الحمامة – ماريكي لوكاس راينيفيلد

مارس 30, 2019 اضف تعليق
ترجمة محمد رشو


عندما تكون يدا المزارع باردتين، فإنه يدسّهما بين ضرعِ بقرةٍ وساقها الخلفية. أتساءلُ كيف سيكون الأمر إن يقبض على يديّ وينفخ على براجمهما بين فينةٍ وأخرى، أو أن ينظر إليهما بإكتراثٍ شديدٍ كما ينظرُ إلى البقرة التي تسير عرجاء هناك وتقف مربوطةً إلى قضيب مهجعها في الزريبة. بسكينٍ يقطع المزارعُ قطع أظافر من حافرها كثمرة لفت، ويجرف الخرّاج كبيضةٍ بالكاد مسلوقة. للحظةٍ أشعر بخدّي الأيمن الذي لا يزال يحرقني من ذيول الأبقار التي صفعت وجهي بقوة بينما كنتُ أريدُ أن أنظّف مزراب الروث خلفها. هناك خطٌّ أحمر يسير من جانب صدغي وللأسفل نحو ذقني. أدفعُ عربة يدٍ مليئةً بالخراء بإتجاه كومةِ الزبل وأتوازنُ على الألواح حتى النهاية كي أفرّغها. لكن عربة اليد مليئةٌ جداً، ما يجعلها تقع في منتصف اللوح ولا يعود بمقدوري أن أمسكها الآن: التوازن ليس الجانب الأقوى فيَّ. خائفةٌ أنا جداً من أن أضع قدمي في الموضع الخطأ، أمشي بحذرٍ شديد، ولذلك وحسب، أقع في الخطأ. في رأسي، أسمع آنسة المدرسة الابتدائية تقول لي: «إذا كنتِ تريدين أن تبقي في حالة توازن، عليكِ إذن أن تبقي يديكِ على جانبيك كطير، تسعون درجة في ما بين الرأس والردف، تذكرّي المِنْقلةَ التي عندكِ. أنتِ إلى حدٍّ ما، مرنة".

 أفكّرُ في الأسبوع الذي ينتظرني، حيث ينبغي عليّ أن أظهر فيه أني مستعدةٌ لأعبر إلى الجانب الآخر من اللوح بحيوية. يمكنني أن أخطو كالأطفال، قدماً بعد قدم، ولكن لا ينبغي أن أخاف من العمق. أنظّفُ عربةَ اليد برشّ الماء عليها وأركنها أسفل صومعة الأعلاف، أملأها حتى الحافة بعلف بيكس. على جزء التغذية من الصومعة تحطّ حمامةٌ سقطت من عشّها في أعلى سطح الزريبة. وفقاً للمزارع، فإنها لن تنجو إن لم آخذها أنا. هو بنفسه يفضّل أن يحيا دون أن يرى طير حمامٍ حوله.

«بهائم غبيّة. تلتهم الذرة كلها،» يقول.

أحمل الحمامة تحت معطفي ضاغطاً إياها بقوة على صدري، أشعر بقلبها ينبض في باطن كفي. تبرز من بين ريشها شعيراتٌ صفراء: إنها لا تزال إذن صغيرة جداً على الطيران. في البيت أملأ لگناً بالماء الفاتر وأضيف له بضع قطرات من شامبو زڤـيتسال. أترك الحمامة تهبط ببطءٍ في الماء، أشطفُ روثَ البقر عن جناحيها وألفّها في منشفةٍ قديمة. أفرّكها بلطفٍ لأجفّفها. أبحثُ في حاوية النفايات الكبيرة عن صندوقٍ قديم أقوم بتعبئته بالصحف ونشارة الخشب. أدهنُ للحمامة شريحةَ خبزٍ بزبدة الفول السوداني: النوع العضوي ذو المكسرات، الناعم للغاية. تظلّ تراقبني وهي تأكل. حالما أرفع يدي نحوها، تنكفئُ بفزعٍ نحو ركنٍ في الصندوق، وكيفما أتكلّمُ معها بصوتٍ أعلى وأعلى، تظلّ تصرصر كفأر وقع في مصيدة. في يدي وحسب، تغدو هادئة. ألقي عليها أسئلةً أُلقيت عليَّ أنا في ذلك الصباح نفسه: أنا وحيدة. صح أو خطأ. أخشى من الساحات والأماكن العامة. صح أو خطأ. غالباً ما أفكر في أنني لا أحيا في الواقع. صح أو خطأ. أحبُّ العلاقات الحميمة. صح أو خطأ. يستغلّني أشخاصٌ آخرون. صح أو خطأ. أتحدّث في الحفلات مع أشخاصٍ مختلفين. صح أو خطأ. إن لم تكن الأمور تسير على ما يرام، لا أهجس سوى بفكرةِ الانتحار. صح أو خطأ. لا أحد يعرفني كما أنا على حقيقتي. صح أو خطأ. أشعر أن أحداً ما يطاردني. صح أو خطأ. أقوم بملء الإجابات بنفسي بينما أداعبُ زغبها. ما تزال تنظر بوجل. غالباً ما أنكفئُ أنا أيضاً أمام اليد التي تريد أن تلمسني، وعندها أبقي ذراعيَّ متصلبتين على طول جسدي وأرفع كتفيَ للأعلى كجدرانٍ لأخفي نفسي خلفها. لا أزحف نحو ركنٍ ما، لكن تتقلّص المساحةُ في داخلي. أحياناً تكون النظرةُ من أحدٍ ما، تماماً، كيدٍ ممدودة. ليس للحمامة أبٌ يرعاها أو أمٌّ. من سيعلّمها إذن أن تفرد جناحيها. عندما كان الناس يتركونني، غالباً ما كان يقولون، «طيري.» لم يخبروني أبداً إلى أين، أو كيف كان عليّ أن أحرّك جناحي وكيف كان عليّ أن أتدبّر أمري مع خوفي كيلا أنحدر فجأةً نحو الأسفل. بعد شهرين، ينبغي عليّ أن أودّع شخصاً مهماً. عليَّ أن أغادر العش مرة أخرى. لقد تعلّمتُ منها كل تقنيات الطيران: الآن حافظي على التوازن وتعلمّي ما يجب أن تفعليه في حالة حدوث عاصفة أو عندما تكون الرياح هادئة. إذا لم تتعلمي أبداً من أي جانب تشرق فيها الشمس، ستمضين على الأغلب نحو جانب الظلال، تضعين نباتاتك أيضاً على عجلٍ على عتبات النوافذ الخطأ. أتكلّمُ كثيراً مع نفسي وقلّما أتكلّم بصوتٍ عال. يبدو أثاث البيت في ضوء الغسق كما لو أنه ظهرا الوالدين الغائبين: يقفان هناك، يتظاهران كما لو أنهما ينصتان ولكن لديهما الكثير من الأشياء ليتحمّلاه، ليقولا نعم وآمين، وليتنهّدا في النهاية.

في كل مساء يمكن للحمامةِ أن تطير عبر الممر، أن تترك الأرضيات مغطّاةً بالصحف وأن تكون علّاقة الملابس برج المراقبة الذي يخصّها. لكنها لم تكن حمامة أنثى، بل حمامة ذكر. أسميها ڤ‍يلّيم. لا يحصل ڤ‍يلّيم وحسب على درس طيران بل وأنا أيضاً، كنتُ جالسة اليوم في غرفة مع ذراعيَّ مطويتين على صدري وأمامي كانت هناك سيّدةٌ ستعلّمني في الفترة المقبلة كي أتوازن. شعرتُ بإبطي يحكّاني. كانت قد تدرّبتْ على ألا تحوّل بصرها أبداً. على طاولة إيكيا البيضاء كان هناك جهازُ تسجيل بجانب نبتة عصاري. كان عليّ أولاً أن أذكر اسمي وسنة ولادتي، وأن أخبرها ثمّ بما كنتُ أراه على الورقة التي كانت ترفعها: كان هناك فتى يجلس خائب الأمل أمام الطاولة ويداه على جانبي رأسه. كان أمامه هناك على لوح الطاولة كمانٌ مكسور. على الأقل كنتُ أظنُّ أنه معطوب، أن وتراً ما فيه قد انقطع، أن القوس كان قد ألقي مهملاً بجانبه. كان يمكن أن يُرى ورق تغليف هناك تحت الكمان. إن كان ورق تغليف، فليس بالإمكان أن يكون الكمان مكسوراً، ولكن لماذا إذن ينظر الفتى بخيبة أمل؟ ربما لأنه لم يكن بإمكانه أن يعزف على آلة الكمان، لأنه كان يفضل أن تكون لديه آلة موسيقية أخرى، أو لأن والدته كانت عازفة كمان مشهورة وهو لا يريد أن يصبح مثلها، وربما بلى، الأمر كذلك، لكن هذا ما لا يبدو على الإطلاق.
«كيف تنتهي القصة؟» سألت السيدة عندما توقفتُ عن الكلام.
«سيبدّله ببيانو،» قلت.

على الورقة التالية كانت هناك فتاة تجلس على ركبتيها أمام سريرٍ بقياسٍ محيّر. كانت تتكئ على ملاءة السرير ورأسها محطوطٌ على ذراعها. كان جسدها منحنياً من الحزن كلوحٍ من خشب البلوط تشوّه ملتوياً من أثر الرطوبة. كانت ترتدي ثوب نوم بحوافٍ مهترئة.
«كيف تنتهي القصة؟» سألت السيدة مرة أخرى.
«إنها تبكي، تنهض وتستأنف مرة أخرى،» قلت.

أومأتْ السيدة برضا، أو أنني ظننتُ أنها كانت راضية، على الرغم من أنني كنتُ أعلم أنه لم يكن يجوز لها أن تظهر شيئاً من رضاها، الأمر الذي من شأنه أن يمنحني الكثير من التأكيد، والصواب أن هذا ما كان ينبغي أن يُترك نقطة جوفاء في ذلك البحث، في ذلك الاستقصاء. عندها وحسب لاحظتُ أن أصابعها كانت تبدو سوداء عند حوافها. لم تسألني ما الذي وجدته في ورقتها: التي كانت ترفعها هنا. ظننتُ أنه كان شحماً. عدا إضاءة غطاء محرك البشر والتدقيق في ما كان مفقوداً في دواخلهم، ربما كانت تعبثُ هذه السيدة بالسيارات أيضاً. كيف سينتهي الأمر، سألتُ نفسي: تفتح الباب هكذا، تتمنى لي النجاح وسوف تفكّر: على أحدٍ ما أن يبقي يديها دافئتين. دعونا نرى، مَنْ التالي…

بعد انقضاء البحوث والاستقصاءات، كنت أقفُ مع فتاةٍ في الركن المخصص للمدخنين. هي مع سیگارتها وأنا مع سیگار ليغا. أخبرتني أنها في الليلة الماضية، عندما كانت تشعر بنفسها فارغةً ووحيدة، فتحت الصناديق المتبقية من تقويم الكريسماس على الحائط، حيث كانت الشوكولاتة فيها على أشكال رجل الثلج ونجوم عيد الميلاد. لا تزال هناك ستة أيام لا بد لها وأن تنقضي، لكنها فكرت: تبّاً للكريسماس، لماذا عليَّ أن أنتظر كل هذه الأيام، إن أكلتها الآن، سيكون الكريسماس قد حلّ تماماً.
لقد التهمتها كلها دفعةً واحدة. التوتر الطفولي الذي كانت تشعر به عند فتح الصندوق فيما مضى، كان يرقد هناك إذن، في رغبتها هي وحسب. الآن فاجأتها أن ترى تلك الألفة الزائفة على حقيقتها. وضعت التقويم في كيس القمامة، ووضعت كيس القمامة على الطريق تاركةً الدبوس في الحائط. وضعتْ سیگارتها في ما بين شفتيها وفردت ذراعيها: «إلى هذا الحدّ كبيرٌ هو الفراغ،» قالت. ابتسمتُ لها، وفردتُ ذراعيّ، وقلت: «إلى هذا الحدّ، كبيرٌ هو الفضاء أيضاً.» قسّمتُ سیگاري الليغا إلى قسمين. لقد كانت لديها دروس طيران ولسنواتٍ طويلة، لكن دون أن يسمح لها أحدٌ بأن تطير.

