728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الثلاثاء، 5 مارس 2019

    دولابُ المِغْزَل – حنّا بيرفوتس

    ترجمة محمد رشو


    «هل كان هذا يُؤلم إصبعها؟»

    «أظنّ ذلك.»

    «وكم كان يؤلم؟»

    «ألماً كثيراً مثلما حين تضربكِ فاتيهة الإبرة.»

    «ليس كثيراً إذن.»

    «لا؟»

    «لا…»

    تُغلقُ لوسي عينيها. مستلقيةٌ هي تقريباً، رأسها على حضن نينا. لكن قدميها لم تكونا تبرزان على المسند في الطرف الآخر، ترى نينا: الممر داخل القطار فارغ. لوسي صغيرة مقارنةً مع عمرها.

    «هل أكمل القراءة؟»

    تهزُّ لوسي رأسها، تتثاءب. ابنتها ليستْ متعبة، تعلمُ نينا. بالأحرى هي نعسانة. وفي الحقيقة: هي نعسانة جدّاً. في الأسبوع الذي مضى، سألتْ بعد أن أعطتها فاتيهة الإبرة: «متى ستأتي ماما؟» الآن كانت نينا جالسة بجوارها.

    تضع كتيب القراءة الأرجواني أمامها على الطاولة القابلة للطي، تنظرُ إلى معصم لوسي. يوجد على الشريط البلاستيكي «3-14 أ»: الطابق الثالث، الغرفة 14، السرير أ، السرير الذي بجانب النافذة. في ذهنها كانت مشغولةً بالأمتعة التي استذكرتها لعدّة مرات. مَقْلَمةٌ فيها فرشاتا أسنان، معجون أسنان ولصقات جروح، شنطة سفر فيها سترة إضافية للوسي وبيجامة لكلتيهما، كتيب القراءة الأرجواني، حقيبة الظهر الحمراء وفيها حبوب دواء وربطة شعر، لا مقصّ. وما من سكّين جيب أيضاً أو مقصٍّ للأظافر، لا شيء حادّ.

    وثمّ أخذت نينا تفكّر في علّاقة مفاتيحها.

    معطفها معلّقٌ بخطّاف صغيرٍ جانب النافذة، لا تلمس طرفاه صدغها. ترفع نفسها، تتلمس جيوبها، تخرجُ هاتفها، وتنظرُ إلى نفسها معكوسةً على الشاشة، الشاشة سوداء، طبعاً. كانت قد أطفأت هاتفها منذ بدء الرحلة. وبينما كانت تحاول أن تلتقط مفاتيحها من خارج بطانة معطفها عبر الثقب الذي في الجيب، أخذت تتساءلُ يا تُرى كم هو الوقت الآن. ومن سيكون هناك في رسائل بريدها الصوتي.

    «تعالي حلوتي.»

    بحذرٍ تمسكُ معصم ابنتها. بيدٍ تشدَ الشريط البلاستيكي، وبيدها الأخرى كانت تحمل مفتاح دراجتها، تتركُ المفتاح ينزلق من تحت الشريط، تحاول أن تنشره من الأسفل نحو الأعلى، مثلما يقطع الصيادون الحبال عندما يطلقون غزالاً من أفخاخهم – على الأقل تتخيّلُ الأمرَ كذلك. الشريطُ متينٌ. يمطُّ لكنه لا ينقطع. من جديدٍ، تمسكُ نينا الشريطَ وتشدّه، لا يُنشَرُ هذه المرّة أيضاً، تسحبُ المفتاح بقوّة نحو الأعلى. يخدش الشريطُ الآن معصمَ لوسي.

    بصمتٍ تهزُّ لوسي رأسها، كما لو أنها تردُّ على سؤالٍ ما، على سؤالٍ سبق لها وأن ردّت عليه أكثر من مرة – هل تريدين علبة فريتسي أخرى؟ – لاااا ….

    تعيد نينا المفتاح لتضعه في جيب المعطف.

    في الخارج تمرّ منازل مائلة نحو الوراء.

