عشرةُ كتّاب في عشرِ وصايا

ترجمة محمد رشو


1-  لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.

(مارتين هارت، 21 شباط 1988)
وأنا طفل كنتُ أراها على الدوام وصيةً ساحرة. كان هناك ربٌّ واحد، نقطة وانتهى الأمر. لم يكن الأرباب الآخرون موجودون وثمّ لم يكن هناك حاجة أبداً، وفقاً لفكرتي، أن تُذكّر بذلك. الربُّ لا يشكّل الآن أيّ شيءٍ من وجودي. ولا حاجة لديّ أصلاً كي أنكره، ولكن ليس لديّ البتّةَ تلك الفكرة أن هناك مثل هذا الشيء ككائنٍ أسمى. ومع ذلك أظلُّ بإستمرار أقاوم  الربّ الذي كان في شبابي، لم أتحرر منه بعد. مؤخراً قال لي أحدهم: «في الرابعة عشرة من عمري فكّرتُ ذات مرّة: إن هذا كلّه محضُ هراء، ومن حينها لم أعد أفكّر في الأمر ولو للحظة. أما أنتَ فتظلّ تفكّر في ذلك، متذمراً، شاكياً باكياً.» سأترك ذلك وراء ظهري، لكن الأمر وعلى يبدو لن ينجح. وهذا ما هو غريبٌ أشدّ الغرابة: عندما أجلس على الدراجة، وأدندن مصفّراً بشيءٍ ما، لا يكون إلا مزموراً من المزامير. على الرغم من أنني أحبُّ كثيراً الموسيقى الكلاسيكية، هناك سأشعر بحضور الربّ: عندما أستمعُ إلى باخ. لا يزال باخ بالنسبة إلى الحجّة الأقوى للمسيحية. موسيقى باخ موحيةٌ، إلى درجة أنك ستعود على عجلٍ لتفكّر: لا يمكن أن تستند ببساطة على لا شيء؟ إلى هذا الحدّ أستطيع أن أمضي. لا أبعد من ذلك.

****

2 - لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتاً، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ.

(ماريان بيرك، 24 كانون الثاني 2004)
كنتُ في الثامنة عشرة حين رأيتُ لوحات سيزان لأول مرة. نفذتْ إلى داخلي على الفور، بلا لفٍّ ولا دوران لتتركني وراءها مشحونةً بعاطفةٍ هائلة. في الليل كنتُ أقرأ رسائل ريلكه. كتب عن تفاحات سيزان وثمرات الكمثرى وفكرّتُ حينئذٍ وبسرور: ما يزال بإمكانكِ أيضاً أن تكتبي عنها! الفنُّ التشكيلي، الأدب، الموسيقى!الجمالُ يضمن لك أن تخرج من ذاتك، عندما أكونُ مكروبةً مغمومة، تساعدني الموسيقى على أن أقفَ على ساقيّ من جديد. يمنحني الفنُّ كل ما يوعدني به الدِّين.



***

3- لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً.

(ألفريد بيرني، 2 أيلول 2017)
الهرجُ والمرجُ، على التويتر وعلى كل هذه المواقع الغريبة، حول زفارت بيت، الرب، الله والنبي، التصريحات الجنسية، المشادات الكلامية مرة بعد أخرى: لا يشعرني هذا على الإطلاق أن الأمور على ما يرام. أتعلم ماذا؟ لا يعرف الكثير من البشر كيف ينبغي عليهم أن يعيشوا. إنهم صغار، وبلا عون. عندما كان ألدوس هكسلي (1894-1963)، الكاتبُ والشاعرُ، القدوةُ الكبيرة للهبيين، يرقد على فراش الموت، سألوه: «كيف سنستمر؟ ماذا تستطيع أن تمنحنا بعد؟» أجاب هكسلي: «كونوا لطفاء مع بعضكم البعض قليلاً. هذا ما هو صعب بما فيه الكفاية.» والأمر كذلك. أعلم، إنها قوة الزهرة، عقيدة ذلك الوقت، لكني لا أشعر أبداً بالخجل من ذلك. أنا الآن وللأبد من هذا الجيل.


