نافذة – هاروكي موراكامي – قصة قصيرة

أبريل 29, 2019 اضف تعليق

«تحياتي،

مع كل يومٍ يمر تقل برودة الشتاء، وضوء الشمس محمّلٌ الآن برائحة الربيع الخفيفة، أنا واثقٌ من أنكِ بخير!

لقد استمتعت بقراءة خطابك الأخير، لقد أتقنتِ كتابة الفقرة عن العلاقة بين شريحة لحم البرجر وجَوْز الطِيب، لقد شعرت أنني مغمورٌ تمامًا بالإحساس الحميميّ للحياة اليومية، إنني مندهش كيف نقلتِ النكهات الدافئة للمطبخ بطريقة شديدة الحيوية؛ وذلك الصوت البهيج لارتطام السكين بمائدة المطبخ وهي تقطع البصل.

وبينما أنا مستغرقٌ في القراءة ملأني خطابك برغبة لا تقاوم في تناول شريحة برجر، لدرجة أن الرغبة دفعتني إلى الذهاب إلى مطعمٍ قريب والحصول على واحدة في نفس الليلة. في الحقيقة يقدم هذا المطعم القريب تحديدًا ثماني طرق مختلفة لطهي شرائح البرجر: على طريقة تكساس، على طريقة هاواي، الطريقة اليابانية، وغيرها. على طريقة تكساس تكون شريحة ضخمة، لحظة، إنها ضخمة لدرجة أنها، بلا شك، ستفاجئ أي شخص من تكساس يأتي إلى تلك البقعة من طوكيو. الشريحة المصنوعة على طريقة هاواي تُقدَّم مع حلقة أناناس، والبرجر من كاليفورنيا، آخ. لا أذكر! أما الشريحة اليابانية فإنها مغمورةٌ تمامًا بالفجل المبشور. كان المكان ذا تصميمٍ أنيق وكانت كل النادلات حسناوات ويرتدين تنانير شديدة القصر.

في الحقيقة لم أذهب لدراسة الديكور الداخلي للمكان أو سيقان النادلات، ذهبت هناك لسببٍ وحيد، وهو تناول شريحة برجر، وليس على طريقة تكساس، أو كما يُصنع في كاليفورنيا، فقط شريحة برجر عادية وبسيطة.

هذا هو ما حاولت أن أخبر به النادلة، فقالت لي: (أنا آسفة و لكن لا يوجد لدينا سوى هذه الأنواع).

بالتأكيد لم أستطع لوم النادلة، إنها لم تكتب قائمة الطعام، لم تختر أن ترتدي هذا الزي الذي يكشف قدرًا كبيرًا من فخذيها كلما انحنت لترفع صحنًا من فوق إحدى الطاولات! ابتسمت لها وطلبت شريحة على طريقة هاواي. كما نصحتني، عليَّ فقط أن أزيل حلقة الأناناس. كم هو غريبٌ عالمنا؟ لكي أحصل على شريحة برجر عادية تمامًا عليَّ أن أطلب شريحة على طريقة هاواي ثم أزيل عنها الأناناس.

كما فهمت فإن شريحتِك من النوع العادي! أشكر لكِ خطابكِ، ما أردته فقط كان شريحة عادية مثل التي تطهينها.

على النقيض من خطابك وجدت النص الذي كتبتيه عن ماكينات التذاكر الأوتوماتيكية لهيئة النقل الوطنية سطحيًا قليلًا، إنني أؤكد لكِ أن الزاوية التي ناقشتِ منها المشكلة جيدة، ولكن القارئ لا يستطيع أن يُلمَّ تمامًا بالمشهد، لا تحاولي مطلقًا أن تكوني ذلك المُشاهد المدقق، فالكتابة في النهاية ليست سوى شيء مؤقت.

إن درجتك العامة على هذا الخطاب الجديد هي سبعون، إن أسلوبكِ يتطور ببطء ولكن بثبات، لا تتعجلي، فقط واصلي العمل الجاد كما تفعلين دومًا. إنني أنتظر بلهفةٍ خطابكِ التالي. أليس حلول الربيع جميلًا؟

ملاحظة: أشكرك على صندوق الحلوى الذي اخترتيه، إنها لذيذةٌ، إن قوانين الجمعية تمنع بصرامة الاتصال الشخصي فيما عدا الخطابات، لذلك أجد نفسي مضطرًا أن أطلب منكِ أن تمتنعي عن إرسال الحلوى في المستقبل.

أشكرك مرةً أخرى».

لقد استمررت بالعمل في تلك الوظيفة بدوامٍ جزئيّ لمدة عامٍ واحدٍ، كنت حينها في الثانية والعشرين من عمري.

جنيت في تلك الوظيفة ألفي ين مقابل الرد على الخطاب الواحد، كنت أرد على حوالي ثلاثين خطابًا مثل هذا الخطاب في الشهر، لصالح شركة صغيرة ومريبة في حي أيداباش، وكانوا يدعون أنفسهم «جمعية الكتابة».

«أنت أيضًا يمكنك تعلَم كتابة خطاباتٍ آسرة»، هكذا كانت تقول إعلانات الشركة. يدفع الأعضاء الجدد بالجمعية مبلغًا مقدمًا ثم مبلغًا شهريًا محددًا، في مقابل ذلك يستطيعون أن يكتبوا أربعة خطاباتٍ شهريًا إلى جمعية الكتابة! نحن معلمو الكتابة نرد على تلك الخطابات بأخرى من كتابتنا، مثل الخطاب المذكور سابقًا، وتحوي ردودنا تعليقات، ونصائح، وإرشادات للتحسين المستقبلي. تقدمتُ لمقابلة العمل بعدما شاهدت الإعلان معلقًا في قسم الأدب بالكلية، في تلك السنة دفعتني بعض الأحداث لتأجيل التخرج لعامٍ، وقرر والداي أن يقتطعا من مصروفي الشهري، كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي كان عليَ أن أتكفل بمصروفاتي دون الاعتماد على الغير. بالإضافة إلى المقابلة طلبوا مني أن أكتب في عدة موضوعات. بعد أسبوع عينوني، بعدها مررتُ بأسبوعٍ من التدريب على كيفية وضع التصحيحات، وإضافة التعليقات وتقديم المساعدة، وغيرها من الحيل المهنية، كل ذلك لم يكن صعبًا مطلقًا!

كل أعضاء الكتابة كانوا مسجلين مع معلمي كتابة من الجنس المخالف، كان لديَّ أربع وعشرين عضوة، تتراوح أعمارهن بين الرابعة عشرة إلى الثالثة والخمسين، أعمار الغالبية منهن بين الخامسة والعشرين إلى الثلاثين. ما أقصد قوله هو أن أغلبهن كنّ أكبر مني عمرًا. في أول شهرٍ لي أصابني الهلع، كانت النسوة يكتبن أفضل مني بشكل كبير، ولديهن خبرة كبيرة بالمراسلة، حينها لم أكن  قد كتبت خطاباً حقيقيًا واحدًا، إنني لا أعرف بالضبط كيف استطعت اجتياز الشهر الأول. دائمًا ما كان يتصبب مني عرق بارد بسبب الخوف من أن تطلب إحدى عضوات الجمعية تغييري، وكانت اللوائح تتيح ذلك.

مر الشهر الأول دون أن تشكوني أية عضوة بالجمعية، بل على العكس، لقد قال لي المدير إنني أحظى بشعبيةٍ كبيرةٍ، مر شهران آخران وللغرابة زاد مرتبي بسبب «توجيهاتي». هؤلاء النسوة كنّ ينظرن لي كمعلمٍ لهن، وكن يثقن فيَّ تمامًا، عندما فهمت هذا مكنني الأمر من أن أقدم لهن التعليقات والتعقيبات بقدر أقل من المجهود، ودون قلقٍ كبير.

ربما لم ألاحظ ذلك وقتها ولكن هؤلاء النسوة كن وحيدات (كذلك كان أعضاء الجمعية من الذكور)، كن يردن الكتابة، ولكن لم يكن هناك أحدٌ ليكتبن إليه، لم يكنّ من نوع النساء اللائي يرسلن رسائل إعجاب لأحد مشغلي الاسطوانات، لقد أردن شيئًا أكثر خصوصية وذاتية، حتى لو كان على هيئة تصحيحات وتعليقات من معلم كتابة.

وهكذا وجدت نفسي أقضي جزءًا من بداية العشرينيات من عمري كحيوان فقمة كسيح ومحاط بدفء خطاباتٍ نسائية.

كانت تلك الخطابات متنوعةً جدًا، هناك الخطابات المملة، والخطابات الممتعة وحتى الحزينة، للأسف لم أستطع الاحتفاظ بأي منها (نصت قوانين الجمعية أن تعاد جميع الخطابات للجمعية)، وحدث الأمر منذ وقتٍ طويل لدرجة أنني لا استطيع تذكر الخطابات بشكل تفصيلي الآن، فقط أذكرها كخطاباتٍ ممتلئةٍ بالحياة، الحياة كلها، من أكبر الأسئلة التي يسألها الإنسان إلى أصغر التفاهات اليومية. إن الرسائل التي كنّ يرسلنها بدت لي -أعني كطالبٍ جامعي- منفصلةً عن الواقع بشكلٍ غريب، بل أحيانًا كنت أراها بلا معنىً، إنني موقنٌ الآن أن واقع الأشياء ليس أمرًا تنقله إلى الآخرين، بل أمرٌ تصنعه بنفسك، إن هذا هو ما يُنتِج المعنى. لم أعِ ذلك حينها، وكذلك هاته النسوة، وكان هذا بالتأكيد أحد أسباب أن كل شيء في كتاباتهن بدا ثنائي الأبعاد.

عندما حان الوقت لي أن أترك الوظيفة، عبرت كل عضوات الجمعية اللاتي أراسلهن عن حزنهن، وحتى أنا، رغم أني كنت قد بدأت أمل من هذا العمل الذي لا ينتهي من المراسلات، شعرت ببعض الأسف: فبداخلي علمت أنه بعد اليوم ربما لن أصبح قريبًا من كل هذا العدد من البشر، وبهذا القدر من القرب.

***

شريحة البرجر. في الحقيقة لقد واتتني الفرصة أن أتناول شريحة برجر طهتها المرأة التي أرسلت إليها الخطاب المذكور بالأعلى.

كان عمرها اثنين وثلاثين عامًا، بلا أطفال، يعمل زوجها في شركة تُعَد، بشكلٍ عام، خامس أفضل شركة في البلاد. عندما أخبرتها في خطابي الأخير أنني مضطرٌ أن أترك الوظيفة بنهاية الشهر، دعتني لتناول الغداء بصحبتها، وعلى الرغم أن قوانين الجمعية تُحَرِّم ذلك، إلا أنني قبلت الدعوة! كان لديَّ فضول شاب في الثانية والعشرين.

كانت شقتها تواجه قضبان خط قطار أوداكيو، اتسمت الشقة بالنظام الشديد بما يتناسب مع زوجين بلا أطفال، لم تكن المفروشات، أو الإضاءة، أو سترة المرأة، ذات ثمنٍ باهظ، ولكنها كانت جميلةً بما يكفي. شعر كلانا بالاندهاش! أنا بسبب ملامحها الشابة، وهي بسبب سني الصغيرة، لقد اعتَقدَت طوال تلك الفترة أنني أكبرها عمرًا، فقد كانت قوانين الجمعية تمنع أن يعلن معلمو الكتابة عن أعمارهم.