    «ظهيرةٌ طيبة، تذكرتكِ، من فضلكِ؟»

    ينظرُ المفتش نحو الطفلة. نحو ساقي لوسي، اللذان لم يكونا يبرزان من فوق المسند. نحو كعبي حذائها، اللذان لم يكونا، في الواقع، يمسُّان جلد المقعد. تلتقطُ نينا التذكرة من فوق الطاولة الصغيرة.

    «هل تعلمون ربما كم هو الوقت؟»

    «إنها الثالثة والنصف،» يقول المفتش دون أن ينظر إلى ساعته.

    هذا المكان هو ساعة هذا الرجل، تفكّر نينا. المفتّشُ يعلمُ متى قد بدأ، إنه الآن هنا، في المقطورة الثانية، في العربة الثالثة، وهذا يعني: الساعة الثالثة والنصف. مثلما هو الحالُ تماماً في المكتب الذي تعمل هي فيه، سلوكُ زملاءها يشيرُ بطريقةٍ ما إلى الوقت، وكم صار لهم وهم مشغولون بأمرٍ ما. الساعةُ الثالثة والنصف هناك: ميلو شاردة، ما تزال تتصفحُ صور القنافذ وأطقم الملابس الرسمية، مايك يبدأُ للتو لينحني برأسٍ أحمر على لوح المفاتيح ليدّق على الأزرار ويصرخ: «ومع ذلك، اسكت!» بعدما يسأل شوورد عمّن سيرافقه إلى الخارج ليدخنّوا سيجارة. ليزا، أوزغول وإيليكو سيرافقونه ليدخنوا. يصعدون هم أربعتهم سلم الطوارئ متجهين نحو السطح، يُرخون ياقات قمصانهم، هناك العديد من الاحتمالات الممكنة لشكل وقوفهم، ولكن كما هو الحال دائماً، سيقفون مشكلين حلقةً: ستدور القدّاحة بينهم، ستتأرجح اللُهُب في الهواء، ستُنفثُ السجائر عالياً، وثم سيلقي أحدهم بالسؤال: «أين نينا؟»

    «لقد اتصلوا بها على الهاتف.»

    «أهي مريضة؟»

    «أظنّ أن الأمر متعلّق مرّة أخرى بشيءٍ يخصّ ابنتها.»

    وحينئذٍ يومئون لبعضهم ويتنهدون فيما بين أنفسهم: هذه الحركات التي تساعد على قمع ما يراودهم. في الواقع، يريد هؤلاء الأربعةُ ضجرين أن يفعلوا شيئاً آخر. أن يلفّوا بأعينهم على سطح المبنى هنا وهناك، مفكرين «هل اتصلوا بها على الهاتف مرة أخرى؟ كم من إجازةٍ إضافية حصلتْ هي عليه حتى الآن؟ ألا تستطيع أن تتدبر شؤونها على نحوٍ أفضل؟» أجل، هذا بالطبع ما يفكّرُ فيه زملاؤها ولا يقولونه. لا أحد يرغب أن يُلام على قلّة التعاطف. لذلك يحكمون قبضاتهم على بعضهم البعض بهذه الإيماءات وتلك التنهدات. هناك على السطح، في تلك الحلقة التي يقفون فيها على مسافة عشر كيلومترات عن حيث هي الآن.

    الساعةُ الثالثة والنصف. في باريس تقريباً.

    قبل أن يتوقف القطار بعد قليل، ينبغي عليها أن تحزم أمتعتها مع بعضها البعض، تفكّر. عليها أن تزرر أحزمة حقيبة الظهر الحمراء مع تلك التي لشنطة السفر. أن ترفع شنطة السفر لتحمله على كتفها الأيسر، وثمّ – عندما يتوقف القطار تماماً، أن تحمل لوسي، الذراع الأيمن تحت مؤخرتها واليد اليسرى على مؤخرة رأسها، تماماً كما فعلت في هذا الصباح أيضاً.

