في الرقابة وربيبتها التقيّة


المنصف الوهايبي
القدس العربي
تجري في مجتمعاتنا العربيّة تغيّرات كميّة ونوعيّة شتّى، وهي المحكومة بنظم اجتماعيّة مختلفة أحيانا إلى حدّ التباين بالجملة؛ تتمثّلها الثقافة بأشكالها وأجناسها المتنوّعة. على أنّ الثورة التكنولوجيّة تكاد توحّد بينها إذ هي تطرق بقوّة كلّ مجالات الحياة والفنّ عامّة، في هذه المجتمعات شرقها وغربها؛ غنيّها وفقيرها. ومع ذلك تبرع بعض أنظمتنا أو دولنا في استخدام هذه التكنولوجيا، للمراقبة والحظر والمنع، وتنفق من أجل ذلك أموالا طائلة، وتهدر طاقات وأوقاتا ثمينة، بذريعة حماية “التقاليد القوميّة”؛ غير عابئة بأنّ الحياة في تغيّر وتطوّر دائبين في طول العالم وعرضه. ومثل هذه الذرائع قد لا تنطوي على أكثر من خوف ووجل من المستقبل، أو من فقدان الدولة هيمنتها أو سلطتها الشرعيّة على مواطنيها أو رعاياها، وهم في هذه المجتمعات ليسوا أكثر من صور و”كليشهات” لا حياة فيها.

يحدث هذا في عالم بدأ يأخذ بالاعتبار قيمة التبادل الرمزي أو البعد الثقافي النوعي في ديناميّة الاستقطاب العالمي حيث صار لزاما علينا الآن أكثر من أيّ وقت، أن نتقبّل فتوحات الحداثة والحريّة، حتى ونحن نسبح في مياه ثقافتنا، من أجل أن لا يبتلعنا الليل مثل الأساطير.

تجري كلمة “رقابة” في الفرنسيّة مثلا مجرى التضمّن أو الالتزام، وتبرح دلالتها الوضعيّة، ومن معاني الفعل “راقب” نقد ووبّخ ولام وكبت ورفض ومنع وحظر. وهي إجمالا تعني المراقبة والتوبيخ والتأنيب والكبت والحظر. ولكنّه في العربيّة القديمة غير ذلك، حيث يطّرد الفعل “رقب” ومزيده “راقب” و”ترقّب” و”ارتقب” في معنى الانتظار والرصد والحراسة والتوقّع؛ وفي الأسماء الحسنى “الرقيب” هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء. وهو المعنى الذي استصفته بعض الأنظمة لنفسها، وهي تبسط هيمنتها على كلّ شيء بما في ذلك حقّ الفرد في النفاذ إلى المعلومة؛ دون خوف من أن يكون موضع شبهة أو تهمة، أو تفتيش ومراقبة. ولعلّ هذا ما يفسّر نمطا من السلوك شائعا بنسبة أو بأخرى، في بعض مجتمعاتنا أو جلّها، ولا أحد منّا يدّعي السلامة منه؛ وهو يكاد يتحوّل إلى ظاهرة، قد لا يكون أكثر من صورة لـ”تقيّة” معاصرة. وهذا ممّا يستدعي إعادة تأصيل للأصول نفسها والاستدراك عليها، بحيث نضيف إلى قيمة استعمال أيّة سلعة أو أداة تكنولوجيّة، وقيمة تبادلها في مجتمع استهلاكي مثل مجتمعاتنا، قيمة ثالثة هي قيمة التبادل الرمزي، عسى أن نستعيد البعد الثقافي الحرّ المسؤول في مجال العيش معا، وندرك أنّ الحوار الذي ننشده، ذو قيمة رمزية دلاليّة محورها منظومة من الرموز يُفترض أن تكون مشتركة بيننا. والتقيّة في حدّها الجامع المانع عند الفقهاء والمفسّرين هي “إخفاء المعتقد أو كتمان الحقّ خوفا من ضرر في الدنيا والدين، ومعاشرة ظاهرة مع العدو المخالف والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء، وانتظار زوال المانع من شقّ العصا”. ولها شأن في تاريخ بلداننا، فهي سلوك أساسه المداراة والمخاتلة، يستوقفنا منذ نشأة دولها، بما يدلّ على انّ التقيّة يمكن أن تكون بدافع الإكراه أو الاستكراه. ولكن جاء ما يدلّ أيضا على أنّها تكون بدافع سياسي.

