بول سيلان... شاعر ما بعد الطّوفان


بقلم الشّاعر الفرنسي: جيل براسنيتزار ترجمة: أحمد حميدة
__________________
 يطفو شعر بول سيلان شيئاً فشيئا على السّطح من أعماق زمننا الرّاهن. معترف به كأعظم شاعر يهوديّ، أضحى سيلان اليوم من كبار شعراء العالم، تشهد على مكانته هذه، كثرة التآليف الموسيقيّة التي وضعت لقصائده، النّشر المتكرّر لمراسلاته والترجمات العديدة التي وضعت لأشعاره، حتّى غدا اسمه عنواناً لقائمة شعريّة فذّة تستوقف القرّاء المتيقّظين  للشّعر.

كان بول سيلان يتملّك أسرارا اللّغة الفرنسيّة، ولكنّه أبى أن يكتب بغير لغته الأمّ، الألمانيّة.. لغة جلاّديه. أمّا الصّراع مع ملك الموت فسيحمله سيلان طيلة حياته وهو يساءل هيدغر وأدرنو، وهو يبتكر كلمات جديدة من تلاقح مستحيل بين الألمانيّة والعبريّة. 


ويبقى شعره عسير الفهم، لتجذّره في الثّقافتين اليهوديّة والإنجيليّة، ولارتباطه بمرجعيّات شعريّة أخرى، مثل شعر مندلشتام وهاينريش هاينه وآخرون، وذلك على خلفيّة ذلك الحضور المستفحل حدّ الهوس للمحرقة.

إنّ هذا الشّعر الذي قد نتسلّقه كما نتسلّق جبل شديد الانحدار، والذي قد لا نظفر بمعانيه من الوهلة الأولى، هو ذروة شعريّة متطاولة حدّ الشّموخ، والصّعود إليها قد يجعلنا نشعر بالفضاء يتضاءل، وبالهواء يستحيل ثقيلاً وضاغطاً، ولكنّ النّور المتربّع على تلك الذّروة يتراءى لنا من بعيد. غامضاً ومكتنزاً كصخر البازلت؛ معلّق أحياناً، ينتصب شعر سيلان أمامنا كجلمود عظيم ومهيب.

ويذهب الكثيرون إلى أنّ سيلان هو أعظم شاعر ألمانيّ في القرن العشرين، الشّاعر الوحيد الذي تجاسر للحديث عن المحرقة وعن الأيّام الفاجعة. فقصيد «نزوة الموت» الذي كتبه سنة 1947، سيجوب بسرعة أوروبا، ولكنّ سيلان أبدى تحفّظه من أن يحصر شعره في هذا القصيد وحده.

نشيد التجاوز

ولد هذا الشّاعر الرّوماني في 23 نوفمبر 1920 في تشرنوفيتش، تلك «الجزيرة» الجرمانيّة الطّافية في المحيط الرّوماني، بإقليم بوكوفي؛ وكان اسمه عند الولادة بول أنتشال، أو أنسال باللّغة الرّومانيّة، ومنه اشتقّ لقب سيلان.

بكلماته كان سيلان قد ردّ على هذا السّؤال: هل يمكن كتابة الشّعر بعد أوشويتز؟، فأجاب على الرّأي القاطع لأدرنو بأنه «لمن البربري كتابة الشّعر بعد أوشويتز»، معتبراً أنّه من البربريّة أيضاً أن يسربل في كفن الصّمت، كلّ أولئك الذين تطايرت أجسادهم دخاناً في الهواء. وكان سيلان قد تحدّث وأنشد كي تحتفظ ذاكرة العالم بذلك، لأنّ عدم التذكّر معناه أن ننتصر للقتلة، لذلك عمل سيلان على إحياء هؤلاء الموتى وجعلهم يعودون بيننا. بلغة متشنّجة بلغت حدّ الشّراسة، ولكن أيضا بحميميّة غامرة، إذ كان سيلان يعتقد بأنّ عليه إحياء الكلمة وفتح طريق «الأنا نحو الأنا». كان يعتقد في قوّة الكلمة المستعادة وفي طاقتها الإيجابيّة، وهو الذي كان غالباً منفيّا عن ذاته. إنّه شاعر الكثافة.. شاعر التّعاويذ المطهّرة من الأرواح الشرّيرة.