***
4 اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ.


(مينسيه فان كيولين، 14 حزيران 2003)

كان السبتُ استثناءً لأنني كنتُ أعلمُ أن الأحد آتٍ بعده لا ريب، ومن ثمَّ سيكون اليوم كلّه عطلة. لكن في الأحد كان يتبدّد ذلك الشعور كلّه، لأنني كنت أعلم أن الإثنين آتٍ بعده لا ريب، وأنه كان عليّ من ثمَّ أن أعود إلى المدرسة من جديد. هذا طبعٌ ما أزالُ أعاني منه: بالتفكير في كلِّ ما يمكن أن يقع، أكونُ قادرةً على أن أفسد كل شيء خيّرٍ حولي الآن.




***
5-  أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ.

(هيلين فان روين، 6 تشرين الثاني 2004)

لستُ غاضبةً من أبي. أو لنقل بلى؟ ربما كنتُ، بتجاهلي له، قد أظهرت حقّاً أنني كنتُ غاضبة. الغضبُ الصامت. لم أكن حاضرةً أثناء جنازته. لم أرغب أبداً في أن أذهب إلى المكان الذي قفز فيه إلى الماء. أنتَ على حقّ، لديّ ميلٌ إلى أن أضحك على الأمر كله، أن أستهزأ وأسخر. تقرأ ذلك في «ربة المنزل السعيدة»، ولكن أيضاً في الحوارات التي أجريت معي: ماذا عليّ أن أفعل بعلم النفس هذا الذي يمارسه الهواة؟ كيف يمكن لفتاةٍ بلغت الثلاثة عشر عاماً أن تتعامل مع انتحار أبيها؟ أخبرني أنت من فضلك. أنا لا أعرف. أعرف فقط ما فعلتُه أنا حينئذٍ. لقد قلتُ: أنت لم تعد موجوداً بالنسبة لي.

بالكاد أملك ذكريات عنه الآن. لقد قالت والدتي ذات مرة أنه كان يفضّل أن يكون عنده صبي. لم ألاحظ أيّ شيءٍ من ذلك. وبالأحرى، لم ألاحظ أي شيء آخر عليه. أتذكر خصوصياته – الخنافس التي كان يجمعها على البلكونة، اندفاع روحه، أفكاره – لكن لا شيء من هذه الذكريات كان مرتبطاً بي. بسبب قصيدةٍ واحدة في ألبوم الشعر، الدفتر الذي كانوا يدوّنون فيه أبيات نظم من أجلي، كنتُ قد طبعتها أيضاً في «ربة المنزل السعيدة» («في هذا اليوم الكئيب، حيث لم يكن للشمس أن تسطع، لحنٌ جميل لخريت الصغيرة. لهيلين التي تعرف رغبتها في أن تعوم إلى درجة أنني سرعان ما أنغمس في الكتابة. كيفما أراها جميلةً بشكل رهيب، تراه هي جميلاً أيضاً. الصورة قد ألصقت. كوني على ما يرام وأعلمي أن نظم الشعر ليس مهنة أي أحد، بل وعقابٌ
أحياناً لكثير من البشر. بابا»)، بسبب القصيدة تلك كنتُ أعلم أنه قد رآني، أنه قد لاحظ وجودي، ولكن … آخ، إنه لأمرٌ محزنٌ للغاية. ألاحظ أنّ آلية الدفاع كانت قد دخلت حيز التنفيذ على الفور إثر انتحار أبي. لا أريد أن أحبس هذا في داخلي، لا أريد أن أمضي نحوه… كل تلك الصور، التي لا تختفي. كيف كان له أن يتركنا وراءه مع مثل تلك الصور السيئة؟ إنه أمرٌ دنيءٌ جدّاً، قبيحٌ جداً، مؤلمٌ جداً … لا، أنا لا أبكي على تلك الفتاة. تلك الفتاة هي أحد الناجين. أنا أبكي عليه هو، على بؤس خاتمته، على أمي، على شقيقتيّ، على عائلتنا. ما من شيءٍ قد انتهى حقّاً. لم نتعافى من الضربة بعد. لا أظنّ أننا سنجتمع معاً مرة أخرى. لم يكن الأمر انتحار أبي وحسب، بل كل تلك المقدمات التي أوصلتنا لذلك. الزواج التعيس، الذي بلا حب. كانت عائلتنا معقلاً للبؤس نفسه. إنه تاريخٌ تراجيديٌّ كبير لم يسفر عنه أي شيء جيد … حسناً، ربما كتابٌ وحسب، وحماسي هذا كي أنجزه على ما يرام.

