شاكر الأنباري... محمد الماغوط في زمن آخر



سلمان لمام، ينتمي إلى قبيلة بني لام، التي ينتسب إليها أيضاً جمعة اللامي، هو من كتب الروايات والقصص عن تاريخ هذه القبيلة التي تسكن الأهوار جنوب العراق، وفي مدينة الناصرية تحديداً. سلمان لمام كان واحداً من زملائنا في جامعة السليمانية، وهي من مدن كردستان العراق. كان يدرس الهندسة الزراعية، هو شاب أسمر يشبه إلهاً سومرياً. قصير وسمين قليلاً، صعلوك حقيقي من صعاليك الجامعة. أما أنا فكنت أدرس الهندسة المدنية، أيام كان المهندس واحداً من نخبة المجتمع. ما كان يميز سلمان لمام أكثر من غيره، ليس مواصفاته الجسدية، ولا شبهه بالسومريين، وإنما حفظه لكل شعر محمد الماغوط تقريباً. كان مهووساً بمحمد الماغوط. يفطر على قصائده، يتغدى بطرائفه، يتعشى بذكره. ولم نكن نعرف لماذا. كان يترنم بقصائده في المقاهي، في جلسات الشراب وعند أروقة الكلية، وفي السفرات الجامعية، حتى أوشكنا نؤمن أن سلمان تمام القادم من الهور، وكيل الماغوط الثقافي في جامعة السليمانية. ليس هنا الغرابة أيضاً. المسألة أن سلمان راح يعيش حياته اليومية طبقاً لفلسفة الماغوط، المتشائمة من الواقع العربي، المتشكية من الحظ البائس، غياب العدالة السماوية، الكفاف البشري في الحياة. لازمة سلمان الدائمة هي: أنا سأرفع رسالة إلى الله، ممهورة بعذاب البشر، لكن كل ما أخشاه أن يكون الله أميا. 


ربما لم تكن القصيدة هكذا بالضبط، لأني أعتمد الآن على ذاكرتي، إلا أن جوهر القصيدة هو ذاك. يردد لمام هذا المقطع كلما رسب في الامتحان أو غابت عنه محاضرة مهمة أو أفلس وبدأ الجوع يعضه ولا يجد من يستدين منه.

أعتقد أن سلمان لمام استسهل قصائد الماغوط، لذلك كان يقف إلى جانبه ومعجباً ومحازباً، وكلما جاءت المساجلات لتقارن بين أدونيس ومحمد الماغوط، في جلساتنا الخمرية التي كنا نجريها في نادي نقابة المهندسين، وهو ناد يقع في وسط المدينة. والسليمانية لمن لا يعرفها، مدينة محاطة بالجبال، أسماء جبالها هي بيره مكرون، كويجة، قرداغ، وكانت في ذلك الوقت تشتعل بالنار ليلاً. نراها ونحن جلوس إلى كأس من العرق المستكه، نتجادل حول محمد الماغوط ومحمود درويش وأدونيس وسعدي يوسف وقصيدة النثر الوليدة آنذاك. ذات مرة حرف سلمان لمام واحدة من قصائد الماغوط التمردية، قال بصوت عال : "أنا الشاعر من جبل بيره مكرون إلى قرداغ". فما كان من أحد الشعراء الأكراد، الجالسين إلى طاولة قريبة منا إلا أن رد عليه بصوت أجش: اخرس أيها الصعلوك. وكادت أن تقع مشاجرة حول قصيدة الماغوط في الظاهر، لكن الحقيقة هي وجود الحساسيات القومية وتوتر الوضع في كردستان العراق، التعريب الجاري على قدم وساق. وكاد المسكين سلمان لمام أن يذهب ضحية الماغوط الذي كان وقتها يعب العرق إما في بيروت، أو في دمشق، من دون أن يعرف أن شباباً لم تصل أعمارهم إلى الخامسة والعشرين، في مدينة تختبئ وسط الجبال، يخوضون حروباً حول قصائده. وما كان يشعل النقاش وقتذاك سؤال هل أن قصائد الماغوط يمكن اعتبارها شعراً أم لا ؟ كونها ليست موزونة، لا تتكئ على تراث القصيدة العربية؟ وهل يكتب الماغوط  بهذه الطريقة لأنه لا يعرف الأوزان ليس إلا؟ أو هل يمكن كتابة القصيدة من فكرة عارية فقط؟ ولما كان معظم أصدقائنا وفي مقدمتهم سلمان لمام، لا يعرفون الوزن لكنهم يحبون الشعر، فقد هبوا يكتبون قصيدة النثر على شاكلة محمد الماغوط. يكتبونها في مقهى الجامعة، وفي الحدائق العامة، وقبل النوم على الأسرة، وفي المراحيض قبل أن يستمنوا. ومادتها كانت الجوارب والتبغ والنساء والجوع والبذاءات اليومية والشعارات السياسية التي تنتقم من خنوع ما هو سائد وعاهر. تركنا محاضراتنا ودروسنا وكتبنا، وانغمرنا حتى الآذان بقصائد الشعر. وكان الماغوط عملاقاً بيننا. شيء يشبه الأسطورة، غامضاً وعنيفاً، يفتح نيرانه على الأرصفة والشوارع والمدن والحكام والفسق والسأم اليومي الضارب الإطناب على المدن العربية. تبغ وأرصفة وخمرة وأموت، يقول بروح متصوفة شيئاً من هذا القبيل. وكنا ندخن علبتي تبغ في اليوم، ونجلس على الأرصفة، وننظر بريبة إلى العسكر والحزبيين والجرائد الصفراء بمحرريها الذين يركلهم رئيس التحرير على أقفيتهم من دون أن ينبسوا بحرف. الماغوط هو المتمرد الأوحد في تلك الشلة، بتلك المدينة. وكان سلمان لمام بكرشه الصغير، سنة بعد سنة، يروم بلوغ مرتبة محمد الماغوط. تحول سلمان إلى ماغوط صغير، فهجر كتبه ودراسته، ولم يعد يأتي إلى المحاضرات. سحره الماغوط بقصائده وعبثه وحياته المنفلتة، فكتب على غرفته في القسم الداخلي شعار رامبو:"من الغباء أن تبلى سراويلنا على مقاعد الدراسة". وحين رسب لمام سنتين متتاليتين، ولم تنفع قصائد الماغوط في معالجة الإحباط البشري، الذي غير العالم، سحب لمام إلى الخدمة الإلزامية من شاربيه. صار جندياً مكلفاً، يأتمر بأوامر عريف بالكاد أنهى دورة محو الأمية، يعاقبه أكثر الأحيان بالزحف في الطين أو حش الحلفاء في ساحات المعسكر.