عندما انتهينا من مفاجأة بعضنا، كان قد اختفى التوتر المصاحب عادةً لأول لقاء، تناولنا شريحتينا وتناولنا القهوة ونحن نشعر أننا ربما مسافران فاتهما نفس القطار، وينتظران قطارًا قادمًا. وبالحديث عن القطارات، يمكن للمرء أن يرى، من شرفة شقتها بالدور الثالث، قضبان القطار الكهربي بالأسفل، كان الجو جميلًا ذاك اليوم، وفوق حواجز شرفات المبنى كانت تشكيلات ملونة لشراشف ووسائد تجف في الشمس، كل برهة وأخرى يمكنك أن تستمع إلى صوت مضرب غسيل وهو يلطم وسادة ما، حتى الآن أستطيع أن أستدعي ذلك الصوت، والغريب أنني أشعر أن  ذلك أمر ليس بعيدًا مطلقًا.

كانت شريحة البرجر كاملة، والنكهة مضبوطة تمامًا، والطبقة الخارجية من الشريحة محمّرةٌ كليًا، أما داخل الشريحة فكان رطبًا من العصارة، وكان الصوص مميزًا، على الرغم من أني لا أستطيع أن أدَّعي بقلبٍ مطمئنٍ  أنني لم أتناول شريحة برجر مثلها من قبل، إلا أنها بالتأكيد الشريحة الأروع التي تناولتها منذ زمنٍ بعيد. قلت لها ذلك، وأسعدتها كلماتي.

بعد القهوة أخبر كلٌ منا الآخر بقصة حياته، بينما كانت أسطوانة لبيرت باكاراك[1] تدور، ولأنني وقتها لم يكن في حياتي ما يستحق الحكي، بادرت هي بمعظم الحديث. قالت إنها في الجامعة أرادت أن تصبح كاتبة، تحدثت كذلك عن فرانسوا ساجان، واحدة من كاتباتها المفضلات، أحبت بشكلِ خاص كتاب ساجان (هل تحب برامز؟)، أنا شخصيًا لم أكره ساجان، على الأقل لم أرها رخيصة تمامًا كما كان متداولًا، أعني ليس من المفترض بالجميع أن يكتبوا مثل هنري ميللر أو جان جينيه.

«مع ذلك أنا لا أجيد الكتابة».

«الوقت لم يتأخر بعد كي تبدأي ولن يتأخر أبدًا!»

«كلا، أنا أعلم أنني لا أستطيع الكتابة، أنت من أخبرني بذلك». ابتسمت و أضافت: «بكتابتي خطاباتٍ لك، أيقنت الحقيقة، أنا لا أملك الموهبة!»

أصبح لوني أحمر من الخجل، إنه أمرٌ لا يحدث لي الآن أبدًا،  لكن عندما كنت في الثانية والعشرين كنت أشعر بالخجل الشديد طوال الوقت، «في الحقيقة ورغم ذلك فإن كتابتك تحمل شيئًا ما صادقًا».

عوضًا عن الرد، ابتسمت ابتسامةٌ صغيرةُ.

«على الأقل جعلني أحد الخطابات أخرج لتناول شريحة برجر!»

«لا بد وأنك كنت جائعًا».

في الحقيقة قد يكون ذلك صحيحًا.

مر قطارٌ تحت النافذة وارتفع صوت القرقعة المكتوم.

عندما دقت الساعة الخامسة قلت لها إنني سأرحل. «أنا متأكدٌ أن عليكِ أن تعدي طعام الغداء لزوجك».

«إنه يعود إلى المنزل متأخرًا جدًا». قالت و أسندت رأسها على يدها: «لن يعود قبل منتصف الليل!»

«يبدو رجلًا شديد الانشغال».

«أعتقد ذلك»، توقفت لدقيقة ثم واصلت: «أعتقد أنني كتبت إليك ذات مرة عن مشكلتي، هناك بعض الأشياء التي لا أستطيع أن أتحدث عنها معه، إن مشاعري لا تجد طريقها إليه، في كثير من المرات أشعر أننا نتحدث لغتين مختلفتين».

لم أدرِ ما أقول لها، لم أفهم مطلقًا كيف يمكن للمرء أن يواصل العيش مع شخص يستحيل أن ينقل إليه مشاعره.

«و لكن كل شيء على ما يرام!» قالت ذلك برقة وبدا لي فعلًا أن كل شيء على ما يرام. «أشكرك أنك كتبت لي خطابات كل هذه الشهور، لقد استمتعت بها، والكتابة لك كانت بمثابة الخلاص بالنسبة إليَّ».

قلت لها: «لقد استمتعت كذلك بخطاباتك». مع أنني في الحقيقة لا أذكر أي شيء كتبته لها، نَظَرَت باتجاه الساعة صامتة لبرهة، بدا كأنها ترقب مرور الوقت.

سألتني «ماذا ستفعل بعد التخرج؟»

قلت لها إنني لم أقرر بعد، بالفعل لم يكن لديَّ أي فكرة عن الذي علي فعله. عندما قلت ذلك ابتسمت مرة أخرى: «ربما عليك أن تمارس عملًا له علاقة بالكتابة! إن تعليقاتك كانت مكتوبة بشكل رائع، كنت أنتظرها، كنت أنتظرها حقًا و بلا مجاملة»، أضافت: «حسبما أعلم كنت تكتبها لتؤدي وظيفة، ولكنها احتوت على مشاعر حقيقية! لقد احتفظت بها كلها، أخرجها من حين لآخر وأعيد قراءتها».

قلت لها: «شكرًا لكِ و أشكركِ على الشريحة».

مرت عشر سنوات، ولكن كلما مررت بحيها على خط قطار أوداكيو أفكر بها، وفي شريحة البرجر المشوية لدرجة القرمشة، أرنو إلى المباني المصطفة بجانب القضبان وأتساءل أي نافذةِ يمكن أن تكون نافذتها؟ أحاول تذكّر المشهد من نافذتها، وأن أحزر أي واحدة قد تكون، و لكني لا أستطيع التذكر نهائيًا.

ربما لا تعيش هناك الآن، ولكن لو كانت ما تزال هناك فهي على الأرجح تستمع إلى نفس أسطوانة برت باكاراك على الجانب الآخر من النافذة.

هل كان عليّ أن أمارس الحب معها؟

هذا هو السؤال المحوري في هذه القصة!

ربما كانت الإجابة  أكبر مني، حتى الآن لا أدري، هناك أشياء لا نفهمها أبدًا، مهما تراكمت خبراتنا، ومهما تَقَدَّم عمرنا. كل ما أستطيع فعله هو أن أنظر من القطار ناحية النوافذ التي قد تكون إحداها نافذتها، أحيانًا أفكر أي نافذة قد تكون لها وأحيانًا أقول إن نافذتها ليست من بين هذه النوافذ. في حقيقة الأمر هناك العديد من النوافذ.

برت باكاراك: مغني و ملحن و كاتب أغنيات أمريكي. [1]

(*) 

نُشرت القصة عام 1993



ترجمة: أحمد طارق



ديسمبر 2018



عن ترجمة جاي روبن للإنجليزية

محمود الحجيري.... عن ذلك الاستاذ الذي قال لي "عفاك يا شاطر انت بتفكر"

أبريل 28, 2019 اضف تعليق



عشت مرحلة الطفولة بطريقة قاسية، بسبب الآلام التي حطت رحالها في جسمي منذ ولدت ولازمتني سنوات طوال، تحملت الوالدة الاعباء بتعبها وحنانها، وقد تحولت بفضل ذلك الى ممرضة ماهرة حيث بدأت تعطيني الحقن في العضل بطريقة بارعة خالية من مسببات الالم، ورغم ذلك فقد استسلمت اكثر من مرة امام شبح الموت، وارسلت وراء اخوتي وبدأت بإعداد الكفن حسب ما روت لي...

 وحان موعد المدرسة والضيف الثقيل والفتاك، يرفض المغادرة ورغم محاولاتي المتعثرة النهوض لكن دون جدوى، حيث بقي رابضاً على صدري واكتافي ما يزيد عن السنتين من رنين جرس المدرسة، وبعدها تنفست الصعداء واهلي، وخرجت الى ظلال اشعة الشمس اقطف من ثمارها، مترنحاً بعد ان حرمت منه لسنوات وجودي في كواليس الحياة، وبعد اسابيع قصدت المدرسة القريبة من المنزل فوجدتها شبه مغلقة في وجهي بسبب التأخير فاصطحبوني اولياء امري، والدي واخي، يتلمسان الاعذار بسبب ثقل المرض الذي اصابني، وعندما فتح الباب حملني احد المعلمين من تحت إبطي ووضعني في الصف، وهكذا خطوت الخطوة الاولى قس اتجاه المدرسة وممارسة الحياة.

 وفي العام الثاني، انتسبت الى المدرسة الرسمية في البلدة التي، تبعد عن البيت ما يزيد عن الالفي متر، كنت اقطع المسافة سيرا بكل همة ونشاط وقد توطدت علاقتي مع التلاميذ والهيئة التعليمية، واصبحت عضوا فاعلا في "مجتمع الاولاد"، وكان يوجد في المدرسة ناظر مرح يحاول دائما ان تكون الابتسامة والنكتة والموقف المرح بينه وبين التلاميذ، وكان يلعب دور المعلم الاحتياط حيث يحل مكان المعلم المتغيب من اجل ضبط الصف والتخفيف من الضوضاء التي يحدثها التلاميذ في الملعب خلال الدوام، وكان للناظر دروسه الخاصة، يعطيها دون مادة المعلم المتغيب، وكل تلاميذ المدرسة يعرفون مواد الناظر، ويتمنون ان يغيب معلمهم حتى ينالوا احد دروس الناظر، وهو رسم بطة او رسم وردة على الصبورة وعلى التلاميذ نقلها على دفاترهم، والاهم هي اوقات التصحيح وعرض الرسومات على الناظر او شرح درس دين وهو شرح اية او سورة قرآنية او حديث نبوي. كنا في الصف الثالث ابتدائي، وشاءت الاقدار وحل علينا الناظر ضيفاً واستاذا عزيزاً، رحبنا به مسرورين وبعد ان صال وجال في الصف واشعل سيجارته وقف امامنا وقال: اليوم عنا درس دين يا شاطرين.. واتجه الى الصبورة ليكتب "سورة الفيل"، وقرأها مرة وطلب من عدد من التلاميذ قراءتها ومن ثم شرح لنا السورة. وتحدث عن حيثيات نزولها، ومرّ على الحوار الذي جرى بين ابرهة الحبشي وعبد المطلب سيد قريش وجد الرسول، وشدد على قوله التاريخي "اعطيني ابلي وللكعبة رب يحميها ". وكان هذا الحدث عام ولادة محمد، وانهى شرحه ناظرنا الفاضل بسؤال: من عنده سؤال يا شاطرين؟ فرفعت يدي في لحظة هرج ومرج فطلب السكوت، وقال اسمعوا زميلكم الشاطر ماذا سيسأل، فقلت: هذه الحكاية حدثت عام ولادة الرسول يعني في زمن الجاهلية وعبادة الاوثان؟ فأجاب بنعم، وتابعت وعندما يقول جد الرسول ان للكعبة رب يحميها يعني مقتنع برب كبير قادر على حماية الكعبة؟ فأجاب بنعم وتابعت سؤالي يعني الرسول لم يضف جديد؟ فوقف لحظات صامتاً قبل ان يرن الجرس وفرصة الساعة العاشرة وقال: "بعدين بجاوبك"، الان اخرجوا الى الملعب وخرجنا لمدة نصف ساعة، نلهو ونلعب ومن يحمل سندويشة يأكلها، وانهينا كل طقوس الفرصة قبل ان يحمل الناظر جرسه اليدوي ويقرعه. فانتظمنا في صفوف وبدا يعطي الاشارة لكل صف بالدخول ووصل الدور إلى صفنا وانطلقنا بعد اشارته بحركة من عصاه، وعندما وصلت الى القرب منه، مسكني من كتفي وسحبني جانباً وقال: "خليك هون"... فارتعدت فرائضي وسيطر الخوف عليّ وخيمت العقوبة والقصاص على مخيلتي مع اني لم أتذكر أي ذنب اقترفته. انتظرت دقائق قليلة لكنها قاسية ومضنية، وبعد ان انهى عمله وادخل التلاميذ الى صفوفهم، اقترب مني ومد يده ليسلم عليّ، وانحنى ليصافحني وربت على ظهري عدة مرات وقال: "عفاك يا شاطر انت بتفكر"، ولكني لم أفهم في حينه معنى "تفكر"، ولم اعرف ماذا فكرت! ولم يجاوبني على سؤالي مثلما وعد.

