ريتسوس... سونـاتـا ضـوء القمــر2

ترجمة الحلم الكاريبي


(ليلة ربيعية. غرفة كبيرة في بيت عتيق. امرأة في منتصف العمر، مرتدية السواد، تتحدث إلى رجل في مقتبل العمر. لم يشعلوا أي ضوء. خلال النافذتين يتسرب ضوء قاس. تجاهلت القول أن المرأة المتوشحة السواد قد نشرت مجموعتين أو ثلاث
من قصائد ذات طبيعة دينية. على كل حال، المرأة المتوشحة السواد تتحدث إلى الفتى الشاب): 

دعني آتي معك. يا لها من ليلة قمراء!
القمر حنون معي- لا يمكنك أن تميّز
شعري الأبيض- القمر سيصيّره ذهباً مرة أخرى.
لن تستطيع أن ترى الإختلاف.
دعني آتي معك.

مع القمر، الظلال تكبرُ في الغرفة،
أيادٍ خفية تفتح الستائرَ،
إصبعٌ شبحيّ يخطّ حروفاً منسيّة في الغبار
على البيانو- لا أريد أن أسمعها- إهدأ.

دعني آتي معك
بعيداً قليلاً، بعيداً حيث جدار مصنع الطوب،
هناك حيث ينحرف الطريق لتظهر
المدينة الإسمنتية كأنها الوهم،
غارقة في كلس ضوء القمر،
لا مبالية ولا مهتمة،
واثقة كثيراً، كالميتافيزيقيا،
تستطيع أخيراً أن تؤمن في وجودك وعدمك،
أنك لم تُوجد أبداً، وأن الزمن ودماره كليهما لم يُوجدا.
دعني آتي معك.

سنجلس لبرهة على الجدار الداني، هناك فوق التلة،
ولك أن تتخيل أننا نطير
بينما تهب رياح الربيع حولنا
لأنه لمرات عديدة، الآن حتى، اسمع حفيف ثوبي
كرفرفة جناحين شديدين يخفقان في الهواء؛
وحينما تطوق نفسك في خفقة الطيران تلك
تشعر أن حنجرتك، أضلاعك، ولحمك تزداد متانة،
محفورة بقوّة في أنسجة الهواء الأزرق،
بين أعصاب السموات المفعمة،
لا يهم إن تمضي أو ترجع،
ولا يهم ابيضاض شعري،
(هذا ليس حزني- حزني هو
أن قلبي، أيضاً، صار أبيضاً).
دعني آتي معك.

أعرف أن كل إنسان يسلك سبيله للحب منفرداً،
وحيداً نحو المجد ونحو الموت،
أعرف هذا. لقد جربته. لا يجدي.
دعني آتي معك.

هذا البيت أمسى مسكوناً، يثير اشمئزازي-
أقصد أنه قد شاخ، مساميره تتساقط،
إطارات صوره تتداعى بسهوله كما لو أنها تتهاوى في فراغ،
جصّه يتقشر بهدوء
كقبعة الرجل الميت التي تسقط من كلّابها في الممر المظلم،
كالقفاز الصوفي المهترئ الساقط من رُكب الصمت
أو شريط من ضوء القمر على الكرسي العتيق المهتريء.

بالرغم من أنه كان جديداً يوما. لا، ليست الصور التي تنظر إليها في ريبة-
أنا أتحدث عن الكرسي، مريح جدا،
حيث يمكن أن تجلس لساعات طوال
وبعيون مطبقة تحلم بعشوائية
- بشطآن رملية ناعمة، رطبة، صقلها القمر،
أكثر صقلاً من الأحذية الجلدية القديمة التي أرسلها
كل شهر إلى ملمّع الأحذية في الزاوية،
أو شراع قارب الصيد الذي يتلاشى في البعيد، تهزّه أنفاسه،
شراع ثلاثي كمنديل مطويّ قطريّا في قسمين
كما لو لم يكن هناك ما يغطيه أو يمسك به،
أو ليرفرف بعيداً لحظة الوداع.
كنت مهووسا بالمناديل-
لا لأعقد أي شيء داخلها،
كبذرة زهرة أو بابونج* أقطفها من الحقول عند المغيب،
ولا لأعقد في كل زاوية من زواياها الأربعة كتلك التي
يلفها العاملين في البيت الذي تمّ بناء نصفه في الجانب الآخر،
أو لأمسح بها عيوني- لطالما اهتممت ببصري،
ولم أضع نظارات قط، 
مجرد نزوة، تلك المناديل. 