لنغسل هذه الجثّة
لنمشط لها شعرها
ولنوجّه عينها نحو السّماء

يتحدّث سيلان من عمق كيانه وهو مدرك بأنّه لا يزال على قيد الحياة ويحمل أعراض سؤال ملحاح: «لماذا لا أزال حيّاً، فيما يرقد الآخرون في جوف الصّخر؟».


في شهر أغسطس 1940 دخلت القوّات الرّوسيّة بوكوفين على إثر معاهدة موقعة مع ألمانيا، ولكن بعد ذلك بسنة اجتاحت المدينة القوّات الرّومانيّة الفاشيّة تدعمها كتيبة من الجيش الألماني؛ هناك قتل الألمان ثلاثة آلاف يهودي، وأقيم معسكر لليهود وبدأت حملة التّهجير. وفي سنة 1942 تمّ إيقاف والدا سيلان في منزلهما، أمّا هو فقد أرسل إلى الأشغال الشاقّة، فكان عليه، وهو الشّاعر الذي كانت تحتفي به مدينة بيكوفين، كسر الحجارة، وهو يواجه رعب الموت. سيعرف بعد ذلك معسكر تشيرنوفيتش رفقة روزا أوسلند في بداية 1941.

بضعة أشهر بعد ذلك توفّي والده جرّاء إصابته بمرض التّيفويد، ثمّ قتلت أمّه بمعسكر مايشايلوفسكا. بعد ذلك بسنتين، وفي ظلّ الاحتلال السّوفياتي، عاد إلى مدينته ليغادرها بسرعة إلى بوخاريست وهو مهووس بهول الكارثة. سيعيش بعدها شريداً بفيينّا التي باتت خراباً وتعمر مقاهيها عصابات النّازيين.

المكان الذي كانوا يتمدّدون فيه

كان له اسم
لم يعد له اسم
إنّهم لم يعودوا ممدّدين هناك
شيئا ما أضحى يتمدّد بداخلهم
ويحجب عنهم الرّؤية
إنّه أنا.. أنا
الذي يتمدّد بينكم
كنت منفتحاً
وصوتي يدرككم
كنت أمدّ أصابعي نحوكم
إنّه أنا دوماً
كنتم نائمون.. أليس كذلك؟

أضحى سيلان وإلى الأبد موصولاً بأهله، متسلّقاً في قلب موتهم. «يومئذ، كنت أستلقي على الصّخر، على شواهد القبور، وعلى مقربة منّي كان يرقد الآخرون، أولئك الذين كانوا مثلي، الآخرون، أولئك الذين كانوا يشبهونني، أبناء العمّ وأبناء العمّات، إنّهم كانوا مستلقون هنا، نائمون وغير نائمين، يحلمون ولا يحلمون، كانوا لا يحبّونني وكنت لا أحبّهم، لأنّني كنت وحيداً، وكيف لهم أن يحبّوا كائناً وحيداً وهم الكثيرون؟».

غير أنّ قصائد سيلان ليست وهاد قبور، أو أضرحة تخلّد ذكرى اليهود الذين محقتهم الحرب، لأنّ الاحتفاء بذاكرة ضحايا القتل البربري يستمدّ قوّته من الحياة، ولأن سيلان غيّر وجهة الإبادة، فكتب وهو يسند ظهره إلى الإبادة..

أيّها الشَّعرُ اليهوديّ

لن تبيضّ أبداً
ثمّ بصرك..
أين يتّجه بصرك؟
إنّه يحدّق في اللّوز
يحدّق في اللاّشيء
وهو يمكث قرب الملك
هكذا يمكث و هكذا يبقى
لغة خشنة
عاش بول سيلان بفرنسا منذ يوليو 1948 بعد دراسة للطبّ ما بين 1938 و1939، ثم ّعمله كأستاذ وخاصّة كمترجم باهر لأشعار رينيه شار، هنري ميشو، شكسبير، أنغاراتّي وآخرون، ولكنّه أبى ترجمة أشعاره هو، وكان مع ذلك أفضل من كان قادراً على فعل ذلك.