    صُدمتْ هذا الصباح عندما قامت برفع لوسي من سريرها الكبير جدّاً: كما لو أنك تهمُّ برفع صندوق كرتون يكاد أن يكون فارغاً، بعد أن تكون قد هيأتَ نفسك لحمل شيءٍ أثقل بكثير. لم تُصدم لأن لوسي كانت خفيفة جدّاً، بل لأنها لم تكن قد توقعتْ ذلك، والدهشة خانتها في الحقيقة حين فكّرتْ، يا له من وقتٍ طويلٍ هذا الذي مرّ عليها دون أن تكون قد رفعت ابنتها بنفسها ذات مرّة.

    ليس بالمصعد، كانت قد قررتْ هي. بل بالصعود على الدرج حيث سيقابلون أناساً أقلّ. ولكن، في الطابق السفلي، كان لا يزال عليهما أن يمرّا بالقاعة الكبيرة. بجانب الأطفال والكراسي المتحرّكة والأمّهات والآباء والعجائز مع الخراطيم في أنوفهم أو في أذرعهم والكافيتريا والأطباق مع الشطائر الملفوفة بالنايلون بإحكام والكشك والأكواب والبوالين التي عليها أميرات ديزني والألعاب مع أنيس في افتح يا سمسم ومكاتب التسجيل والعلامات والأرقام وأسهم الإرشاد.

    وهي طفلة، كانت لدى نينا لعبة كمبيوتر تُدعى الضفدع.كان هناك ضفدعٌ وكان عليه أن يقطع طريقاً مزدحماً بالسيارات، وفي بعض الأحيان نهراً مليئاً بجذوع الأشجار أيضاً. كانت استراتيجيتها الوحيدة هي: لا تنظري، ابقِ مع السهم وحسب وانطحي نحو الأعلى. في تسع مرات من أصل عشرة كان الضفدع يصل حيّاً إلى الطرف الآخر.

    ترمش لوسي بعينيها.

    «ظهيرتكِ طيبة أيها الجمال…»

    تغمغمُ لوسي بشيءٍ ما.

    «ماذا تقولين، عزيزتي؟»

    «هل سيكون في إمكاننا أن نلمس دولاب المِغْزَل أيضاً؟»

    «وهل لديهم دواليب مِغْزَل هناك؟»

    «أجل!»

    وفجأةً رفعت لوسي نفسها.

    تتسلّقُ على حضن نينا، تمدُّ ذراعها، تخطف الكتيب الأرجواني عن الطاولة، وتبدأ بتصفحه. بحماسٍ ونحو هدفٍ واضح: التنين، زوجة الأب، الأمير.

    تتخيّلُ نينا كيف سيكون الأمر لو أن هذه كانت لوسي العادية، وأن لوسي البطيئة كانت الإستثناء.

    «هنا، في هذه القلعة!» تحملُ لوسي الكتاب رافعةً إيّاه عالياً. وللحظةٍ يبدو الأمر كما لو أنها الحياة التي كانت يمكن أن تكون لهم، تغمز لوسي غمزة إغاظة لنينا.

    ***

    التدفئة تعمل بشكلٍ تلقائي، لابدّ أنه هكذا. ما من زرٍّ هناك وما من قرصٍ دوّار، على الشاشة تظهر: 18 درجة مئوية.

    «هل أنتِ باردة، عزيزتي؟»

    لا تردُّ لوسي. تخرج رأسها من تحت اللحاف. عيناها مغلقتان، لكنها لا تبدو تعيسة. لذلك تمضي نينا قدماً في فتح شنطة سفرها. المَقْلَمَة تضعها على المغسلة الرخامية السوداء. بيجامتها تعلّقها على إحدى العَلَّاقَتين الموجودتين في الخزانة. كتيب القراءة الأرجواني تضعه على المكتب. ترى أن غطاء الكتيب قد بدأ يتهدل قليلاً.

    تجلس نينا على ركبتيها وتفتح الميني بار.