زارنا ذات يوم في نهاية عهدنا بالجامعة، بحدود 1979، وسهرنا في نقابة المهندسين. صار سلمان شخصاً مهدماً، مروضاً، وقال لنا بعدما سكر، ادرسوا حتى لو أكلتم الحجارة، فالحياة معقدة أكثر من الشعر. سمعت بعدما قامت الحرب العراقية – الإيرانية أن سلمان لمام قتل في واحد من الهجومات الصيفية على عبادان. وكان أن أكلت أنا الحجارة لكنني لم أنسَ الشعر، ولا الماغوط. طوفت في أرض الله الواسعة، وتعلمت لغات عديدة، وعرفت نساء، شاهدت مدناً، وكدت إلا قليلاً أن أنسى الماغوط، أحزانه في ضوء القمر، لم أعد أرفع رسائل إلى أحد، فلم أجدني بحاجة إلى أحد حتى لو كان الماغوط. اشتعلت حروب وماتت حروب. وحفرت دهليزي الخاص الذي أعادني إلى الشرق. عام 1997 رجعت من تطوافي الأبدي لأستقر في دمشق الشام، محباً لنسائها، خمورها وأنهارها، شبابها المتصعلكين، أحفاد الماغوط. وكان أن اشتغلت سكرتير تحرير ل " دار المدى للثقافة والنشر"، وكان أحد واجباتي الإشراف على القراءة الأخيرة للكتب التي تطبعها الدار. وقع بين يدي "الأعمال الكاملة لمحمد الماغوط" التي أصدرتها الدار لاحقاً. مسرحيات، أشعار، مقالات. التقيت ثانية بمحمد الماغوط، بعد أكثر من عشرين سنة. لم أعد فتى كما السابق، كما لم يعد محمد الماغوط، فارس الساحة الشعرية. ولدت أجيال جديدة من الشعراء، وغابت قمم، وامحت قسمات أظن أنها واعدة. بدأت أقرأ مخطوطات الماغوط بدقة ! حاملاً رائي ثقافة لا بأس بها، خبرات حياتية جديدة، ودلتني الأيام على دروبها المعتمة، الخفية، المواربة. أسفر لي الماغوط عن شخصية أخرى. لم أجد الشخص نفسه الذي كان في خيالي وأنا أجلس مع سلمان لمام، جنان جاسم حلاوي، شيركو بيكيه في مقهى مام علي وسط تلك المدينة الجبلية المسماة السليمانية. لم أستسهل الإنشاء، في جملة الماغوط، وهو الوباء الذي خلفته لنا قرون من الركود الحضاري في الروح العربية، لغة وعمقاً وطزاجة. وكان هناك خلل في إمساك المعنى، يغطي عليه الضباب الكثيف الذي يثيره الشاعر ليستر ضياعه الشخصي. إما الاشتطاط والسرد المنفلش والتيه في التفاصيل، أو السباحة في عموميات الأفكار، فيمكن ملاحظتها بوضوح.