***
6 - لا تَقْتُلْ.
(فونّي فان دير مير، 18 أيلول 1999)
لم يعد القتلُ الرحيم مستهجناً، لم يعد ممكناً الحديث عن المعاناة بعد الآن. هذا ما لاحظته حينما مرضتْ أمي. في لحظةٍ ما أصبح جلياً أنها لن تتحسن بعد ولن تتعافى، مسألةُ أسابيع أو أشهر. أختي وأنا قررنا أن نرعاها. في يومٍ من الأيام كنتُ جالسة بجانبها في الحديقة. رنّ الهاتف. سمعتُ أمي تتكلم: «أجل، أجل، كيف الحال … ماذا عليّ أن أقول عن ذلك؟ إنه شديد الوطأة. أجل، أنا آكل، بلى، لكنني غالباً ما أشعر بالغثيان أيضاً…» كان هناك صمتٌ للحظة وحينها أردفت، وبنبرةٍ أخرى: «أجل، هذا ما أعلمه تماماً …. بالطبع، لقد اتفقنا على ذلك أيضاً.» على ما يبدو أنه قد أُقترح على الطرف الآخر من الخطّ أنه لا حاجة لأن تدوم معاناتها بلا نهاية. بكلماتٍ أخرى: سجّلْ في دفتر مواعيدك إذن، إن كان الأمر شديد الوطأة عليك. هذا ما وجدته محيّراً. كانت أمي تقول وطوال أعوام أنها سوف تختار الموت الرحيم، ولكن في النهاية تجرأت مع ذلك أن تستقلّ حتى عن رعايتنا لها، وحضر الطبيب بينما كانت ترقد على فراش الموت. أنا أرى أنه بطلٌ من ينال موتاً معلوماً متفقاً عليه. يظلُّ صعباً أن تتخيل كيف هو الأمر، كأن يقول أحدٌ ما لك: «إنه صيفٌ جميل، لكنك لن تدرك الخريف.» كلُّ شكوى، كل أمنية – مهما كانت سخيفة – تكون جائزة بعد ذلك. أتذكر كيف أن أمي كانت قلقةً بشكل رهيب حول مجففة الملابس. فكّرتْ: سأكون ميتةً بعد قليل وفون لا تعرف كيف يعمل الفلتر وثم سيتفتت هذا وتنعطب المجففة التي لم نقتنيها إلا منذ سبعة أعوام … لذلك نادت عليّ أن أقترب منها لتبدأ قصةٌ مليئةُ بالتفاصيل حول الأزرار،
الفلترات، ووبر الملابس وكيف ينبغي علي أن أتصرّف مع كلّ هذه الأشياء. «حسناً، والآن هل فهمتِ؟» «أجل، لقد فهمت.» فعلتُ كل ما كانت قد طلبتْ مني، عدتُ إلى الطابق العلوى وقلت:   «الوبر أُخرج كله، والفلتر نظيفٌ من جديد.» كان عليّ أن أقهقه على الأمر لكن أمي ضحكت أيضاً، ضحكةً حلوة، كانت ممتنةً لي. الأسابيع الأخيرة من حياةِ أحدٍ ما لن تمضي في الألم وكيف يمكن التخلص منه، ولكن في الرعب أيضاً، الرعب الذي يصيبك من المكوث بجانب أحدٍ ما. من الإصغاءِ. من التقليبِ معاً في ألبوم صور. من كيِّ شلحةِ النوم. من تقطيعِ صندويشة، وبالضبط كما يريد هو.

7 - لا تَزْنِ.