(2016)
مجلة دي ريفيسور

ماريكي لوكاس راينيفيلد (1991) كاتبة وشاعرة هولندية، عدّتها جريدة فولكسكرانت الموهبة الأدبية لعام 2016. فازت في ذلك العام بجائزة سي. بودّينغ عن مجموعتها الشعرية جِزَّةُ العجل، وثم نشرت روايتها المساءُ مُضْنٍ في عام 2018، في عام 2019 أصدرت مجموعتها الشعرية الثانية فرسٌ وهميّة.
تقويم الكريسماس: تقليد في دولٍ أوروبية منها النمسا وألمانيا، يعود إلى القرن التاسع عشر، يحتوي التقويم على صناديق صغيرة (24 صندوقاً في الغالب) تحتوي على الشوكولاتة، يتمّ فتحها، واحدة كلّ يوم، اعتباراً من يوم الأحد الأقرب إلى 30 نوفمبر وحتى حلول صلاة العشاء في 24 ديسمبر.

اليرموك والباغوز.. الرئيس والخليفة

مارس 29, 2019 اضف تعليق

وضاح شرارة |  
قبل نحو أسبوعين من إخراج بقايا مقاتلي "داعش" المتحصنين في بلدة الباغوز السورية، وقتلهم، وزعت وكالة "فرانس برس"، في 20 آذار الجاري، صورة فوتوغرافية يُرى فيها أو عليها كتلة رخوة ومتصلة من قماش أسود تملأ ثلاثة أرباع الصورة. والربع الرابع الذي لا تخيم عليه الكتلة، ولا تكسوه بسوادها الفاحم، هو أرض متربة وغبراء تضيئها شمس يتوسط انحدارُها بعد ظهر النهار، على ما تشهد ظلال أشخاص مائلة إلى يمين الصورة. وهؤلاء يمشون في البقعة المضيئة أو يقفون فيها، وتفصل البقعة بين الكتلة المجتمعة في مقدم الصورة، وبين دائرة وراءها تقل إضاءتها عن إضاءة البقعة المتوسطة، إما لأن ترابها بنّي وداكن اللون وإما لأن شجرات (نخيل؟) قليلة، وتكاد تكون غير مرئية، حالت دون غلبة الغبار على التراب.

وتُخيَّل النظرة الأولى الى الصورة- وهي على صفحة الصحيفة الورقية غيرها على شاشة الانترنت الملونة والبائتة الفروق بسبب الضوء- طفحاً جوفياً أسودَ ومعتماً على جلد الأرض وعمرانها الإنسي. فتبدو الكتلة الليلية الهشة شطراً أو ثقلاً ألقت به الأرض، وأخرجته من بطنها الحالك والمستتر. ولا يحسب الناظر أو الرائي أنه هو من يبادر إلى النظر وإلى تمييز ما يرى، فيخال أن الكتلة في قلب الصورة الفوتوغرافية هي مصدر النظر أو، بالأحرى، هي الهاجمة على النظر والآمرة في استدارجه وتثبيته واستفهامه عما يراه.

ومن هذا الوجه، ثمة شبه وفرق قويان بين صورة نساء "داعش" في الباغوز وبين صورة أهل مخيم اليرموك (صورة التقطتها ووزعتها وكالة الأونروا في 31/1/2014) بضاحية دمشق المحتشدين في انتظار توزيع الإعاشة عليهم غداة حصار قاسٍ دام أشهراً. فكتلتا الأبنية المدمرة والطيفية على جهتي الطريق، واحتشاد الناس صفوف رؤوس ووجوه في مجرى الطريق الضارب أولها في أفق لا ترى منه إلا فتحة ضوء شتائي، تشبِّه موجة عاتية قذفها بحر أو محيط شرس. وعلى وجه آخر، يتصور الجمع المكتظ والعميق في صورة يوم الحشر وانتظار الحساب والدينونة على أبواب جحيم، ناره انتظارٌ مديد وشاخص إلى موضع معلق. وعلى وجه ثالث يكني الحشدين الانقاض عن خروج الناس في صورة فئران من جحور مهدمة. تسري في حشد أهل اليرموك حركة مائية هائمة على "وجهها". وهذا المد هو ما يهجم على النظر، ويعلو به ويهبط، ويجنح ويغور في الوسط، ويرسم الوجوه والقيافة في مقدم الصورة ويُغرق المدَ في إغفال "الجماجم"، على قول جباة الأخرجة والأعشار، في مؤخرها.

ولا تبقى صورة الداعشيات وقتاً طويلاً على إغفالها، ولو اقتصر تصفحها على صيغتها الورقية. فبين المسدلات على رؤوسهن وأكتافهن وأجسادهن النقاب الكامل، على ما يسمى النقاب الخالي من "طاقة" العينيين أو "منورهما"، نساء يعترض نقابهن، على سوية أعلى الرأس المدبب، ضوء أو وميض يلوح، على قول ابن الفارض في مسرى "ليلى العامرية مساءً"، من هذا الموضع. وقد يرى الرائي في طاقات أحجبة الرؤوس زجاج نظارات، أو محاجر عيون كائنات فضائية، على خطى سبيلبيرغ، وأفلامه الفضائية وصبغتها بصباغها مخيلة جمهور عريض ومتجدد.

وإذا اهتدى الرائي بهذه الأضواء التي تشبه النجوم الغائرة في جوف سماء لا يدرك قاعها، وسعه الانتباه إلى أن صفحات الرؤوس (وليس الوجوه أولاً) التي يميزها ويخرجها من إغفال السواد المتصل لا تلبث أن تستوي على شاكلة وجوه. وهذه الوجوه لا تشخص إلى جهة واحدة، ولا إلى موضع واحد. وبعضها، من خلف ستر الحجاب، يخاطب بعضاً آخر، أو يعير أذنه مصدر كلام أو مخاطبة بالعينين أو التفاتة وجه أو حركة رأس أو بالنطق. فتميل الرأس على الرأس، ويشيح النظر عن النظر. وقد ترى يد، عارية أو في قفاز بلون الجلد، تمسك بأصابعها شيئاً، أو تقر شيئاً من لباس المرأة على موضعه، أو تستقر على كتف جارة أو على ذراعها.

ويُلمّ بأعلى رؤوس النسوة الجالسات والمقتعدات التراب ضوء شحيح، لا يدري الرائي إذا كان السبب في شحه منه هو، من ضعفه، أم من قماش الأثواب التي تلبسها المنقبات من أعلى الرأس الى أخمص القدمين. وينتشر الضوء في كتلة النسوة على أنحاء ومقادير متفاوتة. فاللواتي يمينهن (جهة اليمين) إلى مصدر الضوء الغارب، حظ أعلاهن من الضوء الأغبر يفوق حظ أوساطهن. ويحدس الناظر إلى كتلتهن بقعاً بين الجالسات، كأنها بحيرات حبر، يفوق سوادها الحالك سائر السواد المولود من خليط القماش والغبار.

وتشترك الصورتان الفوتوغرافيتان، الداعشية وصورة أهل مخيم اليرموك، في التمثيل على الانسلاخ من عالم سفلي وغائر، والحط في عالم آخر لا يبرأ من الحطام والاضطراب والانهيار. وينزل العالم هذا بجوار الضوء، وتخرجه الفروق الكثيرة والمرئية، الألوان والرسوم والمسافات والظلال، من الشبه المعمّي والأخرس أو تفارقانهما على مثال واحد. فالداعشيات أخرجهن معهن طوعاً عباءاتهن، ورغبن طوعاً في الإبقاء على كتلتهن وسوادهن وخفائهن. والأرجح أنهن، لو استطعن، لحلن دون ظهور الفروق بينهن، ولتحجرن، من غير أضعف فرق، على مجانستهن بعضهن البعض الآخر، وواحدتهن الأخريات. فكتلتهن الصماء، وهن أردنها على هذه الشاكلة، مرآة معدنية يحفرن فيها شبهاً لا يعتوره فرق أو ينبغي ألا يعتوره فرق. ويصدر هذا الشبه عن إرادتهن، وعن انقيادهن ربما أولاً لإرادة رجالهن، أو للرجال الذين هن نساؤهم ولسن غير نسائهم ووعاء رجولتهم.

وتبسط صورة أهل اليرموك على نحو فج ومباشر تسلط جبروت قاهر وفوقي على الجمع المقموع في قمقم ضيق او سراديب مدينة متصدعة ومحطمة، ويكاد اندلاع الناس (على مثال اندلاع النار) في شارع المدينة، وخَلَل أنقاضها المعلقة مكاناً وزمناً - فالقصف الآتي والمتوقع يطلع من الشرفات والجدران والباب المتداعي إلى يمين المشاهد- يكاد أن يعني إحياء المدينة والنفخ في رمادها، ووصلَ أجزاء جسمها المقطّع بعضها ببعض. وترسو على ضفة نهر الجماجم وفي مقدم الصورة، وجوه مفردة، وقسمات قوية العبارة تتخفف من إغفال قُسر عليه العدد قسراً وعنوة. فـ"طليعة" الموجة البشرية تعرب عن المعنى الفريد الذي تؤديه الوجوه القريبة وقد أتاح قربُها، وصدفةُ هذه القرب، جلاءها، وأخرجها من عتمة الشَبَه وتنكير الجمجمة والإحصاء (وهو ما لا تنفك الإعاشة منه).

وعلى هذا، يبعث أهل اليرموك المحاصرون في الصورة الفوتوغرافية حركة زمنية قوية. وتجتاز الحركة هذه - بين القاع البعيد وبين صدارة الوجوه، وبين بواطن الأرض وملاجئها،  وبين سطحها الشاهد على إعصار العنف والتكتيل- مسافة تفصل تعسف القهر وقسره البشر على الكمون عن تجديدهم سعيهم في الأرض وعمرانها وضوئها ومقاومتهم دمارها. وتحرس الداعشيات حراسة مشددة الخباء الذي يعرِّفهن من داخل، فيصدرن عنه صدوراً ينفي عن سوادهن وشبهن الانقياد لأمر من خارج. فالقانون ("الشرع") والفطرة في حالهن، واحد. والعدستان اللتان صورتا انتظار أهل مخيم اليرموك المحاصرين بنار "الرئيس" بشار الأسد توزيعَ الإعاشة، واجتماع الداعشيات اللواتي أخرجهن مقاتلو "الخليفة" أبوبكر البغدادي من ساحة حرب الباغوز- صورتا كذلك صنفين من اختبار الزمن والسلطة والنفس، معاصرين ومختلفين ومشتركين في بعض الأمور.

عن موقع المدن

لم يزداد إقبال العالم على الدين؟ لأن الفقراء يلجؤون إلى الله

مارس 29, 2019 اضف تعليق


جايلز فريزر


يزدهر الدين حيث تفشل الفردانية الليبرالية، هذا هو صدام الحضارات الحقيقي!

 كان "سادة الشك" نيتشة وماركس وفرويد يعتقدون أن الدين سيتلاشى ويموت في القرن العشرين، فيما صفق آخرون غيرهم بحماس لفرضية العلمانية، كان الدين يحتضر فلقد ثقب التنوير سفينته وكانت تغرق فكريًا. ومن ثم حدث العكس بطبيعة الحال: ازدهر الدين، ففي عام 1900 (العام الذي مات فيه نيتشة) كان في إفريقيا ثمانية ملايين مسيحي، أما الآن فيوجد قرابة 335 مليون مسيحي، ولا يزال العدد في تزايد مستمر، عبادة الله لم تمت، لقد ولدت من جديد. في الواقع كان القرن العشرين –بعيدًا عن كونه القرن الذي ابتعد فيه الدين- القرن الأكثر نجاحًا لكل من المسيحية والإسلام منذ صلب المسيح وإلقاء محمد خطبة وداعه على جبل عرفات، فبحلول عام 2010 كان هناك 2.2 مليار مسيحي في العالم و 1.6 مليار مسلم، مِم يشكل 31٪ و 23٪ من سكان العالم، إن أطروحة العلمانية أسطورة أوروبية وهي جزء من قصر النظر وضيق أفق التفكير لدينا إذ لاتزال تبين مدى قصر نظرتنا للعالم.

