بيلّا أخمدولينا..«كنز الشعر الروسي»


‫- تقديم وترجمة: عماد أبو صالح  
 «نجمة» حقيقية وأيقونة للحرية أقامت أمسيات شعرية في ملاعب كرة القدم


 أهدى التتار، بدمائهم الحارّة الفائرة، إلى الشعرية الروسية في النصف الأول من القرن العشرين، الشاعرة آنا أخماتوفا (1899- 1966م)، التي يعدُّها كثيرون أشعرَ نساء زمانها وأجملهن. وفي منتصف القرن نفسه، برزت تتريّة أخرى لا تقل جمالا وشعريّة، هي بيلا أخمدولينا التي عاشت حياة صاخبة ومُترفة مقارنة بابنة سلالتها التي تكبّدت معاناة مُرّة وبخاصة في عهد ستالين. ولدت بيلا (إيزابيلا) أخمدولينا يوم 10 إبريل 1937م في موسكو، لأب يحمل الجنسية التتريّة؛ الْتحق بالعمل السياسي في حزب العمال، ثم شغل في وقت لاحق منصب رئيس لجنة الجمارك الحكومية في اتحاد الجمهوريّات الاشتراكيّة السوفييتيّة، أمّا والدتها ذات الأصول الإيطاليّة، فقد عملت مترجمة في جهاز الاستخبارات (KGB).

بدأت بيلا كتابة الشعر في الخامسة عشرة من عمرها، وظهرت قصائدها الأولى في مجلة «أكتوبر» عام 1955م. بعد الانتهاء من دراستها الثانوية، دخلت معهد مكسيم غوركي للأدب وتخرّجت منه عام 1960م، بعد أن طُردت لمدّة عام بسبب معارضتها لحملات اضطهاد الكاتب بوريس باسترناك إثر حصوله على جائزة نوبل للآداب.

شاعرة، وكاتبة قصة قصيرة ومترجمة، وأحد أعمدة جيل النصف الثاني من القرن العشرين مع أندريه فوزنسينسكي، ويفغيني يفتوشينكو (1932-2017م) وآخرين، وهو الجيل الذي سعى لتحرير الوعي الأدبي الروسي خلال الحقبة التي أعقبت نهاية الحقبة الستالينيّة. نشرت أخمدولينا أول مجموعة شعريّة لها عام 1960م، وحظيت بحفاوة واسعة من النقّاد، لكن بعد صعود ليونيد بريجنيف إلى السلطة في عام 1964م، طُردت من اتحاد الكتّاب بسبب قصائدها التي اتُّهِمتْ بأنها «لا لزوم لها وحميمة جدًّا»، فردّت بنشر مجموعتها (حمّى- 1968م) في فرانكفورت، بالتزامن مع طبعات إنجليزيّة في الولايات المتحدة (1969م) ولدى الناشر البريطاني بيتر أوين (1970م). تُصوِّر قصائدُ هذه المجموعة، الرغبةَ في كتابة الشعر بأنها نوع من المرض، تجعل الشاعر منبوذًا اجتماعيًّا، وتضعه في حالة غربة دائمة.


مع فلاديمير بوتين
داعية لحرية التعبير
عملت أخمدولينا بلا كلل كداعية لحرية التعبير. وعلى الرغم من أنها كانت تنأى بنفسها عن مواجهة السلطات، وتتجنّب كتابة قصائد سياسية مباشرة، فإنها شاركت في أحداث مفصليّة في تاريخ روسيا الحديث، ودعمت الحركات المعارضة. وقّعت عام 1980م على الرسالة التي انتقدت النفي الداخلي للناشط في مجال حقوق الإنسان أندري ساخاروف، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991م ساعدت على تأسيس الاتحاد الجديد للكتّاب الروس، جنبًا إلى جنب مع ريما كازاكوفا وأندريه فوزنسينسكي، كما وقّعت على بيان الـ(42) الذي يطالب بحظر الأحزاب الفاشيّة في روسيا الجديدة. نالت أول اعتراف رسمي خارج بلادها عام 1977م، عندما كانت عضوًا فخريًّا في الأكاديميّة الأميركيّة للفنون والآداب. كما حصلت في وقت لاحق على جائزة الاتحاد الروسي لتعزيز الصداقة بين الشعوب (1984م)، الجائزة الرئاسيّة (1998م)، وجائزة الدولة الروسيّة (2004م) التي منحها لها الرئيس فلاديمير بوتين.

