الرواية العربيَّة .. لسان حال الشعوب المقهورة

شاكر الإنباري


لقد شهدت الرواية العربية طفرة في عدد ما يصدر منها خلال السنوات العشرين الأخيرة، قبل أن تنشأ الجوائز لها، ولهذه الظاهرة أسباب كثيرة أهمها خروج المجتمعات العربية من سباتها، مما جعل من الشعر والقصة قاصرين عن ملاحقة التفاعلات العميقة في أحشاء المجتمعات العربية.

ونعرفُ أنّ هذين الفنين كانا مهيمنين على ساحة الإبداع، وعلى ذائقة القارئ، حتى سنوات قريبة. ولأن تلك التفاعلات كانت ضخمة، ولامست طبقات المجتمع كلها، لم يعد للقصة، ولا للشعر، القدرة على استلهامها فنياً، وجاءت الرواية بديلًا، أو رافداً عملاقاً مواكباً للشعر والقصة. وما لبثت أن طغت عليهما، لقدرة الرواية على رصد الأصوات المتعددة للقوى الفاعلة، واستيعابها لإمكانية الحوار وتعدد الرؤى حول الاشكالات المستعصية، سواء لكتلة بشرية بعينها، أو لفرد يعاني اغتراباً وجودياً عن واقعه، وعن دهاليز السلطات المهيمنة على قدره اليومي. وتزامن هذا التطور الإبداعي مع طفرة في الطباعة، وسهولة التنقل، وتوافر وسائل إعلام ثقافية غير مسبوقة، كالمجلات الأدبية المتخصصة والصحافة اليومية والفضائيات، ولاحقاً وسائل التواصل الاجتماعي وعلى رأسها الانترنت. ذلك كله دفع إلى قيام موجة ترجمة تسونامية لما يصدر في اللغات الأجنبية، خصوصاً أن معظم دور النشر يتكالب على ترجمة الروايات، وغيرها من حقول الفكر والإبداع، كونها عملية مربحة أكثر بكثير من الكتاب محلي التأليف. حركة الترجمة حملت أيضاً طابع التبعية للثقافة الأجنبية، وأدخلت القارئ العربي في سحر الذائقة الغربية، وهي لا تنفصل عن التبعية الفكرية والصناعية والإبداعية التي نعيشها اليوم. ولأن الرواية العربية حديثة العهد، ضمن التراث السردي العربي، فهو ما حدا بالكثير من نماذجها إلى الفشل لدى مقارنتها مع الروايات المترجمة التي تمتلك قروناً من التجربة، والنقد، والنظريات حول البناء والبطل والحوار والوصف والأحداث. كما أن الحكم بنضوج رواية عربية ما، دائماً ما يرتكس لدى القارئ الخبير، نحو روايات أساتذتها في العالم، مما صار يستجلب الاستهانة، والتقريض الحاد لها، وهي ظاهرة غير مستغربة، فنحن عادة ما نرى المستهلك العربي يقارن بين سلعة محلية وأجنبية، لتكون الكفة الراجحة للسلعة المستوردة طبعاً. فحداثتنا ما زالت طرية العود، تحبو خارجة من كهوف التحريم، والمنع، واحتقار الحياة والجسد، على الصعد كلها.
ورغم الاخفاقات، والسلبيات البنيوية في الرواية العربية، إلا أنها نجحت في ملامسة النبض السائد في مجتمعها، والغوص في جل المعضلات المجتمعية والانسانية، حتى أنها تقترب أحياناً من أن تكون وثيقة مهمة لفترة زمنية محددة. تمتلك مصداقية عالية إذا ما قورنت بالتاريخ الرسمي، والرؤية الحكومية التي تغطي عادة على الأزمات، وتخلط الأوراق، وتجير الأحداث كي تصب في صالح سرديتها الإعلامية والجمالية والتاريخية. نجحت في جلب موضوعاتها من قاع المدن والقرى، ومن الهواجس المكبوتة للفرد، والصراعات الروحية والأهواء المقموعة. فكانت هناك روايات عن الصراعات الطائفية، والهجرات البشرية، والحروب، والسجون الغاصة بالضحايا حيث يمارس أقسى أنواع التعذيب، وحياة الغربة والمنفى، علماً أن روايات كثيرة استلهمت التجربة الذاتية للكاتب في صياغة عالم الرواية.
