعاصر كل الحق بأن يستخدم ما يشاء في تحقيق منجزه البصري الجديد، ومهما كان هذا العمل فإن مجرد دخوله أروقة المتاحف وصالات العرض يصبح عملاً فنياً حقيقياً.

مجموعة {دادا} الأدبية نظّرت لهدف جعل البشاعة والجمال في كفة واحدة أو متساويين، وهذه الفكرة باتت سائدة بقوة لدى الكثير من حاملي راية الفن ما بعد الحداثي... أيضاً وأيضاً آندي وارهول ساهم في تحطيم كل شيء لمصلحة الأيقونات الاستهلاكية والبوب آرت.

طوفان الإنترنت والمعلوماتية والاستنساخ وانهيار النظم والقيم جعلت الكثيرين يغرقون في الادعاءات والفراغات. يصبح سهلاً على شخص أن يضع {رجمة حجارة} على رصيف ويسميها عملاً فنياً، أو يسهل على أحدهم رصف كلمات من هناك وهناك ويسميها شعراً، وآخر يجري مقابلة صحفية تلفزيونية مع شخص فيسمي تقريره فيلماً وثائقياً. كأن كل شخص لا يتابع إلا نفسه، أو أن الاستعراض العام مات لصالح الاستعراض الخاص.

هكذا باتت رمزية القمامة مصدراً لكثير من الفنون والخزعبلات والهبل والسخرية والكتابة.

نتذكر قصيدة من كلمتين للشاعر محمد العبدالله تقول: {لولا الزبالون}.

حريدة الجريدة

ليست هناك تعليقات