(ليو فرومان، 31 كانون الأول 2011)
كان عام 1938. كانت تينيكا في السابعة عشرة. كنتُ في الثالثة والعشرين. حينما كانت تنظرُ إلي، كنتُ أرى مستقبلاً. مستقبلنا. ليس بالتفاصيل كلها بالضبط، كما تجلس الآن مقابلي على هذا الكرسي، لكنني لم أكن أستطيع أن أتخيّل حياةً بدونها. كنا قد تبادلنا قبلات في الفم لمرات قليلة. ولكن وبسبب الحرب، سيستغرق الأمر تسعة أعوام قبل أن يكون بمقدورنا أن نصل إلى مرادنا (ليو فرومان وتينيكا سانديرس تزوّجا في 10 سبتمبر 1947 في نيويورك حيث كان قد استقر بعد الاستسلام الياباني،). تعتقد تينيكا أن الأمر كان جيداً بالنسبة لها، عندما تعارفنا، لم تكن هي جاهزةً لمثل هذه
الأشياء. أنا خضعتُ لذلك. كما خضعتُ لتلك الرحلة. كان الأمر كما لو  أن القدر كان يرتب كل شيء لي. بقينا نتراسل لمدة عامين قبل أن نلتقي. تلك المراسلات كانت تجعل من الأشواق أكثر ضراوةً. لقد جمعنا هذه المراسلات، حزمناها داخل أغلفة من البلاستيك وتركناها لتُجلب إلى متحفٍ ما. نأمل أنها ما تزال قابلة للقراءة كما نأمل ألا تُفتح هذه الرسائل قبل عام 2025. إنها فاحشة إلى حدٍّ كبير. مع رسوماتٍ إلى جانبها. كانت وسيلةً للتعويض عن فقدان التواصل الجنسي، على ما أعتقد. وربما كنا مقدّرين لبعضنا البعض، لا أعرف. تينيكا عملية أكثر مني. تظنّ أننا كنّا محظوظين على وجه الخصوص. أنا أعتقد أننا نملك حظّاً طيباً مع أقدارنا.

***
8- لا تَسْرِقْ.


(ماريكي لوكاس راينفيلد، 27 كانون الثاني 2018)
كنتُ في المدرسة الابتدائية لصّةً بارعةً صغيرة. أتذكّرُ وعلى وجه الخصوص، كتيب القراءة الذي كان لدى آنسة الصف الثاني. كان كتيباً بديعاً، حول الفئران. خلال فترة الإستراحة تسللتُ إلى الداخل ووضعت الكتيب في بنطالي. في اليوم التالي سألتْ الآنسة خلال جلوسنا في حلقة الحديث فيما إذا كان أحدٌ ما، ربما قد أخذ الكتيب معه. تغابيتُ متظاهرةً بأنني لا أعرف أيّ شيء، إلى أن قالت الآنسة: «ماريكي، لقد
رأيتكِ…» أعدتُ الكتيب، لكنني لم أتوقف عن السرقة. لعبة، معطف، قبعة صوف: لقد اغتنمتُ من كلّ شيء. لم يكن ينقصنا في بيتنا شيء، لكننا لم نكن نتبادل الهدايا كثيراً في أسرتنا. كان جشعاً، فعلَ شيءٍ لم يكن مسموحاً، زائد أنه كان نوعاً من الجنون، جنونَ الرغبةِ في جمع أشياء. لم أقم بإفراغ جيوب المعاطف وحسب، لكنني كنت ألمُّ گلال روث الأرانب، خصلاتٍ من فرائها، وعظام حناجرها، وألصقها في دفتر وثمَّ كنتُ أكتب تحتها متى كنتُ قد وجدتها وماذا كان قد حدث وأيضاً في ذلك اليوم. منذ فترةٍ وجيزة سرقتُ كذلك شيئاً ما لأنني كنتُ قد نسيت محفظتي. ثمرتي مانغو. وكم كان طعمهما شهيّاً. يغادرني ضميري بين حينٍ وآخر، لكنه لا يلبث أن يعود في كلِّ مرّة.

