محمود الحجيري... في الجرود على ضوء مشاعل مطاطية أصبحت شيوعياً



خلال خريف العام الثاني من "حرب السنتين" 1976 تحديد، كنت في بدايات فتوتي، وبدأت أنصهر في الحياة العامة من خلال سماع الاخبار ومتابعتها، والمشاركة في الاحاديث السياسية بطريقة عشوائية وأحيانا تطفلية، وأحيانا أخرى كنت أتلقى النقد والتأنيب من اخوتي الكبار على بعض المشاركات في احاديثهم مع رفاقهم دون اذن  مسبق، واسئلتي المتعددة، اذ كنت اشبه بالمشاغب الصغير الذي يبحث عن شيء في الحياة. ومن خلال اخوتي ورفاقهم، صرت أعرف معنى كلمة "حزب"، وما عرفته ان بيتنا كان محسوباً على الحزب الشيوعي، وكنت اعتبر نفسي  بمنأى عن هذا الحزب، و أخاطب المنتسبين إلى هذا بـ "أنتم الشيوعية"...

 وفي احد الأيام الخريفية من ذلك العام، صدر تكليف عائلي لأحد أشقائي بأن يذهب الى منطقة المعيصرة  لزراعة كمية من القمح، وكانت وسيلة الحراثة الحمير، فوافق دون نقاش او اعتراض، ولكنه طلب مني مرافقته لمساعدته في بعض الاعمال البسيطة وتسليته، وقدم لي اغراءً دسماً وهو الصيد... فوافقت متحمساً، وضعنا ما يلزمنا في رحلتنا على ظهري حمارين، وانطلقنا وكان شقيقي هو متسلحاً ببندقية صيد بدائية من نوع "دك"، وعندما ابتعدنا عن منازل البلدة وأصبحنا عند أطرفها، نزل عن مركوبه ومشى بجانب الطريق الترابية، يطارد العصافير التي يصادفها في كروم العنب وبين أشجار اللوز والتين والزعرور، وكنت أضع العصافير التي يقتلها أمامي على ظهر الحمار الذي نسميه "الاخضر"، واوزعها الى مجموعات حسب الجنس والتسمية المتعارف عليها(تين، أبو لحن، جكجك)، وعندما وصلنا الى بيتنا الجردي أو المخدم، كان عددها قد ارتفع واصبح نحو عشرين عصفورا، انزلنا متاعنا من زاد  وبزور واعطينا الدواب فترة راحة وليقتاتوا القليل من شوك الفأر والأعشاب في البراري، واشعلنا النار لنشوي غلة الصيد، او العصافير سيئة الحظ، التي صادف وجودها في طريقنا، وكانت وتزعج حمارنا بزقزقاتها الرنانة وتجعل وجودها مادة لاشباع غريزتنا المفترسة في القتل قبل اشباع جوعنا، وبعد انتهاء وليمتنا الدسمة اتجهنا الى الحقل المقصود والموجود الى جوار المخدم، نف شقيقي البزور وكدن الحمارين وبدأ الحراثة، اما أنا(المساعد) فقد بدأت بجمع الحطب اليابس والشيح من اجل التدفئة في الليل، واحتياجاتنا النارية من غلي شاي ومشاوٍ، وامام الحاحي سمح لي شقيقي بحمل البندقية بنيّة الصيد، وبعد جولة طويلة في محيط الحقل عدت خائباً، لأني لم أجد ما اصطاده سوى عصفور شوك، لم اتمكن منه، وعندما عاندني الحظ اطلقت ما في البندقية من حشوة في الهواء، تنفيسا لرغبتي في اطلاق النار... كانت هذه المرة الأولى وربما الاخيرة التي حملت فيها بندقية بهذه النية. وفي الاصيل انهى شقيقي الحراثة، وفك النير عن رقبتي الحمارين ووضعهما تحت مراقبتي لكي يرعيا بانتظار الغد، وحمل بندقيته وجال في الشعاب وعلى التلال المحيطة بالبيت ليقنص ما يصادف من عصافير وطرائد، وعند المغيب التقينا امام البيت، زربنا الحمارين في الاصطبل ودخلنا غرفتنا حيث بدا الظلام يرخي سدوله، اننا الآن في البيت الجردي الحجري المسقف بالخشب والتراب، وهو من بناه أبي في زمن غابر، اشعلنا النار وحاولنا انارة الفانوس أو السراج لكن تبيّن انه خال من الكاز، ولم نحمل هذه المادة معنا من البلدة، فلجأنا في البداية الى اعتماد اللهب كوسيلة للإنارة وبدأنا في تناول طعام العشاء، ولكن نفاد الشيح وتراكم الجمر في الموقد، فرض علينا التفكير في وسيلة اخرى، فخرج اخي للحظات وعاد يحمل حذاءً مطاطياً عتيقاً، كان موضوعا على احد الجدران، ربما كان محفوظاً لهذه اللحظة او الى ما يشبهها، وبدا يقطعه بسكين الى  اشكال مستطيلة، واشعل اكثر من قطعة وثبتها على جدران البيت بالقرب من الموقد، وضحكنا لهذا المشهد الرومانسي الفقير، وكنا بين لحظة واخرى نزيل الجزء المتفحم  حتى لا يتعثر اشتعاله ويخفت نوره. في الخارج، في العادة، السماء تكون مشهد صوفي ساحر، يمكن للعيون أو تسرح مسافات طويلة في مراقبة النجوم في الليل، والغرفة نحن في لحظة النقاء الجردي، وضعنا ابريق الشاي فوق النار وبدأنا بتبادل اطراف الحديث وان كان التحفظ مسيطر بين شاب تجاوز العشرين وشقيقه الذي مازال طفلا طري العود، ولم يتأخر الشاي واعلن عن نضوجه فمد شقيقي عصا يحرك فيها النار، رفع الابريق وتركه حتى يهدأ، واستل سيكارة واشعلها من الجمر وسكب الشاي.