الآن أطويها في أربع، في ثمان، في ستة عشر
لمجرد تسلية أصابعي. والآن أتذكر
كيف أني رتبت مع أنغام الموسيقى أثناء حضوري المعهد الموسيقي
في دخان أزرق بطوق أبيض، ضفيرتين شقراوين
-8، 16، 32، 46-
متشبثا بيد شجرة الخوخ الصغيرة صديقتي، كلها ضوء
وأزهار وردية،
(أعذر هذه التصرفات، إنها عادة سيئة)- 32، 46- عائلتي
علقّت آمالاً عريضة على موهبتي الموسيقية.
حسنا، كنت أتحدث إليك عن الكرسي-
-منزوع الأحشاء- زنابركه الصدأة بارزة، الحشوة-
كنت أفكر في أخذه إلى جاريّ صانع الأثاث،
لكن أين الوقت أو الذاكرة أو المزاج- أي شيء
يجب أن يصلح أولا؟-
فكرت في تغطيته بقطعة قماش- لكني كنت خائفاً
من قطعة قماش بيضاء في ضوء قمر كهذا. هنا جلس
أولئك الذين حلموا أحلاماً عظيمة، أناس مثلي ومثلك،
والآن هم يستريحون تحت الأرض حيث لا مطر أو
قمر يقض مضاجعهم.
دعني آتي إليك.

سنتوقف لحظة أعلى درج القديس نيكولاس الرخامي
وبعدها ستهبط أنت وأرجع أنا،
احتفظ في الذاكرة دفء معطفك الذي يلمسني صدفة على يساري،
وحتى بعض الأضواء المربعة من النوافذ الصغيرة في الأحياء الفقيرة،
وهذه الغشاوة البيضاء النقية من القمر كحاشية طويلة من بجعات فضية-
لست خائفاً من استخدام تعبير كهذا لأن
في ليالي ربيعية كثيرة، وبشكل رسمي،
تحادثت مع الربّ حينما ظهر لي
متدثرا سديم وبهاء ضوء القمر:
ورجال شبّان كثر، أكثر وسامة منك، ضحّوا لأجله
لذلك، أبيض ومنيع، صرتّ ضبابا في لهبي الأبيض،
في بياض القمر،
ملتهبا بعيون البشر الشرهة، نشوة الفتيان المترددة،
تحصارني أجساد بديعة أحرقتها الشمس،
أعضاء شديدة مارست السباحة، التجذيف، الجري، والكرة
(إلا أني أتظاهر بعدم الملاحظة)
جباه، شفاه، وحنجرة، ركب، أصابع، وعيون،
صدور وأذرع وأفخاذ (فعلاً، لم ألحظ)
-أتعلم، أحيانا، معجباً، تنسى ما أنت معجبٌ به،
إعجابك كافٍ-
إلهي العزيز، يا لها من عيون مرصعة بالنجوم،
ورُفعت عالياً لأكون إلها من نجوم منكرة
لأنه، بالرغم من أني محاصر من الداخل والخارج،
لم يترك لي أي طريق آخرإلا أن أرتقي أو أهبط. – لا،
ليس كافياً.
دعني آتي معك. 

أعرف أن الوقت متأخر الآن. دعني آتي،
لأنه ولسنوات عديدة، أيام وليالي، وظهيرات قرمزية،
بقيت وحيداً،
ممتنع، وحيد وطاهر،
أكتب آيات جليلة على ركبتيّ الرب،
آيات ستبقى، أؤكد لك، كما لو كانت محفورة على
رخام نقيّ
أبعدُ من حياتي وحياتك، أبعد كثيراً، ليس كافياً.
دعني آتي معك.

لا أطيق هذا البيت أكثر.
لا أطيق حمله على ظهري.
يجب عليك أن تكون حريصاً، حريصاً جداً
أن تدعم الجدار بالخزانة
أن تدعم الخزانة بالطاولة المنقوشة العتيقة
أن تدعم الطاولة بالكراسي
أن تدعم الكراسي بيديك
أن تضع كتفيك تحت العوارض المتدلية.
والبيانو كتابوت أسود مغلق. لا تجرؤ على فتحه.
يجب عليك أن تكن حريصا دائماً، حريصاً جداً،
خوفاً من أن تسقط، خوفاً من أن تسقط أنت.
لا أستيطع التحمل.
دعني آتي معك.

هذا البيت، بالرغم من أمواته، لا ينوي أن يموت.
يصرّ على العيش مع أمواته
أن يعيش على أمواته
على يقين موته نفسه
على إحتوائه لأمواته على الأسرّة والرفوف المتهالكة.
دعني آتي معك.

