728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    السبت، 30 مارس 2019

    الحمامة – ماريكي لوكاس راينيفيلد

    ترجمة محمد رشو


    عندما تكون يدا المزارع باردتين، فإنه يدسّهما بين ضرعِ بقرةٍ وساقها الخلفية. أتساءلُ كيف سيكون الأمر إن يقبض على يديّ وينفخ على براجمهما بين فينةٍ وأخرى، أو أن ينظر إليهما بإكتراثٍ شديدٍ كما ينظرُ إلى البقرة التي تسير عرجاء هناك وتقف مربوطةً إلى قضيب مهجعها في الزريبة. بسكينٍ يقطع المزارعُ قطع أظافر من حافرها كثمرة لفت، ويجرف الخرّاج كبيضةٍ بالكاد مسلوقة. للحظةٍ أشعر بخدّي الأيمن الذي لا يزال يحرقني من ذيول الأبقار التي صفعت وجهي بقوة بينما كنتُ أريدُ أن أنظّف مزراب الروث خلفها. هناك خطٌّ أحمر يسير من جانب صدغي وللأسفل نحو ذقني. أدفعُ عربة يدٍ مليئةً بالخراء بإتجاه كومةِ الزبل وأتوازنُ على الألواح حتى النهاية كي أفرّغها. لكن عربة اليد مليئةٌ جداً، ما يجعلها تقع في منتصف اللوح ولا يعود بمقدوري أن أمسكها الآن: التوازن ليس الجانب الأقوى فيَّ. خائفةٌ أنا جداً من أن أضع قدمي في الموضع الخطأ، أمشي بحذرٍ شديد، ولذلك وحسب، أقع في الخطأ. في رأسي، أسمع آنسة المدرسة الابتدائية تقول لي: «إذا كنتِ تريدين أن تبقي في حالة توازن، عليكِ إذن أن تبقي يديكِ على جانبيك كطير، تسعون درجة في ما بين الرأس والردف، تذكرّي المِنْقلةَ التي عندكِ. أنتِ إلى حدٍّ ما، مرنة".

     أفكّرُ في الأسبوع الذي ينتظرني، حيث ينبغي عليّ أن أظهر فيه أني مستعدةٌ لأعبر إلى الجانب الآخر من اللوح بحيوية. يمكنني أن أخطو كالأطفال، قدماً بعد قدم، ولكن لا ينبغي أن أخاف من العمق. أنظّفُ عربةَ اليد برشّ الماء عليها وأركنها أسفل صومعة الأعلاف، أملأها حتى الحافة بعلف بيكس. على جزء التغذية من الصومعة تحطّ حمامةٌ سقطت من عشّها في أعلى سطح الزريبة. وفقاً للمزارع، فإنها لن تنجو إن لم آخذها أنا. هو بنفسه يفضّل أن يحيا دون أن يرى طير حمامٍ حوله.

    «بهائم غبيّة. تلتهم الذرة كلها،» يقول.