مفرداته الألمانيّة معقّدة وتنطوي على مزيج من الكلمات الجديدة المبتكرة، كلمات سريّة وغامضة، تقتبس أحياناً بعض مفرداتها من العبريّة. ومقطّعة، تكتسي كتاباته شراسة نادرة منغلقة على أسرار غامضة، ويبدو أنّه ليس بالإمكان الذّهاب أبعد من الصّمت إلاّ بتفكيك تلك المفردات وجعلها ترسل زفرات العذاب وتبوح بأوجاعها هي. لذلك يعمل سيلان على طحن اللّغة وتحويلها إلى ذرّات كلمات مفتّتة كيما يشيد لغة فريدة، لغة منكتمة ورحبة في آن. «فلا أحد يأبه لأمرنا»، هكذا لم تعد الجمل بحاجة إلى الائتلاف، لتحتشد الكلمات في صيحة واحدة: انظر.. اذهب.. على سبيل المثال.. أفعال أمر، هي سوط سيلان لترويض الكلمات؛ الفواصل، القفز بين الأسطر، علامات الوقف الغاضبة، تصنع هذه اللّغة المطحونة، لغة خشنة ومنحدرة، تبدو كلماتها وكأنّها قذف بالحجارة.

لغة سيلان، لغة متشظّية، متصدّعة؛ فقصيدته هي تحلّل لتلك المعرفة الغربيّة التي قادت إلى معسكرات الإبادة، ولكنّها تحمل في رحمها طحالب يمكن أن ينبعث منها نبات جديد. وللغة الجلاّدين أعدّ سيلان لغة مضادّة؛ ومن اللّغة الألمانيّة المشبعة برائحة الموت والتي غالباً ما تتسلّق نحو المعتّم والمبهم، صاغ سيلان لغة للنّجاة وتطهير النّفس، لغة للخلاص. فشعرُ سيلان هو هذا الصّراع المظفّر في مواجهة اللّغة.
لقد بات العالم محطّماً ومشروخاً، ولا خيار أمام الشّاعر غير رتقه وتجميعه من جديد لشظايا كلماته. كلمات ثابتة: حجر، زهرة، ظلّ، رمل، موت، دمعة، ساعة، فراغ، قبور، تجاور كلمات متأرجحة، أعاد سيلان بناءها وهو يدمّر اللّغة الألمانيّة، تلك اللّغة الأمّ التي كان عليه تحمّل أعبائها وتطهيرها مما علق بها من شوائب.

«أريد أن أقول لكم كم هو صعب على يهوديّ كتابة قصائد باللّغة الألمانيّة. عندما ستنشر قصائدي، ستنتهي إلى أيدي القرّاء بألمانيا؛ ودعوني أسارركم بإحساس فاجع ينتابني إزاء هذا الأمر، قد تكون اليد التي ستفتح الكتاب قد صافحت يد قاتل أمّي.. وقد يحدث الأسوأ من ذلك.. ولكنّ ذاك هو قدري: أن أكتب قصائدي بالألمانيّة» (رسالة من 1946).

لقد ابتكر سيلان شبكة كلمات، وينبغي لنا أن نحاذر ونحن نرفعها، لغة بحجم الهوّة للحديث عن الهوّة، لغة شرسة لوصف الفظاعات، لغة مقاومة، لغة متمرّدة على الأعراف؛ وإنّها لتتطلّب معارف موسّعة في علم النّبات، في تصوّف القبّالا، في الجيولوجيا...

ليس هناك ما يعدل قصائده من حيث جماليّتها الغامضة والسّاطعة، جماليّة ستمكث طويلاً مشعّة في الشّعر الألماني. وسيلان لا يكتب عن رماد أوشويتز بقدر ما يكتب وهو في قلب هذا الرّماد. لقد درس سيلان اللّغة العبريّة، ومدركاً لصلابتها الغرانيتيّة، سيقوم بحقنها في اللّغة الألمانيّة.

إنّ شعر سيلان لا ينشد لملمة الجراح، إنّه يتبدّى لنا هنا، قاطعاً أمام ناظرينا، حتّى لا ننسى الفجيعة الكبرى التي تهاوى فيها هذا العالم؛ إنّه يمسك باللّغة كما يمسك بالسكّين، فينتصب حادّاً بين النّشيد والصّمت، ما بين الصّمت والصّرخة، مقيماً عند الحدود القصوى للكلمات التائقة إلى ملامسة اللاّنهائيّ. «الشعر هو أن نكسب الفناء المحض والكلمات الهالكة القدرة على ملامسة اللاّنهائيّ».

إنّ كلماته تبقى مشبعة بصور المحرقة، ثم ذلك السّؤال الذي ينتاب النّاجين منها: من نحن الآن؟ إنّ المسألة الأساسيّة للشرّ ولمثاله المطلق ـ أوشويتز ـ باتت ترعبه، ولم تعد لغة المقدّس لتحميه من العدم، بل أصبح مقتنعاً بأنّ واجب التذكّر هو أكثر قداسة، وبأنّ الكلمات هي المتراس الواقي من النّسيان.

