728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    السبت، 2 مارس 2019

    ديوان الزنادقة مفهوم غامض جرّ الويلات


    محمد الحجيري
    «رأيتُ ربّي بعين قلبي فقلتُ: من أنت؟ قال: أنت!».
    لقارئ هذا البيت للحلاج، وهو من شيوخ الصيوفية، أن يشعر بصدمة المعنى الذي يتسم به شعر شاعرنا، بل يحس برهافة التصوف «الرؤيوي» القائم على محاباة الملأ الأعلى واختراق ما يسمى «المحرم الديني»، وهو اذ يصنف في إطار شعر الزنادقة، فهذه الكلمة التي تزعج المتزمتين وتسحر المهتمين بمعنى الشعر بل الشعراء أنفسهم فضلاً عن الأدباء والفلاسفة، ربما لأنها تحمل في مكنونها «الفتنة»، التي يطمح كل باحث عن الأدب الخلاق، لا التابع أو الغارق هوامش السلطان ومدحه، وشعراء الزندقة كثر لكن شعرهم قليل اذا ما قارناه بالذخائر الادبية الاخرى. وما يقوله شعر الزندقة والمجون يتحف الذات ويسلبها الى متاهات جميلة وفاتنة ومضحكة وطريفة، على عكس الجمود والوجوم الذي يكتنف النصوص الرسمية أو المقبولة من السلطان الديني والسياسي.

    1ـ بادئ ذي بدء، علينا القول ان أدب الزّنادقة وشعرهم، بقدر ما كفّر أصحابه وحرقت كتبهم، بقدر ما كان لامعاً وحاضرا في أذهان المهتمين، كأنه علامة من علامات الحرية و«الشرقطة» الخلاقة، فنصوصهم الشعرية توزعت على كتب متناثرة كما يشير جمال جمعة في كتاب «ديوان الزّنادقة» الذي حققه وصدر حديثاً لدى دار الجمل، ولم يضمها كتاب بعينه، أما نصوصهم النثرية فقد أتلفت تماماً وأصابها ما أصاب أصحابها من القتل والتشريد ككتب الرواندي وغيره. لم يبق منها سوى شذور متناثرة من الكتب التي دونت للرد عليها وتفنيدها، وكان أول من بذل الجهد لجمع تلك النصوص أو بقاياها عبد الرحمن بدوي في كتابه «تاريخ الإلحاد في الإسلام». على أن النصوص الشعرية بقيت عرضة للحذف والبتر مع كل طبعة جديدة تطبع بها كتب التراث وهذا ما جهد الباحث العراقي في جمعه على مدى سنوات من مراجع عربية كثيرة، ولا يخفي انه مع الأيام يمكنه أن يحقق نصوصا اخرى يضيفها الى الطبعات الجديدة من الديوان الذي يجعلنا نقف «مذهولين» أمام سحر أبياته ومضامينها وكسرها كابوس «التهذيب» السائد في الشعر التقليدي أو الديني.

    لعل أبرز موضوع يشير اليه جمال جمعة وأخطره هو عملية تنقيح كتب التراث، والتي تقع في رأي الكاتب في مصاف الجنح الثقافية الكبرى، ما قام به ابن هشام من صنيع في تشذيب «السيرة النبوية» التي كتبها سلفه ابن اسحاق، والتي تعد المصدر الاساس والينبوع الأصل الذي نقل جميع من كتب سيرة الرسول أو أرخ لحياته، ويعد الآن هذا الكتاب من الكتب المفقودة. فقد حذف ابن منظور كل الأشعار التي يعتقد انها نالت من النبي والمسلمين، ولم يثبت في سيره إلا مقطوعات متناثرة الأوصال من القصائد التي أثبتها ابن اسحاق كاملة في كتابه الأصل. استمرت سياسة التشذيب وتغييب النصوص حتى عصرنا الحاضر، فقد أصدرت دور النشر طبعات جديدة منقحة لكتب التراث، بترت كل ما لا يتلاءم مع توجهات «القوى الظلامية» في المجتمعات العربية، لم يقتصر هذا الحذف على كتب السيرة النبوية فحسب، بل شمل حتى المؤلفات الأدبية الشعبية ككتاب ألف ليلة وليلة، وغيرها من الكتب العابرة للقارات. سبق لجمال جمعة أن أصدر كتاب «النصوص المحرمة» وهي ايضا ثاقبة خارقة للرتابة الثقافية.