    أحمل الحمامة تحت معطفي ضاغطاً إياها بقوة على صدري، أشعر بقلبها ينبض في باطن كفي. تبرز من بين ريشها شعيراتٌ صفراء: إنها لا تزال إذن صغيرة جداً على الطيران. في البيت أملأ لگناً بالماء الفاتر وأضيف له بضع قطرات من شامبو زڤـيتسال. أترك الحمامة تهبط ببطءٍ في الماء، أشطفُ روثَ البقر عن جناحيها وألفّها في منشفةٍ قديمة. أفرّكها بلطفٍ لأجفّفها. أبحثُ في حاوية النفايات الكبيرة عن صندوقٍ قديم أقوم بتعبئته بالصحف ونشارة الخشب. أدهنُ للحمامة شريحةَ خبزٍ بزبدة الفول السوداني: النوع العضوي ذو المكسرات، الناعم للغاية. تظلّ تراقبني وهي تأكل. حالما أرفع يدي نحوها، تنكفئُ بفزعٍ نحو ركنٍ في الصندوق، وكيفما أتكلّمُ معها بصوتٍ أعلى وأعلى، تظلّ تصرصر كفأر وقع في مصيدة. في يدي وحسب، تغدو هادئة. ألقي عليها أسئلةً أُلقيت عليَّ أنا في ذلك الصباح نفسه: أنا وحيدة. صح أو خطأ. أخشى من الساحات والأماكن العامة. صح أو خطأ. غالباً ما أفكر في أنني لا أحيا في الواقع. صح أو خطأ. أحبُّ العلاقات الحميمة. صح أو خطأ. يستغلّني أشخاصٌ آخرون. صح أو خطأ. أتحدّث في الحفلات مع أشخاصٍ مختلفين. صح أو خطأ. إن لم تكن الأمور تسير على ما يرام، لا أهجس سوى بفكرةِ الانتحار. صح أو خطأ. لا أحد يعرفني كما أنا على حقيقتي. صح أو خطأ. أشعر أن أحداً ما يطاردني. صح أو خطأ. أقوم بملء الإجابات بنفسي بينما أداعبُ زغبها. ما تزال تنظر بوجل. غالباً ما أنكفئُ أنا أيضاً أمام اليد التي تريد أن تلمسني، وعندها أبقي ذراعيَّ متصلبتين على طول جسدي وأرفع كتفيَ للأعلى كجدرانٍ لأخفي نفسي خلفها. لا أزحف نحو ركنٍ ما، لكن تتقلّص المساحةُ في داخلي. أحياناً تكون النظرةُ من أحدٍ ما، تماماً، كيدٍ ممدودة. ليس للحمامة أبٌ يرعاها أو أمٌّ. من سيعلّمها إذن أن تفرد جناحيها. عندما كان الناس يتركونني، غالباً ما كان يقولون، «طيري.» لم يخبروني أبداً إلى أين، أو كيف كان عليّ أن أحرّك جناحي وكيف كان عليّ أن أتدبّر أمري مع خوفي كيلا أنحدر فجأةً نحو الأسفل. بعد شهرين، ينبغي عليّ أن أودّع شخصاً مهماً. عليَّ أن أغادر العش مرة أخرى. لقد تعلّمتُ منها كل تقنيات الطيران: الآن حافظي على التوازن وتعلمّي ما يجب أن تفعليه في حالة حدوث عاصفة أو عندما تكون الرياح هادئة. إذا لم تتعلمي أبداً من أي جانب تشرق فيها الشمس، ستمضين على الأغلب نحو جانب الظلال، تضعين نباتاتك أيضاً على عجلٍ على عتبات النوافذ الخطأ. أتكلّمُ كثيراً مع نفسي وقلّما أتكلّم بصوتٍ عال. يبدو أثاث البيت في ضوء الغسق كما لو أنه ظهرا الوالدين الغائبين: يقفان هناك، يتظاهران كما لو أنهما ينصتان ولكن لديهما الكثير من الأشياء ليتحمّلاه، ليقولا نعم وآمين، وليتنهّدا في النهاية.

    في كل مساء يمكن للحمامةِ أن تطير عبر الممر، أن تترك الأرضيات مغطّاةً بالصحف وأن تكون علّاقة الملابس برج المراقبة الذي يخصّها. لكنها لم تكن حمامة أنثى، بل حمامة ذكر. أسميها ڤ‍يلّيم. لا يحصل ڤ‍يلّيم وحسب على درس طيران بل وأنا أيضاً، كنتُ جالسة اليوم في غرفة مع ذراعيَّ مطويتين على صدري وأمامي كانت هناك سيّدةٌ ستعلّمني في الفترة المقبلة كي أتوازن. شعرتُ بإبطي يحكّاني. كانت قد تدرّبتْ على ألا تحوّل بصرها أبداً. على طاولة إيكيا البيضاء كان هناك جهازُ تسجيل بجانب نبتة عصاري. كان عليّ أولاً أن أذكر اسمي وسنة ولادتي، وأن أخبرها ثمّ بما كنتُ أراه على الورقة التي كانت ترفعها: كان هناك فتى يجلس خائب الأمل أمام الطاولة ويداه على جانبي رأسه. كان أمامه هناك على لوح الطاولة كمانٌ مكسور. على الأقل كنتُ أظنُّ أنه معطوب، أن وتراً ما فيه قد انقطع، أن القوس كان قد ألقي مهملاً بجانبه. كان يمكن أن يُرى ورق تغليف هناك تحت الكمان. إن كان ورق تغليف، فليس بالإمكان أن يكون الكمان مكسوراً، ولكن لماذا إذن ينظر الفتى بخيبة أمل؟ ربما لأنه لم يكن بإمكانه أن يعزف على آلة الكمان، لأنه كان يفضل أن تكون لديه آلة موسيقية أخرى، أو لأن والدته كانت عازفة كمان مشهورة وهو لا يريد أن يصبح مثلها، وربما بلى، الأمر كذلك، لكن هذا ما لا يبدو على الإطلاق.
    «كيف تنتهي القصة؟» سألت السيدة عندما توقفتُ عن الكلام.
    «سيبدّله ببيانو،» قلت.

