728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الثلاثاء، 19 فبراير 2019

    أتذكر كلما تذكرت المخيم

    نصري حجاج

    سيرة الأشجار في مخيمنا
    منحتنا الأشجار السابقة لوجودنا في المخيم أسماءها، لنطلقها على بعض حاراتنا أو ملاعب طفولتنا. كانت حارة شجرة الجميز أشهر من حارة جامع الشيخ عمر الموعد الملاصق، وهو أول جامع شيّد في مخيمنا على نفقة عمر الموعد الذي لم يكن شيخاً فقيهاً، ولا عالماً في شؤون الدين، لكنه بنى جامعاً قريباً من بيته، وصار مؤذنه يدعو الناس إلى الصلاة في يوم الجمعة، ويخطب فيهم خطبةً بسيطة، بساطة قلوب اللاجئين وأحلامهم. لم يكن الناس وقتها بحاجةٍ إلى الكلام المعقد والمخيف عن الله والجنة والنار، فقد كان حلمهم لا يزال طازجاً وحيوياً في أن يعودوا الى البلاد. كان الشيخ عمر خير شيخ لهذه المهمة، في تلك المرحلة من زمن اللجوء. ولذا كان من أوائل حاملي السلاح في صفوف "فتح"، حين أبطأت الخطوات للعودة.
    كانت شجرة الجميز باسقةً وكريمةً في ثمارها، حتى أنني أستطيع القول، بلا مبالغة أو رومنسية ساذجة، إن أهل المخيم جميعاً أكلوا من ثمارها عسلية المذاق، حتى القاطنين في الطرف الشرقي من المخيم، مثلنا كنا نسير إليها في موسم القطاف في الجهة الغربية الجنوبية لنتذوق ثمارها المباركة. وقد ظلت الجميزة (هكذا كان اسمها) تطرح ثمارها إلى أن قصفت إسرائيل المنطقة، ودمرت مركزاً لحركة فتح، كان يستخدم إذاعة محلية، وقتلت الطائرات الإسرائيلية تلك الجميزة من جذعها الضخم الذي حسبنا، نحن الصغار، أن لا قوة يمكنها أن تهزمه، ولم يكن خيالنا قد وصل وقتها إلى قوة طائرات الفانتوم. ظلت قرمية الجذع هناك شاهدةً على أحلامنا وحلاوة العسل الذي كنا نتذوقه من ثمار الجميزة إلى أن جاء الاجتياح الكبير عام 1982، فسحق البيوت والأشجار، ثم توسعت مساحات البيوت، واقتربت من الطرقات، ولم يعد للجميزة من أثر إلا في عقولنا، نحكي عنها كلما أوشك المخيم أن يندثر برمته.
    في خمسينات اللجوء، ميزت أشجار الخروع حواكير بيوتنا. لا أدري إذا ما كان الناس زرعوها بإرادتهم، أم إنها كانت جزءاً من المكان، فهي شجرة مثمرة، لا تؤكل ثمارها، وربما الفائدة التي حصلنا عليها من هذه الشجرة كانت لاستخدام أوراقها العريضة الخضراء، المائلة إلى الحمرة في ضمادة حروق الكي، لدى عجائزنا، وفي عناقيدها التي تحمل بذوراً جميلة موشحةً بالأحمر عندما تجف، فنبيعها إلى أشخاصٍ غامضين، يأتون من خارج المخيم، ليشتروها منا بقروشٍ قليلةٍ، ليصنعوا منها شربة زيت الخروع التي كانت من أكثر الأدوية شعبيةً، لتطهير المعدة والأمعاء من الديدان والفطريات التي كانت منتشرةً بين أبناء المخيم والمناطق الفقيرة، بسبب تلوث مياه الشرب على الأغلب.
    مجموعة أشجار الكينيا العملاقة التي كانت تشكل ما يشبه غابةً صغيرةً بمحاذاة السكة الحديد للقطار الذي كان يصل لبنان بفلسطين قبل النكبة كانت ملعب الطفولة الأثير، لجميع أولاد المخيم من كل الحارات، حتى الأولاد من الحارات المتخاصمة كانوا يجتمعون هناك، وخصوصاً في أيام الجُمع، ليشاهدوا عرضاً لمشاهد من فيلم طرزان، يؤديها إبراهيم مرعي من قرية الصفصاف الذي كان يشبه، بشعره المصفف إلى الخلف، الممثل جوني ويسمللر الأشهر في تمثيل دور طرزان في السينما الأميركية. هناك، كنا جميعاً نصفق لطرزان، وهو يقفز من غصنٍ إلى غصن، متعلقاً بغصن طري، وهو يطلق صيحته الشهيرة.
    غالباً ما كانت بيوت المخيم في بدايات اللجوء مسيجةً بأغصان الشجر الميت الذي كانت النساء يجمعنه من البساتين القريبة. ظلت أسيجة الحطب الهشّة تدخل الطمأنينة للقلوب، وتستحضر القرى الغائبة إلى أن حدثت حرب يونيو/ حزيران 67، فرأت لجان الدفاع المدني إزالتها خوفاً من حرائق الحرب، فانكشفت البيوت، ولم تأت الحرب إلى بيوتنا، فقد انتهت بهزيمة قبل الانتهاء من إزالة الأسيجة.

    عن الفايسبوك

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: أتذكر كلما تذكرت المخيم Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top