728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الأربعاء، 27 فبراير 2019

    عن جمالِ نساءِ نيم وآرل، مع استقصاءٍ عن نظام الاستعمار عند الفينيقيين

     – تيم كرابّه

    ترجمة محمد رشو

    كانت قبيحةً جداً إلى درجة أنها كانت ستلفتُ انتباهي أنا حتّى، هناك خلف صندوق الكاشير في متجر هيما. لم يكن مفهوماً ما الذي كان يدفع بها إلى المقهى حيث كل امرئٍ هناك يقف محتداً فارضاً نفسه على الآخرين كي يبدو جميلاً. الشيءُ الوحيدُ الذي كان مألوفاً فيها كان شعرُها البرتقاليُّ المحلوقُ بشكلٍ قصير جداً. كان طولها يبلغ متراً وتسعين سنتيمتراً وكانت على شيءٍ من الضخامة. أحياناً كانت ترتدي فستانَ دانتيل وأحياناً بدلةً رياضيّةً رثّة ربما كان من الممكن أن تكون قد ظهرت كبيجاما في موضةٍ جديدة في عام 1960. كانت لديها خدودٌ كبيرةٌ مثيرة، لكن على أحد الخدين كان هناك نوعٌ من حُفر الوجه التي تخلّفها البثورُ وراءها، أما على فمها فكانت هناك ابتسامةٌ دائمة ولكن فارغة تماماً.

    كانت تفتنني. كنتُ أنظرُ إليها كبطلة، إذ أنها إضافةً إلى كونها قبيحةً، كانت وحيدةً أيضاً على الدوام. لم تكن تسعى هي بنفسها إلى علاقةٍ مع أحد، وما من أحد كان يسعى إلى صلةٍ معها. بشجاعةٍ مبهمة ومثيرةٍ للإعجاب في الآن ذاته كانت ولساعاتٍ طويلة تتبارى مع وحدتها، مع التهكّمِ، مع الازدراء الذي كان يحيط بها بصمت. من بين كل روّاد المقهى، الثرثارين، العلاّكين، كانت هي مثالاً مدرسياً للسلوك العدواني، ولكن من دون أن تحرّك أصبعاً. هل كانت أجنبيّة؟ صمّاء؟ أو كانت مجرّد معتوهة؟ كانت تشربُ النبيذ الأبيض. هل كانت ترى نفسها قبيحةً إلى درجةِ أنها كانت تريد أن يُشتكى عليها بسبب شيءٍ كان أشدّ سوءاً مما عليه الحال؟ – كما لو أنه بإمكانك أن تتناسى ألمَ أسنانك بكسرِ ساقك؟

    كنتُ بحاجةٍ إلى أن استجمعَ كلَّ شجاعتي كي أستطيع أن أتحدث إليها، بعد أن رأيتها حوالي أربع مرات وهي تظهرُ قوّة عزلتها. «إنه شهرُ آب،» قلتُ، «ألن تذهبي في إجازة؟» لم أكن قد قلتُ أبداً أنني كنت أشعرُ حينها بالخجل: لقد كنتُ قد أكدّتُ على قبحها بنطقي لهذه الجملة الافتتاحية الجوفاء. لكنها وبصوت لطيفٍ، بدأت تتكلم عن إجازتها التي كانت في شهر تموز – رحلةٌ بحريّة مع والديها وعبر البحر الأبيض المتوسط. لقد كانت في إيبيزا وفي قبرص، في فرنسا، تونس، في اليونان وتركيا، وكانت ذروةُ عطلتها زيارتها لبيروت المدمّرة، بيروت التي كانت لا تزال تعاني من نيران الرشاشات. عندما بقيتُ استفسرُ عن كلّ المدن ذات الموانئ البحرية والتي كانت قد قامت بزيارتها، قالت، إنه فيما إذا كنتُ أجد ذلك مثيراً للاهتمام إلى هذا الحدّ، فإنها تودُّ أن تريني صورَ إجازتها في تلك الرحلة البحرية. ولمَ لا، الآن وعلى الفور. بعد أن كنتُ قد تحدّثت معها وبنصف ساعة، قادتني إلى غرفتها – كان لديها شقّةٌ في إحدى المنازل الكبيرة المطلّة على القنوات. كان مدهونةً بالأبيض وبشكلٍ لا تشوبه أيّةُ شائبة. على أحد الجدران كانت هناك صورةٌ معلّقة لمارلين مونرو وفي إحدى الزوايا كانت تركنُ هناك ثلاثةُ أزواج من أحذية التزلج وبألوانٍ مختلفة عن بعضها البعض. «على الرغم من كلِّ إعاقاتها، فإنها تطالبُ بحقّها في أن تنافس أيضاً،» فكرّت «إنها حقّاً شُجاعةٌ.»