    النبي ماني

    يعتبر ظهور حركة الزندقة في الإسلام من المواضيع الغامضة التي لم يسلّط عليها اهتمام يذكر من قبل المؤرخين برغم قدم الحركة التي ترجع إلى زمن العباسيين. هناك كتب تأريخية تتحدث بصورة سطحية عن أشهر الزنادقة والمحاربة الشديدة التي تعرضوا لها في زمن خلافة المهدي ومن هذه الكتب كتاب «الفهرست» وكتاب «الأغاني» وكتاب «مروج الذهب». والحال انه كان الشعر، طوال مرحلة الصدامات الفكرية والحربية بين النبي ومناوئيه، حاضراً. فمن جانب النبي والمسلمين دخل الشعر كحليف للقرآن، سواء لنشر أفكار الدين الجديد أو للذود عن النبي والنيل من خصومه، فكان الشاعر حسان بن ثابت بمثابة الجهاز الإعلامي المختص بالدفاع عن المسلمين ومهاجمة الخصوم ونقض ما تجود به قرائح المعسكر المعادي. أما في الجانب القريشي فقد سخّر المشركون بدورهم طاقاتهم الأدبية للنيل من النبي والمسلمين، سواء عن طريق الهجاء المر ونيل الأعراض أو للهزء بالدعوة الجديدة. فكانت مناوشات شديدة بين الفريقين ومناجزات لا يهدأ لها قرار حتى بعد هدوء صولات المعارك، فأوغرت الصدور والتهبت الأحقاد ولم تطفأ إلا بعد فتح مكة وتصفية المناوئين من الشعراء وغيرهم.

    لم يهدأ تيار الزندقة في صدر الإسلام بل كان يعبر عن نفسه، على ألسنة الشعراء. فالحنين إلى شرب الخمر والتغني بها، والتبرم من الفروض الدينية والتوق لأيام الحرية في الجاهلية، كان يتردد صداها في ثنايا القصائد التي كتبت في صدر الإسلام. ثم تعزز هذا التيار بدخول الأجناس الأدبية الاخرى، ذات الخلفيات الثقافية المختلفة، في الإسلام التي رأت في التزندق خير وسيلة لإعلان تمردها على أسيادهم ليتبلور هذا التيار، في العهد العباسي، إلى تنظيم فكري يحاور ويناقش ويؤلف الكتب لدحض «المقدسات» حتى اضطر الخليفة المهدي، ثالث الخلفاء العباسيين، بعد استفحال أمرهم الى إنشاء ديوان أسماه «ديوان الزنادقة»، لغرض تعقبهم، فأمر بالقبض على كل الزنادقة. فقبضوا على من استطاعوا القبض عليه وأتوا به الى الخليفة، فأمر بقتل بعضهم وتمزيق كتبه.

    تاريخ الإلحاد

    استنادا الى عبد الرحمن بدوي في كتابه «تاريخ الإلحاد في الإسلام» و«كتاب الأغاني» للاصفهاني فإنه في سنة 163 بعد الهجرة بدأت حملة الخليفة المهدي على الزنادقة وألقي القبض على معظمهم وأمر الخليفة الذي كان حينئذ في دابق بقتل بعضهم وتمزيق كتبهم وخصص قضاة لهذا الغرض وكان القضاة في العادة يطالبهم بالرجوع عن الزندقة وللتأكيد أنهم فعلاً خرجوا عن الزندقة كانوا يطالبون المتهم بالبصق على صورة «النبي ماني» وان يذبح حيوانا تحرمه المانوية علماً أنه لا مصادر تتحدث عن تقديس المانوية طائراً معينًا. استناداً إلى الطبري فإن تهمة الزندقة استعملت ايضا في تصفية الخصوم السياسيين خصوصا من الهاشميين. وعليه فإن الحملة الأولى على الزنادقة كانت موجهة إلى أتباع الديانة المانوية مما يسند النظرية القائمة بأن معنى كلمة زنديق قد تغير تدريجيا عن معناه الأولي واتسعت معناه بعد تلك الفترة.