***
9- لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ.
(آرنون خرونبيرخ، 13 كانون الثاني 2003)

«من أنتَ حقّاً؟» كنتُ أسمع هذا في دار الحضانة: كُنْ نفسك ذات مرة، توقفْ عن اللعب. لا أودُّ أن أدعوها قلّة ثقة، لكن ليس لديّ الحاجة كي أشارك ما في داخلي مع غيري. مؤخراً شاركتُ في أمسيةٍ بمكانٍ ما مع كاتبة سُئلتْ عن لحظات سعادتها، قالت: «عندما ينظرُ إليَّ شخصٌ ما أعيشُ معه منذ فترةٍ طويلة وأشعرُ أنه يفهمني.» بالنسبة لي أن تشعر أن أحداً ما يفهمك ليست لحظة سعادة. بالتأكيد، أحبّ أن أتواصل مع الآخرين. أحاول أن أجيب على أسئلتكَ بأقصى حدٍّ ممكنٍ من الصراحة. أحاولُ أيضاً أن أوضّح شيئاً ما، لكني لستُ في حاجة إلى أن أُعرَّف بهذه الضرورة. ربما لدي شيءٌ لأخفيه، هذا جائز. ربما أرى أن ما أقوله غالباً شيءٌ مخجل. ربما الشخص الذي هو أنا في الواقع، لا يستحق أن يُعرًّف. بغيضٌ ولا يُشرِّف حتّى. أنا خائفٌ من أن الآخرين سيظنون بي كثيراً. أو أنني بذاتي سأرى ذلك؟ ليس بوعي، لكنني الآن أفكّرُ: لماذا سأكون خائفاً من ذلك؟ ألن أمضي، في أعماقي، مع فكرة أنني مخطئٌ في الأساس؟ أنني في ضلال؟ لذلك يظلُّ رأسي يدور حولي، وأظلّ حذراً لا أثقُ بشيء، أعي ما أقوله، وأعي ما أشكُّ فيه. زدْ على ذلك: عندما يعرف أناسٌ كثر عن شيءٍ ما
يخصّك، تصبح أنت أضعف. كلُّ شيء يمكن أن يُستعمل ضدّك. لستُ الشخص الذي يفكّر في الساعة الثالثة ليلاً في حانةٍ ما: الآن آن أوانُ البوح. هذا ما يجعلني أضعف. أجل، أن تظلّ على قيد الحياة، أنت هناك مرةً أخرى، كلُّ شيءٍ مشادٌ على أساس أن تنجو. أكثر بكثير مما يدركه الناس. إنه شديد الوطأة، إنه شاقٌّ، ولكن بلا نجاة تصبح الحياة مملة، تافهة ومبتذلة، محض لعبة.  أعتقد أن جزءاً كبيراً من التعاسة البشرية ينبع من ذلك: حيث لا تعود هناك حاجة لأن تظلّ على قيد الحياة. أمامك بحارٌ من الوقت. ولذا ستمضي لتفكّر. من أنا؟ من أنت؟ ما هي لحظاتُ سعادتنا؟ وحينها ستغدو تعيساً.

***
10 - لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئاَ مِمَّا لِقَرِيبِكَ.

(هاري موليش، 24 كانون الثاني 2007)
وكيف تعاملُ الرغبات؟ أتمضي معها منصاعاً لها أو لا تفعل. لديّ معنىً ما أريد أن أتركه بعدي، أريد أن أصبح خالداً. لن يعود لك علاقة بذلك عندما تموت – خالدٌ هو بيتهوفن، خالدٌ بالنسبة للجميع، خالدٌ إلا بالنسبة لنفسه – لكنها فكرةٌ بديعة الآن. كان لديّ حلمٌ ما، أمنية، عندما كنتُ في حوالي الثامنة عشرة من العمر وكنتُ حينها أكتبُ قصتي الأولى. كان البرد ولم أكن أملك من النقود ما يكفي شراء فنجان قهوة، ولكي أدفئُ جسدي قليلاً، كنتُ أذهب إلى محطة القطار المركزية لأقف على مثل ذلك الشبك المعدني هناك وثم كنتُ أتخيّل ما أعيشه الآن. هكذا بالضبط: أنني جالسٌ في بيتٍ دافئٍ، من حولي الكتب، كوبٌ من الشاي بجانبي، وأنك جالسٌ هنا وتحاورني. إذا تناسيتُ كلّ شيء، سيكون بمقدوري أن أكون راضياً. لقد عانيتُ من الحرب العالمية الثانية، كتبتُ كتباً يحبها العالم كله، نجوتُ من مرضين، إذا توقف الأمر عند هذا الحدّ، فينبغي أن أتناسى إذن. أن أفسد وأخرّب وأدمّر: ما لم يعد بإمكاني أن أفعله.

