728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الجمعة، 12 أبريل 2019

    "ك» لروبرتو كلاسو: أدب كافكا ونعمة التأويل






    ربما يكون الروائي التشيكي فرانز كافكا محظوظاً بذلك الحشد المتعدد الذي درس اعماله، وربما يكون هذا الحشد من النقاد محظوظاً لأنه عثر على اديب تتيح اعماله تأويلات عدة.
    فبعد ان كتب فالتر بنيامين دراسة وجيزة عن كافكا، عقد جورج لوكاتش، في كتابه «دلالة الواقعية النقدية اليوم»، مقارنة بينه وبين توماس، اعقبه الفرنسي روجيه غارودي بمداخلة، حظيت بالشهرة حينها في كتابه «واقعية بلا ضفاف». بعد هؤلاء الماركسيين الثلاثة طبقت مارت روبير على الروائي التشيكي منهج فرويد في اكثر من دراسة أهمها ما جاء في كتابها «اصول الرواية ورواية الاصول»، وصولاً الى الايطالي ماسيمو كاتشياري الذي انجز عنه قراءة فلسفية في «ايقونات القانون»، ادرج فيها اشياء من الفلسفة اليهودية. هذا اضافة الى مقاربة الفرنسي جورج بتاي، التي جاءت في كتابه «الادب والشر»، مساوية بين الكتابة و «أرض الميعاد». بدا كافكا، في هذه الدراسات جميعاً، نصاً مفتوحاً متعدد المستويات، يحيل على الموت والحداثة الاوروبية الخائبة والاغتراب الوجودي وعلى طفل قلق مضطرب الطفولة يصفي حسابه مع والده بمعادلات روائية.

    كان لوكاتش قد رأى في مجازات «المحاكمة» و «القصر»، روايتي كافكا الاكثر شهرة، تعبيراً عن العدم، اذ في الوجود قوة فاسدة مستبدة، غائمة المكان وملتبسة الوجود، ولا يعرف أحد الطريق المؤدي اليها. لم يثن الناقد الهنغاري على ما قرأ، بل رأى فيه اغتراباً مريضاً يكتفي باللواذ ويبشر بالموت.

    في كتابه الصادر حديثاً باللغة الفرنسية بعنوان «كاف. K» (غاليمار 2005) يبدأ الناقد الايطالي روبرتو كلاسو بما بدأ به لوكاتش، دون ان ينتهي الى ما انتهى اليه، لامحاً وراء التشاؤم الطليق درباً جميلاً يفضي الى فردوس محتجب. كتاب لامع التركيب غريب العنوان، لولا صورة على الغلاف، تعلن ان «كاف» هو كافكا، في انتظار صفحات الكتاب التي تعلن ان «كاف» هو بطل الروايتين، اللتين نقض لوكاتش تشاؤمهما العابق بارادة توماس مان المزهرة. والامر في الحالات جميعاً قائم في فك اسرار الحرف الغامض «كاف»، الذي قاد كافكا وهو ينقب عن معنى الوجود، كما لو كان الروائي قد التقى بحرف راشد ومرشد يرشده في رحلة معتمة تنفتح على نور. لن يكون عمل الناقد الايطالي، والحال هذه، الا التعرف على الحرف الذي آنس كافكا في رحلته الروائية مدللاً، بوضوح وغموض في آن، ان في معنى الحرف ما يحيل على الحجب والستر والاخفاء، وأن دور النقد انطاق الحرف الغامض ونزع اقمطته المتعاقبة.

    معنى وراء الحرف وواقع وراء الواقع ونص وراء النص، وما يرى لا خير فيه، لأن جوهر المعنى قائم في هذا «الوراء». كان كافكا قد كتب عام 1914 روايته «المحاكمة» وأعطى الشخصية الاساسية فيها اسماً هو «جوزف . K» بعد ثمانية اعوام استعاد الشخصية من جديد في روايته «القصر»، حاذفاً اسم جوزف ومكتفياً بـ «كاف».

