ماركيز يعود للحياة في "زهرة الساحر الصفراء" ومخطوطات جديدة


 أحمد عبد اللطيف- العربي الجديد

حين كان صغيرًا، شعر والدا غابو بالقلق عليه لأنه كان يرمش كثيرًا. ولم تكن النقط التي يضعها له أبوه ذات فائدة. وبعد سنوات، حين تبخّر هذا الداء، تجرأت أمه وسألته عن سر ذلك، فأجابها: "كنت أفعل ذلك لأرى الأشياء بشكل أفضل؛ لأتذكرها". ومن الذاكرة شيّد ماركيز عالمه على أنقاض أراكاتاكا (كولومبيا)، كما يشير الكاتب والصحافي وصديق العائلة جوستابو تاتيس، الذي أصدر كتابًا جديدًا عن حياة هذا المنوبل الكولومبي يكشف فيه أسراره العائلية، وعنونه بـ "زهرة الساحر الصفراء".
الكتاب صدر بمقدمة لداسو سالديفار، الذي قدمه في المركز الثقافي "بيت أميركا" بمدريد بصحبة المؤلف والصحافي الثقافي الشهير خوان كروث، وبالتزامن مع إعلان نتفليكس عن إنتاج "مئة عام من العزلة". والكتاب الجديد يعتني بالأسرار العائلية والذكريات الأساسية التي اختفت من أعماله؛ كلها تفاصيل تدور بين الواقع والخيال استغلها المؤلف ليخلق واحدًا من العوالم الأدبية الأكثر ثراءً في الأدب العالمي. لقد استطاع المؤلف أن يطلّع على هذه الأسرار عبر أبوي ماركيز، اللذين اعتادا تعرية مخيلة جابو الملأى بالواقع والفانتازيا.


السيد غابرييل أبو غابوهناك أشياء أخرى ساهمت في إثراء عبقرية غابو ورسختها. يقول الأب غابرييل إليخيو لمؤلف الكتاب: "كان أكبر كاذب في العالم. كانت لديه القدرة على اختلاق أبعد ما يراه في الواقع. كنت أقول دائمًا إنه يتمتع بعقلين. لا أحد يمكنه أن يقول لي إن جابو لم يكن بمخين". ويؤكد تاتيس: "ما من شيء مزيف رواه ماركيز في أي من رواياته، كل شيء استلهمه من ذاك العالم"، ومقولته هذه مبنية على ما رواه الأب الذي شاهد كيف تحول الواقع إلى فن، وكيف غدت الأكذوبة أكثر حقيقية من الحقيقة.

قرأ الأب أعمال جابو باهتمام شديد. لكن الأم لويسا لم تفعل ذلك، إذ كانت تتباهى بأن في بيتها ابنة راهبة أكثر من تباهيها بابن فائز بنوبل. وإن كانت قد استفادت من شيء بفوز ابنها بأكبر جائزة أدبية في العالم، فلم يتعد ذلك أن يأتي السنترال لتصليح تليفون البيت. وكانت سياستها نزع أي أهمية له، وبالتالي كانت لويسا ترفض أي مقابلات صحافية، من بين أشياء أخرى، لأن المحررين كانوا يمرون على بيتها فيعطونهم معلومات أكثر مما كانوا هم يجيبون. لكن المسألة كانت مختلفة بالنسبة لجوستابو تاتيس. فلقد عاملوه كأحد أفراد العائلة، وفي ساعة
العشاء كانوا يحكون له الحكايات، من بينها حكاية ريميديوس الجميلة الأصلية، المرأة التي طارت في "مئة عام من العزلة".
وبحسب الأم، كانت ريميديوس خادمة بنفس الاسم وهربت مع عشيقها. وحين سألوا الأم يومًا عنها، قالت: "لقد طارت". كان غابو حاضرًا حينها، وحوّل هذا المجاز إلى صورة أدبية. لم تقرأ الأم الرواية لأنها قالت إنها عاشتها. ولا اهتمت بقراءة سرد "وقائع موت معلن" لأنها قد عانت منها.


ربما كانت أسبابها تثير ضيق ابنها، لكن بما أنه وصف أورسولا بحسب معاييره، كامرأة أكثر منها خاضعة لله هي في صراع معه، لابد أنه كان يفهمها. ومن القصص التي كان يصطادها من الهواء بدأ ماركيز في تشييد عالمه السردي، وكانت طريقته "معرفة كيفية تعشيق الأكاذيب".