    «هل تريدين الشوكولاته؟»

    تعلم أن ابنتها لا تريد الشوكولاته. لم تأكل لوسي أي شيء منذ هذا الصباح – في أحسن الأحوال لا تملك لوسي الشهية لشيء، وفي أسوأ الأحوال يكون لديها ذلك الشعورُ بالغثيان. لكنه من الصعب جداً أن تقوم بالأشياء بشكلٍ احتفالي دون أن تكون هناك حلوى مزيّنة.

    بالإبهام والسبابة، تلتقط نينا زجاجة ميرلوت الأحمر من بين علبتي البيبسي. لا ترى كؤؤس بلّور في أي مكان، ثمّ تتذكر الأكواب البلاستيكية على المغسلة.

    أكواب بلاستيكية في كيسٍ بلاستيكي.

    تذهب نينا لتجلس على حافة السرير. في يدها كوبٌ نصف مملوء، في يدها الآخر كتيب القراءة الأرجواني.

    «أأكمل القراءة؟»

    لا تقول لوسي أي شيء.

    «أين كنا قد وصلنا؟»

    «لا أعرف،» تهمس لوسي الآن. وتزنُّ زنّاً متكرراً، عدة مرات وراء بعضها.

    «لا يهمّ،» تقول نينا.

    تُزلق الغطاء الفضفاض على غلاف الكتيب، تفكّرُ في بضعةِ أشهرٍ مضتْ: اليوم الذي تلى المساء الذي شربتْ فيه حتى أفرغتْ زجاجةَ أماريتّو من صندوق هدايا الكريسماس.

    كانت معدتها في ذلك الصباح كميزان ماء. عندما كانت تتحرك، كانت المحتويات، ثقيلةً وكثيفة، تتقلّبُ وتخفق في جميع الاتجاهات، وقد حدث لها أن توازنها فُقد لثوانٍ معدودات. لم يسبق لها في أيّ وقتٍ وأن شعرت بالغثيان كما في ذلك اليوم. ولكن، فكّرتْ في نفسها، هذا ما تختبره لوسي، بل وكلّ يوم، ربما. وعلى الرغم من أن لوسي كانت ترقد في تلك اللحظة على بعد أميال في الغرفة 3.14، شعرتْ فجأةً أن ابنتها قريبةٌ منها إلى أبعد حدّ: بل وأقرب مما كانت قد شعرت به في الأشهر القليلة التي مضتْ، أجل، أقرب مما كانت عليه في تلك الصباحات التي كانت تجلس فيها بجانبها، تمسك يدها، أو تراقب كيف أنها كانت ترقد لتتلوى على سرير غريبٍ كبير.
    أن تعزّي أحداً ما أو أن تقدّم السلوان له، تعريفاً هو أن تشعر أنك وحيد تماماً، ولكن أن تعاني فهذا يعني أنك تقاسم الآخرين شيئاً، حتى لو كنتَ وحدك.

    تقف نينا.

    تتمشى حول السرير، تخلع حذائها الرياضي، ترفع اللحاف جانباً.

    «أنا آتية.»

    تغوصُ فرشةُ السرير تحت وزنها نحو الأسفل. تنزلق لوسي نحوها من تلقاء نفسها، كما تنزلق البضائع على أرضية سفينةٍ مقلوبة. تريد نينا أن تحيطها بذراعيها، أن تضمّها، أن تلفّها، أن تشمّها: أن تلمسها. لكن لوسي ترفض هازةً رأسها مرة أخرى.

    لااا.

    ***

    إنها السابعة صباحاً، ما تراه على الراديو – المنبه الذي بجانب رأسها. تسحبُ ذراعها من تحت لوسي.

    «لوووس؟»

    لا تقول لوسي أي شيء. ولا حاجة إلى ذلك أيضاَ، لا يزال الوقت مبكراً.

    تخرج نينا من السرير وتمشي صوب الحمام.

    تأخذُ دشاً. وثم حمّاماً في البانيو أيضاً. كان هناك ما يكفي من الوقت. تفرّك بكيس الحمام الذي في الفندق جسمها كله.