من عمق يأسه تعلّم سيلان من فرط تلعثمه كيف يظفر بالكلمة، وكان ينظر إلى القصيد على أنّه حوار. من العجز اللاّمحدود، إلى الترحّل المضني بحثاً عن هويّة بعد الإبادة، ظلّ سيلان يمشي بأعين مفتوحة «عبر غابة الكلمات»، وأبدى ما يكفي من الجسارة ليرمي بـ»أناه» في وجه جلاّديه، الجاثمين دوماً في الظّلام.

إنّه يربض مترصّداً ومختلساً النّظر من داخل زمنه، ليبقى على درجة قصوى من اليقظة في وجه أيّ صعود جديد للنّزعة العنصريّة، وسيرفض تبعاً لذلك أيّ علاقة مع من تعاونوا مع الجلاّدين سواء كانوا من الفرنسيين أو من الألمان.
أمّا السّاعة التي تسقط من كلماته الشبيهة بالخناجر، فهي ساعة من فراغ، ساعة أفرغها الجلاّدون.
شعر سيلان شعر يرجمك، يرشق بحجارة من برد وجه النّسيان، وجهه هو، ووجهنا نحن، نحن الغافلون، الشّديدو النّسيان. أمّا اللّغة، فقد طواها الموت ما بين النّجوم والحجارة، ومتى قمنا بحفر قبور أولئك الذين تبدّدوا دخاناً في الهواء، وجدنا وسط الرّماد بعض الكلمات المروّعة والتي قد لا نشفى من آثارها.

يربكنا سيلان لا بوصفه ليوميّات سنوات الرّعب، وإنّما بتلميحاته وإيحاءاته عن المسكوت عنه، الذي بالكاد يصرّح به همساً، وما يندّ عن الوصف، يعبّر عنه بلغة تندّ عن الوصف، مستمدّاً كلماته من صميم الظّلمة.

لقد قيل إنّ «شعر سيلان لم يكن ليوجد لولا شعر ريلكه، وبأنّ شعر ريلكه من الصعب أن يتواصل بعد شعر سيلان» (جون بولاّك). فمع سيلان فقد الشّعر براءته.
فكأنّ سيلان أضحى منتصباً في الفراغ، ينتابه الخوف أن يكون مسموعاً، كما كان إحساسه بأنّ هيدغر لم يفهم مواقفه؛ كلّ ذلك جعله ينجذب إلى الصّمت المطلق، ورغم كثرة أصدقاءه فقد أطبقت عليه المِلزمة، وبدأ الجنون يطرق بابه لتتكرّر إقاماته في المصحّات النّفسيّة. لقد بات منتاباً بنوبات الشكّ وبكآبة سوداء وذعر من التّعذيب، بل أحياناً ما كانت تنتابه فورات هيجان مدمّر؛ وسيجد إلى جواره وهو في تلك الحالة الشّاعرتين إنغبورغ بكمان ونيلّي ساكس بالإضافة إلى زوجته جيزال التي ارتبط بها منذ 1959؛ ولكن رغم ذلك ظلّ منجرفاً ببطء نحو الهاوية.
في سنة 1970 أصبح سيلان مقتنعاً بأنّ الصّمت سيكون هو الأقوى، فأقدم على الانتحار ملقياً نفسه في نهر السّين من أعلى جسر ميرابو. كان ذلك في اللّيلة الفاصلة بين 19 و20 أبريل سنة 1970، ولم يعثر على جثّته إلاّ في يوم غرّة مايو، يوم دفنه الذي صادف يوم دفن صديقته نيلّي ساكس.

لا يزال البعد الكوني لشعر سيلان غير مفهوم، ولكنّ هذا الشّعر لا ينفكّ ينتشر ويكشف عن مكنوناته، لا يزال يخترقنا، وذلك النّور الذي يسبح نحونا لا يمكن أن ينطفئ بمجرّد الغرق، والماء والدّم لم يكونا ليؤخّرا سيلان، فنحن نحتفظ باسمه ورقمه وبـ»صوت يمكننا أن نرتوي به». 

لقد انزاح الخوف من النّسيان، وسيلان قال كلمته، الكلمة التي تغيّرنا. يذوب «اللاّشيء» والأفواه تضيء، والفصل بين الدّنيوي والمقدّس غدا ممكناً، ويمنحنا سيلان وردة لا أحدْ.. وعلى سؤال هلدرلين «ما الحاجة إلى الشّعر في زمن النّوائب والكروب؟» جاء شعر سيلان ليكون هو الإجابة.