ومرت الأيام وكبرنا، خرجت من المدرسة وبقيت على علاقة مودة مع استاذي الناظر، نلتقي بشكل متقطع نتحدث في مواضيع متعددة ومتشعبة. وفي احدى الجلسات قبل رحيل استاذي بمدة قصيرة وكان قد مضى على حكايتنا عشرات السنين، احتدم النقاش بيننا بحضور عدد من الاصدقاء، احتد استاذي وقال: "انت غريب، ومشكلتك انك خلقت هيك، لا تأثرت بأحد ولا احد اثر عليك"، وضحك وتابع متذكرا يوم كنت طفلا مفعوصاً والسؤال الذي سألته إياه وروى للموجودين ما جرى بيننا منذ ما يزيد عن الاربعين سنة.

الحركة السورياليّة في بيروت الثلاثينيّات «دخلنا الفنّ من باب المطبخ»

أبريل 28, 2019 اضف تعليق

معمار ونقيب المهندسين اللبنانيّين. قدّم جاد تابت هذا العرض في ورشة «الطليعة وشبكة علاقاتها، السورياليّة في باريس، وشمال أفريقيا، والشرق الأوسط منذ الثلاثينيّات» في «المنتدى الألمانيّ لتاريخ الفنّ» في باريس و«المعهد الألمانيّ للأبحاث الشرقيّة» في بيروت، في ١٥ و١٦ تشرين الثاني /نوفمبر ٢٠١٦.

ترجمة يزن الحاج ... عن مجلة "بدايات"
______________
هذه ليست ورقة أكاديميّة. إنّما هي مقدّمة لقصّة كنت أحاول إعادة تركيبها منذ سنوات عديدة، كهاوٍ لا كباحثٍ صارم، محاولاً ملء فجوات المادّة الأرشيفيّة مستعيناً بذكريات العائلة والأصدقاء.
إنّها قصّة خمسة شبّان في بيروت خلال حقبة الانتداب الفرنسيّ، ومواجهتهم غير المعقولة مع الطليعة الحديثة.
إنّها قصّة منسيّة، وتشكّل جزءاً من الانتفاضات الثقافيّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة الراديكاليّة التي عمّت هذه المنطقة خلال النّصف الأوّل من القرن العشرين، منذ سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة حتى صعود الحركات القوميّة في الخمسينيّات.
بدأ كلّ شيء في حديقة: غوطة دمشق، الواحة التي رسمها نهر بردى، الذي يفصل المدينة عن المروج الجافّة المتاخمة للبادية السوريّة. اعتاد أربعة شبّان السفر مرّةً كلّ شهر من بيروت بالقطار لزيارة صديقهم الأكبر سنّاً الذي استقرّت عائلته في دمشق منذ سنوات عدّة. خمسة شبّان تلاقوا في مدرسة الفرير - إخوة المدارس المسيحيّة في بيروت وباتوا أصدقاء متلازمين دوماً.
كانوا أنطون تابت، أبي، الذي كان يدرس الهندسة ويحلم بالرسم والعمارة، جورج شحادة وأنطوان موراني اللذين كانا يدرسان الحقوق ويحلمان بالشعر، إسكندر أبو شعر الذي أراد أن يصبح رسّاماً ونعمة إدّه، أكبر الأصدقاء سنّاً، الذي أنهى دراسة الحقوق وكانت عائلته تقيم في دمشق. خمسة شبّان دخلوا الفنّ «من باب المطبخ» كما كتب جورج شحادة في إحدى قصائده الأولى.
كان لبنان وسورية آنذاك تحت حكم الانتداب الفرنسيّ. بعد هزيمة العثمانيّين عام ١٩١٨ وما تبعها من تفكّك الإمبراطوريّة العثمانيّة، أطلقت معاهدة سيفر وقبلها مؤتمر سان ريمو بداية الانتداب البريطانيّ في فلسطين والانتداب الفرنسيّ في لبنان وسورية، بحسب اتفاق سايكس - بيكو الذي وقّعته القوّتان الأوروبيّتان. في أيلول / سبتمبر ١٩٢٠، أعلن الجنرال غورو تأسيس دولة لبنان الكبير وعاصمتها بيروت، وقد مُنحت المنطقة الجديدة علماً يتكوّن من العلم الفرنسيّ مع إضافة الأرزة اللبنانيّة.
لكنّ هذه المستعمرة التي فرضتها القوى الأوروبيّة واجهت معارضة قطاعات كبيرة من المجتمع. في آب / أغسطس ١٩٢٥، دعا الزعيم الدرزيّ سلطان باشا الأطرش الجماعات الإثنيّة والدينيّة المتنوّعة في سورية إلى معارضة الهيمنة الأجنبيّة على أراضيهم. ومع أنّ الثورة السوريّة الكبرى أخفقت في تحرير سورية من الانتداب الفرنسيّ، إلّا أنّها مثّلت أحد أكبر وأطول عصيان شعبيّ في المشرق العربيّ في مرحلة ما بين الحربين العالميّتين، وكان لها أثر عميق في انتشار الأفكار القوميّة والمناهضة للاستعمار.
في هذه الأثناء، سرَّع قيامُ الانتداب الفرنسيّ سيرورةَ التحديث التي كانت التنظيمات في جميع أرجاء الإمبراطوريّة العثمانيّة قد أطلقت شرارتها منذ منتصف القرن التّاسع عشر. وكان أقصى تجلّيات هذه السيرورة في بيروت التي أصبحت عاصمة دولة لبنان الكبير، مقرّ الإدارة المركزيّة للانتداب وواجهة فرنسا في المشرق. ومن خلال انتزاع الملكيّات وتهديمها عملت السّلطات الفرنسيّة على تجديد وسط مدينة بيروت، وافتتحتْ شوارع جديدة تحمل أسماء المنتصرين (شارع الجنرال أللنبي، جادّة المارشال فوش، شارع المارشال ويغان، إلخ.)، وأُزيل النّسيج المدينيّ القديم ليفسح في المجال لمخطّطات جديدة، صُمّمت بالتوافق مع مبادئ الفنون الجميلة.

الفرسان الخمسة
على الصعيد الثقافيّ، كان المسؤولون الفرنسيّون يناصرون الحركة الفينيقيّة وترويجها لهويّة لبنانيّة منفصلة عن هويّة البلدان الشرق أوسطيّة المجاورة. كانت مجلة شارل قرم المجلة الفينيقيّة تصدر في فرنسا، وقد اجتذبت النخبة المسيحيّة المثقّفة اللبنانيّة.
كان الرسّامون الأكاديميّون ميّالين إلى البورتريهات واللوحات الفولكلوريّة، وهيمنت الإحالات الاستشراقيّة والثيمات الدينيّة على المشهد الفنيّ، بمعجم يتأرجح بين النيو-كلاسيكيّة والرومانتيكيّة المُلطَّفة.
في هذا الجوّ بالذّات كان «الفرسان» الخمسة، كما كانوا يسمّون أنفسهم١، يتجوّلون بين بيروت ودمشق والمنتجعات الصيفيّة المجاورة في جبال لبنان: بحمدون، بلدة عائلة تابت وبكفيّا حيث كانت عائلة شحادة تستأجر بيتاً صيفيّاً.
مع أنّهم كانوا يتحدّثون العربيّة، إلّا أنّ الفرنسيّة كانت لغة الثقافة بالنسبة إليهم. وفي مطلق الأحوال، كانوا يشعرون بعدم ارتياح إزاء البيئة التقليديّة المحافظة التي كانت تسم مجتمع بيروت في ظلّ الانتداب الفرنسيّ، الذي يميّزه مزيج من الريفيّة والأبّهة الطنّانة.كان «فرساننا» الشّبان كلّهم فرنسيّي الثقافة، ومع أنّهم كانوا يتحدّثون العربيّة، إلّا أنّ الفرنسيّة كانت لغة الثقافة بالنسبة إليهم. وفي مطلق الأحوال، كانوا يشعرون بعدم ارتياح إزاء البيئة التقليديّة المحافظة التي كانت تسم مجتمع بيروت في ظلّ الانتداب الفرنسيّ، الذي يميّزه مزيج من الريفيّة والأبّهة الطنّانة.
كتب جورج شحادة لأنطوان موراني عام ١٩٢٦: «عزيزي أنطوان، الأمور كلّها جيدة في بيروت، نشعر بالملل، نشعر بالملل. ... جاءتني هديّة منذ أسبوعين هي مسدّس براوننغ دوّار، يتّسع لستّ رصاصات أو سبع. ها قد حانت فرصة عظيمة كي تقتلني حين يؤون الأوان... لديّ ثلاث رصاصات، سأترك لك واحدة».
جاء الخلاص من ... برشلونة. كان غابرييل بونور، مدير المعهد الفرنسيّ في العاصمة الكتالونيّة، قد عُيّن مفتّشاً للتعليم الثانويّ في سورية ولبنان عام 1923، ومن ثمّ بات القنصل الثقافيّ الفرنسيّ عام 1928. وعلاوةً على كونه مريداً مقرّباً من أندريه سواريز، كان بونور ناقداً للشعر في مجلة نوفيل روفو فرانسيز [المجلة الفرنسيّة الجديدة]، حيث كان مهتماً على الأخصّ بالحركة السورياليّة وساعد في ترويج أعمال ماكس ياكوب، مارسيل جواندو، أونري ميشو، رينيه شار، بيير جان جوف، وآخرين.
في ذلك الوقت، كانت الحركة السورياليّة قد رسّخت نفسها في المشهد الثقافيّ في أوروبا. بدأت مجلة ريفولوسيون سورياليست [الثورة السورياليّة]إصدار أعدادها عام ١٩٢٥، كما نُظّم أوّل معرض للفنّ السورياليّ على يد أندريه بروتون وروبير دسنوس في باريس في العام نفسه.
لا نعرف تماماً كيف التقى بونور بفرساننا. وعلى أيّة حال، سرعان ما ترسّخت علاقة وطيدة فتحتْ آفاقاً جديدة للشبّان الخمسة.