    ثم تذهب مرة أخرى لتقف تحت الدوش. هذه المرة كي تشطف الشعيرية البيضاء عن جسمها – الفتائل الصغيرة التي لم تكن قد زالت بعد عن جلدها.

    ترتدي ملابسها التي كانت ترتديه بالأمس، مرّةً أخرى.

    «لوسي؟»

    برفق تمسك كتف ابنتها. لا تفتح لوسي عينيها.

    تقررُ نينا: نحن بحاجةٍ إلى عربة أطفال هذا اليوم.

    ***

    «الإفطار مع ميكي وأصدقائه!» هذا ما كان مكتوباً في إضبارة الملف على الكوميدينة بجانب السرير. لا ترى ميكي. بل بلوتو، وميني ماوس، على طاولة عائلية بيضاوية كبيرة حيث يبدو الأمر وكأنه يخصُّ ميلاد جدّة. ترى كيف أن الأمهات على الطاولات الأخرى يحاولن تهدئة أطفالهن: بعد قليل، بعد قليل يمكنك التقاط صورة مع ميني، ولكن تناولْ أولاً خبز القهوة.

    «بعد قليل،» تهمس نينا نحو لوسي.

    تدفعُ العربة عبر البوفيه.

    «انظري، يا حلوة، لديهم الفطائر أيضاً.»

    بملقطٍ تضع فطيرتي باناكوك على صحنها. العجينُ سميكٌ ومطاطي، مثل كل شيء آتٍ من أمريكا.

    تقود العربة نحو طاولةٍ على طرف قاعةِ الإفطار. أبعد ما يمكن عن بلوتو.

    ***

    تنظرُ للأعلى، نحو أسهم الإرشاد. تومورولاند يميناً، فرونتيرلاند يساراً.

    يبدو لها تومورولاند ألعابُ السفن الدورّارة في الأساس، لذا تدفع العربة نحو اليسار، لتدخل من خلال بوّابة إلى الغرب المتوحش.

    الخشب الصلب، الأبواب المتأرجحة، عربات بيع بألوان ترابية: أطنان من البارود كصناديق نفايات.

    تتوقف نينا عند أول لعبة. قطارٌ صغير. تذهب لتقف بجانب عصا القياس. الحدُّ الأدنى للطول المسموح به مترٌ واحد وأربعون سنتيمتراً، تقرأ.

    «هل يمكنني مساعدتك يا سيدتي؟»

    يرتدي الفتى قبعةَ رعاة البقر، نجمةً فضية، ولوحة تحمل اسمه تفشي سرَّ أنه ليس الشريف.

    «لا،» تقول نينا، تومئ نحو لوسي. «إنها ما تزال صغيرة جدّاً.»

    وثمّ وقبل أن يكون في إمكان بينوا أن ينظر إلى داخل العربة، تنطلق.

    ***

    تظنّ أن هذا جميلٌ للغاية. ينزلقان معاً في زورقٍ باللون الأزرق الفاتح عبر ما هو أشبه بصندوق فُرجة. دمى تدور، تلّوح، تغنّي «إنها دنيا صغيرة». للتوّ كانوا لا يزالون في الصين. وبرؤية الأسد، الآن، فهذه هي أفريقيا إذن.

    أمامهم هناك آخرون يجلسون في الزورق. صبيٌّ صغيرٌ يلّوح بذراعيه باستمرار، أمه تهتفُ له بكلماتٍ ألمانية، ولكنها وفي أثناء ذلك تتركه هكذا ليُفتن بما حوله هناك.

    في بدء جولة الزورق كانت لوسي لا تزال جالسة بجانب نينا.

    لكن رأسها كان يتخبطُ دائماً للأمام، لذا وفي منتصف الطريق أخذت رأسها في حضنها: ردفا لوسي على رأس ركبتيها، بحيث تميل إلى الخلف قليلاً من تلقاء نفسها.