    سكبتْ النبيذَ واقتربتْ ومعها ألبوم صور لتجلسَ قبالتي. بدأتْ بالهبوط في فرنسا. رأيتُ رصيفَ ميناء مرسيليا، ولكن بعد ذلك كان هناك عددٌ قليلٌ من المدرّجات الأثريّة القديمة. لقد كانوا قد خرجوا في «نزهةِ يومٍ رومانيّ» وزاروا نيم و آرل.

    للحظةٍ كنتُ في حيرة من أمري إذ أنها بنفسها لم تكن تظهر في أية صورة، وثم وفي لحظةٍ تالية فكّرتُ: ياله من أمرٍ مأساوي، إنها ترى نفسها، إذن، قبيحةً للغاية إلى درجة أنها تفضّل أن تحتفظ بصور أختها، لا صورها. حينها علّقتْ بشيءٍ ما أدركتُ من خلاله أنها كانت هي نفسها. لقد كان ذلك تحوّلاً مذهلاً: كان شعرُها طويلاً، وكان لديها ثديان جميلان وترتدي ملابس جميلة، كانت تبدو مرحة مبهجة. ما من بثرةٍ كانت لتُرى على وجهها حينئذٍ، أو ربما أنها كانت قد بَوْدَرَتْها كي لا تُرى.

    كانت صوراً كاشفة بحقّ: لقد كانت جميلةً فيها، كانت امرأةٌ جذابة بحقّ. كنتُ مصدوماً – ما الذي حدث لها خلال هذه الفترة، بين ذلك الحين والآن؟ «لماذا قصصتِ شعركِ؟» سألتُ.

    أوضحتْ لي أن كلّ واحد منا يحاول دائماً أن يبذل قصارى جهده ليكون جميلاً، وأن يشعر بالانتماء إلى شيءٍ ما، وأنها كانت قد أصبحت مرهقةً من ذلك. «كنتُ أرغب أن يتقرّب الناسُ إليّ لأجل مَنْ أنا في حقيقتي، وليس من أجل مظهري. الخارجُ ليس مهماً.»

    حولتُ بصري عن الصورِ لأنظرَ إليها ومن ثم ومرّة أخرى عنها لأنظرَ إلى الصور. لقد كانت هي بالضبط. هي تماماً. كانت وبكلّ بساطة امرأةً جميلة. عندما تجلّى هذا لي، شعرتُ بالقرف، بإشمئزازٍ قوي، ومن ثمّ وبذريعةٍ كانت أوْهَى من التي كنتُ قد ابتدأت بها حديثي معها، هربتُ من منزلها.

    مجلة دي خيدس
    (1984)

    تيم كرابّه (1943) واسمه الكامل هانس مارتين تيموثي (تيم) كرابه، كاتب هولندي يكتب الشعر والرواية والمقالة والعمود الصحفي، وإلى جانبها يكتب أيضاً عن شغفيه الآخرين: سباق الدراجات والشطرنج الذي كان هو من أفضل أبطالها. من أعماله الروائية: البيضة الذهبية 1984، الكهف 1997، طاولةٌ مليئةٌ بالفراشات 2009.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: عن جمالِ نساءِ نيم وآرل، مع استقصاءٍ عن نظام الاستعمار عند الفينيقيين Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top