    كان هناك 3 أنواع من الزنادقة بحسب عبد الرحمن بدوي: طائفة المانويين الذين كانوا يؤمنون بالمانوية عن رغبة دينية صادقة، واستنادا إلى ابن النديم كان معظم هذه الطائفة من «الموالي الفرس» ومنهم صالح بن عبد القدوس وعبد الكريم بن ابي العوجاء. طائفة المتكلمين ويقصد بهم المشككين الذين كانوا يخوضون المناقشات الدينية ليجدوا «السلوى» حسب تعبير ابن النديم ومنهم ابن الراوندي وأبو عيسى الوراق. طائفة الأدباء ومنهم بشار بن برد وأبو نواس وأبو العتاهية. كان الزنادقة في بغداد وحلب ومكة والبصرة والكوفة.

    معنى المعاني

    تحمل لفظة الزنديق تفسيرات متعددة وتأويلات متباينة، إلا أنها قد تتفق جميعها على معنى شمولي وكلي يتسم بالقدرة على احتواء كل التفسيرات والدلالات الجزئية الاخرى وهذا ما نجده تقريبا في لفظ (الزنديق). هذا التباين في التفسير جعل منه أكثر الألفاظ إثارة للجدل في التاريخ الإسلامي فتحته ظلم وُجلد وُصلب وُنفي وُقتل الكثير من العلماء والأدباء والمفكرين ممن افتري عليهم بالظلال والمروق وباسمه لقى الكثير من الخلاقين شتى أنواع الاضطهاد. كل ذلك لأسباب في معظمها شخصية عدائية. وقد بدأ مفهوم الزندقة بداية ملتبسة في تعريفات المؤرخين العرب الكلاسيكيين ورواة الأخبار، فمنهم من يخلط الزنادقة بالدهرية الذين يقولون بقدم الدهر وأبدية المادة والكون، ومنهم من يعرفهم بالثنوية، أي أهل النور والظلمة، ويقصر تعريفهم على أتباع النبي ماني. أما ابن منظور فيقول ان الزنديق هو القائل ببقاء الدهر، وهو بالفارسية: زند كراي. والزندقة الضيق، وقيل الزنديق منه لأنه ضيق على نفسه. التهذيب منه معروف، وزندقته انه لا يؤمن بالآخرة ووحدانية الخالق. وليس في كلام العرب زنديق، انما تقول العرب رجل زندق وزندقي اذا كان شديد البخل، إذا أرادت العرب معنى ما تقول العامة قالوا: «ملحد ودهري». ويقول بروكلمان ان كلمة زنديق كانت شائعة على عهد الساسانيين وتطلق على كل من يتجرأ على تفسير كتاب الزرادشتية المقدس «الافستا»، كما تطلق على أتباع مزدك وماني. ويقول فون كريمر انها تطلق على من اعتنق آراء الفرس في بادئ الامر ثم اعتنق ديانة ماني، فقد كان الزرادشتيون يعدون هؤلاء ملحدين وخارجين عن ديانتهم الزرادشتية لذلك صارت الكلمة عندهم تطلق على كل ملحد لا يؤمن بديانتهم. يقول الباحث العراقي الراحل جواد علي ان مفردة الزندقة، التي أخذت من الفارسية قد أريد بها في الأصل الخارجون والمنشقون على تعاليم دينهم، فهي في معنى الهرطقة، وقد صار لها في العهدين، الاموي والعباسي، مدلول خاص، اذ قصد بها الموالي الحمر، الذين تجمعوا في الكوفة، وكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون تعالم المجوسية. وفسّر جلال الدين السيوطي في كتابه «المزهر في علوم اللغة وعلومها» الزنديق هو من يقول بدوام الدهر. وقال الفراهيدي في «كتاب العين» (زندقة الزنديق: ألا يؤمن بالآخرة وبالربوبية) يذهب الشيخ الصــدوق الى تأكيد هذا المعنى عبر ذكره لحديث نبوي يرويه في كتابه «التوحيد» (هم الدهرية الذين يقولون لا رب ولا جنة ولا نار، وما يهلكنا إلا الدهر).