هذا ما جاءت به روايات جعلت من الثورة السورية، والحياة اليومية في ظل الحرب، ومأساة الهجرة المليونية، موضوعاً لها. وكذلك فعلت روايات عراقية كثيرة أضاءت بأحداثها الاحتلال ومآسيه، والحروب الطائفية والقومية المحتدمة للسيطرة على الشارع، ونزوح الملايين عن المدن، وموضوعة اختطاف النساء، وتدمير الذاكرة، وعبثية القتل في الواقع اليومي للمدن والبلدات. ويصح ذلك في روائيين مصريين كتبوا يوميات الثورة المصرية، وروائيين لبنانيين توغلوا في رواسب الحرب الأهلية التي اشتعلت ذات يوم وتواصلت لسنوات سود ما زال جمرها يتلظى تحت الرماد. بالتأكيد لم تحقق كل تلك الروايات الشروط الفنية للرواية، لكنها رغم ذلك ضخت للقارئ العربي تجارب مهولة، صادقة، منفتحة على أساليب الرواية العالمية، شرقاً وغرباً، ويمكن أن تعتبر عقلاً جمعياً يسترجع الكوارث التي عاشها أبناء الأرض خلال العقدين الأخيرين.
ذلك الكم الهائل من الإبداع الروائي لم يكتب من أجل الجوائز بالتأكيد، بل يمكن تفسيره على أنه حاجة روحية، جماعية، لمجتمعات أريد لها أن تظل صامتة، تبلع لسانها وتتفرج على مسرح العرائس السلطوي الذي كشف عن وضاعته، وجهله، ودونيته، وبربريته في التعامل مع حقوق الانسان المشروعة في العدل، والحرية، والكرامة البشرية. شجعت الجوائز كاتب الرواية على المثابرة، وخلقت لديه الأمل في الشهرة والثراء، والترجمة إلى لغات أجنبية، وحاولت أن تضع، بشكل ما، شروطاً إبداعية بمستوى مقبول فنياً. لكن في الوقت ذاته، لم تخل تلك الجوائز من سقطات شاعت في الوسط الثقافي، كالمحاباة ومزاجية لجان التحكيم، وتقوقع تلك اللجان على ذائقة نقدية قد تكون غير مؤهلة ثقافيا، وموسوعيا، في أن تقرر المصائر الفنية للنصوص. وهذا ما يلمسه القارئ في بعض الأعمال الفائزة التي لم ترتق إلى سوية فنية مقنعة.
إن فوز عمل ما بجائزة، لا يجعل منه معياراً فنياً لكتّاب الرواية، علماً أن ثمة روايات لم تُهيأ لها الفرصة للوصول إلى طاولة التقييم، في ظل معايير شعبوية، وولاءات آيديولوجية، لا تنتمي، أحياناً، إلى النص الفائز، أو المستثنى من الفوز. لكل ذلك، فمستقبل الرواية لا تقرره الجوائز، إذ أصبحت لسان حال شعوب مقهورة، لا تختلف لديهم الحياة عن الموت. تحولت إلى حاجة روحية تدفعها كي تنظر إلى المرآة، مرآة التاريخ بكل تفاصيله، بكل عثراته ومحرماته، وتنظر في مرآة حاضرها الممزق، المظلم، علها تستطيع الوصول إلى أغنيتها الخاصة. 
أغنية المدن المهدمة على رؤوس أبنائها، وأغنية الفرد فاقد البوصلة، وأغنية البارود وهو يغطي السماوات، وأغنية الأسر المشردة بين البلدان، حيث لا ضوء في الأفق.
الرواية هي أغنية البجعة قبل أن تموت واقفة.

2019-02-20

ليست هناك تعليقات