اللقاء بسورياليّي باريس
حدثت نقطة فاصلة عام ١٩٢٧ حين سافر أنطون تابت إلى باريس لـ«يتخصّص» في العمارة بعدما نال شهادته في الهندسة٢. قدّمه بونور إلى أندريه لوت، الرسّام الفرنسيّ المشرف على الرسم السورياليّ في مجلّة نوفيل روفو فرانسيز وإلى أوغوستو بيريه، مروّج عمارة الإسمنت المسلّح في فرنسا آنذاك.
من خلال هذه العلاقات، التقى تابت بسورياليّي باريس واكتشف الاهتمامات الفنيّة والسياسيّة التي تعتنقها الحركة السورياليّة. كانت تلك فترةً تشهد فيها السورياليّة تحوّلاً في موقعها من حركة سياسيّة ترفض الانضواء تحت أيديولوجيا محدَّدة، إلى تحالف مع الماركسيّة واعتناق لخطاب مناهض للكولونياليّة تبدّى بوضوح في الموقف الراديكاليّ الذي اعتنقوه حيال حرب الريف في المغرب.
عام ١٩٢٩، إثر عودة تابت إلى بيروت، لاحتْ فرصة جديدة للشلّة على يد جورج نقّاش، الصحافيّ الشهير الذي يرأس تحرير جريدة لوريان، أهمّ الجرائد الناطقة بالفرنسيّة في بيروت. في ١٦ حزيران / يونيو من ذلك العام، صدر ملحق أدبيّ ضمّ تقديماً لجورج نقّاش، وقصائد لجورج شحادة وأخته لوريس، ومجموعة «جثث مُتقَنة»٣ لأنطوان موراني، وتأريخاً عمرانيّاً غير تقليديّ لأنطون تابت.
كان من المفترض أن يكون ملحق لوريان ليتيرير إصداراً شهريّاً. وفي الواقع، لم يصدر منه إلّا عدد واحد. وكما قال لي أبي، كان السبب هو البغض القويّ بين الشلّة وبين رسّام كان مشهوراً آنذاك، هو جورج داوود قرم، الذي كان يشجب علناً الماركسيّة، والتحليل النفسيّ، والسورياليّة وأشكال الفنّ الحديث قاطبةً، مُسبّحاً بحمد إحياء النهضة الكلاسيكيّة. كان من المفترض أن يضمّ العدد الثاني من الملحق لوحةًتمثّل قدماً تحمل فرشاة رسم بعنوان «الرسّام جورج قرم»، وقد كان معناها الضمنيّ يشير إلى تعبير فرنسيّ يعني أنّ قرم رسّام فاشل «يرسم مثل قدم» (Il peint comme un pied).
لم يكن ممكناً قبول مثل هذا الموقف الاستفزازيّ في جريدة برجوازيّة مثل لوريان، لذا توقّف الإصدار، ما تركنا أمام عدد وحيد من الملحق الأدبيّ.
في السنوات الأولى من العقد الجديد، أثّرت أحداث متلاحقة في الشلّة. فيما توظَّف جورج شحادة على يد غابرييل بونور كمساعد له في خدمات التعليم العام التي أنشأتها سلطات الانتداب، عمل أنطوان موراني في مكاتب شركة الخطوط الحديديّة «دمشق، حماه، وتوابعها» وعمل نعمة إدّه محامياً في شركة محاماة كبيرة في دمشق بينما افتتح أنطون تابت مكتبه الخاص لهندسة العمارة، ليصبح بسرعة رائد العمارة الحديثة في لبنان وسورية.
وبحلول عام ١٩٣٣، سافر شحادة بدوره إلى باريس حيث تقرّب من شاعر شابّ من الإسكندريّة، هنري القيّم وصديقته مارته كازال، التي ستلهم شخصيّة جوستين في رباعيّة الإسكندريّة للورنس داريل. برفقة صديقيه الجديدين، زار شحادة أندريه لوت، وسان جون بيرس، وجان بولان، وماكس جاكوب، كما نشر قصائده الأولى في نوفيل روفو فرانسيز.
وبعد عودة شحادة إلى بيروت، توسّعت الشلّة بضمّ قادمين جدد: جورج سير، رسّام فرنسيّ جاء إلى بيروت عام 1934 وجلب معه تأثير الحركات الحداثيّة في باريس. وصار مشغله في عين المريسة، حيث كان يدرّب أجيالاً شابّة من الرسّامين، مكان لقاء الشلّة.
كان القادم الجديد الآخر الذي انضمّ إلى الشلّة هي روزماري أولييه، شاعرة فرنسيّة باتت مساعدة بونور المقرّبة، ومن ثمّ عفويّاً حبيبة أنطون تابت.
ثمّة لوحة أهداها جورج سير لأبي مؤرّخة في عام 1936 تُصوِّر «غداءً على العشب» في مرتفعات تلّة الخيّاط، حيث يبدو بيت الرسّام اللبنانيّ عمر الأنسي في الواجهة. وبإيحاء رمزيّ، نجد مواضع الشخوص المختلفين في المشهد في دائرة حول غابرييل بونور، الذي يقف وحيداًفي مركز اللوحة.
ومن الفترة ذاتها، هناك صورتان شخصيّتان لجورج شحادة رسمهما سير وتابت، بورتريه لتابت رسمه سير، حيث يحمل باقة كبيرة من الأزهار ملفوفةً بالجريدة الشيوعيّة الفرنسيّة لومانيتيه، وقصيدة لجورج شحادة بعنوان «أنطون تابت، معماريّ»، كُتبت أوائل الثلاثينيّات ونُشرت للمرّة الأولى عام ١٩٥٠ في باريس عن دار GLM.

السورياليّون في السياسة الدوليّة
لكنّ أواسط الثلاثينيّات شهدتْ أيضاً أحداثاً كبرى لعبت دوراً ملموساً في إعادة تعريف الانتماءات السياسيّة ضمن الشلّة. في تشرين الأول / أكتوبر ١٩٣٥، اجتاح موسوليني إثيوبيا منتهكاً بوضوح المادّة العاشرة من ميثاق عصبة الأمم. منحت المملكة المتّحدة وفرنسا لإيطاليا حريّة التصرّف كي تضمن حياد إيطاليا في حال نشوب نزاع مع ألمانيا. وقد تسبّبت السّمة الكولونياليّة للحرب واستخدام الأسلحة الكيميائيّة على يد القوّات الإيطاليّة بردود أفعال متباينة لدى الرأي العام العالميّ. فبينما أصدرت حفنة من المثقّفين اليمينيّين الفرنسيّين بياناً يمتدحون فيه تفوّق الغرب وحقّه في «إدخال التحضُّر إلى البلدان المتخلّفة»، صدر بيان مضادّ يدعو إلى احترام القانون الدوليّ وقّعه كتّاب وفنّانون أوروبيّون، كانت للحركة السورياليّة فيه مشاركةٌ فعّالة.
اجتذب الصعود المتسارع للفاشيّة الإيطاليّة والنازيّة الألمانيّة بعض المقلّدين في لبنان وسورية. إثر حضوره في الألعاب الأولمبيّة الصيفيّة في ميونخ عام ١٩٣٦، أسّس بيار الجميّل حزب الكتائب اللبنانيّة، وهو تنظيم يمينيّ مسيحيّ شبه عسكريّ. كما تبدّى صعود الأيديولوجيّات الشموليّة أيضاً في تأسيس أنطون سعادة للحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ الذي يهدف إلى توحيد المنطقة التي سمّاها «سوريا الطبيعيّة»، وتبدّى أيضاً في تأسيس حزب النجّادة، وهو تنظيم قوميّ عربيّ انتشر بين شباب المسلمين السنّة، أسّسه محيي الدين النصّولي وعدنان الحكيم، وكلاهما من المعجبين المتحمّسين بأدولف هتلر وبنيتو موسوليني.
في أيار / مايو ١٩٣٦، أُعلن عن تأسيس الحركة المناهضة للفاشيّة في سورية ولبنان من خلال بيان كتبه أنطون تابت. وفي المجال الثقافيّوالفنيّ، امتدح البيانُ الفنَّ الثوريَّ الذي يلعب دوراً في الصراع ضد الفاشيّة.في أيار / مايو ١٩٣٦، أُعلن عن تأسيس الحركة المناهضة للفاشيّة في سورية ولبنان من خلال بيان كتبه أنطون تابت. وفي المجال الثقافيّوالفنيّ، امتدح البيانُ الفنَّ الثوريَّ الذي يلعب دوراً في الصراع ضد الفاشيّة. وبعد انتخابه رئيساً للمنظّمة الجديدة، تقرَّب تابت من الحزب الشيوعيّ وبات منخرطاً أكثر فأكثر في النّشاطات السياسيّة.
ومع أنّ أصدقاءه لم يقتفوا خطاه في هذا الدّرب، إلّا أنّ علاقتهم لم تنقطع وواصلت الشلّة لقاءاتها بانتظام. لكنّ تبايُن المواقف السياسيّة تفاقمَ بعدما تزوّجت شقيقة جورج شحادة من الدبلوماسيّ الإيطاليّ جيورجيو بنتسوني الذي كان يمثّل النظام الفاشيّ في بولندا ويوغوسلافيا.
ثمّة إهداء كتبه شحادة عام ١٩٣٧ على الصفحة الأولى من مجموعة قصائد مكتوبة على الآلة الكاتبة قدّمها إلى تابت، يبدو أنّه يشير إلى أنّ تلك الفترة شهدت سجالات محتدمة بين الصديقين:
«إلى مدير أعمالي الشعريّ أنطون (...) برغم الديمقراطيّات والدكتاتوريّات كلّها»
وسوف يخلق اندلاع الحرب العالميّة الثانية وضعاً جديداً تماماً. فبعد استسلام فرنسا في حزيران / يونيو ١٩٤٠، باتت سورية ولبنان تحت حُكم حكومة فيشي. حُظرت الحركة المناهضة للفاشيّة وسُجن تابت لفترة قصيرة. ولكن في أيار / مايو ١٩٤١، وبعد انقلابٍ أسهمَ في سيطرة رشيد عالي الكيلاني المناصر لدول المحور على مقاليد الحكم في العراق، أعادت بريطانيا احتلال العراق وشنّت حملة عسكريّة بدعم من قوى فرنسا الحرة للسيطرة على سورية ولبنان.
لكنّ هزيمة جيش المشرق التابع لحكومة فيشي لم تُسهم بطبيعة الحال في إنهاء خطر حملة مضادّة على يد قوّات المحور. في نيسان / أبريل١٩٤٢، كان فيلق أفريقيا التابع لرومل على مسافة أقلّ من ١٥٠ ميلاً من القاهرة، ما شكّل تهديداً على قناة السويس وحقول النّفط الشرق أوسطيّة والفارسيّة. ولم ينقلب مسار حملة شمال أفريقيا إلّا في تشرين الثاني / نوفمبر من العام ذاته بفضل معجزة انتصار البريطانيّين في معركة العَلَمين.
وفي سورية ولبنان، تعزّزت البروباغندا المناصرة للفاشيّة حينما فرّ الزعيمان الحاج أمين الحسيني ورشيد الكيلاني إلى برلين. كان بونور، وأولييه، وسير قد انضمّوا إلى قوّات فرنسا الحرّة من البداية وأبدوا نشاطاً فعّالاً في تنظيم الحملة الأيديولوجيّة المضادّة.
تغيّر اسم «الحركة المناهضة للفاشيّة» ليصبح «الحركة المناهضة للفاشيّة والنازيّة» التي واصلت نشاطها، فيما ساهم تابت، مع مثقّفين بارزين مثل عمر فاخوري، ورئيف خوري، والشاعرة والمناضلة النسويّة إميلي فارس إبراهيم في تأسيس مجلّة «الطريق» الثقافيّة الناطقة بالعربيّة، التي كانت تهدف إلى ربط النّضال ضدّ الفاشيّة بالنّضال من أجل الحريّة والاستقلال الوطنيّ.
وفي حقيقة الأمر، ومنذ انتصار قوّات فرنسا الحرّة على جيش فيشي، أعلن الجنرال جورج كاترو، المندوب المفوَّض من الجنرال ديغول، استقلال لبنان بالنّيابة عن حكومته. ومع ذلك، واصل الفرنسيّون الإمساك بمقاليد السلطة الفعليّة حتى تشرين الثاني / نوفمبر ١٩٤٣، حينما أدّت الاحتجاجات الشعبيّة والضغط الدوليّ إلى استقلال لبنان. وفي هذه الأثناء، باتت بيروت مركز لقاء لعدد من المثقّفين الفرنسيّين، من كتّاب وفنّانين هربوا من نظام فيشي الرجعيّ. كما قدّمت العاصمة اللبنانيّة ملاذاً آمناً نسبيّاً للمناضلين ضدّ الفاشيّة وللّاجئين اليهود.