هنا ومهما أمشي بخفة في سديم المساء،
منتعلاً حذائي أو عاري القدمين،
شيء أو آخر سيصرّ- زجاج نافذة تتصدع، أو مرآة،
وقع أقدام معينة تُسمع- إنها ليست خطواتي.
من المحتمل أن لا تُسمع هذه الخطوات خارجاً في الشارع-
يقولون أن التوبة ترتدي قباقيب خشبية-
وإن حاولت أن تنظر في هذه المرآة أو تلك،
وراء الغبار والشقوق،
ستلمح وجهك أكثر عتمة وتصدعاً،
وجهك، بالرغم من أنك لم ترغب من الحياة سوى أن تبقيه
صافياً لا يمكن تجزئته.

شفا كأس الماء يلمع في ضوء القمر
كموس دائري- كيف لي أن أرفعه إلى شفتي؟
مهما بلغ عطشي، كيف لي أن أرفعه؟ أترى؟
لازلتُ أرغب في استخدام المجاز- هذا ما بقي لي،
هذا يؤكد لي أني لازلتُ هنا.
دعني آتي معك.

أحياناً، عند حلول الليل، ينتابني شعورٌ
أن مروّض الدببة يمرّ خارج النافذة مع دبه العجوز المتثاقل،
فروه يكسوه الشوك،
يثير سحابة من غبار في الشارع المجاور،
سحابة كئيبة من غبار ترتفع كبخور في الشفق؛
بينما ذهب الأولاد للبيت للعشاء ولم يعد يسمح لهم بالخروج ثانية،
إلا أنهم ومن خلف جدرانهم يعرفون خطوات الدب العجوز الثقيلة،
والدب يتقدم بضجر في حكمة وحدته، لا يعرف
أين أو لماذا-
لأنه ثقل، لا يمكن له بعد الآن أن يرقص على رجليه الخلفيتين،
لايمكن له أن يرتدي قلنسوته الحريرية ليسليّ الأطفال، العاطلين، أو أولئك
الذين يطلبون منه ذلك،
لأنه يريد أن يستلقي على الأرض فحسب،
ليمشوا على بطنه، هكذا يلعب لعبته الأخيرة،
عصيانه لرغبات الآخرين، للحلقات في أنفه، لحاجات أسنانه،
عصيانه للألم وللحياة
بتحالف واثق مع الموت- بالرغم من كونه موتاً بطيئاً-
عصيانه الأسمى للموت بديمومة الحياة ومعرفتها
التي ترتقي معرفة وعمل فوق عبوديتها.

لكن من يقدر أن يلعب هذه اللعبة إلى نهايتها؟
والدب ينهض ثانية ويتهادى،
مطيعاً لقيده، حلقاته، وأسنانه،
يبتسم بشفاه ممزقة على القطع النقدية التي يرميها عليه
أطفال ذو طلّة بهية دون أن يساورهم الشك
(جمالهم في عدم ريبتهم)
ويقول: شكراً.
لأن الشيء الوحيد الذي تتعلم الدبب الكبيرة قوله هو: شكراً. شكراً لك.
دعني آتي معك.

هذه البيت يخنقني. المطبخ خاصة
كأنه قعر بحر. القدور المعلقة تتلألأ
كالعيون الدائرية الكبيرة للأسماك المريبة،
الصحون تتحرك بخمول كقناديل البحر،
أصداف وعشب بحر تتشابك في شعري- لا أستطيع نزعها بعد لك،
لا أستطيع الصعود للسطح ثانية،
الطبق يسقط بصمت من أصابعي- أنهار
وانظر للفقاعات من أنفاسي تتصاعد وتتصاعد
وأحاول أن أسليّ نفسي بالنظر إليها،
وأسأل نفسي عن أي شيء سيقوله الشخص المارّ فوق السطح حين يلمح
هذه الفقاعات- 
أن شخصاً يغرق، ربما، أو أن غطّاساً يبحث أعماق البحر؟

وفي الحقيقة أن هناك في أعماق البحر اكتشفتُ، ولمرّات كثيرة،
مرجاناً ولآلئ وكنوز سفن محطمة،
مواجهات مباغتة، أشياء من اليوم والغد والمستقبل،
شبه تأكيد عن الأبدية،
فترة استرخاء، ابتسامة الخلود، كما يقولون،
سعادة، سكرة- إلهام،
مرجان ولؤلؤ وياقوت-
إلا أني لا أعرف كيف أهديها- ومع ذلك أهديها-
إلا أني لا أعرف إن كانوا قادرين على إستلامها-
ومع ذلك فإني أوزعها.
دعني آتي معك.