 ولكن بين الحين والآخر تحصل هذه الأطروحة على صدى واسع من قبل بعض الأخبار المحلية، ففي هذا الأسبوع ظهر استطلاع يفيد بأن عدد اللادينين الآن يفوق عدد المسيحيين في انكلترا وويلز، وهذا صحيح طبعًا فالتدين يتناقص في المملكة المتحدة، وذلك ليس لأن الإلحاد يلتف حوله بعض الهيتشنزيين (نسبة لكريستوفر هيتشنز وهو كاتب وصحفي إنكليزي-أميركي معروف بإلحاده ونقده للأديان) المهوسين بالصحوة الدينية، ولكن لأن مجتمعنا الغربي يعد أقل عددًا من المجتمعات الأخرى ولدينا ترابط اجتماعي أقل أيضًا من المجتمعات الأخرى. والدين لا يبدأ مع الميتافيزيقا وإنما مع المشاركة و الانتماء للاعتقاد مسبقًا؛ وهذا هو السبب في أن الروح الدينية تتناقص في الأماكن التي تزدهر فيها النزعة الليبرالية الفردية. وإلا فلماذا ينمو الدين نفسه في الأماكن التي تفشل فيها الفردية الليبرالية؟ هذا هو الصدام الحقيقي للحضارات: مركز التسوق (الآن انتقل على الانترنت) مقابل المعبد، معركة بين أولئك الأغنياء بما فيه الكفاية للتفكير بالفردية البحتة وأولئك المجبرين على التفكير الجمعي.

هنالك عولمتان فقط: عبادة الله وعبادة المال، ولن يوفق المرء بينهما تمامًا، تخيل رجل بلا دين يغني على ستينواي أبيض قيمته تبلغ 800 ألف دولار، وتخيل رجل بلا ممتلكات يغني أيضا، على الرغم من أنه من الواضح أن إحدى الخيارين أصعب قليلاً من الآخر إلا أنه في الواقع الإمكانيات التي يوفرها الله تبدو أفضل بكثير من تلك التي يوفرها المال.

وتشير التوقعات من مركز أبحاث بيو إلى أنه بحلول عام 2050 سوف ينمو تعداد المسحيين إلى ما يقارب 2.9 مليار نسمة والمسلمين إلى 2.8 مليار نسمة، ومع انخفاض أسعار النفط وانفجار فقاعة المِلْكيّة ونبوءة الكثير من الاقتصاديين بانهيار آخر لسوق الأسهم، أود القول: أن الله على ما يرام و هو في وضع مبُشر ضد عدوه القديم، وعلى ذلك فإن حتى جوهريات الإلحاد الجديدة ليست دليلا مستقبليًا ضد الصحوة الدينية. يَشق على متن القوارب عدد كبير من الفقراء المتدينين عُباب البحر الأبيض المتوسط مخاطرين بكل ما لديهم للارتحال إلى أوروبا وليشاركونا الثروة التي اكتنزناها منذ زمن طويل، فمثلاً في مخيم كاليه للاجئين يبدو جليًّا أن هنالك معركة كارتونية متواربة بين الكنيسة والمسجد وفرنسا العلمانية التي تقف حائرة تمامًا أمام عودة ظهور القيم الدينية المتخبطة منذ قرون، من فافيلاس في البرازيل إلى اتحاد الأمهات في الحزام الإنجيلي جنوب الصحراء الكبرى و إلى أرخبيل الإسلام في اندونيسيا يلجأ كل أولئك الفقراء إلى عبادة الله، وقد أنجب هؤلاء الفقراء المسلمون مزيدًا من الأطفال إذ سيشكل عدد المسلمين 10٪ من سكان أوروبا بحلول عام 2050.
تحتضر المسيحية حاليًا في أوروبا وقد تحذو الولايات المتحدة حذوها تدريجيًا، فبيو للأبحاث يتنبأ بانخفاض عدد المسيحيين الأمريكيين من كونهم يشكلون ثلاثة أرباع السكان الآن ليصبحوا عام 2050 ثلثي السكان فقط. لقد ظلت المسيحية موجودة منذ قرون و لا تزال حتى الآن أكبر مجموعة أيديولوجية عرفها العالم و هي لن تموت أبدًا، فقد تحولت ببساطة من كونها مركز الجذب في الجنوب والشرق ليكون الجذب هو المستقبل: الصين. ما مات في أوروبا هو حلقة دافئة بين الكنيسة والدولة التي أنشأها لأول مرة الامبراطور قسطنطين وهذا هو الخلاص الجيد، يظل هذا الارتباط (ارتباط الدين بالدولة) يشوب القضية طالما ارتبطت عبادة الله بالطبقة الحاكمة؛ إذ مع أنه لو تحررت عبادة الله من ذلك الارتباط ستكون خيارًا يفضله الفقراء، فلا تدع هذا الركود الإلحادي الموضعي يخدعك، لا يزال الدين هو المستقبل.