يتميّز شعر أخمدولينا بالغنائيّة، وجرأة الخيال، والاغتراب الداخلي، والمزج بين المحكيّة الروسية الحديثة والتركيبات اللغويّة التقليديّة، فيما ترتكز موضوعات قصائدها على التأمّلات العميقة في الفلسفة والدين وفعل الزمن في مصاير الناس والبيوت والصداقة والحب. كتبت مقالات عدة عن الشعراء الروس، وترجمت إلى الروسية أشعارًا من فرنسا، وإيطاليا، والشيشان، وبولندا، ويوغوسلافيا، والمجر، وبلغاريا، وجورجيا، وأرمينيا، وغيرها.

هذا الفتى هناك
يعدها النقاد حلقة في سلسلة الشعرية الكلاسيكية الروسية التي تمتد إلى ليرمنتوف وبوشكين، فيما وصفها الشاعر جوزيف برودسكي الحاصل على جائزة نوبل بأنها «كنز الشعر الروسي». في عام 1964م قامت بدور صحافيّة في فِلم كوميدي رومانسي بعنوان: «هذا الفتى هناك»، من إخراج فاسيلي شوكشين، وحصل على جائزة «الأسد الذهبي» في مهرجان البندقيّة السينمائي، كما قام الملحن مايكل تاريفيرديف في عام 1975م بتلحين وغناء مجموعة من أشهر قصائدها. حرصت بيلا خلال عمرها الطويل، على مظهرها الأنيق وملابسها الفاخرة، وكانت محطّ أنظار الشعراء والمثقفين والفنانين، والمثل الأعلى للشباب والشابّات، بوصفها «أيقونة» للحريّة. كانت «نجمة» حقيقية، حتى إنها أقامت أمسيات شعريّة في ملاعب كرة القدم، ولا تزال الدوائر الثقافية في موسكو تتذكّر الأمسية التي أحيتها في ذكرى رحيل أخماتوفا، حيث تألقت فيها أخمدولينا وسط جمهور غفير لم يحتشد لشاعر من قبل.

 تزوّجت أربع مرات، المرة الأولى عام 1954م من الشاعر الروسي الكبير يفغيني يفتوشينكو، والثانية عام 1960م من الروائي وكاتب السيناريو يوري ناجيبين، والثالثة عام 1971م من المخرج إلدار كولييف الذي أثمر ابنة وحيدة هي إليزافيتا، أما زوجها الأخير منذ عام 1974م حتى وفاتها، فهو الفنان الشهير ومصمم المسرح بوريس ميسيرر.

 نشرت أكثر من 20 كتابًا؛ منها: «سلسلة» 1962م- «دروس الموسيقا» 1969م- «قصائد» 1975م- «شمعة» 1977م- «أحلام من جورجيا» 1977م- «عاصفة ثلجيّة» 1977م- «حديقة» 1987م- «قصيدة» 1988م- «ساحل» 1991م- «الأعمال الكاملة في ثلاثة مجلدات» 1997م- «بالقرب من شجرة» 1999م- « أنا من طراز قديم» 2000م.

 توفيت أخمدولينا في منزلها في بيريدلكينو بالقرب من موسكو في 29 نوفمبر 2010م عن 73 عامًا إثر أزمة قلبيّة، بعد معاناتها المرضَ سنواتٍ عدةً أسفر عن فقدانها البصر، ونعاها رئيس الوزراء الروسي دميتري ميدفيديف في بيان رسمي.


هو وهي

من التلال والغابات يتشكّل العالم،

من السماء التي تغطي الجميع؛

إنها مجرد أصوات صاخبة

بين ولد صغير وبنت.

هذا العالم لديه مياه وأراضٍ جافة،

سؤال وردّ معاكس:

مع كل كلمة قصيرة «نعم»،

نسمع كلمة قصيرة «لا»!