أمّا قول البعض إن الشيعة انفردوا بالتقيّة دون سائر المسلمين، فقول شطط لا سند له من تاريخ المسلمين. وقد راوح الشيعة بين وجوب التقيّة وإباحتها وتحريمها. ولم يختلفوا كثيرا عن السنّة، فقد أجاز علماء من السنة التقيّة في القول وفي الفعل معا، شأنهم شأن طائفة من الخوارج المعروفين بالنجدات، حتى لو أدّى ذلك إلى قتل النفس التي حرّم الله قتلها. واعتبر الغزالي أنّ الكذب واجب، إذا كان القصد عصمة دم المسلم. وقيّدها بعضهم مثل الطبري، بإقامة المسلم بين كفّار يخشاهم على نفسه أو ماله، بل منهم من رخّص فيها حتى إذا كان المسلم يقيم بين مسلمين حالهم من حال الكفّار أو أهل الشرك. قال بهذا الإمام الشافعي وابن حزم الظاهري. والغريب أنّ التقيّة لم تكن مقصورة على أيّام ضعف الدول الإسلاميّة، بل هي جائزة للمسلم من سنّ بلوغه إلى موته، حتى في عزّ الإسلام وقوّته.

وقد سبق أن تمثّلت في مقال لي في “القدس العربي” برسالة من بعض فقهاء المغرب (رسالة الوهراني) إلى الموريسكيّين المتنصّرين في الأندلس، نشرتها المستعربة الاسبانيّة مرثيديس غارثيا أرينال، في كتابها الوثيقة “الموريسكيون الأندلسيّون”. وهي إجابة عن سؤال: ماذا يفعل المسلم إذا أُكره على التخلّي عن عقيدته، ودخل في دين آخر؟ والجواب يكمن في هذا المصطلح بالغ الدلالة “التقيّة” كلّما كان المسلم مضطرّا إلى إخفاء عقيدته، إذ أجازت له الفتوى أن يتظاهر بالكفر؛ والمقصود بـ”الكفر” في السياق الذي نحن به الدين الذي أكره على اعتناقه. وتقول أرينال إنّ الإسلام أجاز لأتباعه أن لا يوفوا بالتزاماتهم الدينيّة، في حال الاضطرار، حتى لا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة. ويشترط إخلاص القلب لا غير. وعلى أساس من هذه التقيّة كان الموريسكي المغلوب على أمره، يمارس الشعائر المسيحيّة وهو وادع النفس مستريح الضمير؛ مسلم في أعماقه: صلاته إيماء أو قضاء بالليل لحقّ النهار، والتيمّم مسح باليد للحيطان؛ بل أجيز له إذا تعذّر كلّ هذا سقوط الصلاة، وزكاته هديّة للفقير أو رياء، وغسله من الجنابة عوم في البحر. بل أجيز له أن يشرب الخمر، ويأكل الخنزير إن أجبر؛ على أن يفعل ذلك ناكرا إيّاه بقلبه، معتقدا تحريمه؛ أو أن يعمد إلى التورية والإلغاز. من ذلك قول الوهراني في هذه الفتوى: “الأصنام خشب منجور وحجر جلمود لا يضرّ ولا ينفع، وأنّ الملك ملْك الله ما اتخذ من ولد وما كان معه من إله، فاعبدوه واصطبروا لعبادته… وإن قالوا: عيسى ابن الله، فقولوها إن أكرهوكم وإن قالوا: قولوا مريم زوجة له، فانووا بالضمير ابن عمّها الذي تزوّجها في بني اسرائيل ثمّ فارقها قبل البناء”.