    «انظري حلوتي،» تهمسُ نينا. «هل ترين ذلك البوذا؟ وهناك، هناك، تلك الفتاة التي معها السيتار؟ هل ترينها أم لا، هذه ليست فتاةً على الإطلاق، أليس كذلك؟ إنها مجرد دمية.»

    ***

    يظلّ الإعلانان يتناوبان، على الشاشة في أعلى الجدار.

    يبدأ العرض الثلاثي الأبعاد بعد خمس دقائق.

    الأبوابُ مفتوحة، إلى الخارج.

    يبدأ العرض الثلاثي الأبعاد بعد خمس دقائق.

    الأبوابُ مفتوحة، إلى الخارج.

    يبدأ العرض الثلاثي الأبعاد بعد خمس دقائق.

    يضع أحدٌ ما يده على كتفها.

    «عذراً، الهولندية، نعم؟»

    يقف بجانبها رجل طويل القامة، ويحدّق في وجهها من وراء ساقيه العريضتين طفلان صغيران. صبي وفتاة. يشير الرجل إلى عربة ابنتها، الطفلان كذلك.

    «هل الأمور بخير مع ابنتك؟»

    «لا أتكلمُ اللغة الإنجليزية،» تسمع نينا نفسها وهي تتمتم.

    الأبوابُ مفتوحة، إلى الخارج.

    ***

    السفرُ إلى الفضاء، على ما يبدو هو التيمة هنا. على صندوق البيتزا يوجد صاروخ، على ورق تغليفها تقرأ: بوز لايتيير. قشرة البيتزا التي تأكلها متيبسة بعض الشيء، لكن السجق الذي فيها غضٌّ بشكلٍ مثيرٍ للدهشة.

    تأخذ كوبها، تمصّ منه. شرمونتها عالقة بين مكعبات الثلج، الماء الذائب له مذاقٌ معدني. ترى عبر النافذة أنها في جوار القلعة.

    في الواقع، لقد كانوا كذلك طوال الوقت: مهما ابتعدوا، كانت القلعة تظلُّ قريبة منهم. المآذن الوردية، الأبراج التي بنيت أمامها على صور. تديرُ العربة نصف دورة: من الطاولة إلى النافذة. يسقط بعضٌ من ضوء الشمس على عيني لوسي المغلقتين.

    ***

    لقد حملت ابنتها بين ذراعيها. لا تزال العربة بجانب التواليت، والتي سيجدها أهل الفندق. فكّرتْ: أريد أن أحمل ابنتي بنفسي، إنها ليست ثقيلة. ولكن مع كل خطوة كانت لوسي تبدو أكثر ثقلاً.

    حملتها هناك، بجانب ذلك العشب المجزوز بدقة، بجانب المقاعد والشجيرات التي فيها ثمار البرتقال. بجانب دودو، اليرقة الزرقاء الكبيرة الجالسة على سطح نبات الفطر، والقطة المبتسمة على غصنها. توقفت للحظة أسفل القطة. كانت قطة ذات خطوط أرجوانية، القطة التي لو كانت لوسي قد رأتها، لوجدتْ أنه كان جميلاً، جميلاً جداً.

    لقد فكرت للحظة في دخول المتاهة، في بلاد العجائب، لكنها كانت تخشى ألا يخرجا منها. توقفتْ عند بئر، حيث انحنتْ لتداعب حماماً أبيض. لم يبأ الأمر بالنجاح ولوسي بين ذراعيها.

    اشترت عصا حلوى ما لبثتْ وأن رمته على الفور مرة أخرى.

    ***

    للقرص الدوار ألوانُ الباستيل التي لفناجين الشاي التي توجد عليه، له ألوانُ القلعة وكتيب القراءة والقطة على غصنها وإضبارة الملفّ في الفندق.

    تنتقل بحذر على الأقواس الزرقاء والوردية والأرجوانية. يميناً يساراً يمسك بها الأطفال، يقفزون في الفناجين التي بحجم الإنسان، يمسكون بالأبواب المتأرجحة، يبقونها مفتوحةً وينادون: «هيا، ماما! تعالي، تعالي، تعالي.»