    شخصيات

    يزخر التاريخ الاسلامي بشخصيات راحت ضحية ما يسمى الزندقة مثل بشار بن برد، الحلاج، ابو العلاء المعري، ابن المقفع، السهروردي وهناك ابن الراوندي فهو الأيديولوجي المحترف. وبرغم حياته القصيرة، استمر الجدل حول إلحاده بين كبار النقاد والفلاسفة والشعراء طوال قرنين. وكان ذهب في نقده للدين إلى ما سوف يذهب إليه الملاحدة الغربيون، بل إنه تجاوزهم في رفضه كل ما له علاقة بالدين الذي وصفه بأنه «سحر وشعوذة»، حتى ان أشهر الملاحدة الغربيين، كارل ماركس، بدا أكثر اعتدالاً منه حين وصف الدين بأنه احتجاج على معاناة واقعية، وانه «قلب عالم بلا قلب، وروح عالم بلا روح»، أما ابن الراوندي فلم يعترف بقلب ولا بروح في الدين. مر الرواندي بمراحل عقائدية مختلفة بدءا من موطنه، قرية راوند في إيران وطلبه العلم في مدينة الري وتأليفه كتابي «الابتداء والإعادة» و«الأسماء والأحكام» اللذين كانا يمثلان فترة الإيمان الإسلامي العميق لابن الراوندي ولكنه سرعان ما بدأ رحلته في التشكيك في عقيدة التوحيد وفي يوم المعاد وفي العدل وصفات الله والانتقادات الموجهة إلى الشريعة الإسلامية والفرائض وإنكار وجود الله وأزلية العالم. ألف ابن الراوندي كتاب «التاج» وكتاب «عبث الحكمة»، وكتاب «الدامق» الذي عارض فيه القرآن، وكتاب «الفرند» الذي انتقد فيه بعث الرسل ورسالة الأنبياء، وكتاب «الطبايع» وكتاب «الزمرد» وكتاب «الإمامة». أما ابن المقفع فيعتقد البعض أن تهمة الزندقة وجهت إليه كجزء من الخلافات السياسية داخل الأسرة العباسية، ويرى البعض الآخر في كتاباته وخاصة في باب برزويه من كتاب «كليلة ودمنة» مؤشرات على الإلحاد اذ يقول «وجدت الأديان والملل كثيرة من أقوام ورثوها عن آبائهم وآخرين مكرهين عليها وآخرين يبتغون بها الدنيا ومنزلتها، فرأيت أن أواظب علماء كل ملّة لعلي أعرف بذلك الحق من الباطل ففعلت ذلك وسألت ونظرت فلم أجد من أولئك أحدا إلا يزيد في مدح دينه وذم دين من خالفه ولم أجد عند أحد منهم عدلا وصدقا يعرفها ذو العقل ويرضى بها». استنادا إلى كتاب «المعلمين» للجاحظ الذي يصف ابن المقفع كالتالي «قد يكون الرجل يحسن الصنف والصنفين من العلم فيظن بنفسه عند ذلك كالذي اعترى الخليل بن أحمد بعد إحسانه في النحو والعــروض إن ادعى العلم بالكلام وأوزان الأغاني فخرج من الجهل إلى مقدار لا يبلغه إلا بخذلان الله تعالى».

    القوة الرمزية

    باختصار اشتهر «الزنادقة» بنوع خاص من الإلحاد يختلف عن الإلحاد الغربي الذي اشتهر تحت عنوان «إنكار وجود الله». أما العرب فقد اشتهر تحت عنوان «إنكار وجود الأنبياء والرسل»، أي فضلوا «القوة الرمزية» على «القوة الوضعية»، وحجتهم في ذلك أنه لو كانت الرسالات صحيحة لما اختلفت من رسول لآخر، وتسببت بالحروب بين المذاهب المختلفة للدين الواحد، وعلى هذا فلا عجب أن قال أحد المتصوفة «كل كفر تحته إيمان».
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: ديوان الزنادقة مفهوم غامض جرّ الويلات Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top