على أنّ أعضاء محاكم التفتيش في الحقبة المظلمة من تاريخ اسبانيا، تنبّهوا إلى هذه التقيّة؛ وأدركوا أنّ الموريسكيّين يمكنهم، إذا أُجبروا على المسيحيّة؛ أن يفعلوا ذلك في الظاهر، وأن يكتموا إيمانهم في القلب؛ وأنّهم هكذا يدخلون الجنّة.

ونعرف من التاريخ أنّه لم يتمّ بناء الدولة في كلّ مكان بالطريقة نفسها؛ فهي نتاج تاريخ وعادات ودين وما إليها، ونعرف أيضا أنّ دور الدولة يتعزّز باطراد على مرّ القرون، ومعه الجهاز الإداري. وإذا كان من حقّ المواطن على الدولة أن تحميه، فإنّ ذلك لا يتمّ بإغلاق المواقع المتّهمة بنشر “معلومات كاذبة” أو “أخبار مزوّرة”، في حين يظلّ بالإمكان مناقشتها والتصدّي لها، إذا كانت حقّا كذلك، بالحجج والبراهين.

إنّ الرقابة تعزّز من وجاهة الرأي القائل بأنّ أفكار الطبقة الحاكمة هي في جميع حقب التاريخ، الأفكار السائدة. وهي الطبقة التي تسعى إلى أن تكون القوة المادية والروحيّة المهيمنة في المجتمع؛ وتتصرّف بوسائل الإنتاج المادّي على نحو ما تتصرّف بالإنتاج الفكري؛ وتفرض أفكارها ورؤاها على بقية المجتمع، وتبسط هيمنتها على معظم وسائل الإعلام المؤثّرة، سواء أكانت مملوكة للأفراد أو للجماعات الصناعيّة والماليّة المرتبطة بجهاز الدولة. على أنّ هذه الهيمنة تواجه تحديّا تدريجيّا، لا تنفع معه الرقابة، سواء في الصحافة البديلة، أو الإنترنت حيث المواطن مطلق الحرية في فرز الوقائع وتحليلها. مع أنّ الإنترنت تظلّ فضاء السيطرة والمراقبة بقدر ما هي فضاء الحرية والديمقراطية، وهي التي تضاعف مصادر المعلومات؛ و تيسّر عبورها من أجل الاقتراب قدر الإمكان من الحقيقة.

إنّ موقف السلطة العربيّة من الحريّات هو السبب الجوهري في توتّر علاقتها بمواطنيها سواء خاطروا بإبداء رأيهم، أو جنحوا إلى المداراة والتقيّة. ومن حقّنا أن ننتظر من دولنا، أن تقوم على ذات المبادئ الإنسانيّة في الحرية والديمقراطيّة والمساواة، وأن نطالبها بذلك.

ونحن نعرف أنّ غياب المواطن أو إكراهه على الانسحاب شبه التام من المشهد السياسي سمة تكاد تكون ملازمة لأكثر مجتمعاتنا العربيّة؛ وكأنّ هذا المشهد في غنى عن نظره ورأيه، أو هو لا يستحق التفاتة منه، برغم أننا نقف جميعا على تخومه، ونرى من حافته الهوة الفاغرة التي يمكن أن تنغلق علينا في لحظة ما؛ وخاصّة في هذا المنعرج التاريخي الحاسم الذي يكاد يكون صورة من سايس بيكو جديدة، أو محاولة “فلسطنة” البلاد العربيّة.

ما يعنينا هنا أنّ الرقابة لا تصنع مواطنا منضبطا للقانون، وإنّما “كليشيه مواطن” يُدفع دفعا إلى التقيّة “السياسيّة”، وإلى إخفاء رأيه. ويدرك المضطلعون بهذه الرقابة، بذريعة حماية الوحدة الوطنيّة أو التقاليد والأعراف؛ أكثر من غيرهم، أنّها لا تصنع مواطنا حرّا مسؤولا، بل حالة مرضيّة لا أكثر ولا أقلّ، أو “خيال ظلّ”.

* كاتب تونسي

ليست هناك تعليقات