ولادة أنسي الحاج الشعرية...(2)...الحذو على ثورات الحداثة وقصرها على جدة مصطلحها


وضاح شرارة

 حملت مقدمة "لن" (1960)، وبيانها الشعري و"التاريخي"، ولادة قصيدة النثر والشعر الحر، وشاعرهما الحر معهما وقبلهما، على انقلاب الازمنة وعلاماتها، وعلى ثورة تعبر بـ"الجميع... الى الحرية" (عطفاً على مقالة سابقة، المستقبل- نوافذ، 16/3/2014). وإذا صورت المقدمة – البيان شاعر القصيدة الجديدة في صور المصطفى الكثيرة، لم تحصر هذه الصور فيه ولم تقفها عليه. ورمت الشاعر في لجة تتلاطم فيها مياه الهذيان والجنون واللعنة والفوضوية والعرافة والتأله والنبوة. وهو، الشاعر، قد يشترك في هذه المياه، ويغوص فيها، مع آخرين لا يحصون من الهاذين والمجانين والملعونين وغيرهم مثلهم، وهذا ما يلمح إليه صاحب البيان من طرف غير مبين ولا صريح. وقد ينفرد بحاله هذه، ويتقدم جموع المنتظرين والمنقطعين الى صاحبهم المزمع سفراً وهجرة وحده.

 وسَوْقُ البيان – المقدمة القصَص الذي يمهد الطريق والعلل الى ولادة قصيدة النثر وشاعرها، ويقضي بضرورتها (وضرورة شاعرها) وحتمها، يترجح بين حدين: حد التعليل والتسويغ التاريخيين والعامِّين، ويدخل هذا الحد "الجميع" أو "أقلية التقدم" و"الكتلة الطليعية" على وجه التقليل، وحد البعث أو المبعث من غير علة ولا داع، إلا الايمان ربما، على شاكلة الخلاص البولسي (نسبة الى بولس الرسول او الحواري) في تأويله اللوثري. ويحشر الحد الاول شاعر قصيدة النثر في جمع أو قوم أو جمهور لا يتميز آحاده بعضهم من بعض، ولا واحدهم من غيره، ويفرده الحد الثاني على حدةٍ، ويخصه بحالٍ لا يشاركه فيها غيره تقريباً. ويستعير قصصُ البيانَ رواية جمعية أو جميعية (على معنى اللفظة في قول الشاعر: فسلني عن جميعك أين حلوا/...، ويربد بها جسم القبيل الواحد)، أسطورية، يؤدي بها ولادة ما أو من لا تعقل ولادته، أي شعر قصيدة النثر وصاحبها، ويطرأ على الوجود والكون من خارج سلسلة العلل المرصوصة والمتصلة. وما مترادفات الهذيان والجنون والهستيريا وغيرها إلا قرينة ملحة، وتكاد تكون مستميتة، على خلق "مطلق" من عدم، أو من شبه عدم (بعض الترجمات من هنا، وشيء من النثر من هناك، الى تفعيلة من هنالك...).

 ويجمعُ الترجحُ نازعين أو أثرين مختلفين. فيوكل حده أو وجهه الجميعي الحادثةَ الفريدة والفارقة، وهي لا محالة يتهددها ضعف الدلالة بالذواء والخفة، الى التاريخ الكبير وانعطافاته المزلزلة (" ألف عام" من امور كثيرة قاتلة). ويحمل حدُّه الفردي القصيدة العتيدة على الشاذ والفذ وغير المشروط. فيولد من هذا "كائن" تام الجمعية، أو الجميعية، وتام الفردية، معاً وفي آن، مفرد في صيغة الجمع وجمع في صيغة الفرد، من غير تدافع ولا تناقض. ويسكت القصص البياني عما يحصل حين تنعقد "جمعية" الهاذين والمهسترين (وتذكيرهم خُلف وعلامة مثاقفة واقتباس متعجلين) والمجانين والمتألهين والشتامين والضديين..، سكوته عن قصائد النثر المولود من جمعيتهم المتخيلة والمفترضة.

