محمود الحجيري.... عن ذلك الاستاذ الذي قال لي "عفاك يا شاطر انت بتفكر"




عشت مرحلة الطفولة بطريقة قاسية، بسبب الآلام التي حطت رحالها في جسمي منذ ولدت ولازمتني سنوات طوال، تحملت الوالدة الاعباء بتعبها وحنانها، وقد تحولت بفضل ذلك الى ممرضة ماهرة حيث بدأت تعطيني الحقن في العضل بطريقة بارعة خالية من مسببات الالم، ورغم ذلك فقد استسلمت اكثر من مرة امام شبح الموت، وارسلت وراء اخوتي وبدأت بإعداد الكفن حسب ما روت لي...

 وحان موعد المدرسة والضيف الثقيل والفتاك، يرفض المغادرة ورغم محاولاتي المتعثرة النهوض لكن دون جدوى، حيث بقي رابضاً على صدري واكتافي ما يزيد عن السنتين من رنين جرس المدرسة، وبعدها تنفست الصعداء واهلي، وخرجت الى ظلال اشعة الشمس اقطف من ثمارها، مترنحاً بعد ان حرمت منه لسنوات وجودي في كواليس الحياة، وبعد اسابيع قصدت المدرسة القريبة من المنزل فوجدتها شبه مغلقة في وجهي بسبب التأخير فاصطحبوني اولياء امري، والدي واخي، يتلمسان الاعذار بسبب ثقل المرض الذي اصابني، وعندما فتح الباب حملني احد المعلمين من تحت إبطي ووضعني في الصف، وهكذا خطوت الخطوة الاولى قس اتجاه المدرسة وممارسة الحياة.

 وفي العام الثاني، انتسبت الى المدرسة الرسمية في البلدة التي، تبعد عن البيت ما يزيد عن الالفي متر، كنت اقطع المسافة سيرا بكل همة ونشاط وقد توطدت علاقتي مع التلاميذ والهيئة التعليمية، واصبحت عضوا فاعلا في "مجتمع الاولاد"، وكان يوجد في المدرسة ناظر مرح يحاول دائما ان تكون الابتسامة والنكتة والموقف المرح بينه وبين التلاميذ، وكان يلعب دور المعلم الاحتياط حيث يحل مكان المعلم المتغيب من اجل ضبط الصف والتخفيف من الضوضاء التي يحدثها التلاميذ في الملعب خلال الدوام، وكان للناظر دروسه الخاصة، يعطيها دون مادة المعلم المتغيب، وكل تلاميذ المدرسة يعرفون مواد الناظر، ويتمنون ان يغيب معلمهم حتى ينالوا احد دروس الناظر، وهو رسم بطة او رسم وردة على الصبورة وعلى التلاميذ نقلها على دفاترهم، والاهم هي اوقات التصحيح وعرض الرسومات على الناظر او شرح درس دين وهو شرح اية او سورة قرآنية او حديث نبوي. كنا في الصف الثالث ابتدائي، وشاءت الاقدار وحل علينا الناظر ضيفاً واستاذا عزيزاً، رحبنا به مسرورين وبعد ان صال وجال في الصف واشعل سيجارته وقف امامنا وقال: اليوم عنا درس دين يا شاطرين.. واتجه الى الصبورة ليكتب "سورة الفيل"، وقرأها مرة وطلب من عدد من التلاميذ قراءتها ومن ثم شرح لنا السورة. وتحدث عن حيثيات نزولها، ومرّ على الحوار الذي جرى بين ابرهة الحبشي وعبد المطلب سيد قريش وجد الرسول، وشدد على قوله التاريخي "اعطيني ابلي وللكعبة رب يحميها ". وكان هذا الحدث عام ولادة محمد، وانهى شرحه ناظرنا الفاضل بسؤال: من عنده سؤال يا شاطرين؟ فرفعت يدي في لحظة هرج ومرج فطلب السكوت، وقال اسمعوا زميلكم الشاطر ماذا سيسأل، فقلت: هذه الحكاية حدثت عام ولادة الرسول يعني في زمن الجاهلية وعبادة الاوثان؟ فأجاب بنعم، وتابعت وعندما يقول جد الرسول ان للكعبة رب يحميها يعني مقتنع برب كبير قادر على حماية الكعبة؟ فأجاب بنعم وتابعت سؤالي يعني الرسول لم يضف جديد؟ فوقف لحظات صامتاً قبل ان يرن الجرس وفرصة الساعة العاشرة وقال: "بعدين بجاوبك"، الان اخرجوا الى الملعب وخرجنا لمدة نصف ساعة، نلهو ونلعب ومن يحمل سندويشة يأكلها، وانهينا كل طقوس الفرصة قبل ان يحمل الناظر جرسه اليدوي ويقرعه. فانتظمنا في صفوف وبدا يعطي الاشارة لكل صف بالدخول ووصل الدور إلى صفنا وانطلقنا بعد اشارته بحركة من عصاه، وعندما وصلت الى القرب منه، مسكني من كتفي وسحبني جانباً وقال: "خليك هون"... فارتعدت فرائضي وسيطر الخوف عليّ وخيمت العقوبة والقصاص على مخيلتي مع اني لم أتذكر أي ذنب اقترفته. انتظرت دقائق قليلة لكنها قاسية ومضنية، وبعد ان انهى عمله وادخل التلاميذ الى صفوفهم، اقترب مني ومد يده ليسلم عليّ، وانحنى ليصافحني وربت على ظهري عدة مرات وقال: "عفاك يا شاطر انت بتفكر"، ولكني لم أفهم في حينه معنى "تفكر"، ولم اعرف ماذا فكرت! ولم يجاوبني على سؤالي مثلما وعد.

ومرت الأيام وكبرنا، خرجت من المدرسة وبقيت على علاقة مودة مع استاذي الناظر، نلتقي بشكل متقطع نتحدث في مواضيع متعددة ومتشعبة. وفي احدى الجلسات قبل رحيل استاذي بمدة قصيرة وكان قد مضى على حكايتنا عشرات السنين، احتدم النقاش بيننا بحضور عدد من الاصدقاء، احتد استاذي وقال: "انت غريب، ومشكلتك انك خلقت هيك، لا تأثرت بأحد ولا احد اثر عليك"، وضحك وتابع متذكرا يوم كنت طفلا مفعوصاً والسؤال الذي سألته إياه وروى للموجودين ما جرى بيننا منذ ما يزيد عن الاربعين سنة.

ليست هناك تعليقات