سألته لماذا يقولون عن الشيوعيين كفارا؟  فمج سيكارته مجة عميقة، ونفث دخانها إلى الأعلى، حيث اختلط مع دخان المشاعل المطاطية الاسود، وارتشف الشاي المغلي على الحطب، قبل ان يجيب بنفي ما يقال، واكد أن هذه تهمة ملفقة، وعاد الى وسط التاريخ وشرح لي كيف كان رجال الدين والاكليروس في القرون الوسطى، يبتزون الفقراء باسم الله والدين وكيف وقف الشيوعيون بوجههم ومن هنا لفقوا هذه التهمة  التي، لم تزل مستمرة حتى اليوم وكيف يستخدمها الغرب والانظمة القمعية في الوطن العربي لمحاربة الشيوعية وقمع حركات التحرر العربية ومر في حديثه على الاتحاد السوفياتي وتكلم عن العدالة والمساواة وانتفاء الطبقات.
استمعت الى حديث اخي بصمت وباهتمام شديدين، وقبل انتهاء الكلام، كان الزلزال قد وقع في رأسي، وشعرت ان شبابيكا قد اقفلت وافاقا قد فتحت، وتبدلت كل المفاهيم والقناعات التي كانت قد بدأت تنمو لديّ، ومنذ تلك اللحظة وعلى ضوء المشاعل المطاطية، حسمت خياراتي الفكرية، انتسبت إلى الحزب الشيوعي وشاركت في نقاشات ومحاضرات وورش عمل متعددة، وقرأت ما قرأت، وقد مضي على هذا الكلام اربعون سنة ونيف، ورغم كل ما قرأت وكل ما سمعت خلال هذه المدة، لم أشعر في أي لحظة ان اي موضوع تخطى تأثيره عليّ، تأثير تلك الليلة بل زاد تاكيده وصوابيته حسب قناعاتي.

ليست هناك تعليقات