عن موقع حكمة

كميل داغر... حقيبة والدي الحديدية، والذاكرة اللعوب

مارس 26, 2019 اضف تعليق

-----------------------------------------
قليلة ٌ جداً هي المشاهدُ التي احتفظَتْ بها ذاكرتي، من طفولتي الأولى. بدت كما لو كانت ومضاتٍ خافتة، وإن تكن واضحة، في آنٍ، شبيهة ً بما رأى فيه أبو حامد الغزالي نوراً قذفه الله في الصدر، علماً بأني لم أتفق يوماً مع فيلسوفنا الكبير على مصدر ذلك النور.
هذه الرؤية، لا شكَّ في أن ما حدث في الخامس من آذار/مارس 1953، إنما يندرج فيها. كنتُ طفلاً، آنذاك، بالتأكيد، ولكنني استقبلتُ ما رنَّ بشدة، على ما يبدو، في ذلك اليوم البعيد، في أذني، بصورةٍ لا مجال لمَحْوِها، على أنه حدثٌ لا يمكن نسيانه، على الرغم من أني لم أكن لأدرك، من حيث معارفي المتكونة، واهتماماتي الفعلية، في تلك الفترة، ما ينطوي عليه من أهمية. كان ما سمعته، آنئذ، أقوى من مجرد خبر بكثير، في الواقع، وأشد تأثيراً من الأساطير. 
كان قد أرسلني الأهل، على الأرجح، لأجلب حاجة ً ما من دكانة طربيه طربيه، في أول بلدة ت.ت.، لجهة الغرب، حين انتبهتُ، فجأة ً، وقد أوشكتُ أن أصل، إلى أن بوسطة جورج بديعة، وكان يسكن، بالمناسبة، مع زوجته، في المبنى نفسه الموجود فيه الدكان، مزودة بمذياع. مذياع لم أكن قد عرفت به، من قبل، ولا خطر ببالي أن العقل البشري قد ينتج مثله. وأهم من الآلة كان ما نقَلَتْه إلى سمعي وأسماع الآخرين.
بدا صوتُ المذياع عالياً نسبياً، كما لو لأجل الارتفاع إلى مدى جسامة الخبر، الذي كان ينقله إلى البشرية جمعاء، ألا وهو خبر وفاة ستالين! وهو الخبر الذي شكَّل مدخلاً لما سيصبح بين اهتماماتي الأساسية ، باستمرار، منذ ذلك التاريخ، على الرغم من بعد تنورين التحتا، آنذاك، عن العالم الخارجي، ت.ت.، التي كان يشرف والدي، كمتعهدٍ للأشغال العامة، على شق الطريق إليها، ومنها إلى وادي تنورين. وهو السبب الحقيقي لواقع إقامتنا فيها، في تلك الأيام المغرقة في القدم، على مدى سنواتٍ أربع، قبل انتقالنا، إثرئذٍ، إلى بلدة دوما المجاورة.
فبعد سماعي ذاك الخبر، بثلاث سنوات، تقريباً، وكنت لا أزال طفلاً أيضاً، تلقيت أخبار الثورة المجرية، فبدت لي كما لو كانت تؤرخ لطورٍ جديدٍ، بالكامل، ولا سيما أن جريدة النهار نشرت آنئذٍ ملفاً مصوراً، مكثفاً، عما جرى خلالها من أحداث خطيرة. جريدة النهار، بالضبط، التي كان والدي مشتركاً فيها، بحيث تصله، مراراً، في الأسبوع الواحد.
ذلك الملف، المصاحب لأحد أعداد الجريدة المنوه بها، قرأتُه بكامله، بنهَمٍ لا مزيد عليه، واحتفظ به والدي، لاحقاً، في حقيبته الحديدية الثقيلة، التي كانت تضمّ أشياء بدا كما لو كانت، بالنسبة إليه، أثمن ما لديه. وهو ما تأكدتُ منه، حين فتحتُها، بعد وفاته، ذات يومٍ من أوائل تموز/ يوليو، 1963. وبين أهم ما أذكره بصدد محتوياتها، الأمور الآتية:
- ثلاثة مجلدات سنوية ضخمة، أو أكثر، من مجلة "الهلال" المصرية، يعود صدورها إلى ثمانينيات القرن التاسع عشر، وتسعينياته؛ ورواية هنري بوردو، بأصلها الفرنسي، بعنوان Yamilé sous les cèdres ، أو "جميلة في ظلال الأرز"، بطبعتها الاولى، العائدة إلى أوائل عشرينيات القرن العشرين.
- هذا فضلاً عن أكثر من دفترٍ خطَّ عليه أبي قصائد له، إما ناجزة، أو ناقصة، بحيث لا تظهر منها غير أبياتها الاولى؛ وذلك بخط جميل جداً كان يتميز به.
- وفضلاً أيضاً عن كتابين متناقضين لأبعد الحدود، أحدهما يصدر عن جهة لم أعد أذكرها، ويورد مزاعم عن جرائم ينسبها إلى الشيوعيين، قبل ثورة أكتوبر الروسية، وبعدها، مع رسوم وصور كاريكاتورية يحاول أن يعزز بها المزاعم الواردة فيه. أما الكتاب النقيض فَ"البيان الشيوعي"، في طبعة قديمة جداً، ربما تعود إلى ثلاثينيات القرن السابق. وكان، بالضبط، الكتاب الذي جعلتني قراءته أعتبر نفسي بتُّ أفهم أهم ما كان يثير حيرتي، وحتى اضطرابي، بخصوص حقائق هذا العالم، مذ تفتحت عيناي على مظالم الحياة.
- ثم أخيراً، وليس آخراً، كانت هناك مجموعة من الرسائل، لعل الأهم بينها تلك الواردة، إلى والدي، من كلٍّ من ميشال حجار وبطرس سابا.
وبخصوص الأولى، لا بد من نبذة ولو مقتضبة عن الصورة الخاطفة للأستاذ الزحلاوي، الذي أبعدته وزارة التربية الوطنية، عن مسقط رأسه، حيث كان يعلّم، إلى تلك القرية في آخر العالم، آنئذ، تنورين التحتا، لأسبابٍ عائدة إلى أفكاره ونشاطاته النقابية والسياسية، الأقرب إلى اليسار. وكان ذلك في السنة الأولى لمجيئنا إلى هناك.
ثمة تولدت صداقة عميقة، بين الأستاذ المغضوب عليه، ووالدي، فكانا يلتقيان كثيراً، ولا سيما في أيام العطل. ولا تزال لدينا إلى الآن صورٌ مشتركة للرجلين، بينها واحدة وضع فيها أبي يده اليمنى على كتف صديقه. لم يجد ميشال الحجار، في ت.ت.، من يقترب لتطلعاته وأفكاره، آنذاك، غيره.
أما بطرس سابا فكان زوج خالتي، مارشي بومرعب حرب، وقد غادرا تنورين الفوقا، الغارقة في الجبال والثلج والشمس، والفاقة، في أواخر عشرينيات القرن الماضي، إلى غوادالاخارا، في المكسيك.
في غوادالاخارا، تأسْبَنَ اسمُ زوج خالتي، فصار بدرو. وكانت رسائله إلى أبي، المكتوبة في معظمها، بالعامية، تحمل اسمه بالعربية، وفي الوقت عينه بالإسبانية: Pedro Saba. وكانت إحدى هذه الرسائل تحمل تاريخاً عائداً إلى صيف العام 1940. وأنا أذكرها، تحديداً، لأنها كانت تختلف بعمق عن سابقاتها، سواء من حيث الشكل، إذ وردت كلها بلغةٍ فصحى جزلة، ومتينة، أو من حيث المضمون، الذي شدَّني يوم قرأتها، في صيف 1963، بصورةٍ لافتة. فلقد تجاوزتِ المجاملات الصداقية المعروفة، والأسئلة والأجوبة عن الصحة، والأصدقاء، والأقارب، إلى مقطعٍ طويل، نسبياً، وصف فيه بدرو سابا موكباً جنائزياً مشى فيه، في شوارع مكسيكو، بالذات، ذات يوم من شهر آب/أغسطس، من ذلك العام. وأذكر من ذلك المقطع شذرةً نقلتُها على الفور إلى مفكرتي (اعتمدتُ التدوين اليومي لأشياء من حياتي الخاصة، جرياً على عادة والدي، الذي ما زلت أحتفظ له بمفكرات عديدة، دوَّن فيها منوعاتٍ تتعلق بعمله، كما بحياة عائلته، يعود بعضها إلى أواخر الثلاثينيات - أوائل الأربعينيات، والأخيرة بينها إلى سنة وفاته). والشذرة تلك هي التالية:
"كان هناك حشدٌ عظيمٌ من الناس، في جنازة زعيمٍ شيوعيٍّ روسيٍّ كبير نفاه، قبل سنوات عدة، حاكمُ روسيا المطلق، يوسف ستالين، إلى تركيا المجاورة، فوصل به التجوال، هرباً من غدر رفيقه السابق، إلى المكسيك. وهو ما لم يحُلْ، في الأخير، دون أن يتمكن واحدٌ من دواسيس(يقصد جواسيس) ستالين، من قتله شرَّ قتلة، في عقر داره.
وأنا إن كنت أنسى فلن أنسى، يا قيصر، أن عديدين في تلك الجنازة الحزينة، في شوارع مكسيكو، كانوا ينتحبون، وبينهم رجالٌ ونساء من السكان الأصليين راحوا يعبرون عن ألمهم، بطريقتهم الخاصة. وأظنك ستصدقني، إذا قلت لك إني، أنا أيضاً، لم أتمالك نفسي، في تلك اللحظات، عن البكاء". 
ولكن تلك الحقيبة الحديدية، التي ترك فيها أبي جزءاً بالغ الأهمية من خصوصياته، سوف تختفي، مثلها مثل غيرها من موجودات بيتنا، في فرن الشباك، الذي اضطررنا لتركه، مع ما فيه، في بداية الحرب الأهلية، في سبعينيات القرن الماضي. وذلك مع الكثير من المرارة، لأن تاريخاً بكامله من حياتي وحياة أهلي، مضى مع تلك الأشياء، الملأى بالروح. وكل ما بقي منه مرتهنٌ بذاكرةٍ لن تعتِّمَ أن تشرع بالاضمحلال، في القادم من الأيام.
في شتى الأحوال، سوف أتذكر تلك الرسالة، مرة واحدة، تقريباً، في العقود الأخيرة، حين عرَّبْتُ ثلاثية اسحق دويتشر عن تروتسكي، في أوائل ثمانينيات القرن الآفل، ومن ضمنها ذلك المقطع، في "النبي المنبوذ"، عن اغتيال تروتسكي، والموكب المهيب الذي مشى فيه بدرو سابا، في بلد بانشو فيلا، وإميليانو زاباتا، والرئيس التقدمي، لازارو كارديناس. كارديناس، الذي منح قائد ثورة أكتوبر الميداني، ملجأ، في بلده البعيد، بعد أن أصبح هذا الأخير طريداً لكامل العالم القديم!
وأنا سأنقل، أدناه، أسطراً، ولو قليلة، من وصف دويتشر للمشهد نفسه الذي سبق أن وصفه بدرو:
" في 22 آب/أغسطس، ووفقاً للعادة في المكسيك، سار موكبٌ جنائزيٌّ مهيب، من عشرات الألوف، على امتداد 12 كلم، وصولاً إلى البانتيون، وذلك وراء النعش الذي كان يحمل جثمان تروتسكي، عبر شوارع العاصمة الرئيسية، كما في الضواحي العمالية، حيث كانت جماهير صامتة، حافية ورثة الثياب، متجمعة على الأرصفة."
وكتب الرفيق جوزف هانسن، أحد القياديين الأساسيين، في حزب العمال الاشتراكي الأميركي، آنذاك، عن الأيام التي سبقت يوم الدفن: " كان حراسُ شرَفٍ، من عمالٍ مكسيكيين، ومعاونين لتروتسكي، يبقون 24 ساعة في اليوم، قرب النعش. وقد قُدِّر عدد الأشخاص الذين مروا أمامه بثلاثمئة ألف كان معظمهم من البائسين، الذين يسحقهم العمل. والكثير منهم كانوا ممزقي الثياب وحفاة، وكانوا يمرون بصمت، مطأطئي الرؤوس".
لقد غابت عن بالي رسالة بدرو سابا، منذ العام 1983، حين أنجزتُ تعريب "النبي المنبوذ"، ودفَعَتْ به المؤسسةُ العربيةُ للدراسات والنشر إلى المطبعة، بعد أن صَحَّحْتُه، مراراً. حتى أني عندما تعرفت إلى الرفيق المكسيكي، خلبرتو كوندي، والتقيته، تكراراً، في لبنان، كما في أمستردام، حيث اضطلع، مع صديق كندي من أصل لبناني، بالترجمة الفورية – خلال سمنارٍ ضغَطْنا، في الفرع اللبناني للأممية الرابعة آنذاك، لانعقاده، حول القضية الفلسطينية، بهدف استصدار نصٍّ حاسم، ملزمٍ لكل فروعها، حول استعادة شعار تفكيك الدولة الصهيونية، وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية علمانية ثورية مكانها – حين تعرفت إليه، أقول، لم أحدثه عن رسالة بدرو سابا، على الإطلاق. اكتفيتُ فقط بالقول له، مازحاً، إن خالتي مارشي، وعائلتها، مكسيكيتان مثله، ومنذ ما قبل ولادته بعشرات السنين. وأضفتُ أنها جددَتْ، في الخامسة والسبعين من العمر، زواجَها من شريكها، بدرو، وبعثت لأمي بصورةٍ لهما، متعانقين، بثيابٍ ناصعة البياض.
غير أن تلك الرسالة عادت لتطلقَ أضواء ساطعة، في خيالي، الذي توهج، فجأة، حين لحق بي، في أوائل آذار/مارس الحالي، رفيقٌ آخر له ملامح الشعوب الأصلية الجنوبية، إلى الغرفة التي تسلمتُ مفتاحاً لها، في مركز الأممية في أمستردام، في اليوم الأول للقاء اللجنة العالمية السنوي، هناك. جاء لينقل حقيبته إلى غرفة ثانية، لسببٍ أو لآخر. وقد بادرني بالسؤال عن البلد الذي جئت منه، فأجبْتُه، ثم ألحقتُ جوابي بسؤالي له، هو أيضاً، عن بلده.
ذلك التوهُج حدث، بغتة ً، حين أجاب بأنه قادمٌ من نيو مكسيكو. رأيتُ تلك الجموع المقهورة، التي سارت في جنازة تروتسكي، قبل تسعةٍ وسبعين من الأعوام، والموكب يتقدم ببطءٍ، في شوارع العاصمة، مكسيكو. وعدتُ بذاكرتي إلى ذلك الوصف الحزين الذي دبَّجه قلمُ بدرو سابا، في الشهر عينه الذي اغتال فيه رامون ميركادير الرفيق ليون دافيدوفيتش، بأوامر من يوسف فيساريونوفيتش ستالين. وإن تكن تلك الرسالة لم تصل ليد والدي إلا حين عاد، صدفة ً، إلى أعالي تنورين، واحدٌ من مهاجريها، على إحدى بواخر ذلك الزمان البطيئة، التي لم تصل إلى مرفأ بيروت إلا فجر عيد الميلاد. ولقد أخفق ذلك المهاجر الخائب في بلوغ بلدته، قبل اليوم الأخير من تلك السنة.
وهو ما أوضحه والدي، في ملاحظةٍ سريعةٍ كتبها على الغلاف يقول فيها إن الرسالة بلغته، بعد قداس رأس السنة من العام 1941!، وسلَّمَه إياها راغب بو مرعب، العائد للتو من المهجر، بعد أن "قتله" (والتعبير لوالدي) الشعورُ بالغربة، وغدر الزمان.
لم أقلْ شيئاً عن كل ذلك للرفيق هكتور، الذي سارع للاختفاء، مع حقيبته، وإن أكن رأيته، بعد ذلك يتكلم، مراراً، من على منبر اللجنة العالمية، إبان نقاش الهجمة اليمينية الراهنة، في أميركا اللاتينية، ولا سيما في فنزويلا، ونيكاراغوا، والبرازيل!
ولكنني عدتُ للتفكير، كثيراً، في بدرو سابا، الذي كان يمكن أن أعثر بين سطور رسالته الكاملة – فيما لو سلِمَتْ حقيبة والدي الحديدية من سطو قوى الأمر الواقع، الذي استهدف منزلنا، في فرن الشباك، ذات يوم من شتاء العام 1976 – على ما ربما كان ساعد في اكتشاف ما إذا هو يتكلم، كمراقبٍ من الخارج، أو على العكس، كواحدٍ من أفراد المعارضة اليسارية، الذين شكلوا الفرع المحلي للأممية - وكان انعقد مؤتمرها التأسيسي، قبل أقل من عامين -، وهم بالضبط من اضطلعوا بالدور الأهم في تنظيم ذلك الموكب المهيب، عبر شوارع العاصمة المكسيكية.

حادثة جسر أوول كريك

مارس 26, 2019 اضف تعليق

أمبروز بيرس | 
ترجمة : محمد الحباشة


في شمال ألاباما، وقف رجلٌ على جسر سكّة حديديّة وعيناه تنظران للأسفل نحو الماء الذي يجري بسرعة، ويبعد مسافة عشرين قدمًا تحته. كانت يداه خلف ظهره، ومعصماه مكبّلين بحبل، بينما يحيط حبل آخر عُنقه. كان مربوطا إلى عارضة خشبيّة صلبة منصوبة فوق رأسه، وقد تهاوى الجزء المتراخي منه إلى حدود ركبتيه. مثّلت بعض الألواح الملقاة على العوارض التي تشدّ قضبان السكة الحديدية، موطئ قدم للرّجل ومُعدميه- جنديّان من الجيش الفدراليّ تحت إمرة رقيب، لربّما كان نائب شِريف في الحياة العاديّة. وعند مسافة قصيرة على ذات المنصّة، كان هناك ضابط مسلّح ارتدى زيّ رُتبته. كان نقيبا. وقد وقف عند طرفي الجسر حارسان مسلحان ببندقيّتين بوضع “تأهّب”، يعني أنّهما يحملان البندقيّة عموديّا أمام الكتف الأيسر، وذراع الزناد مسندة على السّاعد الممدود بالعرض على الصّدر- وضع عرفيّ وغير طبيعيّ، يجبر الجسد بأن يكون معتدلا. لم يبد على هذين الرّجلين أنّ من واجبهما معرفة ما كان يحدث في وسط الجسر، بل كانا مكلّفين ببساطة بمنع الدّخول إلى الممرّ الذي يعبره.

ولم يكن يُرى أحدٌ خلف هذين الحارسين. امتدت سكّة الحديد مباشرة لتقتحم غابة بنحو مائة ياردة، ثمّ انعطفت في ذاك المكان واختفت عن الأنظار. لا بدّ أنّ هناك محطّة أخرى أبعد. كانت الضّفّة الأخرى للمجرى المائيّ تمتدّ على أرضٍ مكشوفة – منحدر ليّن يعلوه سياجٌ من جذوع الأشجار المنصوبة بالعرض، مزروع بمراكز رمْيٍ للقنّاصة، بفتحة واحدة تخرج منها فوّهة مدفع من البرونز سيطر على الجسر. في منتصف المسافة على المنحدر، بين الجسر والحصن، وقف المتفرجون – فرقةٌ من كتيبة المُشاة اصطفّ أفرادها في وضع الاستراحة، أعقاب بنادقهم على الأرض، وأيديهم تتشابك على أخشابها، بينما الماسورات مائلة قليلا للوراء ومسندة على أكتافهم اليمنى. وقف ملازم على يمين الفرقة، وذروة سيفه مغروزة في الأرض ويده على المقبض. لم يكن هناك شخصٌ يتحرّك باستثناء الرّجال الأربعة الواقفين على الجسر. وقف أفراد الفرقة قبالة الجسر بجمود وثبات. بدا الحارسان الملتفتان نحو الضّفتين كأنّهما تمثالان وضعا لتزيين الجسر. وقف النقيب بذراعين مشبوكين، هادئا، يراقب مرؤوسيه لكن دون أن يقوم بأيّ حركة. الموت، مثل شخص رفيع المقام، عندما يأتي مسبوقا بدعوة، فلا بدّ أن من استقباله بمظاهر الاحترام الرسميّة، حتّى من أولئك الذين يألفوه. وفي عرف الآداب العسكريّة، الصّمت والثّبات مظهران من مظاهر الاحترام.