لحظة حتى أضع معطفي.
لأنه يجب علينا أن نهتم بأنفسنا في هذا الجو المتقلب.
هذه الليالي رطبة، والقمر-
بصراحة، ألا تعتقد أنه يزيد الطقس برودة؟ 
دعني أغلق أزرار قميصك- كم قويّ هو صدرك!- 
ياله من قمر شديد... الكرسي، أقول... وحين رفعتُ
الكأس من على الطاولة
ترك ثقبا من صمت، لأغطيه فوراً بيدي
حتى لا أحدّق في داخله- أضع الكأس في مكانه ثانية،
والقمر ثقبٌ في جمجمة العالم- لا تنظر للداخل،
قوّة مغناطيسية تجذبك- لا تنظر، لا تدع أي شخص ينظر،
اصغي لما أقول- ستستسقطون جميعكم في الداخل. هذا الدوار
جميل وخفيف- ستسقط-
القمر بئرٌ رخامي،
ظلال وأجنحة صامتة تتحرك، أصواتٌ غامضةٌ- ألا تسمعها؟
عميق، عميق هو السقوط،
عميق، عميق هو الإرتفاع،
التمثال الهوائي منسوج بمتانة وسط أجنحته المبسوطة،
عميق، عميق هو إحسان الصمت العنيد،
أضواء مرتعشة على الضفة الأخرى بينما أنت تتأرجح على موجتك،
أنفاس المحيط.
هذه الدوخة جميلة خفيفة لا وزن لها- انتبه، ستسقط. لا تنظر إليّ،
لأن واجبي هو أن أترنح- الدوخة الرفيعة. لذلك كل يوم
عند المساء
ينتابني صداع خفيف، نوبات دائخة قليلة.

كثيرا من الأحيان أركض للصيدلية أمام الشارع لأشتري قرص أسبرين،
وأحياناً لا أجد فيّ الرغبة للذهاب، وأبقى في صداعي
واصغي للضجة الخاوية المنبعثة من أنابيب الماء في الجدران،
أو اصنع بعض القهوة و، شارد الذهن كالعادة،
انسى واصنع قهوة لشخصين- من سيشرب الكأس الآخر؟
إنه فعلاً مسلّ؛ أتركها تبرد على حافة النافذة،
وأحيانا أشرب الكأس الثاني كذلك، محدقاً من نافذتي
على ضوء الصيدلية الكهربائي الأخضر،
كالضوء الأخضر للقطار الصامت القادم ليقلّني
مع مناديلي، أحذيتي المتمايلة، حقيبتي السوداء، قصائدي،
وبدون متاع البتة- لأي غرض ستكون؟
دعني آتي معك.

آه، أنت ذاهب؟ تصبح على خير. لا، لن آتي. تصبح على خير.
سأذهب نفسي بعد لحظة. شكراً لك. لأنه، حقيقة، يجبُ
أن أخرج من هذا البيت المنهك.
عليّ أن أرى جزءَ من المدينة- لا، لا، ليس القمر-
المدينة بأياديها الخشنة، مدينة العامل اليومي،
المدينة التي تحلف فوق خبزها وقبضتها،
المدينة التي تقدر على حملنا جميعا فوق ظهرها
مع تفاهاتنا، رذائلنا، كراهياتنا،
مع أحلامنا، جهلنا، وعمرنا القديم،
لأسمع خطوات المدينة العظيمة
التي تُغرق وقع أقدامك،
وقع أقدام الربّ، ووقع أقدامي. تصبح على خير.

(تزداد الظلمة في الغرفة. يبدو أن سحابة قد وارت القمر. فجأة، كما لو أن أحداً رفع صوت المذياع في الحانة المجاورة، سُمعت صوت عبارة مألوفة جداً. أدرك ساعتها أن هذا المشهد بأكمله قد صاحبته برقّة "سنوتا القمر،" المقطع الأول فقط. الرجل الشاب يهبط المنحدر الآن تعلوه ابتسامة ساخرة أو ربما حانية تتراءى على شفتيه المنحوتتين بإبداع، يغمره شعور التحرر أخيراً. حالما يصل إلى سانت نيكولاس- قبل أن يهبط على السلالم الرخامية- سيضحك، ضحكة عالية هائجة. لن تكون ضحكته متضاربة تحت القمر أبداً. ربما الشيء الوحيد المتضارب عنها يمكن في عدم تضاربها. بعدها بقليل، سيصمت الرجل الشاب، برزانة سيقول: "انحلال زمن." لذلك، بهدوء تام مرة أخرى، سيفك أزرار قميصه ثانية ويواصل مسيره. أما المرأة المتوشحة السواد، لا أعرف إن كانت أخيراً قد خرجت من البيت. ضوء القمر يتألق مرة أخرى. وفي زوايا الغرفة الظلال تتيبس وتزداد حدتها من التوبة المجهدة، من غضب ليس من الحياة بقدر ما هو من إعتراف عقيم. أتسمع؟ المذياع يواصل): 


يانيس ريتسوس/ أثينا، 1956
ترجمة الحلم الكاريبي/ 22-11-2010

ليست هناك تعليقات