كان سيلان أيضاً مترجماً رائعاً (مندلشتام، ميشو، شار، أنغريتّي، ألكسندر بلوك...)، والشّاعر لا يزال يقيم عند تخوم المحال.. عند ما يتفلّت عن الوصف.
وجدت أغلب دواوينه طريقها إلى النّشر، وتزهر حولها الكثير من الدّراسات، ومع ذلك يبقى الكثير لفهم هذا الشّاعر.. «ملاك التّاريخ» هذا..
«لا تَكتب قصائد حقيقيّة غير أيدي حقيقيّة، والقصائد الحقيقيّة هدايا تحمل بداخلها بعضاً من القدر. نحن نعيش تحت سماء معتّمة، وقليلون هم البشر، فلا غرابة أن يعزّ الشّعر الحقيقي».

تلك إيماءة، مصافحة حميمة لزمن ما بعد الرّعب.. زمن ما بعد الطّوفان..

لقد حان الوقت لنعرف

حان الوقت كي يتعوّد الحجر على الأزهار
كي يخفق القلب للاّطمأنينة
لقد حان الوقت كيما يحلّ الوقت فيكون
لقد حان الوقت..


«لا تزال هناك أغنيات لنهزج بها في ما وراء هذا الزّمن»

بول سيلان
بوكس في الصفحة 14 15
منتخبات شعرية في عمق العتمة أزداد سواداً
في الثّناء على المتنائي

في ينبوع عينيك 

تعيش شِباكُ البحر الهاذي.
في ينبوع عينيك
لا وعد يخلفه البحر.
ألقي فيه 
قلباً أقام بين البشر، 
حاجياتي التي كنت أحمل
وإشراقة قسم:
في عمق العتمة أزداد سواداً، 
وأغدو عارياً.
لا أكون مخلصاً إلا حين أكون متمرّداً.
أنا.. أنت، حين أكون أنا.. أنا
في ينبوع عينيك
يأخذني الشّرود وأحلم بالغنائم.
شبكة أمسكت شبكة:
ونفترق مشبوكين.
في ينبوع عينيك
مشنوق يخنق الحبل.

* من «خشخاش وذاكرة» 

..............................................

المنحدر
تعيشين بالقرب منّي أنت.. يا شبيهتي:

أنت الحجارة
القابعة في الخدّ الرّاكد للّيل.
آه يا حبيبتي..
من ذلك المنحدر ومن تلك الحجارة!
حيث نتدحرج بلا هوادة، دون توقّف، 
نحن الأحجار..
من خيط ماء إلى آخر، 
لنزداد في كلّ مرّة.. تكوّراً، 
أكثر شبهاً، أكثر اغتراباً!
آه من تلك العين الثّملة، 
الهائمة، كما نحن، في الأنحاء، 
أحياناً ما كانت، وهي مندهشة، 
ترانا منصهرين..

..............................................
الزّمن المؤجّل
(إلى إنغبورغ باخمان)

على عجلة اللّيل المظفّر

ينام الضّالون

في الأروقة الصّاخبة السّفليّة.
ولكن حيث نحن.. بصيص من ضياء.

أيادينا مثقلة بالزّهور، 
زهور الميموزا لسنوات الهناء، 
ولكنّها تسقط من جسر لآخر
في النّهر، ولا يسمع لها نداء.
لقد غدا النّور بارداً، بل أبرد
من الحجارة التي عند مدخل الفناء.
وقواقع النّافورات
ينكتم فيها خرير الماء.
ما عسى أن يحدث حين سيأخذنا الحنين
حدّ الشّعر المراوغ.
نمكث هنا ونحن نتساءل عمّا قد يحدث
لو ظفرنا بالجمال؟
مرفوعين على عربات من نور، 
تائهون نحن وإن كنّا يقظين
على دروب الهلاك، 
حيث أرواح الملهمين!
ولكن حيث لا نكون.. 
يحلّ ليل.. أغبش حزين.

..............................................كن مترصّداً..!
في عينك زُرِع الغصن

الذي به تستبين السّبيل للغابات
شقيق النّظرات، إنّه يستنبت الخيال
ويتركه ليبرعم.

رحيب كالسّماء 

الجفن كلّه شوق إلى هذا الرّبيع.
رحيبة كالجفن 
تمتدّ السّماء التي تحته، وفي ظلّ البرعم
يمضي الربّ حارثاً.