بدا الرّجل الذي كانوا بصدد شنقه في الخامسة والثلاثين من عمره. كان مواطنًا. بالإمكان معرفة ذلك من لباسه الذي كان لباس مزارع. كانت ملامحه جميلة – الأنف مستقيم والفم مغلق والجبين عريضٌ، حيث سُرّح شعره الداكن الطّويل للخلف وتدلّى وراء أذنيه إلى حدود ياقة كنزته المعتدلة. كانت له لحية بلا شارب. وكان في عينيه الكبيرتين الرّماديّتين جدّا، تعبير من الطّيبة غير متوقّع من رجل حول عنقه أنشوطةٌ مصنوعة من القنّب. بالطبع، لم يكن قاتلا جلفا. كان العرف العسكريّ اللّيبرالي ينصّ على شنقِ أطياف متعدّدة من البشر، لا يستثنى منها النّبلاء.

بعد أن انتهت الاستعدادات، تنحّى الجنديّان جانبًا وسحب كلّ منهما اللّوحة التي كان يقف عليها. التفت الرقيب نحو النّقيب وحيّاه، ثمّ اتّخذ مكانا وراء الضّابط الذي ابتعد بدوره، خُطوةً للوراء. تركت هذه الحركات المحكوم والرّقيب يقفان كلّ منهما على الطّرف المقابل لنفس اللّوحة التي تستند على ثلاث عوارض. كان الطرف الذي وقف عليه المحكوم لم يصل تماما إلى عارضة رابعة. كانت هذه اللّوحة مثبّتة في مكانها بفضل وزن النّقيب، والآن هي ثابتة بفضل وزن الرّقيب. بإشارة من الأوّل، سيتنحى الآخر جانبًا، فتميل اللّوحة ويسقط الرّجل بين عارضتين. كانت هذه التّراتيب بسيطة وناجعة، حتّى بالنّسبة إلى الضّحّية. لم يُغطّ وجهه ولم تُعصب عيناه. نظر للأسفل نحو موطئ قدمه الهشّ، ثمّ ترك نظره يجول في دوّامات الماء التي جرت بجنون تحت قدميه. جلبت انتباهه قطعةٌ من الخشب ترقص على السّطح، وتبعها بعينيه بينما يحملها التّيّار. كم بدت بطيئة الحركة ! يا له من نهر كسول !   

أغلق عينيه حتى يركز أفكاره الأخيرة على زوجته وأطفاله. ولكن تركيزه تشتّت بسبب الماء الذي تحول إلى ذهب بسحر الشمس الصباحية، والضباب الكئيب الذي يربض تحت الضفتين على مسافة تحت التيار، والحصن والجنود والقطعة الخشبية. لقد أدرك الآن اضطرابًا جديدًا. وخلال ذكراه عن كلّ الذين يحبّهم، عبر صوت لم يستطع تجاهله ولا فهمه، قرعٌ حادّ وصاف ومعدنيّ، كضربات المطرقة على السّندان: كان له تماما نفس هذا الرّنين. ما كان هذا؟ هل كان بعيدًا بدرجة لا تقاس أم قريبا؟ بدا الاثنان معا. كان صداه متواترا ولكن بطيئا كناقوس الموت. انتظر كل صوت جديد بفارغ الصبر وأيضا ببعض من التوجّس، دون أن يعرف لماذا. أخذت فترات الصمت تطول تدريجيّا، وقد أغاظه كلّ هذا التأخير. ولكن، كلما تباعدت أكثرعَلت الأصوات بقوّة وحدّة وجرحت أذنيه مثل طعنات سكّين. خشي أن يصرخ. ما سمعه كان صوت تكّات عقارب ساعته.

فتح عينيه ورأى من جديد الماء تحته.” لو فقط أستطيع تحرير يديّ”، فكّر، “سأتخلّص من الأنشوطة وأقفز في الماء، وأثناء القفز ربّما تفاديت الرّصاص، ومع سباحتي بسرعة، سأدرك الضّفّة لأرتمي في الغابات وألوذ بالفرار إلى بيتي. ما يزال بيتي، بفضل الرّب، خارج حدودهم، زوجتي وأطفالي ما زالوا بعيدين عن زحف الغازي.



وبما أن هذه الأفكار، التي يجب أن تكتب هنا في كلمات، ومضت داخل عقل المحكوم بالإعدام، عوض أن تُستخرج منه، أشار النّقيب إشارة برأسه للرقيب. ابتعد هذا الأخير خطوة للجانب.



II



كان بيتن فاركوار مزارعا ثريّا، من عائلة عريقة ومحترمة جدا من ألاباما. وكمالك للعبيد وسياسي، مثل بقية من يملكون العبيد، كان بطبيعة الحال انفصاليّا منذ البداية، وكرّس نفسه بحماس كبير لقضيّة الجنوب. ولكنّ ظروفا ملحّة، لا حاجة لذكرها هنا، منعته من تأدية الخدمة العسكرية مع هذا الجيش الشّجاع الذي خاض حملات كارثية انتهت بسقوط “كورنث”، وشعر بالقهر من هذا الإجراء المعيب، تائقا إلى إطلاق طاقته وإيجاد فرصة للتفرّد في حياة الجندي الأكثر رحابة. كان يشعر بأنّ هذه الفرصة ستأتي، مثلما تأتي للجميع وقت الحرب. وأثناء الانتظار، فعل ما بوسعه. لم تكن هناك خدمة ذليلة في نظره إذا كان بانجازها يساعد الجنوب، ولا مغامرة شديدة الخطورة كي لا يخوضها، إذا كانت ملائمة لكرامة مواطن هو جندي في صميم القلب، والذي يطبق بإيمان بالغ دون إمعان نظر، المثل المبتذل القائل بأنه في الحبّ كما في الحرب، كل شيء مسموح.

ذات مساء، بينما كان فاركوار وزوجته يجلسان على مقعد ريفيّ قرب مدخل أراضيه، تقدّم نحو البوّابة جنديّ يرتدي زيّا رماديّا وطلب كوبا من الماء. كانت السّيدة فاركوار سعيدة بأن تقدم له الماء بيديها البيضاوين. وبينما كانت تحضره اقترب زوجها من الفارس المكتسي بالغبار، وبدأ يتحرّى منه بحماس عن الأخبار الجديدة من الجبهة.

-اليانكيز يصلحون خطوط السكة الحديدية، قال الرجل، ويستعدّون للتّقدّم خطوات للأمام. وصلوا إلى جسر أوول كريك، رمّموه وشيّدوا حاجزا على الضفة الشمالية. أصدر النّقيب أمرا، وهو معلّق على ملصقات في كل مكان، للإعلام بأنّ أيّ مواطن يُضبط وهو بصدد تدمير السّكك الحديدية والجسور والأنفاق أو القطارات، سيُعدم دون محاكمة. لقد رأيت الإعلان.

-وكم يبعد جسر أوول كريك؟ سأل فاركوار.

-نحو ثلاثين ميلا.

-ألا توجد أي قوات على تلك الضفة في النهر؟

-فقط فرقة مراقبة متمركزة نصف ميل أبعد من السكة الحديدية وحارس وحيد في طرف الجسر من جهتنا.

-افترض أنّ رجلا، مواطنا وعارفا بشؤون الشّنق، ينجح في تخطي الفرقة المتمركزة، وربّما التخلّص من الحارس، قال فاركوار مبتسما. ماذا يستطيع أن يحقق؟

ظل الجندي يفكر.

-لقد كنت هناك منذ شهر، أجاب. لاحظت أن فيضان الشتاء الماضي قد وضعت كمية كبيرة من الأخشاب الطّافية، على الرّكيزة الخشبية لذلك الطرف من الجسر. جفّ هذا الخشب الآن وسيحترق مثل الصوفان.

أحضرت السيدة الماء. شرب الجندي. شكرها بمظهر احتفاليّ وانحنى أمام الزوج وابتعد.

وبعد ساعة، عند هبوط الليل، مر من جديد أمام المزرعة وهو يعدو بفرسه نحو الشّمال، في نفس الاتجاه الذي قدم منه. لقد كان جاسوسا فدراليا.



III



عندما سقط للأسفل من فوق الجسر، فقد بيتن فاركوار وعيه، وبدا كأنه ميت. بدا له أنّه خرج من هذه الحالة بعد قرون، تحت تأثير ألم حادّ يضغط على حلقه، متبوعا بشعور بالاختناق. آلام حية وحادّة بدأ اشتعالها من عنقه، نحو كل ليف من جسده وأطرافه. بدت هذه الآلام وكأنّها تتدفّق مثل الضّوء على امتداد تشعّبات دقيقة، وتدقّ مثل نبض، بتواتر وسرعة كبيرة. بدت كأنّها تيّارات من الشّعلات الخافقة تدبّ فيه حرارة غير محتملة. لم يكن واعيا بشيء باستثناء إحساس بالامتلاء -بالاحتقان. لم يكن إحساس واحد من هذه الأحاسيس متبوعا بالتفكير.

الجزء المفكر في كيانه، انعدم تماما. ولم تبق سوى القدرة على الشعور، والشعور كان عذابا. كان واعيا بالحركة. محاطًا بسحابة من الضّوء، والتي لم يكن الآن سوى قلبها المشع، بلا مادّة محسوسة، تأرجح وفق أقواس متذبذبة مثل بندول ساعة كبيرة. ثم، دفعة واحدة، بفجائية مريعة، تصاعد الضوء الذي يحيطه إلى فوق، بفعل صوت رذاذ عال. امتلأت أذناه بهدير مرعب، وأصبح كلّ شيء أسود وباردا. عادت إليه القدرة على التّفكير وفهم بأن الحبل قد انقطع وأنّه سقط في الماء. لم يتفاقم الإحساس بالاختناق، فقط الاختناق النّاجم عن الأنشوطة المربوطة حول عنقه، والتي تمنع الماء من الدخول إلى رئتيه. بدت له فكرة الموت في عمق نهر بعد الشنق فكرة مرحة. فتح عينيه وسط الظلمة ورأى فوقه شعاعا ضوئيا، ولكن كم كان بعيدا، كم كان يصعب إدراكه! واصل النّزول، لأنّ الضوء كان يزداد ضعفا أكثر فأكثر، حتّى أصبح مجرد وميض. ثم بدأ يتكثّف إشعاعه وفهم بأنه يصعد من جديد نحو السّطح. أدرك هذا باشمئزاز لأنّه كان يشعر الآن براحة.فكّر: “أن تشنق وتغرق، ليس أمرًا سيئًا إلى هذا الحدّ. ولكنّي لا أتمنّى أن أُرمى بالرّصاص. لا، لا أريد تُطلق النّار عليّ. هذا ليس عدلا.”

لم يكن واعيًا بأنّه يقوم بجهد، ولكنّ ألما حيّا في معصميه نبّهه إلى أنّه يحاول تسريح يديه. أوْلَى انتباهه إلى هذا الكفاح، كما يشاهد متشرّد عروض بهلوان، دون اهتمام بالنتيجة. يا له من جهد رائع !يا لها من قوة فريدة تفوق قوة البشر! آه! وأخيرا عمل مذهل ! برافو ! ارتخت الأربطة وتباعدت ذراعاه وطفتا فوق رأسه. رأى بضبابية في الضّوء المرتفع، يديه في الجهتين. نظر نحوهما بفضول بينما كانتا تمسكان بالأنشوطة الواحدة بعد الأخرى. انتزعتاها ورمتاها بشراسة، وبدأ الحبل يتلوّى كثعبان بحري. “أعيداها إلى مكانها، أعيداها إلى مكانها” بدا له أنه يصرخ بهذه الكلمات إلى يديه، لأنه بزوال الأنشوطة، تتالت عذابات أشدّ فظاعة ممّا أحسه إلى حد الآن. كانت عنقه تؤلمه بشدّة ودماغه يلتهب، وقلبه الذي لا يخفق إلا بضعف، قام بقفزة كبيرة محاولا الخروج من فمه. كان جسده بالكامل معذّبا وممزّقا باضطراب لا يحتمل، ولكن يديه العاصيتين لم توليا أي اهتمام بأوامره. كانتا ضربتا الماء بصخب شديد، بضربات سريعة موجّهة للأسفل، دفعتاه إلى السطح. شعر برأسه يطفو. بهر ضوء الشمس عينيه. اتسع صدره بتشنّج، وابتلعت رئتاه بعذاب كبير جرعات كبيرة من الهواء أطلقها آنيا في صرخة عظيمة.