مؤسّسات ثقافيّة جديدة
تحت إدارة أونري سيريغ ودانييل شلومبرجيه، أصبح المعهد الفرنسيّ للآثار الشرقيّة، الموجود في قصر الأمير عبد القادر الجزائريّ القديم قرب حيّ الزيتونة، منتدى للسّجالات والنّقاشات المحتدمة بشأن الصّلات بين الثقافة والسّياسة. كما كان مكتب أنطون تابت في منطقة المعرض يستضيف، في الخميس الأوّل من كلّ شهر، محاضرات عامّة عن الماركسيّة يلقيها المستشرق اليهوديّ الفرنسيّ مكسيم رودنسون. وكان أفراد الشلّة يشاركون بفاعليّة في هذه النّشاطات الثقافيّة.
وعلى نحو عفويّ، باتت العلاقات بين أفراد الشلّة أمتن أكثر بعد زواج أنطون تابت وأنطوان موراني بشقيقتَيْ نعمة إدّه ماري وسارة. وفي الوقت ذاته، تلاشى سوء الفهم السياسيّ الذي أثَّر سلباً على هذه العلاقات بعد إقدام النظام الفاشيّ على اعتقال صهر شحادة، الدبلوماسيّالإيطاليّ جيورجيو بنتسوني، بسبب معارضته للتحالف بين موسوليني وهتلر.
وفعليّاً، كانت السنوات الأولى التي تلت استقلال لبنان ثريّة في المشهد الثقافيّ على الأخصّ. عام ١٩٤٤، أسّس غابرييل بونور في بيروت المدرسة العليا للآداب، وهي معهد تعليم عالٍ للآداب والعلوم الإنسانيّة، عُيّن شحادة سكرتيراً عامّاً له. وتأسّست الأكاديميّة اللبنانيّة للفنون الجميلة في العام ذاته، حيث تُقدّم دورات تعليميّة في العمارة، والرسم، والنحت، والموسيقى. ومع مرور السنوات، حقّق الفنّالحديث أولى انتصاراته وصار مقبولاً على نطاق كبير في المجتمع اللبنانيّ.
مخترقين للحدود الوطنيّة، بدأ الفنّانون الحديثون تعزيز علاقاتهم بنظرائهم في البلدان المجاورة. دعت جماعة الفنّ والحريّة المصريّة فنّانين عدّةً من لبنان ليشاركوا في «المعرض الثالث للفنّ المستقلّ» الذي افتُتح في فندق الكونتيننتال في القاهرة. وإلى جانب جورج سير وأنطون تابت، شارك فنّانان فرنسيّان يعملان في لبنان (أونري بيير فورتييه وجانفييف مورون) والفنّان اللبنانيّ عمر الأنسي في هذا المعرض.
إنّ تحديد الموعد الدّقيق لافتتاح المعرض يثير إشكاليّات دائمة. تشير معظم الإحالات إلى أيار / مايو ١٩٤٢، وهذا صعب التّصديق بما أنّرومل كان على مشارف القاهرة في ربيع ذلك العام. وقد اكتشفتُ لاحقاً ملاحظةً صغيرةً أرسلها جورج سير لأبي يتحدّث فيها عن أيار / مايو١٩٤٣، وهذا التاريخ أكثر ترجيحاً، مع أخذ الوضع العسكريّ والسياسيّ آنذاك بالاعتبار.
ومع أنّ جماعة «الفنّ والحريّة» كانت حركةً سورياليّة أساساً، فمن الواضح أنّ الأعمال التي أُرسلت من لبنان ذات صلة ضئيلة بالسورياليّة. وبذلك يمكن تأويل سبب إرسال الدعوات إلى فنّانين من لبنان بكونها محاولةً من الجماعة المصريّة لبناء علاقات إقليميّة إلى جانب العلاقات التي توطّدت مع رموز الحركة السورياليّة العالميّة.
وتوسّعت هذه المحاولة لتكوين شبكة فنيّة إقليميّة على نحو أكبر ذلك العام مع افتتاح معرض كبير في متحف بَصَلْئِيل اليهوديّ في القدس بعنوان «الفنّ الحديث في لبنان». نُظّم المعرض على يد غابرييل بونور، وروزماري أولييه، وجورج سير الممثّلين للّجنة العامّة لفرنسا المُحارِبة في لبنان.
اتّسعت جماعة الفنّانين الذين شاركوا في معرض الفنّ والحريّة لتضمّ فنّانين ومعماريّين آخرين ليعبّروا بشكل أفضل عن مظاهر الفنّالحديث المتنوّعة في لبنان.
امتدّ المعرض الذي ضمّ ٧٢ عملاً فنيّاً من ١٢ كانون الأوّل / ديسمبر ١٩٤٣ حتى ٤ كانون الثاني / يناير ١٩٤٤ بمشاركة ٧ رسّامين ونحّاتين ومعماريّين لبنانيّين وفرنسيّين مقيمين يمثّلون التيّارات الفنيّة الحديثة في لبنان. وكان من المفترض افتتاح معرض بعنوان الفنّ الحديث في فلسطين في بيروت في وقت لاحق من عام ١٩٤٤ ولكن لم يُفتَتح هذا المعرض لأسبابٍ مجهولة.
تكشف المراسلات المحفوظة في أرشيف متحف بصلئيل اليهوديّ عن تباين آمال الأشخاص المتعدّدين الذين شاركوا في هذا الحدث الفنّيّ. فبينما سلطات فرنسا الحرّة تعدّ معرض القدس حدثاً سياسيّاً يعبّر عن عودة فرنسيّة في منطقة تسيطر عليها بريطانيا، كان الفنّانون المشاركون في المعرض يتوقون في المقام الأوّل لتقوية العلاقات مع المشهد الفنّيّ الفلسطينيّ، بهدف خلق تآزرات ثقافيّة على الصعيد الإقليميّ.
ومن جهة أخرى، تعبّر المراسلات المتبادلة بين مدير متحف بصلئيل اليهوديّ، مردخاي نركيس، والمنظّمة الصهيونيّة العالميّة عن النيّة المُضمَرة في أن يكون المعرض خطوةً أولى باتّجاه الاعتراف بالحركة الصهيونيّة في لبنان وسورية. وقد تكون هذه الآمال المتناقضة هي السبب في أنّ محاولة تكوين علاقات دائمة بين الفنّانين الحديثين في لبنان وفلسطين، وعلى الصعيد الإقليميّ على نحو أوسع، قد باءت بالفشل.

نكبة فلسطين والانقلابات
على النّقيض من جوّ الانتشاء الذي ساد بعد الانتصار على الفاشيّة وفي السنوات بعد الاستقلال، أمسى الوضع السياسيّ قاتماً أكثر ممّا كان عليه في أواخر الأربعينيّات. تسبّبت الحرب العربيّة - الإسرائيليّة بنكبة فلسطين وبإحداث تغيّرات هائلة في أنحاء الشرق الأوسط.
استقرّ اللاجئون الفلسطينيّون في مخيّمات لجوء في جميع أرجاء العالم العربيّ فيما بدأت الجماعات اليهوديّة بمغادرة البلدان العربيّة والهجرة إلى دولة إسرائيل حديثة الولادة علاوةً على أوروبا والولايات المتّحدة.
وأشعلت الهزيمة العربيّة سلسلة من الانتقاضات التي هزّت المنطقة العربيّة. شهدت سورية ومصر انقلابات عسكريّة غيّرت التوازنات السابقة واعتنقت أجندة قوميّة صارمة مناهضة للإمبرياليّة، تبدّت عبر خطاب وطنيّ حماسيّ. أمّا الحرب الباردة التي حلّت محلّ التعاون الدوليّ في فترة ما بعد الحرب فقد طرحت استقطابات جديدة إضافةً إلى توتّرات سياسيّة وعسكريّة انعكست على وضعٍ إقليميّ غير مستقرّ.
أفضت الظّروف الجديدة التي انبثقت من هذه التحوّلات الراديكاليّة إلى تقلّص قدرة الثقافات المحليّة على التواصل مع الثقافات الأخرى وإلى نكوصها نحو مواقف منصاعة ضيّقة. وتشوّهت الحداثة بفعل خطاب قوميّ سياسيّوأفضت الظّروف الجديدة التي انبثقت من هذه التحوّلات الراديكاليّة إلى تقلّص قدرة الثقافات المحليّة على التواصل مع الثقافات الأخرى وإلى نكوصها نحو مواقف منصاعة ضيّقة. وتشوّهت الحداثة بفعل خطاب قوميّ سياسيّ تمحور حول تأويلات تبسيطيّة أحاديّة لأفكار التقدّم، والنّماء، والازدهار أو التطوّر. وبالتالي، فإنّ محاولات الطليعة الثقافيّة العربيّة في التّحريض على كسر الحواجز الوطنيّة من أجل المشاركة في مشروع حداثة راديكاليّة علاوةً على التزامها بثقافةٍ ذات سمة عالميّة بدت عتيقة الطّراز مقارنةً بهذه الوقائع المحليّة الجديدة.
أُرهقت الأزمنة بفعل وطأة قضايا ومشاغل أثّرت على العلاقات بين أفراد الشلّة اللبنانيّة. بالرّغم من مواجهات جرت أحياناً، مثل الكتابة الجماعيّة لمسرحيّة شحادة «سهرة الأمثال» عام ١٩٥٣ أو معارضة الحملة التي أطلقتها دوائر عسكريّة فرنسيّة حين عُرضت مسرحيّته «حكاية فاسكو» على مسرح «أوديون» عام ١٩٥٨، تشرذمت الشلّة إلى مصائر منفصلة، تروي قصصاً فرديّة.