لتترصّد صوت المحراث! ترصّده!

كيما تسمع صريره على الدّمعة السّحيقة، 
المنهكة والمضيئة.

(ترجمة: أ. ح.)


تقلبات الزمن والجغرافيا

تمثل رحلة حياة بول سيلان من الولادة إلى الموت، حالة تقلب الزمان الذي عاشه، والجغرافيا التي احتضنته. فقد ولد في تشيرنوفيتس في 23 نوفمبر 1920، وكانت حينها بلدة في رومانيا ثم ما لبثت أن أصبحت تابعة لأوكرانيا. 
وكان الابن الوحيد لعائلة يهودية، الأب ليو أنتشيل تايتلر وزوجته فريتسي.
التحق سيلان في البداية بالمدرسة الأساسية الألمانية ثم بالمدرسة اليهودية، ثم بالمدرسة الثانوية الحكومية الرومانية لمدة خمس سنوات، حتى حصل على الشهادة الثانوية في يونيو 1938 من المدرسة الثانوية الأوكرانية. وفي نفس العام شرع في دراسة الطب في تورس، غير أنه عاد بعد عام إلى رومانيا لدراسة العلوم الرومانية هناك.
قضى سيلان ما بين عامي 1942 و1943 مسجوناً في معسكرات العمل الرومانية، وأجبر على القيام بالأعمال الإجبارية في شق الطرق في جنوب مولدافيا. وبعد التحرير عاد إلى تشيرنوفيتس واستأنف دراسته بها. وفي عام 1947 رحل عبر المجر إلى النمسا وحط رحاله في باريس عام 1948. وصدرت في نفس السنة في فيينا مجموعة أشعاره الأولى «الرمل من الأوعية».
انتحر سيلان في العشرين من أبريل 1970 بإلقاء نفسه من فوق جسر ميرابو إلى نهر السين. وانتشلت جثته من نهر السين في الأول من مايو 1970 قرب كوربفوا والتي تبعد 10 كيلومترات عن باريس. وتم دفنه في الثاني عشر من مايو 1970 في مقبرة تييس في فالدومارن. 
ولتكريم سيلان أنشأ صندوق الأدب الألماني في عام 1988 جائزة بول سيلان لتكريم أعمال الترجمة البارزة.

اتهام بالانتحال

خلال وجوده في باريس التقى سيلان في أغسطس من عام 1948 إنجيبورج باخمان، وربطت بينهما علاقة حب لكنها لم تدم إلا قليلاً. وقد حاول الاثنان في خريف 1950 العيش معاً من جديد، بيد أن محاولتهما باءت بالفشل، «لأننا لأسباب شيطانية مجهولة لا نستطيع التنفس ونحن معاً» كما كتبت باخمان في رسالة إلى هانس فايجل.
وفي عام 1952 صدرت من دار نشر أنشتالت الألمانية مجموعته الشعرية «الخشخاش والذاكرة»، التي تضم قصيدته المشهورة Todesfuge التي تتخذ القتل الذي تعرض له يهود أوروبا على أيدي النازيين موضوعاً لها. حصل بول سيلان في عام 1955 على الجنسية الفرنسية، وولد ابنه إريك في نفس العام بعدما فقدت لسترونج ابنا قبل عامين. 
وفي عام 1960 أطلقت كلير جول أرملة الشاعر اليهودي إيفان جول، سلسلة اتهامات ضد سيلان بأنه ينتحل ويسرق قصائد الشاعر الراحل، وكانت قد ربطت بينهما الصداقة وقام سيلان بترجمة العديد من قصائده. وقد ظلت تلك الاتهامات بالانتحال تلاحق سيلان حتى آخر أيام حياته (وكانت تلك الاتهامات تسمى أيضا «قضية جول»).
وقد أدخل تسيلان المشفى أكثر من مرة، وعلى سبيل المثال من 28 نوفمبر 1965 حتى 11 يونيو 1966 لأنه اعتدى وهو في حالة جنون كامل على زوجته لوسترونج وأراد قتلها بالسكين. 
حصل سيلان على جائزة مدينة بريمن الأدبية 1958، وجائزة جيورج بوشنر 1960.
ومن دواوينه الشعرية: الرمل من الأوعية 1948، الخشخاش والذاكرة 1952، من عتبة لأخرى 1955، قضبان اللغة 1959، الظهيرة 1961، وردة الوحدة 1963.

ليست هناك تعليقات