وجد نفسه الآن في قمّة امتلاكه لقدراته الجسديّة. في الحقيقة، لقد تحفّزت وتنبّهت بطريقة خارقة. شيء ما في الاضطراب المريع لنظامه العضوي، أثارها ونعّمها إلى درجة تسجيلها لتفاصيل أشياء لم يكن يستطيع ملاحظتها في السّابق قطّ. شعر بموجات الماء الصغيرة على وجهه، وسمع الصّوت الذي تحدثه وهي تلطمه الواحدة بعد الأخرى. التفت بعينيه نحو الغابة على ضفّة النهر، وميّز كلّ شجرة فيها، الأوراق وأوردة كلّ واحدة منها، ولاحظ حتّى الحشرات والجراد والذّباب اللامع والعناكب الرّمادية التي تمدّ شباكها من غصن إلى آخر. لاحظ الألوان البرّاقة لكلّ قطرات النّدى على امتداد مليون ورقة من أوراق العشب. طنين الذّبابات الصّغيرة التي ترقص فوق دوّامات الماء، خفقان أجنحة اليعاسيب، ضربات قوائم عناكب الماء، مثل صوت مجذاف – كلّ هذا شكّل موسيقى مسموعة. انزلقت سمكة أمام عينيه وسمع جسدها وهو يشقّ الماء بقوّة.

صعد إلى السّطح وهو يواجه اتّجاه التّيّار، في لحظة، بدا العالم المرئيّ يدور حول نفسه ببطء، ورأى الجسر والحصن والجنود على الجسر، والنّقيب والرّقيب والضّابطين، معدميه. كانت ظلالهم تظهر قبالة السّماء الزّرقاء. كانوا يصرخون ويومئون ويشيرون نحوه بأصابعهم. جهّز النّقيب مسدّسه، ولكنّه لم يطلق النّار، بينما كان الآخرون غير مسلّحين. بدت حركاتهم غروتسكيّة ومريعة في نفس الوقت، وهيآتهم عملاقة. 

فجأة سمع تفجيرا عنيفا وضربَ شيءٌ ما الماء بخشونة بعيدا عن رأسه ببضعة إنشات، فأحاط وجهه بالرّذاذ. ثمّ سمع تفجيرا ثانيا ورأى واحدا من الحارسين، ببندقيّة على كتفه تخرج من فوّهتها سحابة صغيرة من الدّخان. رأى الرجلُ الذي في الماء، عين الرّجل الذي على الجسر وهي تحدّق في عينيه عبر منظار البندقيّة. لاحظ أنّ العين كانت رماديّة، وتذكّر أنّه قرأ مرّة بأنّ الأعين الرّماديّة هي التي تتمتّع بالنّظرات الأكثر حدّة، وأنّ أشهر القنّاصة لهم عيون بهذا اللّون. ومع ذلك، فإنّ ذاك الحارس أخطأه.



دوّامة معاكسة أدركت فاركوار وأدارته نصف استدارة. رأى من جديد الغابة في الضّفّة المقابلة للحصن. ارتفع وراءه صوتٌ مترنّم واضح وعال، وعبر الماء بصفاء اخترق وسيطر على كلّ الأصوات الأخرى، حتّى ضربات الموجات الصّغيرة في أذنيه. بالرّغم من أنّه لم يكن جنديّا، فقد تردّد كثيرا على المعسكرات ليعرف المعنى المرعب لهذه الأنشودة الموزونة والمتأنّية والملفوظة بملئ الأنفاس: الملازم المتمركز على الضفّة شارك في أشغال الصّباح. بأيّ برود وقسوة – بنغمة ثابتة وهادئة تبشر وتضطر الناس إلى الاسترخاء – سقطت هذه الكلمات القاسية وبينها فواصل مُقاسة جيّدا:

انتباه… استعداد… تسديد… إطلاق !
غاص فاركوار في الماء – عميقًا قدر مستطاعه. هدر الماء في أذنيه كصوت شلاّلات نياغارا، ومع ذلك سمع الصّوت الصّاخب لوابل الرّصاص، وبينما كان يصعد من جديد نحو السّطح، اعترض قطعا لامعة ومسطّحة من الحديد، وهي تتأرجح ببطء في سقوطها. لامست الكثير منها وجهه ويديه ثمّ انزلقت، مواصلة سقوطها. علقت إحداها بين ياقته وعنقه، وبما أنّها كانت تحرقه فقد انتزعها.

وهو يصعد من جديد إلى السّطح، وفمه مفتوح على آخره كي يتنفّس، لاحظ بأنّه بقي لفترة طويلة في الأعماق، كان من الواضح أنّه ابتعد كثيرا مع التيّار واقترب من الملاذ الآمن. انتهى الجنود تقريبا من إعادة تذخير أسلحتهم، فقد لمعت كلّ مدكات البنادق معا، عندما انتزعت من الفوّهات، مُعادةً للوراء ومغروزة في مقابسها. أطلق الحارسان النّار من جديد، كلّ على حدة، ولكن دون نتائج.

رأى الرّجل – الطّريدة كلّ هذا من وراء ظهره. إنّه يسبح الآن بسرعة مع اتّجاه التّيّار. كان عقله نشطا تماما كذراعيه وساقيه. كان يفكّر بسرعة البرق.

-“الضّابط”، فكّر، “لن يرتكب مجدّدا خطأ المبتدئين هذا. تفادي رصاصة واحدة هيّن مثل تفادي وابل من الرّصاص. على الأرجح قد أصدر الآن الأمر بإطلاق النّار كيفما جاء. ساعدني أيّها الرّب، لا أستطيع تفاديهم جميعا!”



انبجست دفقةٌ من الماء على بعد ياردتين منه، متبوعة بصوت عنيف وعاصف وتنازليّ بدا أنّه يعود إلى الحصن عبر الهواء ويذوي في انفجار هزّ النّهر نفسه من أعماقه. ارتفع غطاءٌ من الماء وانحنى فوقه ثمّ سقط فوقه، أعماه، خنقه. انضمّ المدفع إلى الحفلة. بينما كان يهزّ رأسه بعد هياج الماء، سمع القذيفة تغنّي وترتدّ أمامه، ثمّ أبعد، تسحق الجذوع في الغابة.



“لن يكرّروا هذا”، فكّر، “المرّة المقبلة سيطلقون القذائف وراء بعضها. يجب أن أُبقي عينيّ موجّهتين نحو المدفع، سينبّهني الدّخان – فالانفجار يأتي متأخّرا، يتباطأ خلف القذيفة. إنّه مدفع جيّد”.



شعر فجأة أنّه يدور دورانا متواصلا، مثل دوامة. الماء والضفاف والغابات والجسر والحصن والجنود- الآن وقد ابتعدوا – اختلط كلّ شيء وتلاشى. لم تعد الأشياء ممثّلة سوى بألوانها: أشعّة دائرية عرْضيّة من الألوان – هذا كلّ ما رآه. أخذته دوّامة جعلته يتقدّم وهو يدور دورانا أصابه بإغماءة ثمّ بغثيان. بعد لحظات، رُمي على الحصى الرّمليّ على حافّة الضّفّة الجنوبيّة لمجرى الماء، خلف صخرة كبيرة حجبته عن الجنود. أعاد له التوقّف المفاجئ عن الحركة وخدوش إحدى يديه بالحصى، حواسّه وبكى من الفرحة. أقحم يديه في الرّمل، وبدأ يرمي على نفسه حفناتٍ وبارك هذا الرّمل بصوت عال. بدا له مكوّنا من الماس والياقوت والزمرّد، لم يتخيّل أجمل من هذا. بدت له أشجار الغابة مثل نباتات عملاقة في حديقة. لاحظ نظاما محدّدا في اصطفافها، واستنشق عطرها. لمع ضوء ورديّ غريب بين الجذوع، وأحدثت الريح في الأغصان موسيقى كأنها قيثار من ريح. لم تعد لديه أيّ إرادة في مواصلة هروبه، بقي في ذلك الركن سعيدا، إلى أن رأوه من جديد.



أخرجه من حلمه تصفير وجلجلة قذائف بين الأغصان العالية فوق رأسه. رماه جنديّ المدفع المرتبك بوداع طائش. وثب على قدميه واجتاز الركام المنحدر، وارتمى في الغابة.

سافر كامل اليوم مستدلاّ بالشمس الدّائرة. بدت له الغابة لا نهائية. لم يعثر على أيّ فرجة ولا حتّى ممرّ لحطّاب. كان مفاجأ لعيشه في منطقة مقفرة إلى هذه الدّرجة. كان هناك نذير شؤم ما في هذا الكشف.



مع حلول الليل كان متعبا وجائعا وقدماه مدماتين. زادت من حزنه ذكرى زوجته وأطفاله. أخيرا وجد طريقا عرف أنّها ستقوده في الاتّجاه الصّحيح. كان الطريق عريضا ومستقيما مثل شارع في مدينة، ومع ذلك بدا ألاّ أحد يرتاده. لم يكن يحيطه حقل ولا سكّانٌ. يُسمع نباح كلب يشير إلى مسكن. كانت جذوع الأشجار السّوداء تكوّن حائطا صلبا من الجهتين، ينتهي في نقطة في الأفق، مثل رسمٍ بيانيّ هندسيّ. كانت هناك فوق رأسه نجومٌ ذهبيّة كبيرة بمظهر مجهول، مجمّعة في كوكبات غريبة. كان واثقا من أنّها مرصوفة بنظام سرّي وخبيث. كانت الغابة ممتلئة بأصوات فريدة ومن بينها – مرّةٌ، مرّتان، مرّات عديدة – سمع همهمات منطوقة بلغة مجهولة.



آلمته عنقه. عندما رفع يده وجدها متورّمة بفظاعة. علم بأنّ هناك دائرة سوداء حولها حيث تركت الأنشوطة رضوضا. شعر بعينيه محتقنتين، لم يعد بإمكانه إغلاقهما. كان لسانه منتفخا بالعطش. أخرجه من فمه إلى الهواء البرد حتّى يخفّف لهيبه. كم كان بساط العشب في هذا الشارع المجهول مريحا. لم يعد يشعر بالطريق تحت قدميه.

دون شكّ، بالرّغم من معاناته، نام وهو يمشي، لأنّه الآن يحضر مشهدا غير متوقّع. ربّما تعافى من الهذيان بكلّ بساطة. كان يقف أمام بوّابة منزله، وكلّ شيء هناك مثلما تركه. كلّ شيء مشعّ وجميل في ضوء الصّباح. لابدّ أنّه سافر اللّيل طوله. وهو يدفع البوّابة ويدخل إلى الممرّ الأبيض العريض، لاحظ رفرفة ملابس أنثويّة، ثمّ نزلت زوجته من الشّرفة، لطيفة ونضرة بسحنة ساكنة، وجاءت لملاقاته. بقيت تنتظره أسفل الدّرج، بابتسامة فرح لا توصف، بطريقة لا مثيل لها في اللّباقة والنّبل. كم كانت جميلة! يندفع نحوها، بذراعين مفتوحتين. كان سيحضنها، ولكنّه تلقّى ضربة مدوّخة على مؤخّرة عنقه. لمعت حوله أضواء بيضاء باهرة يرافقها دوي صوت شبيه بضربة مدفع. ثمّ أصبح كلّ شيء داكنًا وساكنًا.

كان بيتن فاركوار ميّتا، وجسده، بعنق مكسورة، يتأرجح ببطء تحت عوارض جسر أوول كريك.   