تشتّت ومصائر فرديّة منفصلة
غادرت روزماري أولييه لبنان عام ١٩٤٧ وعُيّنت في منصب ملحق ثقافيّ في السفارة الفرنسيّة في أستراليا. وهنا، أُلقي القبض عليها في عمليّة جاسوسيّة غامضة. بعدما اتُّهمت بإفشاء معلومات للاستخبارات السوفياتيّة - كي جي بي عن الخطط العسكريّة الفرنسيّة في الهند الصينيّة، نالت براءتها إثر محاكمة طويلة ولكنّها باتت تعاني من البارانويا.
حين زرتها في باريس عام ١٩٦٨، استقبلتْني في غرفة خدم صغيرة لأنّها كانت تجزم بأنّ شقّتها في جادّة بوردونيه تعجّ بأجهزة التنصّت التي دسّتها السي آي إيه. وقد فارقت الحياة في باريس أواخر السبعينيّات.
غادر غابرييل بونور لبنان عام ١٩٥٢، حينما نشرت مجلّةٌ رسالةً شخصيّة كان قد أرسلها إلى صديق مصريّ، هو الفيلسوف عبد الرحمن بدوي، ينتقد فيها سياسة فرنسا في الجزائر والمغرب. وبعدما استدعتْه الكي دورسيه [وزارة الخارجيّة الفرنسيّة] ليتبرّأ من كلامه، رفض واستقال من المؤسّسة الفرنسيّة. سافر إلى مصر حيث رأس قسم الأدب الفرنسيّ في جامعة عين شمس، ومن ثمّ إلى جامعة الرّباط عام ١٩٥٩. تقاعد عام ١٩٦٥ وعاد إلى قريته مسقط رأسه في بريتاني حيث فارق الحياة عام ١٩٦٨. ومع نهاية الأربعينيّات، قاسى جورج سير أزمةًوجوديّةً، حيث بات يتشكّك في مكانته في المشهد الفنيّ المعاصر. وبعدما وقع أسير حوار عسير مع ما بعد التكعيبيّة، بقي منقسماً بين ارتباطه القويّ بالحياة الثقافيّة اللبنانيّة ورغبته في أن يُعترَف به في المشهد الفنيّ الباريسيّ. توفّي في بيروت عام ١٩٦٤. وقد انتقلت مجموعته الفنيّة، بحسب وصيّته، إلى كلٍّ من مدبّرة منزله وإلى زوجة جورج شحادة، بريجيت كوليريه.
جرّب أنطوان موراني ونعمة إدّه فتح شركة للاستيراد والتصدير خلال الخمسينيّات. وللأسف، لم يكن ذهناهما تجارياً أو ربّما كانا شغوفين بالشعر أكثر من الإدارة. عانيا من الإفلاس مرّات عديدة، وكان تابت يسدّد ديون صديقيه القديمين. وسافر نعمة إدّه إلى باريس بعد اندلاع الحرب اللبنانيّة. وقد عانى من مرض ألزهايمر في سنواته الأخيرة، وكان يردّد قصائد شحادة الأولى طوال اليوم.
صار أنطون تابت أحد أهمّ رموز حركة العمارة اللبنانيّة الحديثة خلال الخمسينيّات وبات منغمساً في السياسة أكثر فأكثر. كان عضواً في مجلس السِّلم العالميّ، وهو منظّمة دوليّة قريبة من الحزب الشيوعيّ شاركت بفاعليّة في ولادة وتطوّر حركة عدم الانحياز في آسيا وأفريقيا، وقد نال جائزة لينين للسلام مع فيديل كاسترو عام ١٩٦١. توفّي تابت في بيروت عام ١٩٦٤. وبعد عدّة سنوات من وفاته، وجدتْعائلته رسائل وصوراً متعلّقة بشلّة الأصدقاء، في دُرجٍ سريّ مُقفل.
جورج شحادة صار ... شحادة. نُشرت قصائده على نطاق واسع وتُرجمت إلى لغات عديدة، وعُرضت مسرحيّاته في جميع العواصم الأوروبيّة. بعد اندلاع الحرب اللبنانيّة، غادر إلى باريس عام ١٩٧٦ وتوفّي فيها عام ١٩٨٩. يقول زوّاره إنّه، في سنواته الأخيرة، كان دائماً ما يستذكر قصص شلّة الفرسان، مستعيداً ذكرى أصدقائه القدامى.

إلى أنطون تابت، معمارياً
جورج شحادة

في هذا المنزل الجنوبي
حيث تفسد حبّات الفستق،
كنتَ تبحث عن الممحاة
لتمحو خطاياك.

لا شك بأن عالِم الفِراسة
سوف يستسلم إذا كان عليه أن ينتظرك
طفلة نجلاء العينين
تحت سَدْل / كُمّة المصباح، طاقيةِ حَبر الفاتيكان الأعظم.

إنك تتنهّد عند كل درجة مئويّة:
القطن ثلج البلدان الحارّة!
وفي رأس المرسى
يلتمع بطن البواخر.

إنك تدخّن غلايين من الكلوروفورم
على طبقة أرضيّة من الكبّاد،
وهناك الحدائق طافحة
بلحى عَنزٍ ووَرد.

القاطراتٌ تتماسك بالأيدي
لتتجوّل في الجبل،
وأشجار الكينا على الطريق
تذكّرك بألسنة «ايزوب».

تريدُ لعِظامك أن تتمرّى
في الأحواض التي تكشف البَخت،
وفي مساءات الأمطار العظيمة
ندرك كم عبثية هي زخّات المياه!

bid2021_images_nounwalkalam_image004_rgb.jpg


تفاصيل من لوحة لجورج سير، ١٩٣٦
  • ١.الظروف الجديدة التي انبثقت من هذه التحولات
  • ٢.تعليق جانبيّ على موضوع التواريخ وسنوات الميلاد. في ذلك الوقت، نادراً ما كانت تواريخ الولادة المُسجَّلة في الأوراق الرسميّة دقيقةً. إذا اعتاد الناس على الكذب بشأنها كي يساعدوا الفتيات على إيجاد أزواج، وكذلك من أجل تأجيل اللحظة التي يُرغَم فيها الشبّان على الالتحاق بالخدمة العسكريّة. وكمثال على هذا، فإنّ تاريخ ولادة أنطون تابت بحسب السجلّات الرسميّة هو ١٩٠٧. ولكنّنا نعرف بأنّ تابت تخرّج من كليّة الهندسة عام 1926، بحيث يكون قد تخرج وهو في التاسعة عشرة، وهو عمر غير معقول، بخاصة ونحن نعلم أنّ معظم المدارس والكليّات كانت مغلقة لعدة سنوات خلال الحرب العالميّة الأولى.
  • ٣.الجثّة الفاتنة cadavre exquis : أسلوب سورياليّ في الكتابة والرسم يتشكّل فيه العمل من خلال تراكب كلمات أو صور، تبدأ الثانية من حيث انتهت الأولى، بحيث تكون علاقة التراكب منطقيّة من دون أن يكون النّتاج الأخير منطقياً بالضرورة.

" ستنحل في النهاية": قصة فيلم مارلين مونرو الذي لم يتم

أبريل 26, 2019 اضف تعليق



نجمة فيلم "البعض يفضّلونها ساخنة" طُردت من دورها السينمائي الأخير قبل أشهرٍ من وفاتها – وبعد مرور عقود يُماط اللثام أخيراً عن اللقطات المصوّرة غير المكتملة، تروي ألكسندرا بولارد

ألكساندرا بولارد كاتبة في مجال الفنون @alexjpollard الخميس 18 أبريل 2019 18:00

"مهلاً دقيقة! أنا آسفة، آسفة، آسفة حقاً." مارلين مونرو، ملتحفة فستانا أزرق اللون بشعرها الفضي المبلل، تُصوّر مشهداً من فيلم "ستنحل في النهاية" (Something’s Got to Give). لقد تعثّرت للتو في جملها، وهذه ليست المرّة الأولى. "أنا آسفة. هل يُمكننا... من البداية؟ آسفة." في غضون شهرٍ واحدٍ من هذا المشهد، ستكون نجمة هوليوود في عداد المطرودين. وفي غضون ثلاثة أشهر، ستكون في عداد الموتى. والفيلم لن يكتمل أبداً.

منذ وفاة مونرو بجرعةٍ زائدة من المهدّئات عن عمر 36 عاماً والأساطير تُحاك بلا انقطاع حول دورها التمثيلي الأخير المشؤوم. وفي أحد مشاهد فيلم "تحت بحيرة الفضة" ( (Under the Silver Lakeالجديد والمثير للجدل لديفيد روبرت ميتشل، تُخرج ريلي كيو ساقها العارية من الماء وتُمدّدها عند طرف المسبح، مؤديّةً تحية إجلال لأحد مشاهد فيلم مونرو القليلة المكتملة.

ليس ثمة الكثير من المشاهد الأخرى تُخَص بالتكريم. فمونرو، نادراً ما كانت تظهر في موقع التصوير. وعندما كانت تظهر، ثمة إجماع على رواية تزعم أنّها كانت "مزعجة عن قصد" وغير قادرة على حفظ نص دورها، وأنها كانت - حسبما ورد في وثائقي صدر عام 1990 بعنوان  "مارلين: ستنحل في النهاية" Marilyn: Something’s Got to Give)) - "تطفو في مشاهدها على غير هدى مكتئبة داخل غيمة من وحي المخدرات". ولكنّ الحقيقة أكثر تعقيداً بعض الشيء.

وكان القيّمون على أستوديو الأفلام يُدركون تماماً ما كانوا مُقدمين عليه: فالممثلة معروفة بعدم التزامها بالمواعيد وبيلي وايلدر – الذي أخرج فيلم "البعض يُفضّلونها ساخنة" (Some Like It Hot) حيث أدت مونرو دور شوغر كاين [قصب سكر] كوالزيك قبل ثلاث سنوات – اعتاد إخفاء نص دورها  بين أكسسوارات موقع التصوير كي تتمكّن سرّاً من قراءتها. وحين أقام حفلة إنتهاء التصوير في منزله، لم يدعُها. ولكنّ أداء النّجمة في الفيلم عوّض عن كلّ ما سبق – كما كان الحال مع الأرقام التي حقّقتها على شبابيك التذاكر. وفي وقت لاحق، اعترف وايلدر أنّه لم يكن بمقدور أيّ ممثلة تجسيد شخصية "شوغر كاين" على نحو ما فعلت مونرو.

وكان قد مضى على غياب مونرو عن مواقع التصوير أكثر من عام عندما أُعطيت فرصة التّمثيل في "ستنحل في النهاية"، وهو إصدار جديد للكوميديا العاطفية الرعناء "زوجتي المفضلة" (My Favorite Wife) (1940). وابتليت خلال فترة عطلتها بالمرض والإدمان على المخدرات: فقد خضعت لعمليةٍ جراحية لانزياح بطانة الرحم وعملية جراحية أخرى لاستئصال المرارة، كما دخلت المستشفى لفترةٍ وجيزة جراء الاكتئاب. هذه الضريبة البدنية المتراكمة، كبدت مونرو الكثير من الوزن وبَدت أنحف من أيَ وقتٍ مضى في حياتها البالغة. سُر الأستوديو-توانتيث سنتري فوكس- بذلك. وعلى حدّ تعبير منتج الفيلم هنري واينشتاين: "لم يكن على (مونرو) أن تقدم أداء، بل كان عليها أن تبدو باهرة. وهذا ما فعلته".

لكن بعد تفكير ملي، لم تكن مونرو مستعدّة – لا ذهنيّاً ولا جسديّاً – للعودة إلى التمثيل. كان من المفترض بها أن تلعب دور إيلين، وهي امرأة تقطّعت بها السّبل على جزيرةٍ نائية فظلت فيها لسنوات. ولدى عودتها، اكتشفت أنّ زوجها (دين مارتن) ارتبط بأخرى. لكن، منذ اليوم الأول للتصوير، كانت مونرو الحاضرة الغائبة التي لا تنفكّ تبعث للأستوديو تقارير طبيّة تتحدث عن إصابتها بالتهابٍ حاد في الجيوب الأنفيّة وحمى شديدة وفيروس مزمن. وحينما كانت تظهر في موقع التصوير، كان لا بدّ من استمالتها في كلّ مرة كي تُغادر مقصورتها.

"كانت تخشى الكاميرا، هذا كلّ ما في الأمر"، قال واينشتاين، متذكّراً نوبات تقيّؤ مونرو قبل التصوير. وكان في وقت سابق قد عثر عليها فاقدة الوعي فيما وصفه بحالة غيبوبة جراء المهدئات. "وللحال، أدركتُ أنّها أكثر اضطراباً ممّا كنتُ أظنّ. فما كان منّي إلا أن ذهبتُ إلى الأستوديو وبلّغتُ بما رأَيت؛ قلتُ لهم: ’لا أعتقد أنّ بإمكانكم مواصلة تصوير الفيلم‘. أجابوني: ’بلى، بلى، لا بأس، سنستأنف‘".