هناك أيضاً السهولة المجانية، وهذا ما يؤول إليه شاعر لا يتمتع بعمق ثقافي ربما. كما لاحظت في شعر الماغوط ذلك الهروب الكبير من نبض الواقع. ناتج من العيش في أبراج الثقافة العاجية. أبراج مصنوعة من كتب، أفكار، شعر، روايات،.. الخ. لم أشم رائحة العرق، الأرصفة التي تكلم عنها. كما لم أقرأ ملامح المرأة التي أحبها شعرياً، فكان يتمرد في فضاء اللغة"، يحب في فضائها أيضاً. يكفر في اللغة، يهاجم السلطة في اللغة، وظل شعره وليد لغة عربية مليئة بالإنشاء والتضخيم والادعاء والصنعة. وكان إن عرفت أن هذا ربما ناتج من بعد الشاعر عن إيقاع الحياة وعن إيقاع اليومي الذي يجده المرء في ساحة المرجة، عند سوق الحرامية في جسر الثورة، وفي أصقاع الريف بفلاحيه، بقره، حقوله. بحانات المدينة السفلية، هي تغص بالشاربين من كل صنف ولون. من الذين أنهكهم الدين واللصوص والقوادون، الصحافيون المحبطون، العمال المياومون، النساء العاهرات. كل ذلك الفرن المتوهج لم أجد صداه في شعر الماغوط. 


وكان أن جاء الماغوط إلى مكتب "دار المدى" في ركن الدين، وسط دمشق، شيخاً يدب على عكازه، تلف سماءه غيمة من الارتباك، الهزيمة والوحدة. الزمن يبتلع ما عداه. لم أشعر برهبة منه. لم أعد صغيراً، صرت أعتز بتجاربي حتى لو كانت ضئيلة. شعرت بالاحترام العميق لهذا الرجل. هذا الكائن الذي ترنمنا بشعره بين قرداغ. بيره مكرون. كويجة. هذا الذي تمردنا معه على الأرصفة، دخنا أحزانه وتشرده ويأسه، ونحن نحتسي الشاي الكردي، نتحدث عن ثورة البارزاني. محمد الماغوط اليوم يعيش في وحدة قاتلة، بعدما فارقته سنية صالح، وثقل سمعه وأرهق بصره الضوء. إنه زمن الصحافيات الصغيرات، اللواتي يشتغلن مخبرات. لا زمن المتمرد العملاق محمد الماغوط. ربما أدرك الماغوط بؤس السلطة، وبؤس الزمن، وتفاهة مدعي الثقافة، لذا انتحى جانباً. كلما رأيته يسير نحو فندق الشام ليحتسي قهوته الصباحية، أندب حظ الثقافة في هذه الأمة. لكني مع نفسي أقف وأقول أنحني لك إجلالاً أيها الشاعر، الذي أشعلت فينا جذوة التمرد منذ ربع قرن. وأتذكر أيضاً الماغوط الصغير، المدعو سلمان لمام الذي شطرته الحرب شطرين، دفنته في مستنقعات الناصرية. أنحني لك أيها الشاعر الذي لقنني التمرد. لكن الحياة تتغير يا أبانا محمد..

هناك تعليق واحد:

  1. اعتقد ان الماغوط هو آخر من يمكن القول عنه بأنه عاش في برج عاجي ، هو الذي عرف السجون و ارتاد المقاهي و كتب للصحافة و المسرح ، اي انه كان قريبا من نبض الشارع فأين هو هذا البرج العاجي خاصة انه لم يستند على "ثقافة عميقة " توهمه بأفضليته عن الآخرين ! ربما كان هناك بعض الادعاء في قول الماغوط انه لم يقرأ الكثير من الشعر و ربما قال ذلك ليوحي بأنه لم يتأثر بأحد .لكنه ايضا على عكس قول الكاتب في ان "شعره وليد لغة عربية مليئة بالانشاء ...و الصنعة "، فأين الصنعة في شعر الماغوط و هو الذي ميزته الوحيدة العفوية و التلقائية .
    ثم اين هو الشاعر الذي لا يحاول التمرد داخل اللغة ؟"يهاجم السلطة في اللغة "! ..ما هو الشاعر اذن هو شخص يصارع اللغة و يصارع من خلالها! ام يفترض ان نحمل الشاعر و الاديب دورا اجتماعيا او اصلاحيا غير منوط به ؟!
    على افتراض ان الماغوط لم يكن قريبا من الايقاع اليومي او "الفرن المتوهج "على حد قول كاتب المقال ، فذلك لا يعدو كونه خيار جماليا و ليس معيارا لجودة الشعر من رداءته ، و هل كان كبار الشعراء المعاصرين قريبين من هذا الفرن المتوهج ؟ ..اجزم بأنهم لم يكونوا كذلك .
    بالطبع لقصيدة النثر اشكالياتها و اسئلتها و يحسب الماغوط خوض غمار المحاولة و "استدراج الذائقة "كما وصفه صبحي حديدي في بيئة ثقافية لا تزال تفضل الغنائية في الشعر .
    الماغوط اختار السهل و المباشر انطلاقا من الصدق الشعوري و ان جاء ذلك على حساب جوانب اخرى في النص لكني لا اراها سهولة مجانية ، لانه على العكس تماما هرب من الصنعة و ضاق من المجاز و ذلك مزاجه الابداعي و اداته التعبيرية التي ارتأها مناسبة لتجربته .

    ردحذف