وديع سعادة... بقع زيت

مارس 26, 2019 اضف تعليق



لم نُوقِظِ النسائمَ النائمةَ
فقط مشيْنا
يُرافِقُنا مِلْحُ الفجر
وأصواتُ الكلاب،
ترَكْنا جُزَرًا بكاملِها هناك
وفَحْمَ ملائكةٍ في الأقبيةِ وجذوعًا مكسورةً لآلهة
وأبديَّةً ثكلى،
بُقَعُ زيتٍ مَشَتْ معنا على ثيابنا
وشَحْمُ أحلام
وكانَ في قلوبِ بعضِنا عرباتٌ مُخَلَّعَة
ومواشٍ نافقة،
رافقتنا أصواتُ الكلاب حتَّى غِبْنا
وعلى الدروب، تحتَ أقدامنا
اكتشفنا نوعًا نادرًا
من الأنين.
هَايْ، أنتَ
ها أنا الآنَ وَصَلْتُ
جديدًا طازجًا مثلَ فاكهةٍ لم تَسْمَعْ بها
اعْطِني سيكارة،
معي حكاياتٌ غريبة
عن ملوكٍ ومعارِكَ ومزهريَّات
عن شعوبٍ اكتشفَتْها الرياحُ بالصُّدْفَة
وأسماكِ أرواح
على الرمال
حكاياتٌ لكَ أنتَ وَحْدَك
اعطِني سيكارة،
ومعي أيضًا تلالٌ من السنوات
أريدُ أن أبيعَها
تلالٌ مُشْرِفَةٌ على محيطات
يرقصُ فيها الحيتانُ
مع الغَرْقَى
مُشْرِفَةٌ على خُلْجانٍ يمكنُ فيها بناءُ منتجعات
لأعمارٍ أخرى، جميلةٍ
تلالٌ، تلالٌ
إدْفَعْ ما شئتَ
وخُذْها.

لم نُوقِظِ النائمِينَ ولم نَقُلْ كلمة
فقط سمِعْنا الكلماتِ الأخيرةَ للأبواب
التي كانت تئزُّ عند دخولنا وخروجنا
ومشيْنا
تركْنا صُوَرًا على الحائط
رائحةَ زيتونٍ في الزاوية
أعضاءَ حكاياتٍ على المناشر مَشْكُوكةً مع التبغ
ورأسَكَ يا رياض الذي صار
نيازِك.

مُقَطَّعِينَ مُخَلَّعِينَ واثبينَ
على عُكَّازاتٍ في الشوارع
نَصِلُ بأعضاءٍ ناقصةٍ حيثُ نذهبُ وحينَ نغادرُ
نتركُ بعضَ أعضاء
لنا عيونٌ وأقدامٌ
لا تزالُ هناك
لذلكَ، حينَ نمشي، لا تشعرُ الدروبُ بنا
وإذا انهمرَ مطرٌ تكونُ في مكانٍ آخر
تَدْمَعُ عيون
اعطني سيكارة
من الدُّخانِ تُولَدُ الآلهة
تُولَدُ الكنوزُ والسماواتُ والبهاء،
شوقي صديقي
لكنَّهُ بعدَ قليلٍ سيصيرُ سِكَّةَ حديد
أريدُ فقط قبلَ ذلكَ أن أشربَ سيكارةً معه
كلُّ قطاراتِ سِيدْني تمرُّ في رأسِهِ عَبْرَ "سيدنهام"
وهو على وشك أن ينفجرَ اعطني سيكارة،
وخضْرُ الذي رمى بندقيَّتَه في الجبال ونَزَلَ
صارَ رسالةً بلا عنوان
ينقلونَهُ من بريدٍ إلى بريد
ولا يَصِل،
من الدُّخانِ تُولَدُ الطريقُ
تُولَدُ العناوينُ و البيوتُ
وأصحابُها
من الدُّخانُ يُولَدُ اللهُ هاتِ
سيكارة
سأُرْسِلُ لكَ حينَ أعودُ هِضابًا من التبغ عن مناشِرنا
سلالَ فاكهةٍ وبَيْضٍ
من دجاجاتٍ نُرَبِّيها على حُبوبِ أحلام
وتبيضُ كنوزًا سأُرْسِلُ لكَ بعضَها أيضًا
وذاتَ يومٍ اخترَعْنا
عروقًا للصمت
مشَيْنا نَشُكُّها في أجسادِ الدروب
مشَيْنا في هواءٍ قارصٍ لِنُبَكِّلَ أزرارَ الطُّرُق
وكانَ لَحْمُ صدورِها يرتجفُ
أمامَ عيونِنا
رأينا تحتَ الجسورِ أحشاءَ حياةٍ
وشظايا عيونٍ
تبحثُ عن نظراتِها
إسْمَعْ، رأينا الحياةَ
ترتجفُ تحتَ شجرة
وهَمَّ بعضُنا أنْ يخلعَ قميصَهُ
ويُغطِّيها،
مشَيْنا بصدورٍ عاريةٍ وكانَ الهواءُ
صديقَنا
يأتينا بزهورٍ
ويلعبُ بشَعْرِنا
كانَ الهواءُ يحملُ لنا نظراتٍ
ضيَّعَها أصحابُها
وهُمْ يحدِّقونَ في الشفق.

معنا أساورُ معنا شوارعُ معنا ظلال
معنا هواءٌ و قَصَب
وفي حقائبِنا حفيفُ صُوَرٍ وضمَّاداتُ حنين
وعُكَّازاتُ أصواتٍ تركضُ من جبلٍ إلى جبل،
مَشَيْنا
وكانت ورقةُ لوزٍ أمامَ الباب
نظرْنا إليها
وتابَعْنا.

أنيسُ بعينيه الغَيْمَتَيْنِ فوقَ سهلِ برتقال
بعروقِ أصابعِهِ الماضيةِ نَحْوَ أن تصيرَ
أقلامًا ناشفة
وبقمحِ أحلام
يَنْقُدُها طيرٌ عن فمِهِ،
وغَسَّانُ بعُودٍ عزَفَ عليهِ كُلَّ الطريق
حتَّى صارَتِ الشوارعُ أوتارَه.

لم يكن عندنا غيرُ
رائحةِ تبغٍ وزيتونٍ
حمَلْناها على ثيابِنا ومضَيْنا
مَشَيْنا خفيفينَ
لئلاَّ نُزْعِجَ ندى الطريق
ولم نَحْنِ غُصْنًا
لم نُوقِظِ النسيمَ
لم نُوَدِّعِ الأصدقاءَ لم نَقُلْ كلمة

فقط
مَشَيْنا.

رئيسة التحرير السابقة في "نيويورك تايمز" مُتهمة بالسرقة

مارس 24, 2019 اضف تعليق


اتُّهِمت جيل أبرامسون بالسرقة الأدبيّة في أجزاء من كتابها الجديد الذي يحمل عنوان "تجار الحقيقة: تجارة الأخبار والكفاح من أجل الحقائق"، وهو ادّعاء نفته رئيسة التحرير السابقة لصحيفة "نيويورك تايمز".
وواجهت أبرامسون، في ظهور على قناة فوكس نيوز الإخبارية يوم الأربعاء، تلك الادعاءات، التي انتشرت في وقت سابق من ذلك اليوم على نطاق واسع، بفضل تغريدات مايكل موينيهان مراسل "فايس" وشهدت رواجاً على تويتر.
وسألت المُضيفة مارثا ماكالوم إن كان لدى أبرامسون أي تعليق على الأمثلة العديدة التي قدّمها موينيهان عن السرقة الأدبية المزعومة، فأجابت المؤلفة البالغة من العمر 64 عاماً: "ليس لدي في الحقيقة أي تعليق على ذلك".
وأضافت "كل ما يُمكنني قوله هو أنني بالتأكيد لم أسرق أيَّ نص في كتابي، وهناك 70 صفحة من الهوامش التي تُظهر من أين استقَيتُ المعلومات."
ووصفَت "سايمون إند شوستر" - دار نشر أبرامسون - الكتابَ الذي نُشِر الشهر الحالي بأنه "تقرير حاسم عن التشويش الذي تعرضت له وسائل الإعلام على مدى العقد الماضي،" مُركزاً على نيويورك تايمز وبازفيد وفايس وواشنطن بوست "فيما تشق هذه طريقها عبر ثورة تطول التكنولوجيا، والاقتصاد، والمعايير، والالتزام، والصمود وتضع وسائل الإعلام القديمة في مواجهة الحديثة".
وسلّطت تغريدات موينيهان الضوءَ على ثلاثة فصول تناولَت فيها أبرامسون مجلة  فايس، كما أشارت التغريدات إلى بعض الأمثلة التي بدت فيها النصوص منسوخة من مقالات نُشرت في مجلات نيويوركر وكولومبيا جورناليزم ريفيو وتايم آوت.

وبحسب مراسل فايس، كانت هناك حالات "عدة أخرى" من "الأخطاء الوقائعيّة الهائلة والفقرات الاخرى المسروقة والمزاعم التي تستند إلى مصدر وحيد أو لا تستند إلى أي مصدر."
ودافعت أبرامسون عن نفسها على فوكس نيوز ضد هذه المزاعم، مدعيةً أن شكوى موينيهان تستند إلى رفضه الطريقة التي صوّرت بها الكاتبة مجلة  فايس.
وقالت: "اعترض العديدون في فايس على الكتاب. أظنّ أن الصورة التي رسمتها لـ فايس لم تَرُقهم على الرغم من اعتقادي بانها صورة متوازنة، فضلاً عن إشادتي الكبيرة ببعض الصحافيين فيها وتقاريرهم. أحبّ توجههم الجديد في عرض الأخبار".
وردّ موينيهان على المقابلة التي أجرتها فوكس نيوز مع رئيسة التحرير السابقة لصحيفة نيويورك تايمز من خلال تويتر، مشيراً إلى ان هناك العديد من الأمثلة التي ذكرها عن السرقة الأدبية لم ترد في هوامش كتابها.
وأضاف في تغريدة: "بغضّ النظر، *حتى لو استشهدَت بالمصدر في مكان ما مُخبأ في هذه الهوامش،* فهي لا تزال سرقةً أدبيّة. هذا أمر ينبغي أن تفهمه رئيسة التحرير السابقة في نيويورك تايمز."
وفي وقتٍ متأخّر من ليلة الأربعاء، قالت أبرامسون إنها ستنظر في تلك المزاعم. "آخذ هذه المسائل على محمل الجدّ وسأراجع الفقرات المعنيّة".
العربية© The Independent