لم يكن فريق الإنتاج والأستديو يتعاطفون كثيراً مع نجمتهم. "نعم، إنها امرأة مريضة"، قال كاتب السيناريو والتر برنستاين، "ولكنها أيضاً نجمة سينمائية تأبى إلا أن تحصل على مرادها ولا تأبه لغيرها، كما أنها تتصرّف بشكلٍ يُسيء إليها وإلى من حولها."

غير أنّ إلقاء نظرة صغيرة على المقاطع المصوّرة من فيلم "ستنحل في النهاية" – التي ظلّت في معظمها غير مشاهَدة لسنواتٍ بعد إلغاء الفيلم – يُعطي انطباعاً مختلفاً. فأمام الكاميرا، تبدو مونرو جديّة ورزينة ومستميتة لتقوم بدورها على أكمل وجه. وإن تلعثمت استفاضت في الاعتذار. وعند تصوير أحد المشاهد، تهُدر ساعاتٌ طويلة فيما يُحاول المخرج جورج كيوكر دون جدوى حثّ الكلب، الحيوان الأليف لشخصية مونرو في الفيلم، على النباح بإشارة يدٍ منه. ومع ذلك، لا تشتكِي مونرو ولو مرةً واحدة. "إنه يتحسّن!"، تقول ضاحكةً فيما يدور الكلب حول طاقم المصوّرين. عدا ذلك، تبدو مونرو لطيفة جداً مع النجوم الأدنى الذين يُشاركونها العمل. كان من المفترض بألكسندريا هيلويل التي لعبت دور ابنتها البالغة من العمر 5 سنوات، الجلوس بشكلٍ مستقيم. "لو أستطيع أداء المطلوب بالشكل الصحيح..." تنطق الفتاة الصغيرة. يقاطعها كيوكر قائلاً: "اهدئي!". فتبتسم لها مونرو وتُطمئنها بلطف: "ستفعلين". الأكيد من خلال ما رأينا في المقاطع، أنّ تصرف مونرو لا يُشبه لا من قريب ولا من بعيد تصرّف إنسانٍ "مزعج عن قصد." 

وكانت هناك بضعة أيام جيدة. ففي خلال مشهد المسبح الشهير مثلاً، تغطس إيلين عاريةً في المياه في وقتٍ متأخرٍ من الليل، في محاولةٍ لاستدراج زوجها خارج غرفة النوم. كان موقع التصوير مقفلاً حينها ولم يكن فيه سوى عددٍ قليلٍ من المصوّرين المختارين. وعندما انتهى الأمر بخلع مونرو زي السباحة أدمي اللون الذي أُعطي لها، تفاجأوا جميعاً. "ارتديتُ زي السباحة طيلة الوقت ولكنّه حجب الكثير"، وفق ما صرّحت به مونرو للصحافة في وقتٍ لاحق. وأضافت: "كان سيبدو  غير مُرض على الشاشة... كان موقع التصوير مقفلاً وشبه خالٍ إلا من بعض أفراد طاقم العمل الذين كانوا لطفاء جداً. طلبتُ منهم أن يُغمضوا أعينهم أو يُديروا ظهورهم، وهذا ما فعلوه على ما أعتقد. وكان في موقع التصوير أيضاً حارس نجاة، مهمته أن يُساعدني متى احتجتُ إليه. لكنني لا أعلم كيف كان سيُساعدني بعينين مغمضتين". ظهرت صور مونرو وهي تصعد من المسبح عارية، على غُلُف المجلات في أكثر من ثلاثين بلدا. وحسب كلّ الروايات، كانت المعنويات مرتفعة.

لكنّ الأمور تدهورت بسرعة. وفي 19 مايو (أيار) 1962، وبعد تخلّفها عن الحضور إلى موقع التصوير بحجة المرض أسبوعاً كاملاً تقريباً، سافرت مونرو إلى نيويورك للمشاركة في احتفالات عيد ميلاد الرئيس جون ف. كينيدي. أداؤها المثير هناك لأغنية "هابي بيرثداي" (ميلاد سعيد) ما زال معروفاً إلى اليوم حول العالم، وصورتها في ذلك الفستان أدمي اللون المرصّع بأحجار لمّاعة والمحاك على مقاسها، محفورة في ذاكرتنا الجماعية على نحو لا يُمحى، تُحاكى بسخرية مستواصلة في الثقافة الشعبية. آنذاك، غضب كيوكر غضباً شديداً. ومع أنّ مونرو كانت قد حصلت على إذنٍ بحضور الحدث قبل بدء التصوير بوقتٍ طويل، فقد اعتبر وجودها غير مقبول. وفي حزيران (يونيو)، وبعد مرور أيام قليلة على عيد مونرو السادس والثلاثين، تم طردها بحجة "غياباتها الكثيرة والمتكررة" ورفعت فوكس قضيةً ضدها، مطالبةً إياها بدفع مبلغ 750 ألف دولار أميركي "لانتهاكها المتعمّد للعقد المبرم بينهما". فما كان من مونرو إلا أن وجّهت برقية خطيّة إلى كيوكر، جاء فيها ما يلي : "عزيزي جورج، أرجوك سامحني، لم تكن فعلتي. لقد كنتُ أتطلّع جداً للعمل معك."

والحقيقة، قد لا يكون كل الأزمة من عمل مونرو بمفردها. فحين كان يُصور فيلم "ستنحل في النهاية"، كانت فوكس تنزف مالا على فيلمها الملحمي ذي الساعات الثلاث، كليوباترا Cleopatra)) (1963). وكان الفيلم متعثراً بسبب بدايات خاطئة وإعادة تصوير مشاهد والتأخر في تصوير أخرى، وما زال حتى اليوم – مع أخذ أثر التضخّم في الحسبان –  أحد أعلى الأفلام المصوّرة تكلفة على الإطلاق. فنجمته إليزابيث تايلور التي كانت تتقاضى مليون دولار أي عشرة أضعاف أجر مونرو، رفضت مراراً وتكراراً الظهور في موقع التصوير قبل الساعة الحادية عشر ظهراً. كما أنها كانت على علاقة عاطفية قوية مع ريتشارد برتون الذي كان يشاركها البطولة. و"كان كلّ يوم تصوير يتوقّف على ما إذا كان الثنائي قد أمضى أوقاتاً جيدة في الليلة السابقة"، روى جورج كول، الذي كان يلعب دور فلافيوس، مستذكراً تلك الفترة.

كان الهلع يخيّم على أستديو الأفلام. "كان التوتر عالياً والأعصاب مشدودة والأموال قليلة"، ذكرت ميشيل فوغيل في كتابها "مارلين مونرو: أفلامها وحياتها" (Marilyn Monroe: Her Films, Her Life)، والواضح أنّ فيلم "ستنحل في النهاية" ومارلين مونرو كانا كبشي فداء لبعض المدراء التنفيذيين المتوترين الذين شعروا بأنّ الأمور تفلت من بين أيديهم في كلا الإنتاجين. وكان لا بدّ لهم من التخلّي عن الأقل أهميةً بينهما."

ليس من الواضح تماماً ما الذي دفع بأستوديو الأفلام إلى إعادة توظيف مونرو بعد أشهر قليلة. لربما السبب هو دين مارتن الذي رفض العمل مع أيّ ممثلة أخرى، مهدداً بالتوقّف عن تصوير الفيلم بُعيد قيام الممثلة لي ريميك بتجربة أداء لدور مونرو. "أكنّ كلّ الاحترام للسيدة لي ريميك وموهبتها وكلّ الممثلات الأخريات المحتملات للدور"، قال مارتن في تصريح. "ولكنني وقّعتُ عقداً للتصوير مع مارلين مونرو ولن أقبل العمل مع ممثلة أخرى سواها". لربما أدركوا بكلّ بساطة فداحة الخسارة التي كانوا سيُمنون بها لو لم يفعلوا. في كلّ حالٍ من الأحوال، ومع عودة مونرو إلى الفيلم وإعادة التفاوض بشأن العقد المبرم معها، كان من المتوقع للتصوير أن يبدأ من جديد في تشرين الأول (أكتوبر).

لكن في آب (أغسطس)، عُثر على مارلين مونرو ميتة. فالممثلة التي نشأت في دار للرعاية وعانت الأمرين جراء الاضطرابات الذهنيّة والإدمان على المخدرات، توفّيت في منزلها في لوس أنجلوس جراء جرعة زائدة مميتة من الأدوية. وعلى الأثر، أهمل  الفيلم. وبعد عقودٍ طويلة من الزمن، عُثر بالصدفة على طبعة باهتة منه في مستودعٍ تعمّه الفوضى.

وقبل بضعة أيام من وفاتها، كانت مونرو قد أجرت مقابلة مع أحد صحافيي "لايف ماغازين" ولكنّها لم تصدر إلا بعد أسابيع قليلة. وانتهت المقابلة آنذاك بالآتي: "سألتُها عمّا إذا كان العديد من الأصدقاء قد التفّوا حولها لمؤازرتها عندما طردتها "فوكس". فكان هناك صمتٌ وجلوسٌ مستقيم بعينين واسعتين ومجروحتين، خرقتَهما أخيراً بكلمة ’كلا‘ صغيرة".

© The Independent

من الأعماق – أوسكار وايلد – اقتباسات

أبريل 25, 2019 اضف تعليق
ترجمة: عبد اللطيف محمد الدمياطي

إصدار مطبعة ومكتبة الدار المصرية – 1967
***
«إن صداقتنا سيئة الحظ والتي يرثى لها إلى أبعد حد قد انتهت بجلب الخراب والفضيحة العلنية عليَّ، ومع ذلك فإن ذكرى مودتنا القديمة لا تزال غالبًا معي. فإذا ما فكرت في أن الاشمئزاز، والمرارة والاحتقار، كل هذا سيأخذ دائمًا ذاك المحل من قلبي الذي كان يحمل الحب شعرت بحزن شديد. وأعتقد أنك تشعر في قلبك بأن كتابتك إليَّ حيث أبقى في وحدة حياة السجن أفضل من أن تنشر خطاباتي بغير إذني أو تهدي إليَّ قصائد بغير أن يؤخذ رأيي، وإن كان الناس لن يعلموا شيئًا عن الكلمات التي تبعث بها إليَّ في ردك أو استشهادك، أهي كلمات حزن أو انفعال أو تبكيت أو عدم اهتمام».

***

«إن أعظم الرذائل هي ضحالة العقل».

***

«كنت أفكر دائمًا أن الاستسلام لك في الأشياء الصغيرة لا يعني شيئًا. فحينما تأتي اللحظة الكبيرة سيكون في مقدرتي أن أعيد تثبيت قوة إرادتي في عليائها الطبيعية. غير أن الأمر لم يكن كذلك، فحينما جاءت اللحظة الكبيرة رأيت قوة إرادتي تخونني بصورة تامة. والحقيقة أنه لا توجد في الحياة أشياء صغيرة وأخرى كبيرة، فكل الأشياء في الواقع متساوية في قيمتها وفي جرمها».