 وهذه الجمعية ليست حلقة مجلة "شعر" في الاحوال كلها. وبعض إحالات البيان – المقدمة الى هذا من غير ذاك من المتحلقين، وتنويهه بنثر ناثرَيْن من دائرة قرابة وحرفة حميمة، تنم بآصرة جميعية أو "قومية" بعيدة من "غرابة" المجانين والهاذين والعرافين، ومن فوضوية الضديين. فيبقى القول في الحدين، وفي جماعتَهْما، متوازناً. فلا ترجح كفة أحديهما ولا تشيل الكفة الاخرى. ويسع المهرج والمهلل وأشباه هذا وذاك الاستقواء بظهر تاريخي عظيم، والانتساب الى قوة كونية وجيولوجية (أراضية، على اشتقاق الشيخ العلايلي) طاغية، من غير إنكار فرادته الفذة والشاذة أو الخجل بها والتستر عليها.
 ويسع الجمهور، المؤتلف من آحاد لا قيد على انتسابهم الى التهريج والتهليل والمجانية والإسراف إلا من أنفسهم ورغبتهم، الدخول في مذهب قصيدة النثر أفواجاً وزرافات ومتفرقين ووحداناً من غير رقيب ظاهر أو شيخ مجيز. ولكن كثرة المدعوين لا تؤذن، على مثال ديني صارم، بخلاصهم أو اصطفائهم كلهم. فالصفوة قلة قليلة، وعلامة اصطفائها غامضة وملتبسة. وقصص بيان "لن" ومقدمتها لا يثبت هذا ولا ينفيه. ولكنه، على المثال الديني إياه، يكتب مقالة المنهج المفضي الى بلوغ محجة "الحرية" على وجوهها، ويشبِّه على الجمهور ويوهمه بأن المنهج يتوجه على العموم ولا يخص. وساوى بين "الجميع" في "العبور" الى المحجة. وهم، على حدٍ واحد، من "عَبَروا" وبلغوا، ومن اجتهدوا ربما أو اقتصروا على القراءة والانحياز والحماسة. وهؤلاء جميعهم يقرهم البيان على "أحوالهم"، على المعنى الصوفي العامي، وعلى مقامهم وموقفهم.