عن الشاعر اللبناني الراحل محمد العبد الله قبل ثلاث سنوات

مارس 24, 2019 اضف تعليق
نصري حجاج

في لقاء أخير، حدث مصادفة قبل عامين، أو أقل، في شارع الحمراء في بيروت، دعانا محمد العبدالله إلى الخيام، بلدته الجنوبية الشهيرة، بلدة شعراء ومثقفين كثيرين. كان يحلو لمحمد أن يقول لي إن الخيام رمية حجر من بلدكو يا خيي.. كانت تلك الدعوة ذروة ما يمكن أن تصل إليه محبة غير معلنة، كنت أخشى، في أوقاتٍ سابقة، من أنها غير موجودة أصلاً. تحدثنا في تلك الأمسية عن الشعر، وعن ياسر عرفات، وعن حقوق الشعراء المهدورة لدى المغنين. كنت أتابع ما يكتب محمد العبدالله شعراً ومقالاتٍ في الصحف، وكنت دائماً أرى تميّزه بين الشعراء، فقد استطاع أن يكمش بين يديه كل حميمٍ وشخصيٍّ ورقيق وحزين، يغلي في جسده المهيب. كلما رأيته جالساً في مقهى، أو حانةٍ، أتذكّر إرنست همنغاوي. كان يشبهه إلى حد كبير، وكأن همنغاوي يحمل سمات وجه فلاح جنوبي، لوّحت شمس الجنوب وجهه، وتسرّب التراب الأحمر في الظلال التي تحيط بالحيّز الذي يحتله في المدينة. كانت العلاقة مع بيروت لكثيرين من مثقفي الجنوب، في الستينيات والسبعينيات، ملتبسةً يتخللها خليط من مشاعر الخوف والصراع والجموح، ومحاولة تأكيد الذات، ليس ضمن فئةٍ ثقافيةٍ، بقدر ما كانت مع صورة المدينة عن نفسها. صورة بيروت التي صنعتها رياحٌ هبّت من كل صوبٍ وحدبٍ، حتى ولو لم تكن، في أحيان كثيرة، رياحاً عاصفةً، أو حاملةً لبذور الخصب. 
كنت أحب هذا الشاعر الوسيم، بجسده الضخم وضحكته الصاخبة المحببة، وشهيته الحيوية للطعام والشراب. يجلس هناك في "شي أندري"، يأكل ويحتسي العرق، بمتعةٍ لا حدود لها، وكأن العرق صُنع، منذ الأزل، لمتعته هو لا غيره، ويضحك فيهتز بدنه كله دفعة واحدة، وكأن الضحك لا يكون ضحكاً عبقاً، إذا لم يخرج من صدر عريضٍ كصدره، كي يدل الفرح، المؤقت ربما، إلى دروب الندماء الجالسين في ظلال بؤسهم. وحين تأتي امرأةٌ يحبها، يتحول إلى عاشقٍ رقيقٍ، وفي لحظة يصير طفلاً وديعاً. 
لم أذهب إلى الخيام لزيارته، فقد أخذتني الحياة بعيداً عنه، وعن الخيام. لكني تابعت، بكل الحزن، ما أصابه في الشهور الأخيرة، إلى أن جاء خبر موته الفاجع، فندمت، لأنني لم أذهب إلى الخيام. ليس من السهل أن تكتب عن شعره غير جملة واحدة. أنا أحب شعر محمد العبدالله، وأحب لغته، وأحب الينابيع التي سقى منها كلماته، لتصير بهذه البراءة والشجن العصيّ على شعراء.كثيرين. وهو الذي تكرّرت، في قصائده، جملة سيلتفت إليها قراء شعره والنقاد اليوم، وهي تفصح عن وجله وبراءته في الكتابة، وصدقه وشفافية روحه. انظروا إلى وصفه ما يريد أن يقول: كما يكتب الشعراء، أو كما يصف الشعراء! وكأن محمد العبدالله ينسحب من بوتقة الشعراء، ليُبرز تفرّده وخصوصيته، أو ليقول إن ما يكتبه أبعد من الشعر، وأقرب إلى الروح الصافي والعذوبة الخالصة في اختلافها، وقربها من الأرواح المحيطة به. 
ربما يصنّف محمد العبدالله ضمن دائرة الوصف المستهلك منذ زمن، أي شعراء الجنوب، لكنه وإن كان يغرف بيديه الكبيرتين من مفردات التراب والهواء والحدود القاسية، فهو، في كتاباته المتنوعة السمات والأشكال، يختلف عنهم جميعاً في محامله اللغوية، والأسرّة التي صنعها للقصيدة كي تنام هادئةً مطمئنة، لتعيش أحلامها التي لا تشبه غير حلم الذوبان في مداراتٍ زاهيةٍ بأحزانها الخفية، ومزهوةٍ برغبتها في الحياة، بكل متعها وشبقها ورشفاتها من كأسٍ سوف تشعر بالوحدة على رحيل صاحبها. 
هذا شاعر وإنسان رحل، وكنت أتمنى لو أنني كنت قادراً على الإيغال في كل كلمةٍ من الكلمات التي تركها، تلك الحزينة في صفائها، والصافية في حزنها، لأكتب رثاءً يليق بما وصل إليّ منها من حزن، لكنني أجد نفسي عاجزاً تماماً.

من قتل الفن السابع؟

مارس 24, 2019 اضف تعليق

في أواخـــر ربيع 2007، الى مائــدة في تولوز الفرنسية كان يجلس إليها ويأكل عدد من النقاد والروائيين بينهم جوناثان كو، اختبرت فكرة تراودني منذ بعض الوقت. فقلت لمؤاكليّ: السينما ماتت على رغم صناعة الأفلام المســتمرة وتوافد المشاهدين الى صالات العرض، ولكن السينما ليست أو لم تعد المثال الروائي والسردي الغالب، وانتهت غلبتها غير المنـــازعة طوال قرن من الســنين على مخيلة معظم سكان العالم. وردّ جوناثان كو، وهو يغالب قطعة لحم في صحنه، فقال: السنة المنصرمة، كنت عضواً في لجنة تحكيم مهرجان السينما بأدنبره، وتبارت في المهرجان عشرة أفلام بريطانية ولم يُعرض واحد منها في صالات العرض، وأقول لم يعرض فيلم واحد.

وقلت في نفسي: إذا ماتت السينما حقاً فينبغي أن يكون قاتل تولى قتلها. وحين زرت لوس أنجليس، في الخريف التالي، التقيت وكيلتي الأدبية منذ زمن طويل، ستيفي روزينبلوم، في صالة استلهمت إطارها من لوحة موندريان «مقهى بينو»، غير بعيد من مكتبة لوس أنجليس العامة وعمارتها التي تشبه عمارة بعثة إسبانية. وبدا لي الإطار أشبه بإطار «فيلم (بوليسي) أسود». فحملني الشبه على الإسرار الى ستيفي بأن أمراً، أو أحداً، قتل السينما. وانتظرت ردها السريع على ملاحظتي. فهي ولدت بلوس أنجيليس ونشأت فيها، وعملت في صناعتها السينمائية.

وبعد صمت طــويل قالت: آمل في أن تشـــهد الســينما نهـــاية على شــاكلة نـــهاية المسرح، وتبقى صورة تعبير ثانوية وموقرة، وتحضن أعمالاً مبتكرة... ولكنني اليوم لا أعلم ما رأيي. فسألتها، معولاً على ما قالته: فمن قتل السينما، يا ترى؟

فقالت: قد يكون القاتل مايك أوفيتز وزبائنه وأنواتهم المنتفخة، أو قد يكون التأثيرات التقنية الخاصة والإفراط في استعمال مسدس اللايزر، أو هو أمر غير ظاهر مثل أثر التسويق الملحّ في روح السينما وبيع بضاعة تافهة الى أولاد فتيان لم يبلغوا سن الحلم. وتجاذبنا أطراف الحديث بينما كان كتاب السيناريو بهوليوود على أهبة إعلان إضرابهم. والداعي الى الإضراب هو احتساب الاستوديوات حصة كتاب السيناريو من عوائد مرافق البث وحوامله الجديدة (يوتيوب...). ولاحظت ستيفي روزينبلوم أن جنرالات المعسكرين يخوضون حرباً فائتة، تعود الى ثمانينات القرن الماضي، يوم خسر كتاب السيناريو معركة العائد من إيجار أشرطة الفيديو، واليوم لا يعلم أحد علامَ تدور المعركة.

ولم يغب عن بالنا نحن الاثنين أن مبيعات ألعاب الفيديو، في 2007، فاقت عوائد السينما. ومذ ذاك، بلغت عوائد أفلام عرضتها صالات كثيرة الشاشات، مثل «أفاتار» ومشتقاته، أرقاماً قياسية، وبعثت أعداداً كبيرة من المراهقين على القعود في مقاعد الصالات قبل العودة الى بيوتهم وأجهزة «إكس بوكس» (ألعاب الفيديو).

وحين سألتني محادثتي عمّا أنوي فعله، إذا صح أن ثمة من قتل السينما، وجدتني في حيرة من أمري. فأنا كاتب كتب، على ما يسمى أمثالي في الولايات المتحدة. وهذه الجماعة من الناس لطالما اتهمت السينما بقتل الأدب الروائي، ورمي الرواية في أزمة قاتلة. وعليه فرأيي في السينما وموتها مريب، والداعي إليه هو الثأر، على ما يحسب أهل السينما، أو الغيرة. وحصة السينما، على طريقة «مترو غولدوين ماير» وقصص الحب والمال والجنس والشهرة، كانت غالبة. ولا يحصى الروائيون الذين تبتلعهم رمال السينما المتحركة. وهؤلاء المغفلون لا يعرفون نصيحة مارتن أميس الحكيمة الى كتّاب الكتب: «لا تحسبوا أن أحد أعمالكم اقتبسَته السينما ما لم تتولوا إيجار الفيديو».

والأرجح أنني لست الشخص المناسب لتعقب قتلة السينما. وسألت نفسي عما إذا كنت أحببت السينما فعلاً في يوم من الأيام، قبل أن يذهب بي الفكر الى طفولتي ومراهقتي وسنوات رشدي الأولى، يوم كانت السينما أداة تناول العالم ووقائعه وحوادثه، ومعين اسلوب كثير الوجوه، وتسلية وتـــسرية عن النفس، ومصدر مراجع مشـــتركة، معاً وفي آن واحد. ولولا هذا الركام من المراجع السينمائية المشتركة - ونظيرها من المراجع الموسيقية - لما ربط بين زملاء جيلي رابط جامع ومتماسك، ولما كنا جيلاً واحداً ومعاصراً. فما يجمعنا هو ستيف ماكوين يقذف كرة بايز - بول على جدار زنزانة، ولورين باكال تقرِّب شفتيها الواحدة من الأخرى قبيل إخراج الصفير من فمها، وأنتوني هوبكينز يلتهم حبات فول غير مرئية... كانت السنيما ملابستنا العالم، والمرآة التي نتحقق فيها دائرة رأسنا وليس طرف قبعتنا.

وعلى رغم المداومة على صناعة أفلام جيدة، وبعضها ممتاز، خسرت السينما صدارتها الثقافية. وعندما أسترق السمع الى مناقشات أولادي، وهم في العشرين من العمر، مع أصحابهم وأصدقائهم، أرى أن السينما لا تتبوأ محلاً متصدراً من حياتهم. فهم في قلب دوامة من الصورة المتحركة مصادرها هي التلفزة والحواسيب وألعاب الفيديو والهواتف. وأما الشاشة الكبيرة فتطوف بعيداً، وتسبح شبحاً لا يوقظه إلا فيلم مشهدي كبير. وموجة الأفلام الجديدة بأبعادها الثلاثة مخرج يليق بأفول السينما المتجدد. والسينما كانت أول أمرها مشهداً خالصاً وبسيطاً. وتروي الأسطورة أن أوائل المتفرجين أرعبهم هجوم قطار سكة حديد على رؤوسهم. وتحاول هوليوود اليوم بعث مزيج الاحترام والخشية نفسه في نفوس المشاهدين. ويشاء طالع الاستوديوات التاعس أن الجمهور، ولو اقتصر على أولاد وأحداث، لا تأخذه هذه المشاعر.

ولم يتردَّ الإنتاج وحده، بل أصاب التردي التوزيع. فديفيد لينش، وهو «كاتب» أفلام حقيقي، قال لي إن ما دعاه الى تولي توزيع شريطه الأخير، «إينلاند أمبايَر»، بنفسه هو انهيار شبكة الصالات وصيغتها، وتقلُّص مبيع الأقراص المدمجة، ونزوح الصور الى الانترنت. ويدوم شريط لينش الأخير 3 ساعات، وهذا يثبط همة الموزعين.

ونعى لينش موت صالة العرض، وآلة الضوء المنيرة والجمهور الصامت والصوت الواضح. فهذه شروط مشاهدة تليق بالأعمال السينمائية. وما يتبدد مع موت الصالة هو تجربة مشتركة، على شاكلة اقتصار البث على ثلاث أقنية هيرتزية. فيشاهد الجمهور البرامج نفسها، ويتحادثون فيها. والى الثمانينات من القرن الماضي، كان الواحد على يقين تقريباً من أن الناس كلهم شاهدوا الأفلام نفسها في وقت واحد.

ويقر مايكيل لينتون، صاحب «سوني بيكتشيرز» والمقيم بكولفير سيتي في قلب هوليوود، بأن السينما فقدت وقعها على الجمهور وإدهاشها إياه ومفاجأته، على نحو ما خسرت بعض دلالتها الاجتماعية. فهو، شأني، شب على مشاهدة افلام السبعينات والثمانينات النقدية. وهي حقبة ابتكار كان ابتداؤها مع «شاينا تاون» وختامها مع «أبوكاليبس ناو». و لكن شاغل الباشا المعاصر هو مسجلات الفيديو الرقمية على شاكلة «تيفو». وهو يلاحظ أن 60 - 70 فيلماً كانت تنتج في السنة الواحدة. ويبلغ عددها اليوم 400 فيلم.

وخلف النقاد الثاقبون، من أمثال ديليس بوويل في «سانداي تايمز»، كتبة تعليقات تافهة. وسبق أن لاحظت الأمر حين كنت ناقداً في «إيفينينغ ستاندارد». وأذكر أنني حين كتبت مقالي تعليقاً على «ماتريكس ريلوديد»، الشريط الغبي والمضجر، أيقظني رئيس التحرير في السادسة صباحاً، وأصر عليّ أن أقسم على أنني شاهدت الفيلم الى آخره، ولم أغادر الصالة في منتصف العرض، على ما يزعم منتجوه الذين رأوني مغادراً. والحق أنني قصدت المرحاض دقائق قليلة، ولم يرني مندوب الدعاية لدى شركة الإنتاج حين عدت الى مقعدي.

* روائي، عن «تايمز» البريطانية، 25/9/2010، إعداد وضاح شرارة
| منذ 5 أكتوبر 2010 / 17:26