***

«إن ذكرى صداقتنا هي الظل الذي يتابعني هنا (في السجن)، والذي يبدو أنه لا يتركني قط. فهو يوقظني في الليل ليخبرني نفس القصة، ثم يعيدها عليّ ويعيدها حتى يهجرني النوم بفعل تكرارها الممل وهكذا حتى مطلع الفجر. وعند الفجر يبدأ ثانية. وهو يتبعني إلى فناء السجن ويجعلني أكلم نفسي بينما أنا أدور حول المكان وكل شيء من التفاصيل التي حدثت في كل لحظة مخيفة أرى نفسي مقسرًا على تذكره. وكل شيء حدث في تلك السنوات المنحوسة لا أستطيع إحياءه في ذلك الجزء من مخي الذي خُصص للحزن واليأس. إن كل نبرة متوترة من صوتك، وكل حركة عصبية من يديك، وكل كلمة مُرة، وكل كلمة مسمومة – كل ذلك يعاودني باستمرار. إنني أتذكر الطريق أو النهر الذي سرنا بجانبه، والحائط أو الحرج الذي اكتنفنا، كما أتذكر الأرقام التي وقفت عليها عقارب الساعة، والاتجاه الذي انطلقت فيه الرياح، وماذا كان شكل القمر، وماذا كان لونه».

***

«لقد كنت عدوِّي، وكنت عدوَّا لم يره قط إنسان. فقد أعطيتك حياتي فطرحتها جانبًا لكي تشبع في نفسك أحط الغرائز وأحقرها، وهي البغض، والغرور، والجشع. وفي أقل من ثلاث سنوات كنت حطمتني تمامًا من جميع النواحي. أما من جانبي فإنه لم يكن لي غرض سوى أن أحبك. فقد كنت ولا أزال أضرب في صحراء الوجود الجافة؛ وقد علمت أنني لو سمحت لنفسي بأن أشعر نحوك بالبغض لوجدت كل صخرة في هذه الصحراء فقدت ظلها، وكل نخلة جفت، وكل بئر جاءت بدليل على أنها مسمومة من القاع. فهل بدأت الآن تفهم قليلًا؟ هل تشعر بأن مخيلتك بدأت تستيقظ من ذلك السبات الطويل الذي وقعت فيه؟ لقد علمت من قبل ما هو البغض، فهل تدرك ما هو الحب، وما هي طبيعته؟ إن الوقت لم يفت لتعلم شيئًا عن ذلك؛ وإن كنت، لكي أعلمك ما هو الحب، وجب أن أدخل زنزانة متهم!»

***

«إن العذاب لحظة طويلة واحدة لا يمكن تقسيمها إلى فصول. وإنما نستطيع فقط أن نسجل نوباتها، ونؤرخ تكرارها. والزمن لا يتقدم بالنسبة إلينا، بل يدور. وهو يبدو كما لو كان يدور حول مركز للألم».

***

«ونهاية هذا كله إنني قررت أن أصفح عنك. بلى، يجب أن أفعل. فأنا لم أكتب هذا الخطاب لأزرع البغض في قلبك، بل لأزيل ما علق منه بقلبي. وإني إذ أصفح عنك إنما أفعل ذلك إكرامًا لنفسي. فالمرء لا يستطيع أن يحتفظ بأفعى في صدره لتعيش على عض جسده؛ وهو لا يستطيع أن يهبَّ كل ليلة ليزرع الأشواك في حديقة نفسه. ولن يكون من العسير عليَّ قط أن أفعل ذلك إذا ساعدتني قليلًا».

***

«إن الآلهة تبدو غريبة التصرف، إذ أنها تعاقبنا على ما هو فينا من خيِّر وإنساني بقدر ما تعاقبنا على ما هو فينا من شر وانحراف، أقول إنني يجب أن أقبل هذا الواقع، وهو أن الإنسان يُعاقب على ما يفعله من خير، كما يُعاقب على ما يفعله من شر. وليس لديَّ شك في أن هذا وضع صحيح بالنسبة إلى كل الناس. فهو يساعد المرء، أو ربما ساعده مستقبلًا، على إدراك الأمرين، فلا يذهب بعيدًا في انخداعه في أيهما، فإذا تسنى لي حينئذ ألا أشعر بشيء من الخجل لما حل بي من عقاب، وهو ما أرجوه، فإنني سأكون قادرًا على أن أفكر وأمشي، وأعيش في حرية».

***

«البؤساء من اللصوص والمنبوذين الذين سُجنوا هنا معي أسعد مني حظًا من نواحي عديدة. وذلك لأن الطريق الضيق الذي شاهد خطيئتهم في المدينة القاتمة أو الحقل الأخضر ليس طويلًا. فهم لا يحتاجون إلى الذهاب أبعد مما يقطعه طائر من وقت الشفق حتى طلوع الفجر ليكونوا بين مَن لا يعرفون شيئًا عما فعلوه. أما بالنسبة إليَّ فإن العالم (قد انكمش إلى عرض الكف)، وحيثما انقلب فإن اسمي يبدو مكتوبًا على الصخور بمداد من رصاص. وذلك لأنني قد جئت لا من ظلمة سوء السمعة العارض في جريمة بل من ضرب من الشهرة الخالدة إلى ضرب من الفضيحة الخالدة! وأنه يبدو لي أحيانًا أنني أظهرت ما كان حقًا يتطلب الإظهار، وهو أن الفرق بين الذائع الصيت والسيء السمعة لا يعدو خطوة، إذا كان حقًا بمثل هذا القدر من الاتساع».

***

«من المحزن ألا يكون هناك إلا القليل ممن استطاعوا قط أن (يملكوا أرواحهم) قبل أن يموتوا! يقول (إيمرسون): (ليس هناك ما هو أندر في الإنسان من فِعل جاء من ذاته هو). وهذا صحيح تمامًا. فأكثر الناس آخرون بالنسبة إلى أنفسهم. فأفكارهم من آراء غيرهم، وحياتهم محاكاة، وعواطفهم اقتباسات».

***

«ليس هناك من هو جدير بالحب. أما الحقيقة القائلة بأن الله يحب الإنسان فإنها تدل على أنه، في النظام القدسي للأشياء المثالية، كتب أن يمنح الحب الخالد لمن لا يستحقه في خلود. فإن بدت هذه العبارة أشد مرارة مما تحتمل فدعني أقول إن كل واحد مستحق للحب إلا ذلك الذي يعتقد أنه يستحقه. إن الحب ضرب من التقديس فيجب أن يتلقاه المرء راكعًا، وأن يتلقاه بينما تعمر قلبه هذه الكلمات وتضطرب بها شفتاه: (يا إلهي! لست مستحقًا). أود لك أن تفكر أحيانًا في ذلك. فأنت أشد حاجة إلى مثل هذا التفكير».

***

«الآليون من الناس، أولئك الذين ينظرون إلى الحياة على أنها تأمل ذكي يعتمد على حساب دقيق للطرق والوسائل، هؤلاء يعلمون دائمًا أين يذهبون، ويذهبون فعلًا إلى حيث يريدون. إن الواحد منهم يبدأ راغبًا في أن يكون شماسًا في كنيسة؛ وأينما طوحت به المقادير فهو ينجح في أن يكون شماسًا في كنيسة، ولا شيء أكثر، فالشخص الذي يرغب في أن يكون شيئًا ما منفصلًا عن ذاته، كأن يكون عضوًا في البرلمان، أو بدَّالًا ناجحًا، أو محاميًا لامعًا، أو قاضيًا، أو أي شيء لا يقل إملالًا، هذا الشخص ينجح بصورة لا متغيرة في أن يكون ما أراد. فأولئك الذين يريدون قناعًا يجب أن يرتدوه. غير أن الأمر يختلف مع القوى المحركة للحياة وأولئك الذين تجسدت فيهم هذه القوى. فالأشخاص الذين انحصرت رغبتهم في تمييز أنفسهم لا يعرفون أبدًا إلى أين يذهبون. إنهم لا يستطيعون أن يعرفوا ذلك. في واحد من معاني الكلمة من الضروري، بالطبع، أن يعرف المرء نفسه، كما قال وحي الإغريق. غير أن هذا هو الإنجاز الأول من المعرفة. أما الإنجاز النهائي من الحكمة فهو أن يدرك الإنسان أن نفسه لا يمكن أن تُدرك. فالسر النهائي هو النفس الإنسانية. ولا عجب، فعندما وضع الإنسان الشمس في كفة الميزان، وقاس خطى القمر، ووضع خريطة لنجوم السماوات السبع نجمًا بعد آخر، بقيت نفسه بعيدة عن هذا المنال. فمنذا الذي لا يستطيع أن يضع حسابًا لمدار نفسه؟»

***

«كل شيء عن مأساتي كان بشعًا، سافلًا، منفرًا، ناقصًا في الأسلوب. فحتى ملابسنا نفسها تجعل منا أشياء مضحكة. فنحن بهاليل الحزن، ونحن مضحكون تحطمت قلوبهم، ونحن قد صُنعنا خصيصًا لنكون مدعاة إلى السخرية. في الثالث عشر من نوفمبر سنة 1895 جيء بي من لندن إلى هذا السجن. ومن الثانية حتى الثانية والنصف من ذاك اليوم أوقفت على الرصيف الأوسط من ملتقى الخطوط عند (كلافام) بينما كنت أرتدي ملابس المجرمين وأحمل في يدي الحديد، وذلك ليراني العالم! لقد أُخذت من قاعة المستشفى بغير أن يُدلى إليَّ بأي ملاحظة. فكنت في موقفي أعظم ما يمكن أن يثير السخرية. فعندما كان يراني الناس كانوا يستغرقون في الضحك. وكان كل قطار يصل يزيد في عدد المشاهدين. ولم يكن هناك وسيلة أخرى تزيد في سرورهم. وكان ذلك بالطبع قبل أن يعلموا من كنت. فإذا علموا زادوا ضحكًا. هكذا وقفت هناك لمدة نصف ساعة تحت مطر نوفمبر الأغبر، ومن حولي حشد من السفلة يضحك ويتهكم. لقد لبثت طوال عام بعد تلك الحادثة أبكي كل يوم لمدة نصف ساعة وفي نفس الوقت. وقد يبدو لك هذا الأمر كما لو كان ليس في شيء من المأساة. أما بالنسبة إلى من يعيشون في السجن فإن الدموع جزء من تجربة كل يوم. فإذا انقضى يوم بغير بكاء كان يومًا تحجر فيه القلب. فهو ليس باليوم الذي يقضيه المرء بقلب سعيد».

***

«لقد قال الناس عني دائمًا إنني كنت متغاليًا في فرديتي. فأقول إنني يجب الآن أن أكون أكثر تغاليًا. بلي، يجب أن أذهب في الخروج من نفسي أبعد كثيرًا مما كنت قط، وأن أسأل هذا العالم أقل كثيرًا مما سألته قط. والواقع إن ما حل بي من خراب قد جاء لا من التزايد في الفردية بل من الإقلال منها. فقد كان الفعل الوحيد المخزي في حياتي، والذي لا يغتفر، بل وسيبقى مبعثًا للاحتقار، كان أن سمحت لنفسي بأن أقسر على الالتجاء إلى المجتمع للحصول على المساعدة والحماية ضد والدك».

***

«كنت أشمئز من اعتباري شخصًا (نافعًا)، وقد قلت لك إنه لا يوجد فنان يرغب في ذلك أو يرضى بأن يُعامل على أنه شخص نافع؛ وذلك لأن الفنانين، كالفن نفسه، تنعدم منهم المنفعة».

***

«لقد أتيت إليَّ لتتعلم السرور في الحياة والسرور في الفن. ولكن من يدري، فربما كان قد وقع عليَّ الاختيار لأعلمك شيئًا أكثر عجبًا: معنى الحزن، وما فيه من جمال!».