وسط الأعشاب والمساحات الخضراء الواسعة،

وأعياد الحصاد،

هذا الصبي الصغير على حق

حين يقول: «نعم»!

هذه الفتاة الصغيرة على حق

حين تقول: «لا»! 

كل كلمة على حق – ليل

ونهار يتناوبان على هذا العالم.

وهكذا «نعم» و«لا»- تتعاركان دائمًا

في صخب الأطفال،

هكذا تتعاركان في قلق قلبي،

هكذا تتعاركان إلى الأبد في كل شيء.

وداع
وسأقول لك في النهاية:

وداعًا، لا ترهن نفسك للحب، للضعف.
سأودّعك مجنونة

أو على حافة الجنون.

لماذا أحببتَ؟- تركتَه للموت. بدون أي اهتمام.

لماذا أحببتَ؟ اعتبرتَ ما فعلتَه صائبًا،
كان عليك أن تتصرّف بشكل أفضل.

خطأ فادح! لن أغفر لك. يعيش -جسدي-

يتجوّل، يرى العالم الحقيقي،

ولكن يتخبّط في الفراغ.

أفكّر في أشياء تافهة،

الأسلحة سقطت من دون مقاومة،

وكفقاعات هواء صغيرة،

تلاشت الروائح والأصوات.

شمعة
تحتاج شمعة بسيطة تومض،

شمعة واحدة، أسطوانيّة،

من النوع القديم الذي اختفى،

ولا يزال حيًّا في ذاكرتك.

بعد ذلك أسرِع بقلمك، لإضاءة،

تلك النصوص، الغارقة في البلاغة،

المعقّدة، العقلانيّة والرنّانة…

وبإرادة قويّة استجمع ذاتك في قلبك.

الآن دقّق في ملامح أصدقائك

الذين هم غالبًا من طراز قديم،

مهذّبون وصبورون،

ناعمون كرواسب شمعيّة

بوشكين سينظر لك بودّ،

وليس هناك ليل، ولا شموع خافتة،

إنه مجرد اختبار في تحدّث الروسية

واضح وبارد كسماء زرقاء.

المطر يجلد وجهي
المطر يجلد وجهي ورقبتي،

عاصفة رعديّة تهدر فوق الأشرعة.

أنت تدفع جسدي وروحي،

مثل سفينة تجرفها الأمواج.

لا أريد، على الإطلاق، أن أعرف،

ما سيصيبني في المستقبل-

هل ستشطرني صخرة،

أم أرسو على شاطئ السعادة.

في رعب وبهجة،

مثل سفينة، تبحر خلال العاصفة،

أنا لست نادمة لأنني التقيت بك،

ولست خائفة من الحب أيضًا.

تعويذة
 لا تحزن لأجلي -سأبقى على قيد الحياة-

المتّهم الطيب، الفقير السعيد،

الجنوبي المتجمّد في الدائرة القطبية،

الشمالي الحانق في خزانة الاستهلاك

في ناموسيّة- سأبقى على قيد الحياة.

لا تحزن لأجلي -سأبقى على قيد الحياة-

الأعرج الصغير، المتسوّل في فناء الكنيسة،

السكران المنسي بين الطاولات،

وذلك الذي يشوّه صورة مريم،

والربّ ذلك الرسام السيئ -ورغم ذلك سأبقى على قيد الحياة.

لا تحزن لأجلي -سأبقى على قيد الحياة-

البنت التي بلا هفوة في قواعد النحو،

والتي، في المستقبل ستكون نكرة وأنانية،

حمقاء وغبية وعلى الهامش،

سوف تعرف قصدي. وسأبقى،

بالتأكيد، على قيد الحياة.

لا تحزن لأجلي -سأبقى على قيد الحياة-

أكثر حنانًا من ممرِّض يخيط الجراح الطازجة،

تحت انفجار قذيفة مجنون،

تحت النجوم اللامعة إلى الأبد…

بطريقة ما… سأبقى على قيد الحياة.
مجلة الفيصل

ليست هناك تعليقات