الفعل الحَصان 
وعلى هذا، وربما للمرة الألف، يسوّى الفرد ("العربي"؟) من طينة جميعية وفي هذه الطينة، ويُقدّ في مادتها المتماسكة والصخرية. وللمرة الالف تكتب المقالة في المنهج أو الطريقة قبل انعقاد ثمرتها وقطافها، وقبل أكلها و"معرفة الخير والشر" التي يؤدي أكل الثمرة إليها (الى معرفة الأمرين)، على مثال "الآلهة" التوارتيين. فـ"مناهج الألباب" – على قول رفاعة رافع من أهل طهطا، ووسمه كتابه الجامع في "النهضة"، و"انتاج الانتاج"، والدولة آلته المتقدمة حركة المجتمع نفسه- تتقدم "مباهج (آداب العصر)". ويقدم "التكنيكي"، على زعم شاعر قيتولي الراحل، "الشعري" الذي لا يعثر قارئ البيان – المقدمة على آية غير تكنيكية أو غير منهجية عليه. فـ(لن)، الاداة النحوية ووسم الديوان، لا تعمل في موضوع أو مادة، وهي تتعالى عن التعيين وعن الأعيان. وإذا اضطرت الى مثل هذا العمل أو الإعمال- وهي مضطرة إليه إيفاءً بعقد كتابي أو طباعي مضمر لا سبيل الى انتهاكه إلا بالتزام الصمت المطبق ونسيان ما تقدم من كتابة علنية- تجنبت وسعها، على خلاف صنيع شوقي أبي شقرا وصنيع أدونيس على وجهين متفرقين، الخوض في اختبار جوهري، حسي واجتماعي. وترفعت عن الاختبار والخوض بذريعة إحصان الفعل الشعري الخالص، وتجريده القاطع و"الضدي"، وتخففه أو تحلله من معاني الاعيان السابقة والمحايثة، من قيم استعمالها.
 وإذا هي خرجت ظاهراً عن تعاليها وتجريدها، على ما ذهب إليه مؤرخو مجموعات أو "دواوين" أنسي الحاج ومراحل موضوعاتها (من الثورة والعبث الى المرأة والعشق فالتصوف، إلخ.)، لم تَلِغْ في الإنّيات أو الاعيان الزمنية والدنيوية إلا حين لبست لبوس النثر الصريح في مرحلة ثالثة أو رابعة مفترضة. وهذه المرحلة أقام المريدون والسالكون على النفخ في رمادها والإيقان بأن الرماد النثري الظاهر يشتمل على ذهب محجوب ومكنون يتجلى في الشكل النيتشوي، بعد الروح الرامبالدي والبريتوني فالتوراتي النبوي، وليس الخبري بديهة.
 فدأب المقالة ("العربية"؟) في المنهج أو الطريقة تعظيم قيمة التبادل والتدوال، أي مفعول دعوى النهضة والثورة والتجديد التي يختزنها المنهج ويخلقها أو يوجبها، إذا عمت دعواه وفشت و"سارت في الناس". فالمنهج المجدد "يبيع" بضاعته أو سلعته العظيمة والموعودة، وهي "الجديد" من غير تعيين يتعدى "موت الموت"، على قول بعض المتكلمين المسلمين، الناشب في "الحياة" و"أبناء الحياة". وهي، البضاعة أو السلعة، تطوي السلعة القديمة والمنقضية، وتصرمها بسلعة غير مسبوقة تقتصر جدتها على فرق هو الفارق كله. وذلك بثمن ينبغي أن يكافئها، إذا جازت المكافأة بمثل أو عدلٍ في هذا المضمار. ولما كانت دعوى الطريقة، اي المقالة في الطريقة، على هذا القدر من الضخامة وغلاء الثمن، استحى غير المنخرط في سوق المزاودة، والمشكك في الصفقة، من امتحان صفة البضاعة الموعودة.
 والحق ان مثل هذا الامتحان متعذر، ولا سبيل حقيقة وفعلاً إليه. فإذا وَضَع بيان قصيدة النثر- وهو وعد بشعر بودلير ورامبو والسورياليين وانطونان أرتو وسان جون بيرس ونشيد الاناشيد، معاً، أو بآثار هذا الشعر ومفاعيله اللغوية والمعنوية – مولوداً لا يرقى، على اضعف القول، الى انجاز الوعد. ولم يجد صاحب القول الضعيف في البيان العتيد ما يعينه على امتحان رأيه ومناقشته من غير إفحام وترهيب وحَرْم. وقد يكون القياس على ولائد المقالات في مناهج الإحياء والنهضة والبعث والتجديد من أشباه "دول" وأنظمة وسياسات أقرب الى الإيضاح من المقالات "الثقافية".
 ويسع أصحاب المقالات في المناهج والطرائق على الدوام ردَّ امتحان طرائقهم ودعاوى المتحفظين بيسر، وازدراءَ من يتناول مقالاتهم من خارج، وإبطال أصل دعواه. فهم، على مثال بيان "لن" وبيانات ترويج السلع التي تشبههه، لم ينشدوا على زعمهم غير تجديد الحياة وحركتها وتحولها وزمنها وإبداعها ولغتها، ولم يرغبوا إلا في هذا. ومن قد يتحفظ عن ثمرة المقالة في المنهج الشعري الجديد، أو "الشعرية الجديدة"، أو يفحص عن صفتها، إنما يطعن، في قرارة نفسه التي يجهلها، على أركان المقالة وأصولها ومبادئها الاولى. وفي اعقاب نحو نصف قرن (46 عاماً عداً ونقداً) على البيان، حين سألته ندوة دراسية عن دعوته الى قصيدة النثر، لم يعدُ القول: "أنا قصيدة النثر الصغيرة الدخيلة، عشبة هوجاء لم يزرعها بستاني القصر ولا ربة المنزل، بل طلعت من بركان أسود هو رحم الرفض (...) لن أدخل حديقة الطاعة (...) لأني ولدت من التمرد..." . وهذا عود حرفي ومجازي (العبارة) على ابتداء البيان- المقدمة، وسُوق سلعته وترويجه وتبادله وتداوله. ويرث الرفض والتمرد جمهرة الألفاظ المتناسلة التي حشدها البيان قبل نحو نصف القرن وجمحت، يومذاك، الى تخوم الجنون والهذيان وصورهما الباردة والمجلدة في أغلفة من البلاستيك.
المنحول والضرير