    تمسك بحافة فنجانٍ أرجواني.

    «سنجلسُ في هذا، حسناً؟»

    بوركها تدفع الباب لينفتح. تلقي لوسي على الفور على المقعد، ثم تجلس بذاتها. معصماها يرتعشان الآن.

    هناك طاولةٌ صغيرة في وسط الفنجان. إنها عجلةُ دوران، تفهم ذلك عندما تنظر فيما حولها. لم تبدأ اللعبةُ بعد، ولكن فناجين عديدة تدور بالفعل حول محورها.

    تمسك العجلة بكلتي اليدين. تبدو أثقل مما كانت تتوقع. لكن الفنجان يبدأ في الحركة، أجل، إنهم يمضون: لفّة بطيئة.

    ولفّة ثانية.

    تظلّ لوسي راقدةً بسكونٍ جانبها، شفاهها الزرقاء تهتز قليلاً وحسب.

    الآن يبدأ القرص يتحرّك تحتهما أيضاَ. ترتفع أصوات بهجة، تنطلق الموسيقى، كل شيء يدور، وعجلة دوران تشتد أكثر وأكثر.

    «ووووو،» تسمع نينا من حولها.

    «ووووو،» تهتفُ نينا.

    تلاحظ أن لوسي قد انزلقت إلى حافة المقعد. تحاول أن تسحبها، أن تجلسها، لكن لوسي تسقط مرة أخرى، تقع ووجنتها على حافة صلبة مصقولة.

    شيءٌ ما ينبجس. فوق عين لوسي بقليل.

    لكن لا شيء ينزف، نينا تقبض على عجلة الدوران مرة أخرى.

    وتدور هي، والفنجانُ يدور، أسرع وأسرع، أشدّ وأشدّ، تسقط لوسي عن المقعد والفنجانُ يستمرُّ في الدوران.

    أسرع وأسرع، أشدّ وأشدّ، أسرع وأسرع، ولوسي راقدةٌ على الأرضية الفولاذية ووجهها نحو الأرض ورقبتها ملتوية بشكل غريب، دمية، تركها طفلٌ ما خلفه عن طريق الخطأ، طفلٌ عاديٌّ يمكنه أن يلّوح ويركض و يمسك ويدور ويدور. تستمرُّ نينا في الدوران، بكامل قوتها، أسرع وأشدّ، أشدّ وأسرع، تلفّ، تلفّ، تلفّ، شعرها المرفرف على وجهها وفي فمها، «ووووو» و«وااااا»، ترى الآن الشعر وحسب، أسرع وأسرع، أشدّ وأشدّ، «ووووو» و«وااااا»، تلفّ، تلفّ، تلفّ، أشدّ، أشدّ، أشدّ وثمّ بعد بقليل، حين سيقف الفنجان ويتوقف القرص عن الدوران، حينئذٍ ستسأل أين في مقدورهما بعد أن يلمسا دواليب المِغْزَل.

    فريتسي: شراب من الحليب الخالي من الدسم مع نكهة الفواكه.
    بلوتو: الكلب المدلل لميكي ماوس، الأصفر اللون، شخصية كرتونية خيالية، ابتدعهما الأخوان ديزني.
    إنها دنيا صغيرة: أغنية بالإنكليزية.
    بوز لايتيير: شخصية في فيلم توي ستوري، نسبةً إلى شخصية بوز آلدرين، رائد الفضاء الأمريكي والرجل الثاني الذي وطأت قدماه القمر.
    دودو (بات دودو) من شخصيات ديزني في فيلم “أليس في بلاد العجائب”.
    حنّا بيرفوتس (1984) روائية وقاصّة هولندية، من أعمالها الروائية: عزيزي سيلين (2011)، كلّ ما كان هنالك (2013)، إيفتير (2014)، إيفانوف (2016) التي فازت بجائزة بنك BNG للآداب.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: دولابُ المِغْزَل – حنّا بيرفوتس Rating: 5 Reviewed By: alrumi.com
    Scroll to Top