    لم يكن مصير الشخصيتين متماثلاً، فقد حُكم بالاعدام على الاول منهما، وذلك في محكمة متجهمة غامضة مغلقة النوافذ، بينما بقي الثاني يدور تائهاً حول مبنى متواضع، باحثاً عن عمل لن يعثر عليه. والسؤال هو: كيف استقدم كافكا الى روايته الثانية شخصية روايته الاولى التي حكم عليها بالموت وواراها التراب؟ وهل الموت يحسم نصف الشخصية «جوزف» ويترك النصف الآخر «كاف» حياً بين الأحياء؟ كان كافكا في الروايتين قد جرّد الواقع من تفاصيله، منشئاً واقعاً هندسياً بارداً، يتحرك فيه بشر أقرب الى الأرقام، وكان قد وضع في الروايتين ايضاً محكمة متجهمة الوجوه، تقضي بالموت حيناً وتقصي «كاف» عن الجماعة المختارة حيناً آخر. لن يكون «كاف»، كما يرى كلاسو، الا رقماً غامضاً لا يستعصي حله، او اشارة جبرية تشير الى ما يتحول ويتبدل ولا ينتهي. ولهذا يغيب جوزف كاف في «المحاكمة» ويعود «كاف» من جديد في «القصر» كما لو كانت المحاكمة قد اعدمت جزءاً من الرجل، دون ان تستطيع ان تعدمه كاملاً. يتكشف في هذا الاعدام الجزئي امران: أمر يذيع التفاؤل مبيناً ان الانسان المتهم تفادى ضربة المحكمة اللئيمة، وأمر اخلاقي يقضي على المتهم الناجي ان يقاضي المحكمة الظالمة وأن يعيد ترتيب العالم.

    كان على «كاف» الناجي، كما يرى الناقد الايطالي، ان يواجه عالماً واسعاً في غموضه وغامضاً في اتساعه، ينطوي على وجود مدثر بالاسرار وعلى حياة اجتماعية مملوءة بالقهر والاغتراب. يتوحد الاجتماعي والكوني منتهيين الى كتلة صماء لا سبيل الى السيطرة عليها. ولعل هذه الوحدة الكتيمة القاهرة هي التي جعلت كافكا يتخفف من التفاصيل اليومية، مؤسطراً الواقع او واضعاً في اسطورة «كاف» (اسم اله في الفلسفة الهندية) أبعاداً واقعية. وما دور الاسطرة الا تحرير الواقع، ان كان واقعاً، من اسر الزمان والمكان، واستعادة تاريخ كالح لا تاريخ فيه، حيث التاريخ «ممر من عالم الى آخر، ومن نظام الى آخر، ومن ركام الى آخر. انه تاريخ هشاشة النظام: النظام القديم والنظام الجديد. تاريخ اطلالهما المتأبدة».

    من أين يأتي التفاؤل ان كان التاريخ كله حطاماً متجدداً؟ يأتي عند روبرتو كلاسو من نعمة القياس. فاذا كان في رواية «المحكمة» جحيم يقضي بالموت، فإن في رواية «القصر» مطهراً، يتلوه فردوس قادم ولا يرى. طبق الناقد الايطالي على كافكا اشياء من الفلسفات الهندية ومن عمل دانتي: «الكوميديا الالهية»، اضافة الى عناصر من الاسطورة، ذلك أنه باحث ممتاز في الادب والاديان والاساطير معاً. لا غرابة ان ينهي بحثه مشدداً على «نعمة الحب»، التي اثنى عليها كافكا، والتي تسعف «الرقم الانساني» على تفادي ضربة مهلكة. يوطد كلاسو المعنى الذي وصل اليه بالرجوع الى شذرات كتبها كافكا عام 1917، نشرها ماكس برود لاحقاً تحت عنوان: «ملاحظات حول الخطيئة، الألم، والامل والطريق القديم». والسؤال السريع: لماذا كل هذه الدورة المرهقة للبرهنة على قول لا يحتاج الى برهان؟ من اللافت ان جورج بتاي، كما ماسيمو كاتشياري، قد توقف امام الوعي الاسيان الكافكاوي، الذي رأى الى انسان يصل الى «ارض الميعاد» ويموت، معوضاً الرحلة بلقاء وجيز ومواجهاً قصر حياة الانسان بوعد جميل شحيح.

    في 400 صفحة يقدم روبرتو كلاسو دراسة متأنقة لا تنقصها الصعوبة ولا الاسلوب الصقيل ولا المعارف الغزيرة. انه عمل الموسوعي المغتبط، الذي يبهر ويفتن ولا يأتي بجديد نوعي. فما جاء به قال به بصوت مهموس جورج بتاي، تاركاً القارئ يصل الى ما يريد ان يصل اليه. ومع ان مارت روبير أخذت في كتابها «رواية الاصول واصول الرواية»، وله ترجمة ممتازة بالعربية منذ زمن، بمقاربة اخرى، فقد قدمت، وهي تقرأ كافكا على ضوء سيرته الذاتية، العمل الاكثر دقة واحكاماً عن الروائي التشيكي. ان كان في عمل كلاسو ما يثير الفضول فهو الحوار المدهش، صريحاً كان أو مضمراً، بين نقاد مختلفين ينتمون الى مدارس فكرية مختلفة. انها بهجة الاختلاف العارف الدؤوب، التي لم تعثر على تربة موائمة لها في «اقفاص» العالم العربي الواسع.




    فيصل دراج الحياة - 07/03/06//
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: "ك» لروبرتو كلاسو: أدب كافكا ونعمة التأويل Rating: 5 Reviewed By: alrumi.com
    Scroll to Top