 ويبدو الترويج هذا، وتعظيمه قيمة التداول والتبادل الموعودة والمسبقة، وجهاً من وجوه الحداثة الرأسمالية والديموقراطية المتضافرة، ومقالاتها المنتخية والمتبجحة في نفسها وبنفسها، على ما لاحظ نيتشه في اواخر القرن التاسع عشر الاوروبي. فمقالات الحداثة تزعم صدق هذه المقالات، وتحملها على على جزء لا يتجزأ من حقيقتها، وتنزلها منزلة العلامة الفارقة على اختلافها وبَيْنها من الازمة الغابرة والقديمة. فـ"نحن" المحدثين والمعاصرين على يقين من ملابستنا وغشياننا وصنعنا زمناً جديداً ليس كالازمنة المنصرمة. فهذه غفلت عن وجوب ابتدائها زمناً ليس كالأزمنة، ومنقطعاً منها. وانفردت الحداثة بتنبهها على ابتدائها المفترض والمدعى، وعلى وعيها معاصرتها، قرينةً ساطعة على مشروعيتها القلقة وعلو مكانتها. ولعل كثرة البيانات الثورية وتواترها، على أصنافها ومذاهبها، مرآة هذا اليقين الهش والمتشاوف. وإذا نجم عن حمى الابتداء "الثوري"، ومزاعمه المرسلة، تناثر الأوقات وتقطعها وتذررها، وعسر إدراجها في زمن وتقليد مديدين ومتماسكين، رضخت الحداثة "المشبوبة" او "السائلة" على ما يصفها بعض المعاصرين المتأخرين، الى الاقلاع عن رواية حوادثها الذاوية والمشكلة، وعن عقلها والقول فيها على المثال البطولي أو الدرامي المصطنع والكاذب.
 ولكن الحداثة "العربية" المنحولة، ومقالاتها الضريرة والصماء، أقامت على اسلتهام مثالات "الثورات" المنصرمة والناجزة، وحملتها على "أحدث (عمل) في الموضوع"، على قول مقدمة "لن" في عمل مدرسي ركيك (ترددت اصداء الاعجاب به في كثير من تآبين اليوم، غداة نصف قرن على المقدمة). وبدا الاستلهام نفسه، اي التنبه على واقعته وحدوثه تجديداً ثورياً عميقاً وراسخاً، بقطع النظر عن دلالات ما يستلهم، وعن محله من سياقته الاصلية، ومن غير اعتبار السياقات التي تدعى المثالات المفترضة الى توطنها. فحملت على الإحياء والثورة والحرية المراثي الأليمة والمريرة في "مرض" الحياة الخاسرة، وخيبة الافراد وانقسامهم على أنفسهم وقصورهم عن انجاز "عمل". وحُمل عليها (على الإحياء...) تقرير خروج العالم من إهابه وجلده، وتبدد مادته تشبيهات وصوراً من غير قوة وأصناماً. ونسب الى اعتقاد البطولة والنبوة والألوهة واستئنافهما إقرار محبط بطيها الى غير رجعة، وفوتها وتحلل جثتها. ورواية بيان "لن"، واقتفاء أصحاب التآبين والمراثي خطى البيان، ولادة الفرد الشعري ولغته "الهاذية" و"المجنونة" والفذة في مباني القَصص وتراكبيه دليل ابتدائي على الانتحال والصمم، وعلى تحوير المثالات وإعمال بدائلها وتماثيلها الفقيرة في مواد مقلدة من تنك وكرتون.
 ويبلغ مديح النثر الذي كتبت به المقدمة ومن بعدها عجالات ملحق "النهار" الاسبوعي، ومساواته بالشعر الذي سبق رفعه الى أعلى عليين، ذروة من ذرى النحل والمراوغة. فيتستر المديح على ما يستحيل أن يخفى قارئ المقدمة وشعر الديوان و"قصائده". والمحال الخفاء هو كراهية الكاتب لغة عربية حجرت بلاغتها وخطابتها الرتيبتان والفائتتان أوصال العبارة فيها وبها ويبستها، وإدارةُ الظهر من غير تردد الى إعمال مواردها في تحفيز احتمالات واستجابات مجلية (تجلو وتخطر) والخلوص من هذا الى زعم اجتراح بلاغة وخطابة خافتتين ومكتومتين لا تدينان بشيء للتقليد "الفصيح" وبديعه الرنان والطنان والخاوي.
 وبعض النحل والمراوغة في هذا الزعم مرده الى الايهام بأن المثالات المستلهمة والملهمة تدعو إليه وتسوغه. فينكر الزعم خاصية جوهرية في المثالات المفترضة هي رغبة جارحة في التحاف طينة اللغة الحسية والمادية، والفيء الى ثناياها الايقاعية السمعية والحلقية اللفظية، والتسليم والانقياد لها. فحفظ الشعرُ للغات الاوروبية (طيف) "شيئية" أو جسمانية ناسوتية خسرتها مع خروجها من عالم التوقيعات "الغوطي"، وهو حمل أشكال الحروف وقِراناتها ومجاميعها في الالفاظ على أنداد الاشياء وتصاويرها ودلالاتها، الى عالم الهندسة والمناسبة الكلاسيكي و"المباشر". وعاد هذا الخيال أو الطيف يلح على عتبة عصر أضعف كيانات "الاشياء"، ورمى بها في لجة تناسل الاشباه والبدائل والنظائر وحررها من موادها الجوهرية. وصدّق بعض قراء "لن" وغيرها من مجموعات أنسي الحاج دعواه في تحرر بلاغته وخطابته النثريين والشعريين من أسر العربية وخوائها. فذهب مؤبنه الكنسي الرسمي، راعي أبرشية بيروت المارونية وأسقف رعيتها وكرسيها المطران بولس مطر، الى ان الراحل كان "محباً للفكر المنفلت من الكلمات، والرامي الى تذوق الحقيقة بمكاشفة العشق لها، والتوحد به، في نشوة الإيحاءات" (علامات الوقف مني).
 والقول أن إرادة التخفف من كل بديع أو وسيط لغوي غنائي ومزخرف أفضت فعلاً وحقيقةً، الى لغة اصطلاحات وهيكلة دارت أو داوت هيكليتها بالاغراق في اصطناع الاستعارات وشبكها على رجاء استيلادها مسكة صورية ومادية ذاتية- هذا القول يحتاج الى تحقيق يتناول المجموعات نفسها وقصائدها. وهو يخرج عن قصد العجالة ولكنه لا ينكر غايتها. وتجاري هذه الارادة، شأن المقالة الارادية (الارادوية) في المنهج وتعظيم قيمة تبادلها وجعلها صنو للشعر نفسه وأدائها الفردية في صيغة القصص الاسطوري...، و"روح العصر" (العربي) ونازعه المجهض والمتنازع الى حداثة روحية ونقدية (على معنى العملة) واصطلاحية تقوم مقام أداة تبادل عامة، ولا قيد عليها من مادة وآداب صنع ونعمة. والمجاراة الفاقعة دعت جمهور المؤبنين الكثر، على مراتبهم، الى التقيد بآداب التأبين "الجمهورية". فلم يشذ واحدهم عن عروض المعنى المتوقع ووزنه وقافيته. وسلموا كلهم بحقيقة بلوغ أنسي الحاج وانجازه ما أراده وأزمعه، كأنه خلق كما شاء، على قول الشاعر النبوي في ممدوحه. فصوروا راحلهم في صورة شيخ طريقة، وآيتها العظمى. وهذه ذريعة تكاد تكون غير مواربة في حشر أنفسهم، و"عملهم" (فكلهم كاتب ومعظمهم شاعر)، في زمرة النخبة أو الصفوة الناجية.