نفس الشيء حدث مع ميلكيادس. كان صورة حية من جده، الكولونيل نيكولاس ماركيز، كان عسكريًا وكيميائيًا ومعالجًا بدائيًا، مهووسًا بتصميم أسماك ملونة في ورشته وتأسيس قرى. يقول تاتيس "أصل شخصية ميلكيادس ترجع إلى جده وإلى نوستراداموس، هذا ما حكاه لي في عام 92 خلال حواري الأول معه". كان تاتيس قد تعرف على ماركيز قبل أن يفوز بنوبل، ثم تعددت اللقاءات بينهما. وذات مرة قال له غابو "أعطيتك ما تحتاج إليه لكتاب".
بدأ تاتيس في الكتاب الجديد "زهور الساحر الصفراء" منذ ذلك الحين، وأخيرًا انتهى منه. إنها صورة رجل استطاع أن يستفيد من موهبته الروائية الطبيعية ولغته الشعرية ودقته الصحافية. إنه كاذب عظيم حد أنه حين تلقى خبر فوزه بجائزة نوبل صاح "اللعنة، لقد صدقوني".
مخطوطات غير منشورة صمت قرية تطل على شاطئ الكاريبي الكولومبي، عالم أراكاتاكا المصغر، الشعور الجارف عند زيارة مكان عاد إليه- كل ذلك كان المادة الخام لماكوندو.

"كان ذلك مثل العودة للنظر إلى رسومات كتاب كنت قد عرفته في الطفولة"، يقول ماركيز في قصته "حكاية أعواد النعناع"، وهي نص غير منشور ظهر حديثًا مع ثلاثة نصوص أخرى مكتوبة بين 1948 و1952، جمعها بنك جمهورية كولومبيا فيما سموه بـ "أوراق غابو" بجانب نصوص أخرى مكتوبة على الآلة الكاتبة أو مخطوطات للصحافي الشاب.


في هذه القصة، يحكي ماركيز: "ربما كانوا قد تعرفوا عليّ جميعًا والآن كانوا ينظرون إليّ وأنا أمُر وهم يتذكرونني ويفكرون: انظر حضرتك، لقد عاد الميت. وإلى حد ما، كانوا محقين". إنها رحلة عودته إلى مسقط رأسه، ربما كانت عودته الثانية له وعودته الأولى بمفرده. لقد جمع المنوبل الكولومبي مشاعره في هذا النص، وقدموه في مهرجان غارثيا ماركيز في ميديين برفقة نصوص أخرى هي "رائحة قديمة"، "الغريق الذي أحضر لنا القواقع" وقصة أخرى بلا عنوان. إنها مجموعة نصوص سيتم عرضها في مكتبة لويس أنخل أرانجو في بوجوتا، مجموعها 44 صندوقًا أهدتها أرملة الكاتب السيدة مرثيدس بارشا وابنها
غونثالو جارثيا بارشا إلى المكتبات القومية.

تبدأ قصة "حكاية أعواد النعناع"، أحد النصوص الأربعة غير المنشورة، هكذا:
"أخيرًا انخفض ضجيج الفرامل. وتسللت العجلات للأرض الملتهبة، واخترق الصمت الخانق والمغبّر العربة. كان صمتًا يشبه القرية، مصنوعًا من نفس عناصرها الكئيبة، من شوارعها المستقيمة والخالية، من ممراتها المربعة والضخمة، وكانت القرية رطبة تحت رطوبة شجرات الموز المكثفة، وببيوت قديمة من الخشب، شبه أطلال تحت الغبار، وبأثاثات قديمة ونساء قاتمات بلا أعمار ولا نبوءات يرقدن شبه نائمات في القيلولة. لم يكن عمر الصمت أكثر من عشرين عامًا، غير أن نضجها، وتجربتها المدمرة، منحاها مظهرًا فريدًا وجعلا صمتها يبدو قديمًا مثل إشراق الغبار في الشوارع أو مثل وضوح المرايا التي فقدتها ذاكرة الوجوه الأخيرة. وكان شعور الموت يسكن في المرء".


وخلال إقامته في بوجوتا، نشب تمرد 1948 في العاصمة الكولومبية بعد مقتل الزعيم خورخي إليسير جايتان، واحترق مقر إقامة غارثيا ماركيز. والشاب الذي كان يدرس القانون حينها، والمولود في أراكاتاكا عام 27، ركب عربة البريد وعاد إلى الساحل. وفي قرطاجنة دي إندياس، ولمواجهة العوز، بدأ يكتب لصحيفة الأونيبيرسال كتلميذ. وحينها أرسل هذه النصوص التي لم تنشر من قبل في أي كتاب، ونسيها الجميع.
(المصدر: جريدة الباييس الإسبانية) 

ليست هناك تعليقات