أحمد عمر... روحي فوق الشجرة



كنت أمضي وقتي في الكرم، صيفاً وشتاءً، الكرم منفاي الكريم، أقضي وقتي في صيد الطيور، وفي أحد الأيام وجدت طائراً جميلاً، ليس له مثيل بين الطيور، ملون، كل ريشة بلون، وكل لون ليس له أخ بين ألوان قوس قزح ولا حسب ولا نسب. هذا طائر السعد.

 إنها حمامة، اسمها ريم، قريبة من أقربائي، تنتسب إلى العائلة بنسب بعيد، لديهم حقل قريب من الكرم، يزرعون فيه النباتات القصيرة، كالبامياء والخيار، طاش صوابي، وجعلت من فوري أتسلق أقرب شجرة إلى حقلهم، الذي يبعد مسافة نصف فرسخ، وقد آنست نورا في وحشة الخلاء، كأني أريد أن أطير، وسمعت صوتها وهي تنادي أمها، فتسلقت ببراثني شجرة اللوز، حتى وقفت على أعلى غصن في الشجرة، ولم يبق سوى أن أهتف مثل طرزان ربيب القرود: ريماااااااااااااااااااااااااااااا

  أن أناديها بأعلى صوتي، حتى تنتبه لوجودي وتثني على أجنحتي، التي نبتت حال بصري بها.

 لكن ريم كانت بعيدة، وأشك في أنها انتبهت إلي، وبقيت ساعة على الغصن، يغرد قلبي بصمت، ولا أحد ينتبه لنشيدي، فيئست، وقررت النزول، فوجدت أني عاجز عن العودة، وأنَّ الجذع الذي جلست عليه رقيق، ولا أستطيع الدوران، وعالجت نفسي، فأنا وحيد، وصوتي لا يبلغ ريم، وأجنحتي مكسورة، حتى تنجدني بحبل، أو بسلّم، أو تشدَّ من أزري.

 وهذا يعني، أن عباس بن فرناس سقط في امتحان الريش!

   قررت أن أرمي بنفسي على الأرض، فوقعت، ولم أعد أقوى على المشي، تألمت، وتبيّن لي أن ساقي قد كُسرتْ. ولم أبك، الفرسان لا يبكون، لكن دموعا  انبجست من عينيَّ.

 انتبه الأهل لغيابي، فجاؤوا لنجدتي، وحملوني، وطببوني، وعدت إلى البيت مكسو الساق بجبيرة الجبس البيضاء الصلبة، وجلست في الفراش، أسيرا، وجدت أنّ المرض له مناقب وفوائد، فهو يزيد الإنسان حكمة، ويقعده عن الطيش، وأذى الحيوانات والطيور، التي سعدتْ بغيابي، ووجدتْ هدنة لحروبي عليها.

 وبعد أيام، عدت إلى الكرم أعرج على عكاز، أنصب الفخاخ للطيور، وفجأة ظهر طائر السعد مرة ثانية، إنها حمامتي، ريم على القاع بين البان والعلم، رأيتها تقترب من الكرم مع أمها، وصلتا، وسلّمتا عليّ، وسألتني أمها عن أمي وأحوالها كما هي عادة الأمهات في السؤال عن الأهل، وعن أختي، وسألتني عن قدّوم، فقد كسر ذراع قدومها، فجعلت أتبختر في عرجي، كأنها جناحي المكسور، وأكاد أقول لريم أنها كُسرت في سبيلها، قصدتُ الكوخ، وأخرجت لها القدوم، وكنت سعيداً بوقاري، وظلعي، وكأن كسري وسام، فهو من جروح المجد.

 وسألتني أمها عن ساقي، فقللت من شأنها: كسر طفيف.

 إقلاع فاشل في الطيران، في المرة القادمة سأطير أحسن.

ووقفت ريم تنظر إلى القفص، وكنت قد اصطدت طائراً ملوناً، وحبسته فيه، كان يقفز من سور إلى سور، ويهتف للحرية، ويدعو على الظالمين، ويولول مستغيثاً، ويتظاهر طالبا إسقاط النظام، قلت لريم:

 هذا الطائر هدية لك.

 فنظرت، وقالت بتوسل مخلص فيه ضراعة: هل تسمح لي بإطلاقه؟

 قلت لها: أسمح! طبعاً أسمح، هو هديتك يا صاحبة الجلالة، وأنت حرّة بها.

 فتحتْ باب القفص، وأمسكت الطائر، وهمست في منقاره شيئاً، ثم رفعت يديها الاثنتين، وأطلقته، فانطلق يخفق بأجنحة الكون، سعيداً، يغرد، ويشكر بلغة الطير.

 مضت مع أمها، والتفتتْ إلي تودعني شاكرة، وكان أول أمر فكرتُ فيه، هو صيد طائر آخر، صيد سريع، أقدمه لصاحبة الجلالة ريم، لتمسكه، وتهمس في أذنه بدعوة، ثم تطلقه في الفضاء الواسع، فيحول تلك الدعوة إلى ألحان.

 وقفت أمام الشجرة التي كسرت ساقي، وحاولت تسلقها مرة ثانية، هذه المرة حتى أطير، وألحق بالطائر المحرر، وأسأله عن رغبة ريم، وعن رائحة أنفاسها، وأسرارها، لكني عجزت عن تسلق الشجرة بجناح واحد.

(*) من مجموعة كرسي ألماني التي صدرت حديثاً.

ليست هناك تعليقات