 وقد لا يكون استسهال حشر النفس في الشلة المصطفاة من أهل الحداثة (العربية)، من غير شك فيه ولا سؤال أو حساب عن ذيوله ومترتباته، من أقل انجازات الوجه النهاري آنفاً ولاحقاً (على رغم دعوى كفء "هبت" الاستخباري الامني والباسدراني). وهو يتجاوز من غير مشقة حواجز الدور والصفة والمرتبة والشارات الى "الشخص" نفسه، والى نواته، من غير إغفال التحفظ والامتناع اللذين أحاط الرجل نفسه بهما. فهو نفسه، على خلاف قول "السابق"، في لغة جبران الطاغية، أنه غيره وسواه. وهو جمهرة المؤبنين المريدين وجمهورهم الجميع والواحد. وهو "قصيدة النثر". فلم يترك سبيلاً على ما فعل وكتب وقال بعد توحيده نفسه في فعله وكتابته ومقاله. وهو لم يحرر، على المعنى الصحافي، ما كتب في رحيله- بحسب رواية رب عمله الامني والباسدراني- وحسب، فعمد الى اختطاط تشييعه ومواقف التشييع، وتابعه المشيعون على رغبته فرحين وصاغرين.  


 المستقبل، 30/3/2014


ليست هناك تعليقات