___________________



الوصايا العشر، سلسلة من الحوارات والمقابلات بدأ الكاتب والصحفي الهولندي آريان فيسّير (1961) باجراءها ونشرها في جريدة تراو ابتداءً من عام 1997، وطبعت مؤخراً في سلسلة كتب، أحدها هذا الكتاب: 1 مُحاوِر – 10 وصايا – 100 كاتب، الصادر مؤخراً عن دار أطلس كونتاكت، والذي خصّ الكاتب قرّاء مجلة KBO-PCOB بهذه المقتطفات التي نشرت في عدد شهر شباط 2019.
مارتين هارت (1944) كاتب هولندي وباحثٌ في علم السلوك، لديه أكثر من 40 كتاباً، من أبرز أعماله الروائية: سربٌ من كروان الماء (1975)، الساعة بين الكلب والذئب (1987)، طائرة ورقية (1998)، نال جائزة ي. إم. أ. بيسهيوفل في عام 2017 عن مجموعته القصيصة أمّ إيخابود.
ماريان بيرك (1932) ممثلة وكاتبة هولندية، نشرت كتابها الأول لا نحافة بعد اليوم في عام 1981، واتبعته بما يربو عن أربعين كتاباً ما بين رواية وقصص قصيرة وقصص أطفال.
ألفريد بيرني (1951) كاتب وموسيقي هولندي، كان والده من سورابايا بجذورٍ هولندية جاوية اسكتلندية، يكتب الروايات والقصص القصيرة والأعمدة، من رواياته مُتِرجم جاوة 2016 التي نالت جائزة ليبريس للآداب 2017.
زفارت بيت: الخادم الأسود لسنتركلاس (بابا نويل الهولندي) الذي يأتي وحسب التقاليد الهولندية على متن سفينة بخارية في منتصف شهر نوفمبر، ويقضي شهراً كاملاً مع العشرات من خدمه ذوي اللون الأسود يوزعون الحلوى على الأطفال. تثير شخصية زفارت بيت سنوياً جدلاً حاداً بين المؤيدين له بإعتباره تقليداً، والمعارضين الذين يرون فيه تقليداً عنصرياً مسيئاً بحقّ الهولنديين السود.
مينسيه فان كيولِن (1946) نشرت باكورتها صيف بليكرس في 1972 والتي اعتبرت فيما بعد من كلاسيكيات الأدب الهولندي، في 2014 تلّقت جائزة كونستانتاين هيوخينس عن مجمل أعمالها.
هيلين فان روين (1965) روائية هولندية وكاتبة عمود، من أعمالها: ربّة المنزل السعيدة (2000)، ربة الصيد (2009)، الدم والعرق والدموع (2011) ، يوميّات جنسية (2018).
فونّي فان دير مير (1952) روائية وكاتبة مسرح هولندية، من أعمالها الروائية: هكذا هو (1991)، لا أحد في فليلاند كلّها (2002)، الطريق الصغير للحبّ (2013).
ليو فرومان (1915-2014) شاعر وكاتب ورسّام وعالم أحياء هولندي-أمريكي، حصل عل الجنسية الامريكية في عام 1951، نال جائزة ب. سي. هووفت في عام 1964.
ماريكي لوكاس راينيفيلد (1991) كاتبة وشاعرة هولندية، عدّتها جريدة فولكسكرانت الموهبة الأدبية لعام 2016. فازت في ذلك العام بجائزة سي. بودّينغ عن مجموعتها الشعرية جِزَّةُ العجل، وثم نشرت روايتها المساءُ مُضْنٍ في عام 2018، في عام 2019 أصدرت مجموعتها الشعرية الثانية فرسٌ وهميّة.
أرنون خرونبيرخ (1971) كاتب وروائي وشاعر هولندي، يعيش في نيويورك، فازت روايته الأولى أيام الأثنين الزرقاء 1994 بجائزة أنطون فاختر للعمل الروائي الأول، روايته طالب اللجوء بجائزة أكو 2004، أما روايته تيرزا ففازت في 2007 بجائزة ليبرس للآداب وجائزة البومة الذهبية البلجيكية.
هاري موليش (1927-2010) كاتب هولندي، نشر قصته الأولى الغرفة في عام 1947، تلاها ما يربو عن 80 عملاً، منها: امرأتان (1975)، الهجوم (1982)، اكتشاف السماء (1992)، وصولاً إلى روايته الأخيرة سيغفريد (2001). شكّل مع خيرارد ريفي وڤ‍ِلّيم فريدريك هيرمانس ما يطلق عليهم النقاد الثلاثة الكبار، أهم كتّاب حقبة ما بعد الحرب.
البورتريهات للمصور الفوتوغرافي مارك كوهن (1961)




ليست هناك تعليقات