    على الورقة التالية كانت هناك فتاة تجلس على ركبتيها أمام سريرٍ بقياسٍ محيّر. كانت تتكئ على ملاءة السرير ورأسها محطوطٌ على ذراعها. كان جسدها منحنياً من الحزن كلوحٍ من خشب البلوط تشوّه ملتوياً من أثر الرطوبة. كانت ترتدي ثوب نوم بحوافٍ مهترئة.
    «كيف تنتهي القصة؟» سألت السيدة مرة أخرى.
    «إنها تبكي، تنهض وتستأنف مرة أخرى،» قلت.

    أومأتْ السيدة برضا، أو أنني ظننتُ أنها كانت راضية، على الرغم من أنني كنتُ أعلم أنه لم يكن يجوز لها أن تظهر شيئاً من رضاها، الأمر الذي من شأنه أن يمنحني الكثير من التأكيد، والصواب أن هذا ما كان ينبغي أن يُترك نقطة جوفاء في ذلك البحث، في ذلك الاستقصاء. عندها وحسب لاحظتُ أن أصابعها كانت تبدو سوداء عند حوافها. لم تسألني ما الذي وجدته في ورقتها: التي كانت ترفعها هنا. ظننتُ أنه كان شحماً. عدا إضاءة غطاء محرك البشر والتدقيق في ما كان مفقوداً في دواخلهم، ربما كانت تعبثُ هذه السيدة بالسيارات أيضاً. كيف سينتهي الأمر، سألتُ نفسي: تفتح الباب هكذا، تتمنى لي النجاح وسوف تفكّر: على أحدٍ ما أن يبقي يديها دافئتين. دعونا نرى، مَنْ التالي…

    بعد انقضاء البحوث والاستقصاءات، كنت أقفُ مع فتاةٍ في الركن المخصص للمدخنين. هي مع سیگارتها وأنا مع سیگار ليغا. أخبرتني أنها في الليلة الماضية، عندما كانت تشعر بنفسها فارغةً ووحيدة، فتحت الصناديق المتبقية من تقويم الكريسماس على الحائط، حيث كانت الشوكولاتة فيها على أشكال رجل الثلج ونجوم عيد الميلاد. لا تزال هناك ستة أيام لا بد لها وأن تنقضي، لكنها فكرت: تبّاً للكريسماس، لماذا عليَّ أن أنتظر كل هذه الأيام، إن أكلتها الآن، سيكون الكريسماس قد حلّ تماماً.
    لقد التهمتها كلها دفعةً واحدة. التوتر الطفولي الذي كانت تشعر به عند فتح الصندوق فيما مضى، كان يرقد هناك إذن، في رغبتها هي وحسب. الآن فاجأتها أن ترى تلك الألفة الزائفة على حقيقتها. وضعت التقويم في كيس القمامة، ووضعت كيس القمامة على الطريق تاركةً الدبوس في الحائط. وضعتْ سیگارتها في ما بين شفتيها وفردت ذراعيها: «إلى هذا الحدّ كبيرٌ هو الفراغ،» قالت. ابتسمتُ لها، وفردتُ ذراعيّ، وقلت: «إلى هذا الحدّ، كبيرٌ هو الفضاء أيضاً.» قسّمتُ سیگاري الليغا إلى قسمين. لقد كانت لديها دروس طيران ولسنواتٍ طويلة، لكن دون أن يسمح لها أحدٌ بأن تطير.

    (2016)
    مجلة دي ريفيسور

    ماريكي لوكاس راينيفيلد (1991) كاتبة وشاعرة هولندية، عدّتها جريدة فولكسكرانت الموهبة الأدبية لعام 2016. فازت في ذلك العام بجائزة سي. بودّينغ عن مجموعتها الشعرية جِزَّةُ العجل، وثم نشرت روايتها المساءُ مُضْنٍ في عام 2018، في عام 2019 أصدرت مجموعتها الشعرية الثانية فرسٌ وهميّة.
    تقويم الكريسماس: تقليد في دولٍ أوروبية منها النمسا وألمانيا، يعود إلى القرن التاسع عشر، يحتوي التقويم على صناديق صغيرة (24 صندوقاً في الغالب) تحتوي على الشوكولاتة، يتمّ فتحها، واحدة كلّ يوم، اعتباراً من يوم الأحد الأقرب إلى 30 نوفمبر وحتى حلول صلاة العشاء في 24 ديسمبر.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: الحمامة – ماريكي لوكاس راينيفيلد Rating: 5 Reviewed By: alrumi.com
    Scroll to Top